لوفيغارو ‏le Figaro‏ : عودة المغرب الى ‏إفريقيا مجرد مسألة شكلية ‏

هاسبريس :‏
‏ ‏
كتبت صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية الذائعة الصيت عالميا ، أمس السبت ان عودة المغرب الى الاتحاد ‏الافريقي، ليست سوى مسألة شكلية،ذلك ان المملكة سبق ان حصلت على دعم نهائي مكتوب من قبل ‏اربعين دولة، عضو في المنظمة الافريقية.‏


واضافت الصحيفة تحت عنوان “العودة الكبيرة للمغرب الى الاتحاد الافريقي” ان هذه العودة تأتي ‏بعد 33 سنة من الانسحاب الطوعي للمملكة من هذه الهيئة الدولية، مذكرة بأن المغفور له الملك ‏الحسن الثاني احتج بذلك على قبول الجمهورية الوهمية داخل هذه المؤسسة.‏
وقالت الصحيفة انه بعد 33 سنة على مغادرته المنظمة الافريقية، من المقرر ان يلتحق المغرب بهذه ‏المؤسسة بعد غد الاثنين عقب تصويت لقادة البلدان الافريقية بمناسبة القمة السنوية ال28 للاتحاد ‏الافريقي التي تعقد يومي 30 و31 يناير الجاري باديس أبيبا.‏
واشارت الصحيفة الى أنه خلال الاشهر الاخيرة قام صاحب الجلالة الملك محمد السادس بجولة ‏بشرق افريقيا ، شملت على الخصوص رواندا وتنزانيا من اجل تعزيز الروابط السياسية مع هذا ‏الجزء من القارة ،فيما تقع منطقة تأثير المملكة بمنطقة الساحل وبافريقيا الغربية، مبرزة ان المغرب ‏بدل جهدا كبيرا من اجل الاقناع بتوجهه الافريقي.‏
وخلصت الصحيفة الى ان هذه العودة ستعيد الى الواجهة قضية الصحراء المغربية التي دامت ‏لعقود، مؤكدة ان الجزائر تقدم الدعم لجبهة البوليساريو منذ بداية النزاع.‏

