بين ميسا والمدينة حفل موسيقي في مراكش يخترق الحدود بين جزر الكناري والمغرب

مـحـمـد الـقـنــور : 

بتعاون مع المركز الثقافي Les Étoiles de Jamaa Lefna، ، نظم معهد ثيربانتس مساء اليوم الأربعاء  18 يونيو الجاري في مراكش، حفلا موسيقيا “Entre Mesa y Medina” إحتفاء بالروابط التاريخية والثقافية بين جزر الكناري والمغرب. 

وجمع هذا الإبداع الأصلي بين الثنائي الكناري خوان ميسا وألبرتو ميدينا، إلى جانب الموسيقي المغربي عبدو وردي، في المركز الثقافي نجوم جامع الفنا بحي فحل الزفريتي بمراكش  Les Étoiles de Jamaa Lefna، ضمن تجربة صوتية تتجاوز الحدود والأنواع. مستوحى من التراث الأمازيغي لجزر الكناري، والمتواجد بشكل خاص في لا غوميرا ، حيث كان حوارًا موسيقيًا بين التقليد والمعاصرة، على ضفتي المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

هذا، ومن خلال التيمبل الكناري، والشاكاراس، والجيتار، والفلوت، والبيانو الحديث، والعود العربي، قدم الفنانون المشاركون مقطوعات صوتية إستحضرت الجذور المشتركة عبر فتح المجال للارتجال، والجاز، والبوليرو، والفولكلور في أمريكا اللاتينية.

كما تضمن الحفل ذخيرة من الأغاني المؤلفة أصليا من تأليف خوان ميسا مثل Curanderas y Yerberas وArroró no temas أو Chácaras Baifas، بالإضافة إلى قطع فنزويلية تقليدية وأعمال من تأليف ساتي وسيمون دياز وزيتاروسا وتعديلات فريدة مثل Every Breath You Take المندمجة مع Cucurrucú Paloma.

وللإشارة، فإن خوان ميسا، يعتبر ملحنا ومغنيا وعازفا على العديد من الآلات ، ومجدد للموسيقى الكنارية التقليدية، حيث يتمتع بمسيرة مهنية واسعة، كمؤسس فرقة Chácaras Baifas في حين يعد ألبرتو ميدينا، عازف بيانو جزر الكناري ذو الخلفية الكلاسيكية والمعاصرة القوية، يجمع بين الغنائية اللحنية والاندماج الإبداعي في مشاريعه.

من جانبه، يجلب أستاذ العود عبدو وردي،  الذي تلقى تدريبه في المعهد الموسيقي بالرباط، حساسيته الفنية ومسيرته المهنية المعترف بها دوليا إلى هذا الحدث.

ومعلوم، أن “بين ميسا والمدينة” تظل دعوة فنية موسيقية لعبور جسور الصوت والثقافة، واستعادة الفن كمساحة للقاء والتفاهم والسلام بين الشعوب المتجاورة.

أنف الطائرة تقنيات متقدمة تسهم في سلامة وراحة الرحلات الجوية

اسوال بريس : 

كما يبدو للوهلة الأولى، فإن أنف الطائرة ليس مجرد جزء تصميمي، بل هو مركز لتقنيات متقدمة تسهم في سلامة وراحة الرحلات الجوية. خلف هذا الجزء الأمامي، توجد أنظمة مثل الرادار الذي يساعد الطيارين على اكتشاف أنماط الطقس وتجنب العواصف، بالإضافة إلى تحديد التضاريس المحيطة لضمان مسارات آمنة.

إلى ذلكــ ، فقد أصبحت مخاريط أنف الطائرات  أكثر تطورًا، حيث أصبح تصنيعها يتم من مواد مركبة خفيفة الوزن لتحسين كفاءة استهلاك الوقود وزيادة مدى الطيران. هذه المخاريط أيضًا مصممة لاستيعاب أنظمة الرادار المتقدمة التي تعزز التنقل وتجنب الاصطدامات الجوية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التصميم الديناميكي الهوائي لأنف الطائرة يساعد في تقليل مقاومة الهواء، مما يسمح للطائرات بتحقيق سرعات أعلى واستهلاك أقل للوقود، وهو أمر بالغ الأهمية للطيران التجاري والعسكري.

وتعتبر الطائرات من أعقد الآلات التي صنعها الإنسان، حيث تحتوي على تقنيات متقدمة تسهم في سلامة وراحة الرحلات الجوية، حيث تعتبر واحدة من أكثر الميزات إثارة للاهتمام هي نظام الرادار الذي يقع خلف مخروط أنف الطائرة، والذي يعمل بشكل متكامل لضمان تجربة طيران آمنة.

كما تعد صورة نظام الرادار هذه مذهلة للغاية، حيث تكشف عن تفاصيل التقنية المتطورة المستخدمة في الطائرات. يُستخدم هذا النظام لاكتشاف أنماط الطقس، مما يساعد الطيارين على تجنب العواصف والظروف الجوية السيئة. كما يساهم أيضًا في تحديد التضاريس المحيطة، مما يُمكِّن الطيارين من اتخاذ قرارات مستنيرة حول المسارات الجوية.


بالإضافة إلى ذلك، يمكن لنظام الرادار اكتشاف الطائرات الأخرى في الجو، مما يقلل من خطر التصادم ويعزز من سلامة الرحلات. إن مقدار التكنولوجيا الموجودة في كل جزء من الطائرة يثير الدهشة، حيث تم تصميم كل عنصر بعناية ليعمل بشكل متناغم مع باقي المكونات.

هذا، وعند النظر إلى هذه الصورة، نتذكر أهمية هذه التكنولوجيا في جعل السفر الجوي أكثر أمانًا وكفاءة. إن الطائرات ليست مجرد وسيلة للنقل، بل هي تجسيد للتقدم التكنولوجي الذي يربط العالم ويسهم في تحقيق التواصل بين الثقافات والشعوب.

