صالون الفلكي الأدبي بمراكش يحتفي بالتجربة الأدبية لرشيدة الوجداني
مـحـمـد الـقـنــور :
احتضن الصالون الأدبي للأستاذة أمينة الفلكي، بمراكش، اليوم الأحد 15 يونيو الجاري ، لقاء أدبيا فكريا تكريميا للأديبة والشاعرة الأستاذة رشيدة الوجداني، شاركت في فعاليته العديد من الأوساط الأكاديمية، ومجموعة من الوجوه الفنية التعبيرية والتشكيلية، والأسماء الشعرية الوطنية، والإعلاميات والإعلاميين، في تجمّع فني تواصلي إحتفي بالتجربة الشعرية والقصصية للأديبة المغربية المذكورة، وسعى إلى التعريف بمسارها الشعري الإبداعي والعطاء السردي القصصي للوجداني التي تعتبر من أبرز رموز الحركة الأدبية والشعرية الحداثية في مراكش خصوصا، وفي المغرب عموما.
وحسب الأستاذة أمينة الفلكي، فإن الصالون الأدبي المعني، جاء كمبادرة رمزية وفنية تكرم المبدعة رشيدة الوجداني، وتخلد بصمتها الإبداعية، وأسلوبها الفريد والمميز الذي طبع أعمالها، كفنانة تعبيرية مبدعة تميزت بأسلوب خاص ميزها عن الأخريات والآخرين، سواء من خلال التأثير العاطفي لأعمالها التي ظلت تترك أثرًا قويًا في المتلقي، أو على مستوى التجديد والابتكار اللذان ظلا يرافقان مسارها الإبداعي، وحرصها على أهمية التفاعل مع المثقفين والمثقفات والقراء والقارئات خصوصا وعموم الجمهور، عبر أعمالها الشعرية والقصصية القادرة على إثارة النقاش والتحليل والقراءات .
وأشارت الأستاذة الفلكي ، أن فعاليات الصالون الأدبي هي بادرة تكريم وتواصل مع الأديبة رشيدة الوجداني، وتوطيد لثقافة الإعتراف والتثمين، وتكريس لمختلف البصمات والمبادرات الثقافية والفنية والتواصلية، وتعبيرا عمليا عن امتنان طبيعي لمبدعة ملهمة.
هذا، وتعتبر الأديبة رشيدة الوجداني، المزدادة بمراكش، شاعرة وكاتبة مغربية بارزًة، اشتهرت بأسلوبها الفريد في المزج بين حمولاتها المعرفية العربية والفرنسية، وإستبطان مختلف إتجاهات الأدب العالمي والمغربي المعاصر.
وبكل موضوعية فقد نهلت الأديبة رشيدة الوجداني، كأحد رائدات التجربة الشعرية النسائية للجيل الثاني بمراكش، وتحديدًا بالشعر الحديث المتمسك بروح التجديد وبوعيه وأنماطه الحداثية وتيماته حتى أشواط متقدمة فيه، مما مكنها من التأثير والتأثر في الأوساط الأدبية والنقدية بالمغرب، في المشهد الجمالي الراهن – حين تقارن بتجارب سواها من بنات جيلها أو بالسابقات من الشاعرات المؤسسات للحركة الأدبية النسائية بالمغرب .
كما ساعد إطلاع الوجداني على عدة حقول معرفية وتربوية وثقافية متعددة ، في تمكينها من حضور ثقافي متوهج داخل مختلف المنتديات والأوساط، وفي تقديمها لمحتويات المثاقفة الخصبة التي نهلت منها من الأدب العربي والأدب الفرنسي، مما صقل شاعريتها وكلل جهودها الأدبية، وزاد من وهج حضورها.
كما عمدت الوجداني إلى إثراء تجربتها الأدبية من خلال اهتماماتها الحقوقية، والتي مكنتها من الإطلاع عن خبايا النفوس البشرية وشتى التطلعات الإنسانية، وزخم الروافد الثقافية المغربية من عروبية وأمازيغية وموريسكية وحسانية، فصارت كتابتها الشعرية والنثرية تعلن عن منجز معرفي و إمكانات فكرية متعددة الواجهات ومتسعة الانشغالات في إتجاه منطلقات تجديدية بسمات فكرية وجمالية من توقيعها.