‏”مولانا ” شريط سينمائي يثير زوبعة ‏في مصر ‏

هاسبريس :‏
أثار فيلم بعنوان “مولانا” للمخرج والسيناريست المصري مجدي أحمد علي، مأخوذ من رواية ‏للكاتب الصحفي المصري إبراهيم عيسى تحمل نفس الإسم، زوبعة من الردود والإحتجاجات ‏والمقالات الإنتقادية والمقالات المضادة والتصريحات المتضادة في الأوساط الفنية والإبداعية ‏والإعلامية المصرية منذ عرضه في القاعات السينمائية في بداية يناير الجاري . ‏
وتتمحور أحداث الفيلم، الذي يلعب دور البطولة فيه النجم الشاب عمرو سعد ، قضايا دينية وسياسية ‏متشابكة، كالموقف من الشيعة، وكيفية النظر إلى السنة النبوية الشريفة، وكذلك علاقة السلطة برجال ‏الدين، والعلاقات بين المسلمين والمسحيين الأقباط في مصر، حيث تجري أحداث هذا الفيلم حول ‏شيخ يدعى حاتم الشناوي، وتحكي قصة تدرجه من إمام في مسجد تابع لوزارة الأوقاف إلى داعية ‏تلفزيوني ذائع الصيت، وما رافق ذلك من تطورات في حياته الخاصة وعلاقاته العامة مع دوائر ‏مختلفة من رجال الدين ورجال السلطة،وصناع القرار الإقتصادي من رجال ونساء الأعمال وما ينتج ‏عن مختلف هذه العلاقات من ضغوط وتحديات. ‏
هذا، ويشارك في بطولة الفيلم، كل من الفنانة درة، وأحمد مجدى، وبيومى فؤاد، ورمزى العدل، ‏وريهام حجاج، وصبرى فواز، ولطفى لبيب، والفنان النجم الراحل أحمد راتب. ‏
وعاد المخرج مجدي أحمد علي إلى السينما بعد ابتعاده عنها لما يقرب من 10 سنوات، بهذا الفيلم ‏المقتبس من عمل أدبي هو رواية “مولانا” لإبراهيم عيسى التي أثارت جدلا في مصر، والتي حققت ‏نجاحا كبيرا بأكثر من 12 طبعة، ووصولها إلى القائمة القصيرة لمسابقة جائزة “البوكر”، كما حققت ‏صدى أدبيا كبيرا في مصر أو في الوطن العربي. ‏
وبدأ الجدل حول الفيلم على القنوات التلفزية وصفحات الجرائد، ليمتد بعد ذلك إلى قبة مجلس النواب ‏وإلى أوساط رجال الدين، حيث اتهمه البعض بالإساءة لصورة رجل الدين وعلماء الأزهر بصفة ‏عامة ، والسخرية من الدعاة وإظهارهم بشكل سئ ، بينما دافع آخرون عن الفيلم معتبرين أنه “يعكس ‏الواقع”، ومتهمين منتقديه بالتربص. ‏
وكانت مجموعة من المنابر الإعلامية المصرية ، قد تناقلت تصريحات لعضو في مجلس النواب ‏طالب فيها بوقف عرض الفيلم وعرضه على لجنة متخصصة من مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف ‏من أجل إقراره ، كما نقلت عن أحد الأئمة من وزارة الأوقاف وأزهريين انتقاداتهم لهذا الفيلم الذي ‏اعتبروا أنه يأتي امتدادا لممارسات فنية ساخرة من العاملين في المجالات التربوية والدينية، ولا ‏ينتمي للفن الهادف إلى الإرتقاء بذوق الإنسان وبناء ثقافته الواعية بقيم وطنه ودينه وإنسانيته. ‏
من جهته نفى مخرج الفيلم، مجدي أحمد علي، هذه الاتهامات، مشيرا أن الذين طالبوا بوقف عرض ‏الفيلم هم “متشددون ومتطرفون” حكموا عليه دون رؤيته، مؤكدا أن الفيلم لا يشوه صورة الداعية ‏على الشاشة. ‏
ولفت المخرج مجدي أحمد علي الأنظار في كون فيلم “مولانا” حصل على كل الموافقات من ‏الجهات المختصة، وعلى إجازة من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية،” وهو ما لايعطي الحق لأحد ‏في المطالبة بوقفه لأن هذا ضد القانون” ، مؤكدا أن “الفيلم يتعاطف مع الداعية وليس ضده “، ولا ‏يشوه صورته. ‏
ومن جهته، وصف طارق الشناوي الناقد الفني الفيلم بأنه ” عمل إبداعي جيد تناول قضية مهمة عن ‏تجديد الخطاب الديني”، مؤكدا أن المخرج “كان حريصا عند عرضه لشخصية وصورة عالم الدين”. ‏
وأضاف أن الفيلم “من أهم الأفلام السياسية الموجودة في السينما المصرية الآن ، فهو يقدم رؤية عن ‏الإسلام السياسي والعديد من القضايا الموجودة في المجتمع المصري الآن”. ‏
وفي تصريح له، قال النائب أسامة العبد رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري، إنه ليس ‏للجنة أي علاقة بما قاله النائب الذي طالب بمنع الفيلم. ‏
وظل فيلم “مولانا” منذ عرضه، في صدارة الأفلام التي حققت أعلى إيرادات في القاعات السينمائية ‏بمصر، حيث أفادت الأرقام المنشورة بهذا الخصوص بأنه حاز النصيب الأكبر من هذه الإيرادات ‏بأربعة ملايين و300 ألف جنيه، في أسبوع عرضه الأول على الرغم من قرصنته وعرضه بجودة ‏عالية على عدد من المواقع عبر شبكة “الأنترنت”. ‏
وتجدر الإشارة إلى أن السينما المصرية ظلت على مدى تاريخها تعرض نماذج لرجال دين كانت لهم ‏أدوار مهمة في الأحداث التي عرفها المجتمع المصري، حيث أبرز نجيب محفوظ ، في هذا الإطار، ‏الدور الوطني لشيوخ الأزهر في ثورة 1919 ،كما قدم حسين صدقي الذي يعد أحد رواد السينما ‏المصرية صورة جيدة لرجل الدين في معظم أفلامه مثل “الشيخ حسن”، وكذا الفنان يحيى شاهين ‏الذي قدم دور رجل الدين في فيلم “جعلوني مجرما” بشكل يحافظ على سماحة الدين ووقار رجاله. ‏

البــُومُ : ذاكـ الطائر الذي ظَلمَتْهُ الحكايات وتعسّفَ عنه الأدبُ

محـمــد القــنـور ‏:

 