صالون الفلكي الأدبي بمراكش يحتفي بالتجربة الأدبية لرشيدة الوجداني

مـحـمـد الـقـنــور :

 احتضن الصالون الأدبي للأستاذة أمينة الفلكي، بمراكش، اليوم الأحد 15 يونيو الجاري ، لقاء أدبيا فكريا تكريميا للأديبة والشاعرة الأستاذة رشيدة الوجداني، شاركت في فعاليته العديد من الأوساط الأكاديمية، ومجموعة من الوجوه الفنية التعبيرية والتشكيلية، والأسماء الشعرية الوطنية، والإعلاميات والإعلاميين، في تجمّع فني تواصلي إحتفي بالتجربة الشعرية والقصصية للأديبة المغربية المذكورة، وسعى إلى التعريف بمسارها الشعري الإبداعي والعطاء السردي القصصي للوجداني التي تعتبر من أبرز رموز الحركة الأدبية والشعرية الحداثية في مراكش خصوصا، وفي المغرب عموما.

صالون الفلكي الأدبي بمراكش يحتفي بالتجربة الأدبية لرشيدة الوجداني

وحسب الأستاذة أمينة الفلكي، فإن الصالون الأدبي المعني، جاء كمبادرة رمزية وفنية تكرم المبدعة رشيدة الوجداني، وتخلد بصمتها الإبداعية، وأسلوبها الفريد والمميز الذي طبع أعمالها، كفنانة تعبيرية مبدعة تميزت بأسلوب خاص ميزها عن الأخريات والآخرين، سواء من خلال التأثير العاطفي لأعمالها التي ظلت تترك أثرًا قويًا في المتلقي، أو على مستوى التجديد والابتكار اللذان ظلا يرافقان مسارها الإبداعي، وحرصها على أهمية التفاعل مع المثقفين والمثقفات والقراء والقارئات خصوصا وعموم الجمهور، عبر أعمالها الشعرية والقصصية القادرة على إثارة النقاش والتحليل والقراءات .

صالون الفلكي الأدبي بمراكش يحتفي بالتجربة الأدبية لرشيدة الوجداني 1

وأشارت الأستاذة الفلكي ، أن فعاليات الصالون الأدبي هي بادرة تكريم وتواصل مع  الأديبة  رشيدة الوجداني، وتوطيد لثقافة الإعتراف والتثمين، وتكريس لمختلف البصمات والمبادرات الثقافية والفنية والتواصلية، وتعبيرا عمليا عن امتنان طبيعي لمبدعة ملهمة.

هذا، وتعتبر الأديبة رشيدة الوجداني، المزدادة بمراكش، شاعرة وكاتبة مغربية بارزًة، اشتهرت بأسلوبها الفريد في المزج بين حمولاتها المعرفية العربية والفرنسية، وإستبطان مختلف إتجاهات الأدب العالمي والمغربي المعاصر.

وبكل موضوعية فقد نهلت الأديبة رشيدة الوجداني، كأحد رائدات التجربة الشعرية النسائية للجيل الثاني بمراكش، وتحديدًا بالشعر الحديث المتمسك بروح التجديد وبوعيه وأنماطه الحداثية وتيماته حتى أشواط متقدمة فيه، مما مكنها من التأثير والتأثر في الأوساط الأدبية والنقدية بالمغرب،  في المشهد الجمالي الراهنحين تقارن بتجارب سواها من بنات جيلها أو بالسابقات من الشاعرات المؤسسات للحركة الأدبية النسائية بالمغرب .

كما ساعد إطلاع الوجداني على عدة حقول معرفية وتربوية وثقافية متعددة ، في تمكينها من حضور ثقافي متوهج داخل مختلف المنتديات والأوساط، وفي تقديمها لمحتويات المثاقفة الخصبة التي نهلت منها من  الأدب العربي والأدب الفرنسي، مما صقل شاعريتها  وكلل جهودها الأدبية، وزاد من وهج حضورها.

كما عمدت الوجداني إلى إثراء تجربتها الأدبية من خلال اهتماماتها الحقوقية، والتي مكنتها من الإطلاع عن خبايا النفوس البشرية وشتى التطلعات الإنسانية، وزخم الروافد الثقافية المغربية من عروبية وأمازيغية وموريسكية وحسانية، فصارت كتابتها الشعرية والنثرية تعلن عن منجز معرفي و إمكانات فكرية متعددة الواجهات ومتسعة الانشغالات في إتجاه منطلقات تجديدية بسمات فكرية وجمالية من توقيعها.

هذا، وفي الوقت الذي يتضمن فيه ديوانها الشعري “وجدانيات” رزنامة من العواطف والإيحاءات والانشغالات الشعرية المغرقة في الذاتية، فإنه وخلال القراءة النقدية والتأمل المتأني يكشف عن ماهية الوجود الثقافي لرشيدة الوجداني، ويعكس مساحة وعيها الثقافي، وتنوع نزوعها المعرفي الناضج الذي تهيأت لها مراميه ومقدراته، وذلك كله ما تكشفه المراجعة والقراءة المتمعنة في الديوان .

قــصــة قـصـيرة : الخُطوة الأولى تكفي ..

 

 

 أشرع نزار القرطبي نوافذ الشقة دفعة واحدة على مصارعها، وأزاح ستائرها المسدولة ذات اللون الداكن، دلفت أشعة شمس صباح خريفي مترنحة، تلامس أسطح الأشياء المبعثرة بين متاهاتها ، تواسيها، وتلملم ندوب جراحاتها المكتومة، وكأنها تنتظر هذه الفرصة الناذرة ، لتحررها من عتمة مزمنة، طالما زجت بها في غياهب المجهول .

لاحظ نزار بعد أن صحا من نوبة تثاؤب مسترسل إنتشله من دوامة الخمول ، ووسمه باليقظة، أن حالة غرفة المعيشة هي نفسها حالة المطبخ، قاسمها المشترك الفوضى والعشوائية ،تسمر لبرهة بين عتبتيهما، وكأن الأمر يحدثُ معه لأول مرة، خالجه إحساس فاتر لا طعم له، همهم ساخرا : “حياة العازب عندما تطول، لا أحد يستطيعُ كبحَ جماحها”.

