الأوديسا : رؤية سينمائية موضوعية حول عقوبة تدمير الحضارات‎

مـحـمـد الــقـنـــور :

حول أوليس Ulysses البطل الأسطوري اليوناني، وملك جزيرة إيثاكا، وأحد أبرز شخصيات ملحمة الأوديسا للشاعر الشهير هوميروس، جرى حديث بيني وبين صديقي الأستاذ جعفر الكنسوسي الخبير في قضايا التراث المادي والغير المادي بمقهى الأدباء على بوابة حي القصور، بشارع الرميلة في مراكش العريقة، على أن فيلم الأوديسا الجديد، يتناول هذه الملحمة من زاوية موضوعية، لا من زواية المنتصرين على طروادة، ومن مشى على خطاهم من المخرجين الذين سبق لهم أن أخرجوا الفيلم في نسخ سابقة .
:
والحق، أن الحديث مع الأستاذ جعفر الكنسوسي، يكون ممتعا، وشيقا لما يتوفر عليه من ذاكرة قوية، وشخصية مثقفة ودماثة أخلاق، ونبل سريرة، ومن إطلاع وبحث في التراث وفي التاريخ، والعديد من المعارف، ثم لما يتميز به من أسلوب فريد وسهل ممتنع في الحديث إلى الناس، يجمع بين المتعة المعرفية والعمق التاريخي، والقدرة على ربط الوقائع التاريخية والحضارية، ببعضها البعض بشكل موضوعي وبلمسات لطيفة وإشراقية، وأدلة ملموسة.

ثم، ألح عليَّ الصديق الأستاذ الكنسوسي إلحاحا كريما، في أن أشاهد “الأوديسا” الصادر حسب ملصق ذات الفيلم 17 يوليو 2026 كفيلم سينمائي ضخم وجديد، والمعروض بإحدى صالات الميكاراما السينمائية في مراكش، ودفعني إلى ذلكــ ، دفعا مهذبا وأنيقا .

وبالفعل، فقد توجهت من مساء الغد إلى الصالة السينمائية المعنية، فعرفت من الملصق ومن الجنيريك أن الفيلم للمخرج المميز كريستوفر نولان، رفقة فريق من نجوم التمثيل العالمي من ضمنهم توم هولاند، آن هاثاواي، روبرت باتينسون، لوبيتا نيونغو، والممثلة الشهيرة زندايا، وتيموثي شالاميه، ثم أثناء المشاهدة، أدركتُ أن هذه “الأوديسا” المعروضة سينمائيا ليست فقط من نوع تلكــ الأفلام السينمائية التي دأبت على إستعرض الملحمة الشهيرة، وما فيها من مغامرات، ومن دراما تاريخية، وحبكة وتشويق وخيال، وإنما هو إعادة تناول سينمائي لملحمة الأوديسا للشاعر الكبير هوميروس، وإستحضار لمظهر من مظاهر صراع الحضارات الأبدي، ووقوف على حقيقة ذاكــ الصراع الخفي، الذي ظل دوما حاضرا بين الشرق الروحي والغرب المادي، فرحلة “أوليس” ملكــ مدينة “إيثاكا” الذي اشتهر بدهائه ومكره أكثر من إشتهاره بقوته البدنية، ورغم أن تفاصيل العقاب الذي حل بــ “أوليس” وجنوده التي وردت في أفلام هوليوود السابقة ظلت نفسها في هذا الفيلم، الذي عرف على مستوى الشكل إضافات تقنية سينمائية مثل استخدام مؤثرات كاميرات IMAX بالكامل مما أبرز إبداع و توجه المخرج نولان نحو هذه التجربة البصرية الضخمة ، وسعيه في تحسيس الجمهور كأنه جزء من سردية الفيلم، وتجاوز شكل الأفلام السابقة حول “الأوديسا” التي طغى عليها النمط الفرجوي والتشويقي، وغاب عنها ربط الأسباب بالنتائج .