مكثْتُ لسنواتٍ طوالٍ أتأسفُ من الغُبن والظلم والتُهَمِ الجزافية التي لحقت بطائر البوم، في المأثورات ‏الشعبية والأهازيج وأغاني الرعاة، ومن خلال إرتفاع عقيرة حناجر جامعي الغلال في الضيعات ‏الصغيرة والكبيرة على حد سواء.‏
‏ وقد عانى البوم من الإتهامات المجانية طيلة قرون من الجمر والرصاص، ولم يتمَتّع أبدا بمُحاكمة عادلة ‏تُأسس لإنصافه والمصالحة معهُ، وتنير الطريق إليه نحو إعادة الإعتبار،وتبيض سجله الأدبي، وصفحة ‏سوابقه، فقد ظَلَمَتْهُ الحكايات،وجَارَت عليه الأساطير، وقزمتْ شخصيته الليلية الأمثال الشعبية، وتعسّفَتْ ‏عليه الصور والسينما واللوحات والنكث والقصص والأحجيات ، ومورست عليه أفدح أنواع الشطط في ‏إستعمال السلطة الأدبية الشعبية والشعرية والعالمة … ‏
ولعل ما أصابَ البُومَ من كل هذا الحيف والقهر، يرجعُ إلى طبيعة شخصيته المواربة وتحركاته الخجولة، ‏وإستبداله النهار بالليل، وإنزوائه في عوالم العتمة عوض الخروج إلى دائرة الضوء، والإلتحاق بمملكة ‏الطيور ، كأيها الطيور …‏
فقد صبّ الأدب جام غضبه على البوم من جرير والفرزدق حتى شكسبير وبودلير ،وربطته السينما بأفلام ‏الرعب وأسرار الأطلال المهجورة والمقابر البعيدة، والغابات المطرية السوداء، والتلال القاتمة الباردة ، ‏وبدأ يرمزُ له بالتشاؤم، وجاء الزعيم المحجوبي أحرضان فنكــَّـل به تنكيلا في إحدى حملات حزبه ‏الإنتخابية على أمواج الأثير وعلى شاشة التلفزيون المغربي ، مما جعل البوم يفقدُ مصداقيته .‏
وأنا يَقِــنٌ أن البومَ قد تكالبت عليه الأحلام والأفكار الفنون والسياسة والمؤلفات ، حصرتُه في دلالات ‏اللغة عليه ، كما قام الشعر العربي بالتعتيم حول وجوده الطبيعي وحقه في الحياة ، وتَرَكُوه تتقاذفهُ أمواج ‏كل بحاره من الطويل والمديد والوافر والكامل إلى البسيط والرجز والمنسرح, دون علم لا الأخفش ولا ‏الفراهيدي ….‏
وقد قرأتُ في كتاب “مجمع الأمثال” للميداني، أن العربَ كانت تقول ، اتّـبـِـعِ البوم يَــدُلُكَــ على الخرابِ ، وذكر ‏أبو الفرج يرحمه الله في “الأغاني” أن العرب في ديارهم وقبائلهم ومضارب خيامهم وحصونهم ، إعتقدوا قبل الإسلام، أن ما من مَــيِّــت يــموت ولا قتيلٍ ‏يـُـقتلُ إلا وتَخرجَ من رأسِه بومةٌ، فإن كان قتلَ ولم يـُـؤخذ بثأره نادت البومةُ على قبره، اسقوني فإني ‏عَطِشَةٌ،ومن هذا الإعتبار، يجوز أن نُدخل ضمن لائحة الإرهابين ، والمبحوث عنهم، من أجل الدعوة ‏للعنفِ .‏
وكانت العربُ تنظرُ إلى البومِ على أنه طائر الشُؤم وتتشاءم به ، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ‏وسئل عن البومة قال فيما رواه إبن أبي شَيْبة وتلميذه البخاري من بعده يرحمها الله : “لا عدوى ولا طيرة ولا هامة”.

ومع ذلكــ فالعِــلمُ يؤكد أن البوم في غاية الأهمية للبيئة ، وقد جعلهُ الله مع غيره من الحيوانات صمام ‏الأمان الذي ينظم أعداد القوارض في البيئة ، فهي تأكل الفئران والجرذان والأفاعي والحشرات ‏والعصافير ، حيث يصيد الطائر من طيور البوم حوالي 5000 فأر في السنة الواحدة ، وبذلكـ ، تكون ‏مخازن الزرع وبيادر القمح، وخزائن الحبوب مـَدِينــَة للبومِ بالشيء الكثير .‏
ثم يؤكدُ العلمُ ، أن طيورَ البومِ لا تستطيع من خلال سرعة طيرانها إصطياد  سوى الأرانب الضعيفة ‏والمريضة ، فتَحُــدُ من تكاثر المرض بينها، حتى أنه عندما انتشر وباء الأرانب في أوربا في أوائل ‏الخمسينات من القرن العشرين، سلمَت أرانب شمال المغرب وجنوب إسبانيا من الوباء . فتبين أن وراء ذلك طيور البوم ‏التي كانت تكثر في البيئة.‏
ويصيدُ البومُ الواحد ما يُعادل 15 فأرا يوميا في السهول والأحراش، ولنا أن نحسبَ كم هي الفائدة التي ‏تعود على الإنتاج الزراعي في سهول تساوت ، وأحراش السعيدية والصويرة والداخلة ،ومزارع دكالة ‏والشاوية ‏وورديغة ‏وأشجار السهل بالرحامنة ومسفيوة، وبقبائل الهبط وقبائل زمران وأغراسَ “بولقنادل” و”كروان” وفي “تولال”، وفي حقول ورديغة ‏و”بولعوان” وزعير وزمور، وعلى قمم ‏الجبال في الريف وفي ‏إمليل ،وأزرو  وفي مروج أيت عطا وتادلة ، وتلك ‏الخضراوات المبثوتة على طول منابعَ العيون المائية في ‏أزيلال وإفران وويركان وتادلة وإيجوكاك ‏، ‏وساحات القرى في ربوع السراغنة وملوية ودرعة ‏وسايس، وفسحات البيادر في شيشاوة و ماسة وبلاد ‏سوس ، وهذه البساتين التي تُزهر على ‏عتبات ‏المدن خارج أسوار مكناس وفاس وسلا ووجدة السمارة ‏وأصيلا والعيون والرباط وفي ‏مراكش البهجة ، وتحت أشجار التوت والصنوبر ‏في الضيعات والبساتين ‏والعراصي ‏والرياضات، وتحت النخيل والدوالي، وبالأسواق الشعبية الأسبوعية بالقرى والمراتع تلكـ ‏البلدات المسكونة بألوان العطر والحكايا.‏

القـــاتــلــة

محمــد القــنــور

عدســة : جمال السميـحـي :