تجول بنظراته في أرجاء الشقة، تشاجن حديثا منسيا مع نفسه: “الملل يولد الفشل، ويشل الرغبة في حب الحياة، أيَّما شَلل “. حركـ الأشياء المبعثرة من أماكنها، كرد فعل عابر، تولد بداخله إحساس طارئ، داهمه على حين غرة، تساءل : “تُرى، أهي بداية إنبلاج الحقيقة ؟ سمع هاتفا مهرولا من أعماقه : “يا نزار، يا قرطبي، “كيف ماكان وضعكـ، يُشعركـ بكينونتكــ ، والحياة محشوة بالتحولات ” ، تلمس معصم يده اليسرى، أحكم عليه ساعته اليدوية، تأمل الزمن الذي يتدافع بين عقربيها، إنفلتت منه نظرة جانبية، وقعت على بدلة رمادية منبطحة على أريكة إسترخاء منزوية قرب مرقد نومه، إنتابه قلقٌ مستفزٌ، أه، البدلة تختزل تجربة بافلوف، وصدى الرنين يستحوذ على أسماعه، كثيرة هي المرات التي توسل فيها من هذا البافلوف أن يحرره من تداعيات إفراز اللعاب، الذي يحاصره على مدى كل خمسة أيام في الأسبوع، مثل جحافل الإغريق الهائجين أمام أسوار طروادة، تعرش واقفا أمام مرآة مهترئة الإطار، تتبوأ صدر غرفة المعيشة، إعترضته شعيرات غطت ذقنه، تحسسها مثل أشواك صبار دقيقة، همس يداعبها : “أتركها أيها الموظف البئيس، لتزحف كما تشاء، العطلة فرصة للإنعتاق من سلطة زمن “بافلوف” ، تماهى مع إنكسارات تموجات أديم المرآة، تنفس من أعماقه، كأنه يتهيأ ليتخلص من وزر أثقل كاهله، ناوش بأنامله نتوءات أم فروته، وتراجع مبتعدا عن المرآة، تهلل وجهه، إرتدى سروال جينز باهت اللون به خدوش سطحية، وإنتعل حذاءا رياضيا للتنزه، دون أن ينسى نظارتيه الشمسية البنية،ثم أعاد للنوافذ ستائرها التي كانت متلحفة بها، فرجعت العتمة تتلبسها كعادتها، أوصد باب الشقة بإحكام، تأكد من إغلاقه، سمع بواب العمارة يحييه بتحية الصباح، شاهد سيارته تلمعُ لمعانا ، حينها فهم تحية البواب .

كانت حركة السير في الشارع الرئيسي انسيابية ناعمة، مسترسلة ومتنوعة، باغث إحساس طارئ نزار القرطبي دون أن يجد له مبررا في حينه، أحيانا تتوالد المشاعر بشكل فجائي، تتجاوز الرتابة والسنون، لتظهر دون سابق إشعار. بدا عليه الاضطراب، ألقى نظرة سريعة على لوحة القيادة، حول بصره نحو المرآة العاكسة، تردد قبل أن يحسم في ركن سيارته بين المرآب المحروس وجانب الرصيف، فضل الأخير، عبر ممر الراجلين إلى الرصيف الثاني الذي تؤثته محلات تجارية فارهة، ولج مقهاه المعتاد، جلس إلى طاولة مفتوحة على فضاء الشارع، لم يمهله النادل، وضع أمامه فنجان قهوة الصباح، هو زبون مداوم، أخرج نزار علبة صغيرة من جيب جاكيته الداخلي، سكب قسطا من خليطها داخل الفنجان، سأله النادل عن سر الخليط، اجابه وهو يلامس حافة الفنجان، دون أن يزيح نظراته عنه : “إنه مذاق الأرابيسك الحقيقي، إنه مذاق ساحر خلاب حتى النهاية” إنصرف النادل، بعد إبتسامة مجاملة، وحركة رأس لولبية تضمر ما تضمر، أضاف نزار قطعة سكر مكعبة إلى الفنجان، تركها تذوب ببطء . تساءل في صمت عن مصيرها، بينما كانت الفقاعات الصغيرة المتوالدة تتصاعد من القهوة، كم هو مثير منظر الهواء المطرود من بين حبيبات السكر، داهمه إحساس جارف عن قضية المصير. تأمل إشكاليته الميتافيزيقية، وجد نفسه في ورطة تداعيات أفكاره، أحس بوخز ذبذبات مُباغتة، تكتسح فروة رأسه، سرعان ما إستفاق من وهم خواطره، إفتر فوهه عن إبتسامة باردة، تراقصت حبيبات من العرق متصفدة على جبينه، كقطر ندى في وقت الفجر على زهور أبريل الخجولة، أدركــ أن السفر الميتافزيقي الذي حاول ركوب صهوته، صعب عسير، ماله والميتافيزيقا، هو ليس فيلسوفا ولامفكرا، ليس حتى رجل دين يخوض في أمور المصير وماهيته، فقط موظف جاء إلى المقهى كعادته، لإحتساء فنجان قهوة في يوم مفتوح على كل الإحتمالات.

استعاد نزار هدوءه، عيناه شاخصتان، تأمل سيولة القهوة في الفنجان ، لم يحدد ما إذا كان السائل مركزا أو مائعا، سقط ظل حجب عنه رؤية فنجان القهوة، إنتزعه من تأمله، رفع رأسه، كانت يد ممدودة ، وضع سيجارة تبغ أشقر بين شفتيه، بقيت اليد ممدودة تنتظر، لم يفلح في تجاهلها، إقترض درهمين من النادل، وغرسهما في راحة اليد الممدودة . للأسف، الأيادي الممدودة كثيرة ومتنوعة هذه الأيام، ممدودة نحو القلوب والضمائر والجيوب، والأرزاق … إنتفض قلق عارم ظل خاملا في أعماقه، “أف ǃǃ أي صُبحية هذه؟ من الميتافزيقا للسياسة”، غالبا ما كان يؤرقه التفكير في السياسة، متى تبدأ؟ متى تنتهي؟ ترى هل كان إقتراض الدرهمين من النادل، سياسة؟؟ ثم هذه الأيادي الممدودة ، اختيارية هي أم إجبارية، أم ضحك على الذقون، لا غير ؟؟ شعر بحرارة تداهم في حذر مسامات خنصره، قذف عقب سيجارته بعيدا عنه، تأسف عن الحركة التي قام بها، عالج الأمر بطريقته دون أن يثير إنتباه من بجواره من رواد المقهى، الغارقون على إختلافاتهم في تتبع المارة، وحل ألغاز الكلمات المتقاطعة، ومطاردة رهانات الخيول في ما وراء البحار، وملاحظة النساء العابرات من كل الأصناف ، قال في خاطره : مجرد التفكير في السياسة ، يتولد الإكتواء بنارها، فماذا يكون – الله يحفظ – لو تم الاشتغال بها ؟؟