هذا، وفي الوقت الذي يتضمن فيه ديوانها الشعري “وجدانيات” رزنامة من العواطف والإيحاءات والانشغالات الشعرية المغرقة في الذاتية، فإنه وخلال القراءة النقدية والتأمل المتأني يكشف عن ماهية الوجود الثقافي لرشيدة الوجداني، ويعكس مساحة وعيها الثقافي، وتنوع نزوعها المعرفي الناضج الذي تهيأت لها مراميه ومقدراته، وذلك كله ما تكشفه المراجعة والقراءة المتمعنة في الديوان .
استقالة جماعية بفرع مراكش للنقابة الوطنية للصحافة المغربية
اسوال بريس :
شهد فرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بمدينة مراكش تقديم استقالة جماعية لأعضاء مكتبه، إلى جانب ممثلي الفرع داخل المجلس الوطني الفيدرالي، وذلك خلال اجتماع استثنائي عقد مساء أمس الخميس 12 يونيو الجاري.
هذا، جاءت هذه الاستقالات احتجاجًا على ما وصفه الأعضاء بـ”ممارسات مشبوهة وغير مقبولة” من طرف بعض أعضاء القيادة الوطنية للنقابة، حيث أشاروا إلى تهميش مكتب الفرع المحلي والتعامل مع شخص “مجهول الانتماء النقابي”، والذي تم تكليفه بمهام نقابية محلية دون أي صفة تنظيمية أو شرعية.
كما كشف المستقيلون أن هذا الشخص أجرى لقاءات رسمية مع مسؤولي ولاية جهة مراكش آسفي ومجلس الجهة، بغرض التنسيق حول مؤتمر دولي كانت النقابة تعتزم تنظيمه، إلا أن هذه اللقاءات تحولت إلى وساطة مشبوهة تتعلق بملف استثماري يعود لمواطن أجنبي، مما أثار استياء أعضاء المكتب المحلي.
في ذات السياق، وحسب مصادر من المستقلين، فإنه ورغم إخطار رئيس النقابة بما وصفوه بــ “الانزلاقات”، لم يتم اتخاذ أي إجراءات تصحيحية، ولم يتم عقد اللقاء الذي وعد به رئيس النقابة، مما دفع أعضاء المكتب إلى تقديم استقالتهم الجماعية، محملين القيادة النقابية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع التنظيمية داخل الفرع.
في حين، لايزال أعضاء بفرع ذات النقابة، ومنتسبين له، ينتظرون توضيحا من رئاسة النقابة الوطنية للصحافة المغربية.
إجراءات عاجلة من الاتحاد من أجل المتوسط ضد التلوث البلاستيكي في حوض المتوسط
مـحـمـد الـقـنــور :
في يوم البيئة العالمي دعا الاتحاد من أجل المتوسط، من برشلونة الإسبانية، اليوم 5 يونيو الجاري، إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة مستويات التلوث البلاستيكي في البحر الأبيض المتوسط، الذي أصبح أحد أكثر المناطق تلوثًا بالبلاستيك في العالم.
ومن المتوقع أن يتضاعف تسرب البلاستيك إلى البحر بحلول عام 2040 إذا لم يتم تحسين إدارة النفايات بشكل جذري. وتشير الدراسات إلى أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يصبح وزن البلاستيك في البحر أكثر من وزن الأسماك خلال 25 عامًا.
إلى ذلكــ ، يُلقى ما يقرب من 730 طنًا من النفايات البلاستيكية في البحر الأبيض المتوسط يوميًا، مما بات لا يُشكلُ قضيةً بيئيةً ملحةً فقط، بل تمثل تحديًا اجتماعيًا واقتصاديًا وصحيًا عامًا، إذ يُعد التلوث البلاستيكي ناقلًا للأنواع الغازية، حيث تتراكم النفايات البلاستيكية في شكل جزيئات دقيقة في الأسماك والأحياء البحرية التي يستهلكها البشر، مما يؤثر سلبًا على الصناعات الرئيسية في المنطقة على غرار الصيد البحري، والتنوع الإحيائي والسياحة.