يسمونها في مراكش بالقاتلة، لأنها تقتل بلا مناقشة، فقد تسرق حياة صاحبها الذي يعاشرها بالإحسان أو ‏بالإهمال على حد سواء، على حين غفلة منه، ودون سابق إشعار، وإن لم تفعل ورحمتهـ والله هو أرحم ‏الراحمين، فإنها قد تهشم جزءا من جمجمته، أو قد تتغذى عن أوصاله ومفاصله، أو تكسر رجليه ويديه ، ‏بعد أن تشقلبه في الهواء شقلبة واحدة أو شقلبتين ، كأنه من أولاد سيدي أحماد أو موسى .‏
ولأنها قاتلة، ومحترفة للقتل ، فهي قاتمة كالرماد،باردة كالسُم الزُعاف، شَمْطاء مثل مشعوذات الحكايات الكلاسيكية ‏وصامتة كتلك الصخور الشاهقة المطلة على ساحل الأطلسي في جماعة تافضنة بإقليم الصويرة…

قاتلة تضع ‏على وجهها قناع الوقار واللامبالاة متى كانت متوقفة، كأنها سفاح تسلسلي يتصيد ضحاياه في الأحراش ‏والخلاء والبراري القفرة .‏
تمرق بين الطاكسيات والحافلات والكوتشيات بسرعة جنونية، وبخفة متهورة ، مثل سهم الحب الذي كان ‏يطلقه كيوبيد ابن الإلهة فينوس في الأساطير الاغريقيه، ليصيب به قلوب المعجبين ، ولتتحول هذه ‏القلوب من الهدوء والسكينة إلى أفئدة مشتعلة غارقة في لُجَة بحار  الغرام ….. ‏
إنها “س 90” هذه الدراجة النارية الصينية التي أغرقت الأسواق مراكش،كما ‏المغربية عموما، وصارت تحصد ضحايا لايقلون عددا عن ضحايا أشقائنا السوريين في دير الزور وفي ‏حلب وفي ريف دمشق، تحت نيران قبضة البعث الدموية،وصواريخ وقاذفات الآخرين لدرجة بات فيها ‏العديد من المراكشيين والمراكشيات يتنذرون بحكايات هذه القاتلة الصينية، وعمد بعض ممرضي ‏وممرضات مستشفى إبن طفيل إلى إطلاق تسمية “س 90″ على جناح إستشفائي طبي لكسور العظام، ‏سلوى وسلوان بمكر هذه القاتلة.‏
وكأن الصناع الصينيين قاموا بدراسة ميدانية لرغبات الزبناء، وإطلعوا على مدى هوس بعض المغاربة ‏بالسرعة، فصنعوا لهم دراجة مسمارية بخفة قشة التبن، وسرعة طائرة الشبح…التي غالبا ما يضطر ‏‏”ربانها” إلى النزول الاضطراري في “سبيطار سيفيل”، أو عند حجام يعرف كيفية جبر الضرر وجمع ‏العظام والمفاصل، وإعادتها لوضعها السابق.‏
ثم كيف تسكت وزارة السي الرباح، عن هذه المصيبة، دون أن تسن رخصة قيادة لهذه الدراجات ، كما يتم ‏العمل مع جميع الدراجات ذات السرعة الفائقة من طرف الحكومات التي تعترم منتخبيها ومنتخاباتها.‏
‏ لكن الشيء المؤلم لهذه السيطرة الصينية لسوق البضائع المغربية هو رداءة هذه المنتجات وعدم قدرتها ‏على البقاء وصلاحية انتهائها تحدث بعد ساعات من الاستخدام أو عدة أيام لكونها مستوردة من مصادر ‏وشركات تجارية تعمل وفق قاعدة الاستخدام للمرة الواحدة!! أو إن تكون البضائع مستهلكة وجمعت من ‏مخازن الدول الفقيرة، حيث تتلاشى مواصفات المنافسة معدومة بين المنتج المحلي والمستورد.‏

فالبضائع الصينية تعد الأقل سعرا في العالم حتى إن بعضها يكون أقل من كلفته. وهذه السياسة تتبعها ‏الشركات الصينية في غزو أسواق العالم، ومن ضمنها أسواقنا المغربية، ويساعدها في ذلك وجود إياد ‏عاملة بأسعار رخيصة وتوافر مواد أولية وكذلك قدرة الشركات تقليد واستنساخ الأجهزة دون أي جهد أو ‏كلفة وأضاف إن غياب المنتج المحلي وتعطيل أكثر المعامل والمصانع عن الإنتاج بسبب الأزمة العالمية، ‏وغلاء المواد الأولية،وارتفاع أجور العمل والتكلفة لارتباطهما بتشغيل هذه المعامل وغلاء فواتير ‏الكهرباء وشحة الغاز والبنزين هذه الأسباب مجتمعة.‏
كما أن الاسعار المنخفضة ادت لرواج البضاعة الرديئة في أسواقنا، مما صار يتهدد جل المواطنين بالقتل، ‏بدءا من هذه الدراجات السيئة السمعة وإنتهاء بالسخانات والمدفئات الخانقة بسبب تسرب الغاز.‏
فالبضائع الصينية تظل عائمة في مخازن عملاقة في البواخر وفي البحار القريبة ومناطق الدول المجاورة ‏وقد تصل بعض أسعار هذه المنتجات التي يتم شراؤها من مخازن التجار الصينيين إلى سعر لا يصدق ‏أطلاقا.‏
ويبقى السؤال العالق، هو ما الهدف من استيرادنا لمثل هذه الأجهزة، فالتكنولوجيا جاءت لإسعاد البشر ‏وتسهيل سبل عيشهم ، وليس لقتلهم وتنغيص حياتهم ،وتهشيم عظامهم وخنق أنفاسهم، والسعي بجنون وقلة ‏أداب وسوء تربية وطنية وراء الربح وليس هناك من شيء سوى الربح، على حساب حاجات العائلات ‏المغربية الفقيرة و العائلات من ذوات الدخل المحدود، الغير قادرة على شراء أجهزة ومواد آمنة وجيدة .‏