… أنقذه بائع صحف متجول من هواجسه، وضع أمامه رزمة جرائد ، شرع في قراءة عناوينها العريضة والشبه عريضة ، ألوانها المطبوعة بالصفحات ، وخطوطها، صورها الأولى والخلفية التي تسترعي الإنتباه، إنتقل مباشرة إلى صفحة الرياضة، استعان بنظارتيه الطبية لمتابعة تفاصيلها، “ياه ǃ تأخروا كثيرا في الصعود إلى القسم الأول، ولكن لا يهم، متى يأتي الخير ينفعُ”، سرعان ما إنتابه إحساس مُلح، أعاده إلى سؤال السياسة، داهمه سؤال عميق حول العلاقة بين السياسة والرياضة، أيهما يسير في فلك الآخر، وأدركــ أن كليهما يحتاج لتداريب وتحضيرات، جولات وأشواط، وملاعب محددة وإحترام للوقت وجماهير، إستحضر البطولات المحلية والوطنية والدولية، كواليس الفيفا، والشركات الحاضنة العالمية ، من المشروبات الغازية إلى السيارات الفارهة ، تخلص من نظارتيه ، لم يعد يحتاج إلى إقتناع في كون السياسة تولد مع الإنسان، تلازمه وتنمو معه، ترافقه حتى في أدق حميمياته، راكم الجرائد على بعضها ترك مهمة إعادة ترتيب صفحاتها إلى بائعها، واضعا دريهمات إلى جانبها، ترى أهي ثمن التصفح والقراءة للعناونين؟ أم ضريبة لإعادة الترتيب؟ كم هو مرير هذا الحيف الذي يطالها، لم يسثتنِ نفسه منه ، دمدم بكلمات خافتة، لم تبارح شفتيه، هواء بارد هاجم شعر ناصيته، تخوف من نزلة برد ، هو في غنى عنها، يكفيه ما بذمته لصيدلي الحي، أعاده النادل إلى عالم المقهى، وضع أمامه الفنجان بعدما دب الدفء فيه من جديد، رشف منه رشفة، إمتعض من مذاقه، لاحظه النادل، وقال : ” إيــــــه ǃ رحم الله القهوة التي كانت . هل تذكر؟ كان عبق القهوة يُشتم من سوق الورد ، على مسافة ǃ للأسف، قهوة هذه الأيام، فقدت نكهتها، كأنها مخلوطة بالشعير…أو بالهموم ” ثم إنصرف.

إخترق كلام النادل نياط قلبه، مثل حقنة مخدر، تؤجل الوعي إلى حين، إرتعدت فرائصه، تحسس في حذر شديد علبة الخليط، الخوف إحساس رتيب ورهيب. إختلط عليه الأمر، تساءل في صمت عن الخليط والعزوبة والسياسة والميتافزيقا والأرصفة والجرائد… لأول مرة، أدرك أن للعزوبة نفقات كبيرة.


بدأ الشارع يزدحم بالمارة والسيارات، والدراجات النارية تمرق بين الحافلات ولا تتوقف، كأن إشارات المرور الضوئية مجرد نافلة، ملأ رواد المقهى المكان، بصمتهم وأحاديثهم، بضحكاتهم ودخان سجائرهم، أعاد نزار تموضع كرسيه محاولا التخلص من الأفكار التي أرهقته، ترك نظراته تتجول بين المارة، تملكته دهشة نحو حركية الشارع، أثارت إنتباهه إمرأة في عقدها الثالث، ماسكة بيد طفل صغير، تتملى في معروضات السلع بواجهات المتاجر الزجاجية، رشيقة الخطو، أنيقة متوسطة الطول، كعبها العالي لاينقص ولايزيد من ذلكـ ، أزياء الربيع جذابة على النساء، على الرصيف الموازي، تتبعهما من مكانه بالمقهى، أحس أن شيئا ما يتفاعل في قرارته، إندفعت يده تلقائيا إلى فنجان قهوته، إشرأب بعنقه من أعماق متاهته، بدت له ذرات تُفْلٍ عالقة بقراره، تمنى لو إستعان بقارئة طالع متمرسة لتفك سر مستقبله، يسمع صوتها المتهدج بالتنبؤات يخبره أن المكتوب على الجبين ، لازم تراه العين.

 

تخلص نزار من سحر جاذبية الكرسي، وأومأ للنادل بالحساب، عاد إلى شقته، أعاد فتح نوافذها ، مرحبا بالضياء، وأشعة الشمس، إستلقى على أريكته العتيقة، كأنها تنتظره بصبر، أحس بنعومة القماش تحت يديه، إعترته نوبة تأمل من جديد حول نفسه، “لم يعد هناكــ وقت للإنتظار، قطار الحياة يقترب من محطته الأخيرة”، إستمرت أشعة الشمس تتراقص ، تتجول داخل أرجاء الشقة، فتح لها قلبه، بزغ نجم في سريرته، منحه هالة من نورانية ، ظلت صورة المرأة والطفل حاضرة في بديهته، ثم تخلص من فخ الإسترخاء على الأريكة، إستجمع نفسه، ونهض مُتعرشا أمام المرآة من جديد، متسلحا بالثقة، مُكفكفًا لعاب أجراس بافلوف، تردد صوت في قرارة قلبه: “لا مذاق للحياة، من دون امرأة، ولا طعم لها، ومن دون أطفال، بدون ذلكــ تبقى الحياة مجرد صحراء موحشة”.

في المساء نام نزار القرطبي قرير العين، محاطا بأحلام مشرقة، في اليوم التالي عزم على القيام بالخطوة الأولى، ثم مع مرور الأيام، إزدانت شرفتَيْ شقته بالنباتات المزهرة، واللبلاب الأخضر المتدلي، وإمتلأت بالحياة والضحكات والنداءات والضوء، والضوضاء .