وعلى كل حال، فمعروف لدى الجميع، أن “أوليس” هذا، كان ملكــا لمدينة “إيثاكا”، وأنه كان ضمن الملوك والفرسان والقادة والجنود الإغريق ممن حاصروا ثم دمروا وأحرقوا مدينة طروادة، بعد حصار وحروب إستمرت عشر سنوات، بل كان هو من إقترح خدعة حصان طروادة في أواخر العام العاشر، وابتكرها، وهي الخدعة التي أسقطت المدنية والحضارة في طروادة، ثم قضى “أوليس” بعدها عشر سنوات أخرى رفقة رجاله في التيه بالبحار والجزر والأحراش والشواطئ المهجورة والغابات بعيدًا عن وطنه عقابا له من الآلهة عن فعلته الشنعاء في حق الحضارة وفي حق طروادة ، فعاش خلالها الويلات بجزيرة “اللوتوفيج”حيث فقد بعض رجاله عقولهم وتركوا الرغبة في العودة بسبب أكلهم لزهرة اللوتس، ثم إلتهم “السيكلوب” ذاكـ المسخ العملاق في مغارة بغابات جزيرة “البوليفيموس” بعضا من رجاله، قبل أن يفقؤوا عينه الوحيدة التي تتوسط جبهته، ثم تعرض الناجون منهم لمكر وشر ساحرة جزيرة سيرس التي حولت في غياب “أوليس” معظمهم إلى خنازير، بعدها أشفقت عنهم وأعادتهم إلى صورتهم الإنسانية، قبل أن ينزل وأياهم إلى العالم السفلي، للقاء الأرواح واستشارة النبي تيريسياس، وقد قدم المخرج كريستوفر نولان، هذا “السيرس” كنبي ، وهو مفهوم شرقي وليس يوناني أو غربي، فالإغريق عرفوا السحرة والكهان والعرافين والشعراء والحكواتيين والشعراء والحكماء ولم يعرفوا الأنبياء كمفهوم شرقي ، وقد ورد مفهوم النبي من الشاعر هوميروس صاحب الأوديسا لكونه شرقي ، فقد ولد في أزمير، ولم يكن إغريقيا.

بعدها وخلال رحلة تيه “أوليس” هذه، أغلق آذان رجاله بالشمع وربط نفسه إلى صاري سفينته ليتجنب سحر أصوات حوريات البحر اللواتي لا يمكن مقاومة إغراءاتهن الشبقية القاتلة، ونداءاتهن له ولرجاله من أعماق البحر، قبل مواجهته للوحش البحري “سكولا” والمارد “كاريبديس” وتجاوز الدوامة البحرية القاتلة، والوصول إلى جزيرة الشمس، حيث تمردت عليه البقية الباقية من رجاله، فعصوا أوامره وذبحوا ماشية الإله “هيليوس” ، فنالهم من جراء ذلكــ ، عقابا شديدا، وسخطا كبيرا، وعذابا ما بعده عذاب ، وعرضوا أنفسهم للموت، فيقي وحده محتجزا من طرف “كاليبسو” تلكـ الحورية الحسناء التي أغوته لسنوات أخرى طويلة بلوعة العشق ودافع الحب، وهو الحب نفسه، والعشق عينه، اللذان دفعاها إلى السماح له بالعودة إلى مدينته “إيثاكا”، حيث عاد وحيدا شريدا منهكا، ومتنكّرًا في ثياب شحاذ، ليقتل الخطّاب المئة والثمانية الذين طلبوا الزواج من زوجته “بينيلوب” والتي بقيت تنتظره لعشرين سنة.

وطبيعي، فقد أحسن المخرج كريستوفر نولان، وطاقمه الفني وزمرته من الممثلات والممثلين العالميين، فهم حقيقة ما رمى له الشاعر الشرقي الكبير هوميروس بملحمته الأوديسا من إنتصار لحضارة طروادة تلكــ المدينة الشرقية الخالدة في التاريخ، وفي الأساطير وفي الوجدان الجماعي للبشرية، ثم، وضع يده عن مغزى الأوديسا عندما كشف أسباب عقاب “أوليس” الجحيمي الذي إستير لعشر سنين، وهو ما لم تذكره الأفلام ولا المسلسلات السابقة التي تناولت هذه الملحمة “الأوديسا”.

هذا، ويجمع العديد من المؤرخين، والأستاذ الكنسوسي أشار إلى هذا، أثناء حديثه إليَّ ، أن السلطان محمد الفاتح يرحمه الله غداة سقوط القسطنطينية سنة 1453 ميلادية، ذكر في خطابه أمام جيشه وساكنة القسطنطينية التي ستتحول لاحقا إلى ” اسلام بول” “مدينة الإسلام ” ثم إستانبول” أو “الأسِتانة”، أن فتحه لهذه المدينة التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنعم في حديثه على الجيش جيشها وعلى الأمير أميرها وفاتحها، ماهو إلا ثأر لطروادة ، وهي عبارة شهيرة تداولتها وحققتها الكثير من المصادر العثمانية الأصلية وأكدتها المصادر التاريخية الأوروبية الحديثة.