والواقع، أن أصحاب معامل الأقمشة والصناعات النسيجية ومعامل الخياطة ومعامل الديكور وورشات ‏الفخار والنجارة والحدادة وحتى معامل الأحذية قد نالوا نصيبهم من هذا الانفتاح المدمر للمنتجات الصينية ‏على حساب الصناعة الوطنية المغربية، مما قد بات يهدد بضربة قاصمة لأحلام أصحاب المعامل ‏المغربية ولعرقلة إقامة صناعة وطنية مغربية، خاصة بعد أن صار هؤلاء يصنعون “البلغة المغربية” ‏والشربيل النسائي ، والقفطان والجلباب والفوقية والڨدرة والكسكاس والمغرف الخشبي ومختلف وسائل ‏خصوصيات الزينة الشخصية والمنزلية المغربية الأصيلة من أثاث وأثواب وأحدية وتجهيزات وغيرها ‏من موروثاتنا الصناعية، ولكن بتكلفة قليلة وجودة أقــــــــل ‏‎.‎
وفي غياب عمل أجهزة التفتيش الصناعي ، الواجب إنكبابها على التدقيق في السلع والبضائع من خلال ‏لجن رقابية تقوم بجولات ميدانية للأسواق في الدار البيضاء ومراكش وفاس وطنجة والعيون ووجدة ‏والداخلة والرباط وأغلب مدننا المغربية ، والإطلاع على أسرار ومتاهات دخول هذه السلع والبضائع ‏والمواد المختلفة غير الخاضعة للفحص والتفتيش ، وذات التأثيرات السلبية الكبيرة على الاقتصاد ‏المغربي، والإستمرار في رفع مستويات الصناعة الوطنية المغربية في أن تدخل كمنافس حقيقي في سوق ‏الاستهلاك المحلي والوطني .‏

الأمية تلكـ الظاهرة التي تُؤرِقُ الجميع ‏

محمــد القـنــور ‏ : ‏

‏ يشكل اليوم الثامن من يناير من كل سنة يوما عربيا لمحو الأمية وتعليم الكبار يحتفل فيه بالجهود ‏الحثيثة للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة،وفرصة للانخراط القوي للدول العربية في حراك عالمي ‏لاجتثاث آفة لا تزال تثقل كاهل الدول المغاربية ودول الشرق الأوسط، وتعيق مسار التنمية ‏الاقتصادية والاجتماعية بمعظمها.‏
خصوصا وأن الأمية تعتبر أخطرُ مرضٍ يهدّد كرامة الإنسان, فقد يُقبَل المرض البدنيّ وقد يُلتمَس ‏العذر لصاحبه ولكن لا يلتمس العذر للمجتمع إذا كانت الأميّة منتشرةً وشائعةً فيه, والمجتمع كلّه ‏مسؤولٌ عن مقاومة الأميّة ولا يحاسب الطفل عن أميّته ولكن يحاسب المجتمع عن تقصيره والدولة ‏مسؤولة عن مقاومة الجهل، والخرافات والأباطيل والتطرف والشعوذة.‏

ولأن الأميّة هي انتقاصٌ لكرامة الإنسان فلا كرامة لجاهل في القراءة والكتابة ، والإطلاع على الدفق ‏المعرفي المتجدد بين الساعة والساعة بالعالم المعاصر، فالأمية طريق الجهل الأكثر خطورة , كما أن ‏فتح المدارس النظامية والفصول الغير النظامية ، باتت أمرا مُلحا كالطعام والشراب , وبات من ‏المفروض أن تكون مدارسنا ووسائل إعلامنا وفنوننا ومساجدنا أداة لمقاومة هذه الأميّة ، في المدن ‏والقرى بحيث لا تنمية في ظلّ الأمية , ولا تقدم في ظلّ الجهل والخرافة والتطرف والعقليات ‏الرافضة للتطور وللعلوم وللإختلاف ولحرية الفكر والبحث عن حلول مبتكرة لمواصلة تعزيز محو ‏الأمية في المستقبل. .‏
وبمناسبة،الإحتفاء باليوم العربي للأمية، كشفت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) أن ‏معدل الأمية في الدول المغاربية ودول الشرق الأوسط بلغ 27،1 في المائة مقارنة ب16 في المائة على مستوى العالم.‏
وأبرزت ذات المنظمة أن عدد الأميين في الدول المغاربية والشرق الأوسط ، يتجاوز 54 مليون ‏شخص، وهو عدد مرشح للارتفاع في ظل الأوضاع التعليمية المتردية والأزمات التي تمر منها ‏معظم هذه الدول، وإنتشار الخرافة والعماء الروحي والسلوك التواكلي وعدم الأخذ بأسباب العلم ‏والعقل والدين ، إلى جانب النزاعات المسلحة التي تسببت إلى الآن في عدم التحاق قرابة 13،5 ‏مليون طفل عربي بالتعليم النظامي.‏