“انعكاسات في الضباب” رسالة تشكيلية من فناني السلفادور لساكنة مراكش

مـحـمـد الـقـنــور :

يستضيف معهد ثربانتيس بمراكش، من 30 ماي إلى 30 يونيو، معرض «انعكاسات في الضباب»، الذي تنظمه سفارة السلفادور بالمغرب. يضم هذا المعرض أعمال الفنانَين السلفادوريين باربارا رايس وماريو سالميرون الشهير باسم بروست، بالإضافة إلى أربع لوحات فريدة للفنان فرناندو يورت.

هذا، وسيتم افتتاح المعرض مساء غد الجمعة 30 ماي في قاعة المعارض التابعة لمعهد ثربانتس بمراكش، وذلك بحضور إغناسيو دي كوسيو، سفير السلفادور لدى المملكة المغربية.

وحسب بلاغ صحافي من معهد ثربانتيس بمراكش، توصلت به هاسبريس، فإن هذا المعرض يهدف إلى التعريف بالفن السالفادوري، حيث يعتمد “بروست” في هذه المناسبة على درجات الرمادي وأسلوب مستوحى من فن الحفر، ليقدّم أعمالاً تدعو المتلقي إلى رحلة تأمل داخلي، ساعيًا من خلالها إلى إثارة تساؤلات تتجاوز الجانب البصري. من جهتها، تستخدم باربارا رايس أسلوبًا ساخرًا ونبرة تهكمية لتسليط الضوء على التناقضات الكامنة في الوجود الإنساني، وذلك من خلال مزيج من الرسم الرقمي والعناصر المادية، مع لمسة نقدية ساخرة. كما ويستكمل المعرض بأربع لوحات فريدة للفنان فرناندو يورت، الذي تتّسم أعماله بألوانها الزاهية وأشكالها البسيطة ورموزها الروحية، وتعكس حياة الريف، والطبيعة، وإيمان الشعب السلفادوري.

وللإشارة، فإن ماريو سالميرون (بروست) من مواليد عام 1990، يُعتبر من أشهر الفنانين البصريين في السلفادور، تحت الاسم الفني “بروست”، يعتمد على الرسم الرقمي ولوحة ألوان يغلب عليها الرمادي، ما يضفي على أعماله طابعًا تأمليًا ومؤثرًا. تلقّى تدريبه في المركز الوطني للفنون (CENAR)، وتتنقّل أعماله بين التقنيات التقليدية والوسائط الرقمية، مستكشفًا مواضيع مثل العاطفة والذاكرة والأصالة في الفن. ينبع أسلوبه التصويري من بحث شخصي ونقدي تجاه الفن التجريدي، ويتميّز بدقته التقنية وعمقه التعبيري.
في حين، تُعد مواطنته باربارا رايس فنانة بصرية ، من مواليد عام 1992. تلقت تدريبها في التصوير الفوتوغرافي في مركز التعليم في نورنبرغ بألمانيا (Bildungszentrum Nürnberg)، كما درست فنّ الخزف في المركز الوطني للفنون (CENAR) وبالمدرسة العليا للفنون والتصميم ESARDI في السلفادور . شاركت في معارض داخل السلفادور وفي الولايات المتحدة، من أبرزها معرض في قنصلية السلفادور في ولاية كارولاينا الشمالية، بالإضافة إلى معارض جماعية في كل من صالة كلارينيرو الفنية ومقهى المكتبة.

هذا، وكان الفنان فرناندو لورت 1949 / 2018 من أبرز الفنانين في السلفادور، قد أسّس ورشة فنية في بلدة لا بالما، حيث جعل من الفن وسيلةً للتنمية المجتمعية. وبأسلوبه القريب من الفن الشعبي، أبدع هويةً بصريةً فريدة أثّرت بعمق في الثقافة الوطنية، حيث لم يكن لورت رسّامًا فحسب، بل كان رسّام جداريات وموسيقيًّا ومربّيًا. ولا يزال إرثه الفني والإنساني يُلهِم الأجيال الجديدة، رمزًا للسلام والإبداع والانتماء.

ويعكس الفن التشكيلي في السلفادور وفرة التنوع الثقافي والتاريخي لهذا البلد الواقع في أمريكا الوسطى، حيث يجمع بين التأثيرات الأصلية والروافد الإسبانية والعالمية الحديثة، كما يتميز الفن السلفادوري بأساليب مختلفة، من الواقعية إلى التجريدية، ويعبر عن الهوية الوطنية والتجارب الاجتماعية.

ومعلوم، أن الفن التشكيلي في دولة السلفادور يتميز بالتنوع الأسلوبي، وتعدد المدارس والإتجاهات من الواقعية، إلى التعبيرية، ومن التجريدية، إلى السريالية، مما يعكس ثراء المشهد الفني، حيث يستلهم الفنانات والفنانون السلفادوريون أعمالهم من التراث المحلي، بما في ذلك الفنون الأصلية لشعوب المايا والبيبيلي، كما يتم عرض أعمال الفنانين السلفادوريين في معارض عالمية لتعزيز التبادل الثقافي، حيث نظم معرض تشكيلي حول الفن بالسلفادور مؤخرًا في مدينة طنجة، حيث تم عرض أعمال 23 فنانًا سلفادوريًا، من بينهم باربارا رايس، فرناندو يورت، وريناتشو ميلغار، مما يعكس التنوع الفني لهذا البلد

عيساوة موسيقى روحية على خطى عرفان الشيخ الكامل

مـحـمـد الـقـنـــور : 

تأسست الطريقة العيساوية، كطائفة صوفية مغربية في القرن السادس عشر على يد الشيخ الكامل محمد الهادي بن عيسى، دفين مدينة مكناس.

وإشتهرت هذه الطريقة بمزيجها الفريد من التصوف والموسيقى الروحية، حيث تعتمد على الأمداح النبوية والأذكار الصوفية المصحوبة بإيقاعات قوية وأدوات موسيقية مثل الغيطة أو “الزُمَّارة” والطبول.

وتتميز أبرز ملامح الطريقة العيساوية بإيقاعاتها القوية التي تهدف إلى خلق حالة من النشوة الروحية، حيث يتفاعل المريدون مع الأذكار من خلال الحضرة، وهي طقوس تجمع بين الذكر والرقص الصوفي.

كما تعتبر الليلة العيساوية التي تبدأ بطقوس استقبال الفرقة العيساوية، يليها أداء الأمداح والأذكار، ثم مرحلة الجذبة، حيث يصل المشاركات والمشاركون من أتباع الطريقة ومريديها وعشاقها إلى حالة من الصفاء الروحي والتفاعل العميق مع الموسيقى.