وشدد الاتحاد من أجل المتوسط، أن إزالة البلاستيك من حوض البحر الأبيض المتوسط، بات يعتبر أمرا بالغ الأهمية، كما أصبح الحد من استخدام البلاستيك، ومنع تسربه إلى البيئات البحرية أكثر أهمية.
كما أعلن الاتحاد من أجل المتوسط استمرار إلتزامه بتعزيز السياسات والمبادرات الداعمة للاقتصاد الأزرق المستدام، من خلال الشراكة المتوسطية الزرقاء التي تسهم في دفع التحول الأزرق والأخضر الضروري لمنطقة المتوسط.
وأكد الاتحاد من أجل المتوسط الحاجة المُلِحّة على اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة التهديدات المتزايدة الناجمة عن التلوث البلاستيكي في المنطقة. فعلى الرغم من أن البحر الأبيض المتوسط يمثل أقل من 1% من مساحة المحيطات العالمية، إلا أنه يؤوي نحو 20% من جميع الأنواع البحرية المعروفة، مما يجعله أحد أبرز النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي البحري عالميًا، كما يعتبرُ موطنا لأحد أكبر تجمعات التلوث البلاستيكي البحري في العالم، مع تسرب نحو 730 طنًا من النفايات البلاستيكية إلى مياهه يوميًا.
هذا، وتشير التقديرات إلى أنه إذا استمر إنتاج البلاستيك في النمو بمعدل 4% سنويًا، ولم يتم تحسين إدارة النفايات جذريًا، فقد يتضاعف تسرب البلاستيك إلى البحر بحلول عام 2040، مع احتمال أن يفوق وزن البلاستيك وزن الأسماك بحلول عام 2050.
وينتج تراكم التلوث في البحر الأبيض المتوسط عن عدة عوامل، منها الكثافة السكانية الساحلية العالية، والسياحة الجماعية، ومحدودية تبادل المياه بسبب طبيعته شبه المغلقة، ويسبب هذا التلوث مخاطر بيئية وصحية واجتماعية واقتصادية جسيمة لا تزال آثارها قيد الدراسة. ولهذا، يجب أن تركز الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة على تعزيز سياسات الاقتصاد الدائري، للحد من استهلاك البلاستيك وتشجيع استخدام بدائل قابلة للتحلل وأكثر استدامة.
ومعلوم، أن الاتحاد من أجل المتوسط كان داعمًا قويًا لمبادرات الاقتصاد الأزرق المستدام، حيث تمثلت هذه المبادرات في الشراكة المتوسطية الزرقاء، كصندوق متعدد المانحين أُنشئ بمبادرة من الاتحاد لحشد الاستثمارات في مشاريع الاقتصاد الأزرق المستدامة في جنوب البحر الأبيض المتوسط ومنطقة البحر الأحمر، حيث من المتوقع الإعلان عن مستجدات مهمة لهذه الشراكة الأسبوع المقبل خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات في مدينة نيس.
كما تشمل مجالات العمل ذات الأولوية الأخرى للاتحاد من أجل المتوسط: التجمعات البحرية، إزالة الكربون، التنوع البيولوجي البحري، الوظائف الزرقاء، والطاقة المتجددة، حيث تم حشد أكثر من 500 مليون يورو منذ الإعلان الوزاري الأول للاتحاد بشأن الاقتصاد الأزرق المستدام في عام 2015.
من جهته، صرّح ناصر كامل الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط، أن يوم البيئة العالمي، يعد محطة للتحسيس بالمد المتزايد للنفايات البلاستيكية كقضية بيئية تؤثر بشكل مباشر على رفاه واقتصاد وأمن دول حوض الأبيض المتوسط .
كما أبرز كامل أن التحديات العابرة للحدود مثل التلوث البلاستيكي باتت تتطلب حلولًا عبر الحدود، حيث سيظل الاتحاد من أجل المتوسط داعمًا لمبادرات التعاون الإقليمي التي تعزز التنمية المستدامة وتحمي حوض المتوسط الثمين للأجيال القادمة”.
وللإشارة، فإن الاتحاد من أجل المتوسط يشكل منظمة حكومية دولية أورومتوسطية تجمع بين 27 دولة من دول الاتحاد الأوروبي و16 دولة من جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، كما يوفر الاتحاد منصة لتعزيز التعاون الإقليمي والحوار وتنفيذ مشاريع ومبادرات ملموسة لها تأثير ملموس على مواطني الدول الأعضاء.