وتشكل معظم دول المنطقة العربية بؤرا سوداء للأمية على المستوى العالمي وبالمقارنة مع الدول ‏النامية، وذلك بالنظر لتفشي ظواهر أخرى تصنف من بين مسبباتها، من قبيل الفقر والعوز ‏الاجتماعي وانعدام الوعي وضعف البنيات والمناهج التعليمية.‏
وجددت الألسكو دعوتها إلى كافة الدول العربية والمنظمات الإقليمية والدولية دعم مبادرتها لتعليم ‏الأطفال العرب في مناطق النزاع، والعمل بحزم في إطار تعزيز العقد العربي لمحو الأمية 2015-‏‏2024، وتعزيز المبادرات الوطنية لتعليم الكبار وتوفير التعليم للجميع، كما دعت المنظمة بكافة ‏منظمات وجمعيات المجتمع المدني في الدول العربية أن تدعم مبادرات محو الأمية وتعليم الكبار، ‏باعتبارها شريكا حقيقيا في النهوض بالتنمية في المجتمعات العربية.‏
وشددت على جعل اليوم العربي لمحو الأمية مناسبة سنوية للوقوف على ما تم إنجازه على ‏الصعيدين الوطني والقومي في مجال مكافحة الأمية، وتشجيع الخطط والاتجاهات المستقبلية لمحو ‏الأمية، وتعليم الكبار بوصفهما سبيلا لتحقيق التنمية المستدامة.‏
و تتطلع منظمة اليونسكو على الصعيد الدولي، إلى تحقيق اهداف التنمية المستدامة لسنة 2030، ‏حيث تتماشى رؤية محو الأمية، في هذا السياق، مع فرص التعلم مدى الحياة مع تركيز خاص على ‏الشباب والكبار.‏
ومهما يكن، فإن محو الأمية يشكل جزء من الهدف الرابع للتنمية المستدامة الذي ينص على “ضمان ‏التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع”، حيث تتمثل الغاية ‏في ضمان إلمام جميع الشباب، ونسبة كبيرة من الكبار، رجالا ونساء على حد سواء، بالقراءة ‏والكتابة والحساب بحلول عام 2030.‏
وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن واحدا من كل خمسة أشخاص على كوكب الأرض أمي بالفعل، ‏وأن ثلثي الأميين هم من النساء، حيث تعرف قارة إفريقيا أكبر معدل للأمية بلغت نسبته 60 في ‏المائة، كما أن معدل التركيز على برامج محو الأمية بلغ 98 في المائة في ثلاث مناطق هي جنوب ‏وغرب آسيا وإفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى.‏
ومنذ سنة 2000، ارتفعت معدلات القدرة على القراءة والكتابة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن ‏‏15 سنة، لتصل إلى 85 في المائة على الصعيد العالمي، كما ارتفع معدل محو الأمية بين الشباب ‏الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 91 في المائة، وذلك بفضل تحسين فرص الولوج إلى ‏التعليم، لكن الآفة لا تزال تكلف الاقتصاد العالمي 1،19 تريليون دولار.‏
وللإشارة، فقد كانت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو قد أبرزت في كلمة لها بمناسبة اليوم العالمي ‏لمحو الأمية، أن العالم قد تغير منذ عام 1966 وأن عزم اليونيسكو على تمكين الناس كافة، رجالا ‏ونساء، من اكتساب المهارات والقدرات اللازمة واغتنام الفرص المتاحة لتحقيق كل تطلعاتهم وهم ‏ينعمون بالكرامة والاحترام، ما يزال ثابتا قصد محو الأمية كسبيل واحد وأوحد نحو بناء مستقبل ‏أكثر تنمية وإأكثر إزدهار ورقي .‏

مقاطعة المعاريف بالدار البيضاء تكرم الخط المغربي

هاسبريس :

حظي كل من الخطاطين محمد البندوري ومحمد صبري وأحمد مستعيد بتكريم رائق في ‏فعاليات الملتقى الوطني لفن الخط العربي والكتابة الاعتيادية، الذي نظمته مقاطعة ‏المعاريف العالمة بمدينة الدار البيضاء خلال نهاية الأسبوع المنصرم. وذلك قياسا بما ‏قدمه هؤلاء الباحثين والخطاطين من جهود قيمة وخدمات جليلة للخط المغربي على ‏الصعيد المحلي والوطني والدولي. ‏


هذا، وحضر فعاليات التكريم العديد من الفعاليات الثقافية والإبداعية والأدبية والفنية ، ‏بالإضافة إلى المنتخبين والمنتخبات، حيث تم التطرق لمختلف القضايا المتعلقة بالخط ‏المغربي وعلاقاته الحضارية ومراحله التطورية التي تكشف مؤشرات ومدى حالة ‏منظومة الخط المغربي إلى الأمام وتتطلع إلى مستقبل مزدهر ، وتحسين وتجويد الكتابة ‏الاعتيادية من خلال مجموعة من المداخلات والورشات القيمة، كما تم تثبيت مشروع ‏جديد للكتابة الاعتيادية .‏