كما يتميز لباس أعضاء الفرقة العيساوية، بإرتداء الجلابيب الصوفية والعمامات، بينما يرتدي المريدون الحنديرة، وهي لباس بسيط يعكس مظاهر الزهد ومكنونات التصوف.

وللإشارة، فإلى جانب بعدها الروحي، لعبت الطريقة العيساوية، أدوارا اجتماعية مهمة في المغرب، من خلال تنظيم الليالي العيساوية، وجلسات السماع في المنازل للاحتفال بالمناسبات أو لمعالجة المشاكل العائلية، وفق مبادئ التكافل والوئام .

الوزير أحمد التوفيق ضيفا على “منية مراكش”، ومحاضرا حول دور الزوايا في خطة تسديد التبليغ

مـحـمـد الــقــنـــور :

نظمت جمعية منية مراكش، أمس السبت 17 ماي الجاري، في مراكش محاضرة علمية بعنوان “الدور المنوط بالزوايا في خطة تسديد التبليغ”، ألقاها الدكتور أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية،حيث حظيت المحاضرة بإستحسان الحضور الكبير الذي تابعها، بسبب وضوح هدفها، وبراعة إلقاء المحاضر الوزير أحمد التوفيق، ولطائفه، وبراعته في تسهيل أفكاره، ورؤاه على الجمهور، بلغة واضحة ومباشرة، وضمن تسلسل سلس للمعلومات، مع قوة التأثير والإلهام الذي عرفته المحاضرة حيث لم يقتصر على نقل المعلومات فحسب، وإنما على إلهام الجمهور، ودفعه للتفكير والتأمل وربط الألفاظ المتداولة لدى المتصوفة من الأقطاب والأئمة بمعاني العصر، مع المحافظة على الإيقاع الزمني المتناغم مع محتوى المحاضرة، مما ساعد في إبقاء المستمعات والمستمعين مندمجين وزاد من فهمهم للمحتوى، فضلا عن ميزات التنظيم اللوجيستيكي المميز، و الإستقبالي الجيد من طرف أطر وأعضاء المنية .

وخلال كلمته التقديمية للندوة، التي التي عرفت حضوراً ملحوظا، ترجمه الزخم الجماهيري المتعطش للإطلاع على القضايا المرتبطة بالشأن الديني وأبعاده الصوفية التربوية والتأطيرية، وتابعت أطوارها أوساط أكاديمية، وفعاليات علمية من أطباء ومهندسين ، ورجال ونساء أعمال من مؤسسات إقتصادية،وأطر من مراكز إجتماعية، ومن بعض المصالح الخارجية التابعة للوزارات بجهة مراكش آسفي، والعديد من القيميين الدينيين، وأئمة وخطباء المساجد، ومجموعة من شيوخ وقييمي الزوايا الصوفية، والطلبة والباحثين، أوضح الأستاذ جعفر الكنسوسي، الباحث الأكاديمي في قضايا وعلوم التراث المادي واللامادي المغربي، أن هذه الخطة تروم إطلاع الرأي العام المحلي والوطني والدولي على دور رجالات ونساء التصوف في تسديد التبليغ، ودور الزوايا في تشكيل الوجدان الروحي و الديني لدى المغاربة، ونبد التعصب والدغمائية والتطرف، عبر الإرتقاء بالوعي المجتمعي إلى مقامات الإحسان .

كما أفاد الكنسوسي أن هذه المحاضرة، التي يلقيها الدكتور أحمد التوفيق، كأحد القامات الفكرية والأدبية المغربية، تندرج في إطار إستضافة جمعية منية مراكش لنساء ورجال الفكر والعلوم، ورواد المعرفة والثقافة من المغاربة والعرب والأجانب، وضمن برنامج ذات الجمعية المتضمن لسلسلة من الأنشطة العلمية والمعرفية الهادفة إلى تعزيز الثقافة المغربية ، وإبراز خصوصيات عمل أهل المغرب في الحياة والفمعارف والفنون ، وتعميق النقاش حول ميزات الحضارة المغربية، وخصوصياتها المتنوعة، وإطلاع الرأي العام على أدوار المؤسسات الدينية العريقة، وعلى رأسها الزوايا، في دعم التنمية وتوطيد الخطط الوطنية في مجال التبليغ الديني وتأطير المجتمع على قيم التسامح والفضائل، والإستمرالر في تأهيل الأئمة والخطباء والمرشدين في المدن والبوادي قصد تعزيز وتوطيد الإعتدالية بالعقيدة الإسلامية في المغرب التي تستند إلى ثلاثة أركان رئيسية، المذهب المالكي في الفقه، والعقيدة الأشعرية في علم الكلام، وتصوف الإمام الجنيد في السلوك الروحي. كثوابت شكلت الهوية الدينية للمغاربة عبر العصور، وساهمت في تحقيق الاستقرار الفكري والروحي في المجتمع المغربي، والتصدي لأمواج التجهيل ونوازع الإيديولوجيات والتطرف، إعتمادا على روح العصر، والتواصل المعلوماتي الرقمي كوسيلة للوصول إلى مختلف الفئات الناشئة وأجيال الغد وجميع الأطياف المجتمعية المغربية سواء داخل المملكة أوخارجها.

هذا، وأكد الوزير أحمد التوفيق، على أهمية الزوايا الصوفية في عمليات تسديد التبليغ كأحد أبرز مهام الرسل والأنبياء، وتثبيت قيم الاعتدال والتسامح داخل المجتمع المغربي، مشيرا ، أن الزوايا الصوفية إضطلعت بدور محوري في عمليات تسديد التبليغ، لكونها مؤسسات دينية روحية واجتماعية تكافلية، ومدارس للأخلاق والقيم والمبادئ الروحية الرامية إلى تحرير الإنسان من أنانيته وتوجيهه نحو التزكية التي هي أساس التوحيد، والتربية الروحية، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

كما أشار التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى أن الزوايا تُعد ركيزة أساسية في الإصلاح الروحي، مؤكدا على أهمية التبليغ الديني الذي يتطلب القدوة الحسنة من شيوخها ومريديها ممن يمثلون نموذجًا عمليًا للسلوك الإسلامي المعتدل، المتحرر من الأنانية، والمقبل على نكران الذات والإنفاق المعنوي والتريض الروحي كتمرين للنفس والمادي، مضيفا، أن الزوايا كالدرقاوية والتيجانية والناصرية والقادرية والمريدية وغيرها ظلت تُسهم في مواجهة التحديات الاجتماعية على غرار التجهيل، والتطرف والدوغمائية، والتغريب و الإنحلال والتفكك الأسري، عبر مواسمها ولقاءاتها، وأعمالها كمنصة مفتوحة لتقديم الدعم الروحي والتربوي للمجتمع المغربي، ولمختلف مريديها ومتعلميها وزوارها من المغاربة والأجانب.