قــصــة قـصـيرة : الخُطوة الأولى تكفي ..
أشرع نزار القرطبي نوافذ الشقة دفعة واحدة على مصارعها، وأزاح ستائرها المسدولة ذات اللون الداكن، دلفت أشعة شمس صباح خريفي مترنحة، تلامس أسطح الأشياء المبعثرة بين متاهاتها ، تواسيها، وتلملم ندوب جراحاتها المكتومة، وكأنها تنتظر هذه الفرصة الناذرة ، لتحررها من عتمة مزمنة، طالما زجت بها في غياهب المجهول .
لاحظ نزار بعد أن صحا من نوبة تثاؤب مسترسل إنتشله من دوامة الخمول ، ووسمه باليقظة، أن حالة غرفة المعيشة هي نفسها حالة المطبخ، قاسمها المشترك الفوضى والعشوائية ،تسمر لبرهة بين عتبتيهما، وكأن الأمر يحدثُ معه لأول مرة، خالجه إحساس فاتر لا طعم له، همهم ساخرا : “حياة العازب عندما تطول، لا أحد يستطيعُ كبحَ جماحها”.
تجول بنظراته في أرجاء الشقة، تشاجن حديثا منسيا مع نفسه: “الملل يولد الفشل، ويشل الرغبة في حب الحياة، أيَّما شَلل “. حركـ الأشياء المبعثرة من أماكنها، كرد فعل عابر، تولد بداخله إحساس طارئ، داهمه على حين غرة، تساءل : “تُرى، أهي بداية إنبلاج الحقيقة ؟ سمع هاتفا مهرولا من أعماقه : “يا نزار، يا قرطبي، “كيف ماكان وضعكـ، يُشعركـ بكينونتكــ ، والحياة محشوة بالتحولات ” ، تلمس معصم يده اليسرى، أحكم عليه ساعته اليدوية، تأمل الزمن الذي يتدافع بين عقربيها، إنفلتت منه نظرة جانبية، وقعت على بدلة رمادية منبطحة على أريكة إسترخاء منزوية قرب مرقد نومه، إنتابه قلقٌ مستفزٌ، أه، البدلة تختزل تجربة بافلوف، وصدى الرنين يستحوذ على أسماعه، كثيرة هي المرات التي توسل فيها من هذا البافلوف أن يحرره من تداعيات إفراز اللعاب، الذي يحاصره على مدى كل خمسة أيام في الأسبوع، مثل جحافل الإغريق الهائجين أمام أسوار طروادة، تعرش واقفا أمام مرآة مهترئة الإطار، تتبوأ صدر غرفة المعيشة، إعترضته شعيرات غطت ذقنه، تحسسها مثل أشواك صبار دقيقة، همس يداعبها : “أتركها أيها الموظف البئيس، لتزحف كما تشاء، العطلة فرصة للإنعتاق من سلطة زمن “بافلوف” ، تماهى مع إنكسارات تموجات أديم المرآة، تنفس من أعماقه، كأنه يتهيأ ليتخلص من وزر أثقل كاهله، ناوش بأنامله نتوءات أم فروته، وتراجع مبتعدا عن المرآة، تهلل وجهه، إرتدى سروال جينز باهت اللون به خدوش سطحية، وإنتعل حذاءا رياضيا للتنزه، دون أن ينسى نظارتيه الشمسية البنية،ثم أعاد للنوافذ ستائرها التي كانت متلحفة بها، فرجعت العتمة تتلبسها كعادتها، أوصد باب الشقة بإحكام، تأكد من إغلاقه، سمع بواب العمارة يحييه بتحية الصباح، شاهد سيارته تلمعُ لمعانا ، حينها فهم تحية البواب .