وعلى كل حال، فقد ربط السلطان الفاتح إنجازه العسكري المؤيد بالحديث النبوي، برؤية أوسع تتجاوز حدود الإسلام وإنجازات العثمانيين، ليضعه خلال القرن الخامس عشر الميلادي في إطار تاريخي حضاري عالمي.

ثم، أن مدينة طروادة لم تكن مدينة يونانية، وإنما كانت مدينة شرقية تقع في الأناضول ، في تركيا الحالية، وكانت ملمحا من أبرز ملامح الحضارات الشرقية، قبل أن يتكالب عليها الإغريق ليدمروها، ويستولوا على تراثها وخيراتها ، فقد دُمّرت عمرانيا و وحوديا على يد الإغريق في الملحمة الهوميرية، كما أن تأكيد الثأر في خطبة السلطان ربط بين الأتراك المسلمين الذين استقروا في الأناضول، وبين أحفاد الطرواديين من الناجين ، الذين تعرضوا للغزو الإغريقي، وهذا ما وقف عليه المخرج “كريستوفر نولان” بالكثير من الفرادة والموضوعية والتميز .

مجلس الكتبيين بمراكش يستحضر الذاكرة المغربية عبر رواية دار لمِّيمة

مـحـمـد الـقـنــور : 

في إطار انفتاحه على الفعاليات الأكاديمية والأوساط الأدبية والدوائر العلمية والكفاءات الحرفية والجهات المعرفية، ورواد الصنائع الحرفية والمهارات الإبداعية، احتضن مجلس الكتبيين الذي تنظمه جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، مساء اليوم السبت 20 يونيو الجاري، لقاءً أدبيًا مميزًا بإستضافة الروائي المبدع محمد العروصي بمقر الجمعية في رياض الجبل الأخضر بحي الرميلة قلب المدينة العتيقة لمراكش.

هذا، وكان اللقاء الذي حضره العديد من المثقفين والمتتبعين، والنقاد والمهتمين بقضايا الإبداع والنشر، ووسط حضور نخبة من الفنانين والإعلاميين، مناسبة لتقديم الرواية الأدبية الجديدة “سيرة أسرة مغربية، دار لمِّيمة” لمؤلفها الكاتب الأديب المذكور الأستاذ محمد العروصي .

في سياق متصل، قام بتيسير اللقاء والنقاش قيم المجلس الأستاذ جعفر الكنسوسي، الخبير الأكاديمي في قضايا التراث المادي وغير المادي،  الذي تولى تنشيط المجلس الأدبي وإثراء الحوار حول مضامين الرواية وأبعادها الثقافية والاجتماعية.

إلى ذلكـــ ، تستحضر رواية “دار لمِّيمة” الذاكرة المغربية من خلال تسلط الضوء على مسار أسرة مغربية، في محاولة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية عبر السرد الأدبي، وإبراز تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل جزءًا من الهوية المغربية، في سرد أدبي يمزج  بين عنفوانية الكلمات، وطلاوة العبارات، ومن خلال بناء درامي يمزج بين مميزات الأدبية وتفاصيل التراث المغربي.

على ذات الواجهة، إنصبت مداخلات الحضور، حول كيفيات تحويل النصوص الروائية إلى وسيلة لصيانة الذاكرة وحفظها من النسيان، ودور بعض الأعمال الروائية المغربية للتعريف بالذاكرة الجماعية المغربية والتراث، من خلال إعادة بنائها للأحداث التاريخية والاجتماعية عبر السرد الأدبي، ومنح صوتًا للأفراد والتجارب، مما يحفظها من الاندثار والنسيان.

وللإشارة، فإن مجلس الكتبيين منذ تأسيسه ضمن أشغال جمعية منية مراكش، ظل يشكل محطة مميزة ومؤثرا  للتلاقي، ومنصة للتفاعل بين الأدب والتراث، حيث يجمع بين الأكاديميين والكتاب والفنانين والمهنيين من أرباب الصنائع والفنون التعبيرية والتشكيلية في فضاء مفتوح للحوار والإبداع، وإنسجاما مع أهداف جمعية منية مراكش في إحياء التراث المغربي وصيانته، عبر مبادرات ثقافية تجمع بين الماضي والحاضر، وتفتح آفاقًا جديدة للتفكير مستقبلا في حفظ الهوية المغربية.