في سياق متصل، دعا الدكتور التوفيق الصوفية إلى عدم تجاهل مشروع العلماء في تسديد التبليغ، مؤكدا أن عبارة “حسنات الأبرار سيئات المقربين” تُستخدم في السياق الصوفي للإشارة إلى أن الأعمال التي تُعتبر حسنة عند عامة الصالحين، قد تُعدّ غير كافية عند أولياء الله والشيوخ الأقطاب المقربين منه، حيث أن المقربين يسعون جاهدين إلى أعلى درجات الإخلاص والتجرد، لذا فإن ما يُعتبر حسنًا عند غيرهم قد يُعدّ تقصيرًا في حقهم لأنهم مطالبون بمستوى أعلى من الصفاء الروحي، مبرزا أن الانشغال بالعبادات الظاهرة كالصلاة والصيام اللذان تعتبران من الحسنات عند الأبرار، لكنها قد تُعتبر نقصًا عند المقربين الساعين والعاملين على حضور القلب الكامل مع الله تعالىـ كأحد تجليات سمو معايير السلوك الروحي.

وللإستدلال على أن الصوفية تواكب لغة ومفاهيم العصر،ومنهجية تسديد التبليغ، وتعكس قيمً التسامح، وقوة التأمل، لفهم الذات والتواصل مع العالم بطريقة أكثر عمقًا، وتكشفُ نجاعة التوازن الروحي، في ظل التحديات الحديثة، أورد الدكتور أحمد التوفيق، مقولات من كتاب “قواعد التصوف”، ” للصوفي المغربي الشيخ أحمد زروق الذي كان عالمًا وفقيهًا مالكيًا وصوفيًا بارزًا، كقوله رحمه الله : “لا تصوف إلا بفقه، إذ لا تُعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذ لا عمل إلا بصدق وتوجه، ولا هما إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما بدونه.”


وللإشارة، فقد إشتهر الشيخ زروق بجمعه بين الشريعة والحقيقة، حيث سعى إلى تصحيح مسار التصوف، وإعادته إلى أصوله المستمدة من الكتاب والسنة، فَــرَفضَ الغلو والانحرافات التي دخلت على التصوف، ووضع قواعد واضحة للمريدين تتضمن جماليات العرفان الصوفي وتأثير المعرفة الذوقية على التجربة المعيشية والآفاق الروحية.

وعلى كل حال، فقد وُلِد الشيخ أحمد زروق في المغرب، سنة 846 وتلقى علومه في فاس، ثم انتقل إلى مصر حيث درس في الأزهر، قبل أن يستقر في مصراتة، ببلاد ليبيا،إلى وفاته سنة 899 هجرية، حيث أسس بمدينة مصراتة زاويته التي أصبحت مركزًا علميًا وروحيًا هامًا، في شمال إفريقيا.

الفنان الراحل أشيبان، مايسترو أحيدوس

مـحـمـد الـقـنــور  : 

لم تكن تمنع عقود عمره الثمانية من رشاقة جسمه، وعنفوانية تحركاته في ساحات الرقص، وعلى خشبات المسارح ومنصات المهرجانات، ذاكــ هو الفنان الشعبي الراحل موحا أو الحسين أشيبان، المعروف بلقب “مايسترو أحيدوس”، والذي كان أحد أبرز رموز الفن الأمازيغي في المغرب. وُلد عام 1916 في منطقة أزرو بالأطلس المتوسط، وكرّس حياته لإحياء رقصة أحيدوس، التي تُعتبر جزءًا من التراث الثقافي المغربي الأمازيغي، فكان من أبرز وجوهها بكل إقتدار وبراعة .

ولقد إشتهر أشيبان بأسلوبه الفريد ، وإيماءاته البديعة بأصابعه ورأسه في قيادة فرقته، حيث كان يُعرف بحركاته الديناميكية وصيحاته التي تُلهب الحماس بين المشاركين والجمهور. وقد شارك في معظم دورات المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش، والذي يعتبر أقدم مهرجان بالمغرب، وبالعديد من المهرجانات الدولية، مما ساهم في نشر هذا الفن الفلكلوري وطنيا وعالميًا.

هذا، ويعد أحيدوس جزءًا من التراث الثقافي المغربي، ويُؤدى في المناسبات الاجتماعية مثل حفلات الزفاف ، والمواسم الفلاحية فرحا بالنماء والخصوبة، كما يعتبر جزءا أساسيا في كل المهرجانات الشعبية، حيث يعبر عن الفرح وعن الانتماء للأطلس المغربي الأبي.

كما يجمع أحيدوس بين الغناء والرقص الجماعي، ويُؤدى بشكل رئيسي في قرى ةدواوير ومداشر الأطلس المتوسط ، وفي بعض حواضره على غرار إفران، أزرو، وخنيفرة، وإيموزار، حيث يقوم المشاركون والمشاركات بتشكيل دائرة أو صفًا متناسقًا، مرددين الأهازيج الأمازيغية على إيقاع البنادير، مما يخلق مشهدًا احتفاليًا يعكس روح الجماعة وقيم التعاون، ووحدة الصف. 

رواق سينيا 28 بمراكش، يستضيف الفنان سعيد ورزاز

مـحـمـد الــقــنـــور : 

في إطار ديناميكيتها الثقافية والفنية، وحرصا على إستمرار تواصلها مع المهتمين بالحركة التشكيلية المغربية والعالمية، يستضيف رواق سينيا 28 ، منحوتات ولوحات الفنان  التشكيلي سعيد ورزاز، والمنظم تحت عنوان “رقص ودوامات”  DANSE & TURBULENCE، بشراكة مع مؤسسة WEARTY، حيث يعانق المعرض من 1 إلى 4 مايو المقبل، مختلف المهتمين بالفن التشكيلي ، وعشاق اللون والطيف .