كانت حركة السير في الشارع الرئيسي انسيابية ناعمة، مسترسلة ومتنوعة، باغث إحساس طارئ نزار القرطبي دون أن يجد له مبررا في حينه، أحيانا تتوالد المشاعر بشكل فجائي، تتجاوز الرتابة والسنون، لتظهر دون سابق إشعار. بدا عليه الاضطراب، ألقى نظرة سريعة على لوحة القيادة، حول بصره نحو المرآة العاكسة، تردد قبل أن يحسم في ركن سيارته بين المرآب المحروس وجانب الرصيف، فضل الأخير، عبر ممر الراجلين إلى الرصيف الثاني الذي تؤثته محلات تجارية فارهة، ولج مقهاه المعتاد، جلس إلى طاولة مفتوحة على فضاء الشارع، لم يمهله النادل، وضع أمامه فنجان قهوة الصباح، هو زبون مداوم، أخرج نزار علبة صغيرة من جيب جاكيته الداخلي، سكب قسطا من خليطها داخل الفنجان، سأله النادل عن سر الخليط، اجابه وهو يلامس حافة الفنجان، دون أن يزيح نظراته عنه : “إنه مذاق الأرابيسك الحقيقي، إنه مذاق ساحر خلاب حتى النهاية” إنصرف النادل، بعد إبتسامة مجاملة، وحركة رأس لولبية تضمر ما تضمر، أضاف نزار قطعة سكر مكعبة إلى الفنجان، تركها تذوب ببطء . تساءل في صمت عن مصيرها، بينما كانت الفقاعات الصغيرة المتوالدة تتصاعد من القهوة، كم هو مثير منظر الهواء المطرود من بين حبيبات السكر، داهمه إحساس جارف عن قضية المصير. تأمل إشكاليته الميتافيزيقية، وجد نفسه في ورطة تداعيات أفكاره، أحس بوخز ذبذبات مُباغتة، تكتسح فروة رأسه، سرعان ما إستفاق من وهم خواطره، إفتر فوهه عن إبتسامة باردة، تراقصت حبيبات من العرق متصفدة على جبينه، كقطر ندى في وقت الفجر على زهور أبريل الخجولة، أدركــ أن السفر الميتافزيقي الذي حاول ركوب صهوته، صعب عسير، ماله والميتافيزيقا، هو ليس فيلسوفا ولامفكرا، ليس حتى رجل دين يخوض في أمور المصير وماهيته، فقط موظف جاء إلى المقهى كعادته، لإحتساء فنجان قهوة في يوم مفتوح على كل الإحتمالات.
استعاد نزار هدوءه، عيناه شاخصتان، تأمل سيولة القهوة في الفنجان ، لم يحدد ما إذا كان السائل مركزا أو مائعا، سقط ظل حجب عنه رؤية فنجان القهوة، إنتزعه من تأمله، رفع رأسه، كانت يد ممدودة ، وضع سيجارة تبغ أشقر بين شفتيه، بقيت اليد ممدودة تنتظر، لم يفلح في تجاهلها، إقترض درهمين من النادل، وغرسهما في راحة اليد الممدودة . للأسف، الأيادي الممدودة كثيرة ومتنوعة هذه الأيام، ممدودة نحو القلوب والضمائر والجيوب، والأرزاق … إنتفض قلق عارم ظل خاملا في أعماقه، “أف ǃǃ أي صُبحية هذه؟ من الميتافزيقا للسياسة”، غالبا ما كان يؤرقه التفكير في السياسة، متى تبدأ؟ متى تنتهي؟ ترى هل كان إقتراض الدرهمين من النادل، سياسة؟؟ ثم هذه الأيادي الممدودة ، اختيارية هي أم إجبارية، أم ضحك على الذقون، لا غير ؟؟ شعر بحرارة تداهم في حذر مسامات خنصره، قذف عقب سيجارته بعيدا عنه، تأسف عن الحركة التي قام بها، عالج الأمر بطريقته دون أن يثير إنتباه من بجواره من رواد المقهى، الغارقون على إختلافاتهم في تتبع المارة، وحل ألغاز الكلمات المتقاطعة، ومطاردة رهانات الخيول في ما وراء البحار، وملاحظة النساء العابرات من كل الأصناف ، قال في خاطره : مجرد التفكير في السياسة ، يتولد الإكتواء بنارها، فماذا يكون – الله يحفظ – لو تم الاشتغال بها ؟؟