عدد ثان من مجلة الإحصائيات الثقافية

هاسبريس :


أصدرت وزارة الثقافة باللغة الفرنسية ، ضمن منشوراتها لسنة 2016، العدد الثاني لسنة 2013-‏‏2015 من مجلة “الإحصائيات الثقافية”.‏
ويتضمن العدد الجديد من المجلة، الذي يقع في 124 صفحة من القطع المتوسط ، اثني عشر فصلا ‏يتضمن معطيات وأرقاما ورسوما بيانية حول السكان والثقافة (33 مليون و762 ألف و36 نسمة ‏موزعون حسب الجهات الاثنتي عشرة للمملكة) ونفقات الأسر، والتمدرس واللغات، والممارسات ‏الثقافية، والأنشطة الثقافية للسياح.‏
وتطرق الفصل الثاني من المجلة إلى وزارة الثقافة من حيث هياكلها التنظيمية (المديريات المركزية ‏والمديريات الجهوية والمندوبيات ومراكز التكوين والهيئات تحت الوصاية ومركز الدراسات ‏والأبحاث) ، ومواردها المالية والبشرية، وميزانيتها التي ارتفعت من 571 مليون درهم سنة 2013 ‏إلى 628 مليون درهم سنة 2016 ، بعدما انخفضت إلى 542 مليون درهم سنة 2014.‏
وبخصوص التراث الثقافي، أوردت المجلة بالخصوص إحصائيات حول المواقع التاريخية المصنفة ‏‏(8258 موقعا)، ومداخيلها، والتراث الثقافي المادي المسجل، والتوزيع الجهوي للتراث المادي ‏المسجل إلى غاية 2015، والمتاحف (80 متحفا)، وأصناف المتاحف التابعة لوزارة الثقافة (14 ‏متحفا) ومداخيلها، والأبحاث الأركيولوجية، والتراث الوثائقي، والمهرجانات التراثية للوزارة التي ‏تبلغ 22 مهرجانا . ‏
وشكل موضوع البنيات التحتية الثقافية محور فصل رابع، تناول توزيع المراكز والفضاءات الثقافية ‏حسب الجهات وحسب الشركاء، فيما تناول الفصلان التاليان الكتب والمطبوعات حسب اللغات ‏والمواضيع والإيداع القانوني، والقراءة العمومية من خلال المكتبات العمومية، وتوزيعها حسب ‏الجهات والشركاء، وطبقا لنوع وجهة القراء المسجلين فيها، ومعارض الكتب، ودعم النشر والكتاب .‏
وتطرق فصل آخر للفن من خلال الأروقة إلى 192 رواقا من بينها 57 تابعة لوزارة الثقافة ودعم ‏الفنون التشكيلية والبصرية، والمسرح والموسيقى والسينما ، كما تم إنتاج 125 فيلما قصيرا و19 ‏فيلما طويلا سنة 2015 والبطاقة المهنية التي منحتها الوزارة ل3914 فنانا في مختلف القطاعات.‏
وتطرقت باقي الفصول إلى دعم الجمعيات الثقافية والأنشطة الثقافية للمؤسسات تحت الوصاية ‏‏(المكتبة الوطنية للمملكة المغربية التي نظمت 133 نشاطا سنة 2015، وأرشيف المغرب الذي نظم ‏‏260 نشاطا، والمسرح الوطني محمد الخامس الذي نظم 352 نشاطا .‏
كما تناول العدد المعني مختلف البرامج الثقافية في الإذاعة والتلفزيون وفي اثنتي عشرة إذاعة ‏جهوية، وفي القنوات التلفزية الأولى والسادسة والأمازيغية و”صورياد” وقناة العيون، وكذا إلى ‏حقوق التأليف والحقوق المجاورة، وإلى التجارة الدولية للمنتجات الثقافية ، حيث بلغت قيمة الصادرات سنة ‏‏2015 ما مجموعه 7ر1913 مليون درهم وفيمة الواردات في السنة نفسها ما مجموعه 2ر203 ‏مليون درهم .‏
وللإشارة، فقد اختتم مجلة “الإحصائيات الثقافية” بملحقين، يتضمن أولهما قائمة باللوائح الواردة في ‏المجلة، فيما يتضمن ثانيهما قائمة بالرسوم البيانية، وكان العدد الأول من المجلة المعنية قد صدر ‏سنة 2015 ، حيث غطى مجمل الأنشطة الثقافية والإبداعية للوزارة خلال الفترة الممتدة مابين ‏‏2010 – 2012.‏

سر موجة الصقيع التي تعرفها مراكش

محمــد القـنــور ‏
عدسة : محمد أيت يحي ‏‏:‏

عبر طُرقٍ ومسالكَ شديدة الوعورة، تمتد ما بين جماعات “تيخْفَست” و”أوكايمدن” ومابين ‏جماعة “تدارت” وممرات “تيشكا” نزولا إلى جماعة أيت حكيم بجهة مراكش آسفي، كان ‏الثلج في كل مكان، وكنت والزميل المصور أيت يحي، ومرافقنا الحاج محمد أويحي،وقد ‏تنفسنا ثلجا، ولبسنا ثلجا، وإفترشنا ثلجا، وشربنا ثلجا..
كانت الرياح القارصة تضرب في ‏وجوهنا مباشرة، وسحب الثلج تلتف في دوامات حولنا في كل اتجاه، حتى أننا لم نعد ندري فيما إن كان هذا الثلج يتساقط من السماء أم يتصاعد من الأرض..
وعلى كل حال ، فقد كانت الرؤية صعبة ، وتكاد ‏تكون معدومة تماما لكثافة الضباب الثلجي، فلم أكن أرى شيئا من تلك الأشجار ولا من ‏تلك السواقي والأَكَمات الصغيرة التي كنت أعرفها، ولا من الحقول والغابات وأعمدة ‏الكهرباء وسقوف المنازل الصامتة والأكواخ الخجولة المنزوية على حافات جبال الأطلس الكبير ‏العملاقة .‏