هذا، وتختزل التجربة الفنية لسعيد وارزاز من خلال لوحاته ومنحوتاته، قدرته في الجمع بين تماوجات الألوان الزاهية، وتكرار الإيقاعات النابضة بالحركية، مع حرصه على تعددية الأنماط، من خلال المغايرة  والتشابك، في عالم يمتزج فيه الحلم مع فلسفة التجريد ودقة التصوير.

وللإشارة، فإن  سعيد ورزاز ، من مواليد سنة 1965 في أحد الجماعات القروية بإقليم الصويرة، حيث يعيش ويعمل كمزارع تقليدي، وكما يمتهن البناء .

ويعتبر سعيد وارزاز فنانا تشكيليا عصاميا، علم نفسه بنفسه، حيث بدأ مشواره الفني بالنحت قبل أن ينتقل إلى الرسم. ورغم أننا نجد في أعماله بروتوكولاً إبداعياً يشبه بعض أقرانه في الصويرة، إلا أن سعيد ورزاز يمتلك لغة جمالية، وبصمات إبداعية خاصة به، من خلال لوحاته المكثفة، حيث يتوحد فيها ماهو  تجريدي بما هو تصويري، ليتخذ مسارًا غير عادي، تضع المتلقي في عالم أشبه بالأحلام حيث تفلت الحيوانات والنباتات والشخصيات المتنوعة والمختلفة من نظرنا، لتختبئ تحت الظلال والتراكبات اللونية الأخرى، قبل أن تصبح مليئة بالأشكال المغايرة والمتشابكة.

وللذكر، فقد سبق للفنان التشكيلي سعيد ورزاز أن أقام مجموعة من المعارض لأعماله في المغرب والخارج منذ عام 1996، وكان له دور بارز في معرض Outsiders/Insiders (2021) في MACAAL بمراكش، بالإضافة إلى معرض Artistas Singulares Marroquies (2014) في Museo Sa Bassa Blanca، في مدينة مايوركا الإسبانية. .

المترجمة متوكل، تَعبرُ بشاعرية كاهيتي نحو ضفة جنوب المتوسط

مـحـمـد الــقــنـــور :

قدم معهد ثيربانتيس بمراكش مساء أمس  الإثنين 14 أبريل الجاري، النسخة المزدوجة إسباني عربي، للديوان الشعري “طريق وليلي” وترجمته إلى اللغة العربية، وذلك في لقاء مباشر مع الشاعر الإسباني المعاصر مانويل كاهيتي والأستاذة والمترجمة المغربية سلمى متوكل، حيث يأخذ ديوان “طريق وليلي” الشعري بنسخته المزدوجة باللغتين الإسبانية والعربية، والصادرة عن دار نشر “ديوان مجريط” بالعاصمة الإسبانية مدريد، القراء في سفر شعري بين الأندلس والعالم العربي، سَفَرٌ يَسْبر أغوار الماهية، ويعيد تراتيل الذاكرة، ويحدد معالم الهوية وجماليات الغنى الثقافي المشترك، الذي طالما طبع عمليات المثاقفة، بين ضفتي المتوسط.

هذا، ويعتبر مانويل كاهيتي الذي ينحدر من فوينتي أوبيخونا Fuente Obejuna”، إحدى بلديات مقاطعة قرطبة، من الشعراء البارزين في إسبانيا حاليا، فضلا عن كونه ناقدا وأكاديمياـ ألّف مجموعة كبيرة من الدواوين الشعرية المتفردة، وحَصَدَ العديد من الجوائز الأدبية الوطنية، كما تُرجمت أعماله إلى عدة لغات من بينها الفرنسية، الإنجليزية، الإيطالية، الألمانية، الرومانية والعربية.

ويعمل مانويل كاهيتي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة والآداب من جامعة قرطبة، وعلى دكتوراه أخرى في علوم التربية من جامعة غرناطة،كأستاذ اللغة الإسبانية وآدابها (ES) بذات الجامعة. 

وكان كاهيتي قد حصل على جائزة النقد الوطنية إليانور دي غوزمان من جامعة قرطبة، كما يشغل نائب رئيس الأكاديمية الملكية في قرطبة ورئيس جمعية كُتّاب إسبانيا في الأندلس، وقد تم الاعتراف بمسيرته الأدبية المتميزة وعمله الثقافي من خلال حصوله على الميدالية الذهبية من جامعة قرطبة، وجائزة مدينة كابرا للشعر، وجائزة آنا ماريا دي سوتو من المديرية المركزية للدفاع بقرطبة، وجائزة ابن رشد الذهبية في فئة الأدب بمدينة قرطبة.

في حين تحصلت الأستاذة والباحثة والمترجمة سلمى متوكل ، المزدادة بفاس سنة 1988، على الإجازة في الدراسات الإسبانية من جامعة فاس سيدي محمد بن عبد الله، وعلى شهادة الدكتوراه في اللغة الإسبانية وآدابها من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. كما ترجمت للعديد من الشعراء المعاصرين في أمريكا اللاتينية، على غرار الشاعرة الأوروغواية “إيدا فيتالي” والشاعر الكولومبي “ألفارو موتيس” الحائزين على جائزة تيربانتيس للأدب، وفي إسبانيا، كــ”خوسيه ساريا”، “بالوما فيرنانديز ݣوما”، “فيرناندو بالبيردي”، “مانويل كاهيتي” وآخرون.

وتشغل سلمى متوكل أستاذةً مُتعاونة بجامعة القاضي عياض في مراكش، وأستاذة للغة الإسبانية كلغة أجنبية ثانية في التعليم الثانوي التأهيلي، كما تؤطر ورشة للغة الإسبانية بمركز التفتح للتربية والتكوين، فضلا عن كونها أستاذة متعاونة بمعهد “ثيربانتيس” بمراكش.

وللإشارة، فقد شاركت الدكتورة سلمى متوكل في مؤتمرات دولية ووطنية، ونشرت العديد من الدراسات والمقالات العلمية باللغة الإسبانية، كما لها عدة كتب في الترجمة.