… أنقذه بائع صحف متجول من هواجسه، وضع أمامه رزمة جرائد ، شرع في قراءة عناوينها العريضة والشبه عريضة ، ألوانها المطبوعة بالصفحات ، وخطوطها، صورها الأولى والخلفية التي تسترعي الإنتباه، إنتقل مباشرة إلى صفحة الرياضة، استعان بنظارتيه الطبية لمتابعة تفاصيلها، “ياه ǃ تأخروا كثيرا في الصعود إلى القسم الأول، ولكن لا يهم، متى يأتي الخير ينفعُ”، سرعان ما إنتابه إحساس مُلح، أعاده إلى سؤال السياسة، داهمه سؤال عميق حول العلاقة بين السياسة والرياضة، أيهما يسير في فلك الآخر، وأدركــ أن كليهما يحتاج لتداريب وتحضيرات، جولات وأشواط، وملاعب محددة وإحترام للوقت وجماهير، إستحضر البطولات المحلية والوطنية والدولية، كواليس الفيفا، والشركات الحاضنة العالمية ، من المشروبات الغازية إلى السيارات الفارهة ، تخلص من نظارتيه ، لم يعد يحتاج إلى إقتناع في كون السياسة تولد مع الإنسان، تلازمه وتنمو معه، ترافقه حتى في أدق حميمياته، راكم الجرائد على بعضها ترك مهمة إعادة ترتيب صفحاتها إلى بائعها، واضعا دريهمات إلى جانبها، ترى أهي ثمن التصفح والقراءة للعناونين؟ أم ضريبة لإعادة الترتيب؟ كم هو مرير هذا الحيف الذي يطالها، لم يسثتنِ نفسه منه ، دمدم بكلمات خافتة، لم تبارح شفتيه، هواء بارد هاجم شعر ناصيته، تخوف من نزلة برد ، هو في غنى عنها، يكفيه ما بذمته لصيدلي الحي، أعاده النادل إلى عالم المقهى، وضع أمامه الفنجان بعدما دب الدفء فيه من جديد، رشف منه رشفة، إمتعض من مذاقه، لاحظه النادل، وقال : ” إيــــــه ǃ رحم الله القهوة التي كانت . هل تذكر؟ كان عبق القهوة يُشتم من سوق الورد ، على مسافة ǃ للأسف، قهوة هذه الأيام، فقدت نكهتها، كأنها مخلوطة بالشعير…أو بالهموم ” ثم إنصرف.
إخترق كلام النادل نياط قلبه، مثل حقنة مخدر، تؤجل الوعي إلى حين، إرتعدت فرائصه، تحسس في حذر شديد علبة الخليط، الخوف إحساس رتيب ورهيب. إختلط عليه الأمر، تساءل في صمت عن الخليط والعزوبة والسياسة والميتافزيقا والأرصفة والجرائد… لأول مرة، أدرك أن للعزوبة نفقات كبيرة.

بدأ الشارع يزدحم بالمارة والسيارات، والدراجات النارية تمرق بين الحافلات ولا تتوقف، كأن إشارات المرور الضوئية مجرد نافلة، ملأ رواد المقهى المكان، بصمتهم وأحاديثهم، بضحكاتهم ودخان سجائرهم، أعاد نزار تموضع كرسيه محاولا التخلص من الأفكار التي أرهقته، ترك نظراته تتجول بين المارة، تملكته دهشة نحو حركية الشارع، أثارت إنتباهه إمرأة في عقدها الثالث، ماسكة بيد طفل صغير، تتملى في معروضات السلع بواجهات المتاجر الزجاجية، رشيقة الخطو، أنيقة متوسطة الطول، كعبها العالي لاينقص ولايزيد من ذلكـ ، أزياء الربيع جذابة على النساء، على الرصيف الموازي، تتبعهما من مكانه بالمقهى، أحس أن شيئا ما يتفاعل في قرارته، إندفعت يده تلقائيا إلى فنجان قهوته، إشرأب بعنقه من أعماق متاهته، بدت له ذرات تُفْلٍ عالقة بقراره، تمنى لو إستعان بقارئة طالع متمرسة لتفك سر مستقبله، يسمع صوتها المتهدج بالتنبؤات يخبره أن المكتوب على الجبين ، لازم تراه العين.


