تذكرتُ أبا الطيب المتنبي شاعر العربية الأكبر ، عندما كان شابا في مقتبل العمر، شاعرا ‏متسكعا يجول في البلدان،ويجوبُ الآفاق، بَاحِثا عن موطأ قدم في عالم القرن الثالث الهجري، المملوء ‏بالنَّعرات والصراعات الطائفية، وإرهاب القرامطة والحشاشين لاحقا، ولم يكن المتنبي بعد ‏ثريا ولا شهيرا،ولم يدخل بَعْدُ ضمن جماعات أثرياء عصره، وقد مر على شِعاب لبنان ‏في فصل شتاء قارص، وعبر عن صعوبة الطريق في الثلج،وما تجشمه من صعاب ‏للوصول إلى ممدوحه الكاتب أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوْارَجي، وكان من ‏رجالات دولة بني حمدان، وكان تقيا ونابها، وكان شهما ومعروفاً بميله للفضائل وللتصوف، وقد ‏إستقبل هذا الرجلُ ، أبا الطيب فأحسن ضيافته …. فما كان من الشاعر الشاب الهارب ‏المتسكع، إلا أن خلد ذكره في الصالحات ، بقصيدته :‏

بَيْني وبَينَ أبي عليٍّ مِثْلُهُ……………………………….شُمُّ الجِبالِ ومِثْلُهنّ ‏رَجاءُ

‏ فأنشد في نفس القصيدة : ‏
:
وعِقابُ لُبنانٍ وكيفَ بقَطْعِها …………….. وهُوَ الشّتاءُ وصَيفُهُنّ ‏شِتاءُ
لـــبَسَ الثُّلُوجُ بها عَليّ مَسَالِكي …………..فَكـــَأنّها بِبيَاضِها ‏سَوْداءُ
:
ولقد فكرتُ في قـَـرارة نفسي أثناء الطريق، بهذه الصورة الجميلة التي جعلت الشاعر ، ‏يحول بياض الثلج إلى سواد، حيث أن الطريق خَفِيَ عليه في هذه العقاب والشِعاب ‏البيضاء بفعل تساقط الثلوج ، فأصبحت رغم بياضها الشديد، سوداء ومظلمة لا يعرف ‏منها أين يتجهُ، وكأنه قد أصبه عَمَى الثلج

la cécité‏.‏

كانت إيقُونات، كثيرا ما ألْهَبَتْ خيالنا الطُفولي ولاتزال تفعل …

محمــد القـنــور :
فتحت عيناي في منزلنا المتواضع، فوجدت هذه الصور تؤثت حيطان غرفه، ولا تزال ، وكانت صورا تنتشر في كل المنازل في المدن والقرى، وكانت صورا تختزل الكثير من الإيحاءات والرمزية، والجمال والإنسانية والإنتصار للحقيقة والخير والكرامة، والإحترام والقوة و الرعب، وكانت صورا تبرز أزمنة ليست كالأزمنة ، و تكشف عن براري ليست كالبراري ، وعن كائنات وأشخاص لا توجد سوى في عوالم هذه الصور الفسيح ..
تستقطب إهتمامات الطفولة بالحكايات والرموز والألوان ، وكنت أَجِــدُ في إطالة النظر لهذه الصور متعة وفرحا وخيالا ، ورعبا و وَجَلا لاحدود له ، وخوفا من ألتقي بأولائك الشخوص الشريرة في مكان ما ، من “عفاريت سيدنا سليمان” أو ذاكـ “الغول” الخطير المدجج بالسلاح والقرون الكبيرة الحادة ، ومع كل هذا، فقد كانت صورا تسرح بالمتلقي نحو عوالم من الخيال والمتعة لما لها من التأثير ومن قوة بلاغة لونية ،ومن حسن توظيب ودقة تصوير، ومن تنوع يقدم الأشرار أشرارا ، ويقدم من هم من طينة الصالحين .


ويبدو أن التباين الحاصل في في هذه الصور، يعود للتفاوت الواضح في الركن الأول من عملية إبداعها ، وفي قدرة مبدعها المغربي الغير المتناهية في إستحضار القصص الديني والحكايات الموروثة أبا عن جد .
ومن الصدف، أن إبنتي الصغيرة، أم الغيث تسترعي إنتباهها هذه الصور، فتُسَائِلُني عنها وعن أسماء أشخاصها من الرموز الدينية والصوفية ، فأجدني أصطنع كلاما يقترب من فهمها وقدرة إستيعابها، تنمية لخيالها وصقلا لبدور الشاعرية في قلبها الصغير