كما أن النقاش الذي أداره الأستاذ جعفر الكنسوسي لم يقتصر على الجانب الأدبي للرواية، بل امتد إلى مساءلة القضايا المرتبطة بالتراث المادي والغير المادي المغربي، وكيفيات إدماجه في الكتابة الأدبية المعاصرة، بما يعزز حضور الثقافة المغربية في المشهد الفكري العالمي.

من الإسلام التاريخي إلى الإسلام الحضاري

إنَّ السيرة النبوية، حين تُقرأ بروحها العميقة لا بسطح أحداثها، تكشف أن الإسلام لم يكن مشروع حربٍ أو صراعٍ من أجل الهيمنة، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملاً لبناء الإنسان، وتحرير وعيه، وإقامة ميزان الرحمة والعدل بين الناس. فالنبي محمد ﷺ لم يأتِ ليؤسس ذاكرة للخوف والكراهية، وإنما جاء ليؤسس معنى الكرامة الإنسانية، ويجعل من الإنسان خليفةً في الأرض يحمل رسالة الإصلاح والسلام.

إنَّ الفهم الجديد للدين اليوم يقتضي الانتقال من الإسلام بوصفه “هوية مغلقة” إلى الإسلام باعتباره “رسالة أخلاقية مفتوحة” تخاطب الإنسان أينما كان، وتُعلي من قيم التعارف والتعاون والرحمة. فجوهر الدين ليس في كثرة الشعارات، ولا في استحضار صراعات الماضي، بل في القدرة على صناعة إنسان متوازن: صالح مع نفسه، رحيم مع غيره، ومسؤول تجاه مجتمعه والكون من حوله.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن العالم لم يعد يحتمل خطابات الإقصاء والتعصب، بل أصبح في حاجة إلى ثقافة روحية جديدة تُعيد وصل الإنسان بأخيه الإنسان، مهما اختلفت ديانته أو لغته أو معتقده. ومن هنا فإن التعايش بين الديانات ليس مجرد مجاملة فكرية أو اتفاق سياسي، بل هو ضرورة حضارية وأخلاقية، لأن الأديان في أصلها جاءت لخدمة الإنسان، لا لإشعال الحروب بين البشر.

إن الإسلام في أبعاده العميقة يدعو إلى الحكمة، وإلى الحوار، وإلى التعارف:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فالتعارف هنا ليس مجرد معرفة شكلية، بل اعتراف متبادل بالكرامة الإنسانية، وبحق كل إنسان في أن يعيش بأمان واحترام.

إن السبيل الجديد لفهم الدين يمر عبر:

* تقديم السيرة النبوية كنموذج للأخلاق والرحمة والعدل.
* ترسيخ التربية على التفكير والحوار بدل التلقين والانغلاق.
* بناء خطاب ديني بلغة العصر، يخاطب العقل والقلب معًا.
* الانتقال من ثقافة الخوف من الآخر إلى ثقافة التعارف معه.
* اعتبار الإنسان قيمةً عليا، بصرف النظر عن انتمائه.

فالنبي ﷺ كان رحمة للعالمين، ولم يقل “لجماعة” أو “لقوم” أو “لدين” فقط، بل للعالمين جميعًا. ومن هنا يبدأ الفهم الحضاري الجديد للإسلام: دينٌ يصنع الإنسان قبل أن يصنع السلطة، ويبني الجسور قبل الأسوار، ويزرع الرحمة بدل العداوة.

 

وفي زمن تتشابك فيه الحضارات والثقافات، يصبح المؤمن الحقيقي ليس من يُكثر الحديث عن الاختلاف، بل من يستطيع أن يجعل من إيمانه مصدرَ سلامٍ وعدلٍ ونورٍ للآخرين…

سيدي شمهاروش “عـفـريت الأولياء ووليُّ العـفاريت”

مـحـمـد الـقـنــور :

ظلال وارفة من الأشجار العالية، تحول ضوء النهار إلى مساء خفيف القتامة ، وبرودة واخزة تنبعث من كل فج عميق، قمم جبلية شاهقة تكسوها الغابات والأحراش، ووديان سحيقة العمق، فجاج جميلة يزيدها الصمت وحشة وقشعريرة، ولايكسر صمتها سوى خرير الجداول والشلالات الخجولة هنا وهناكـ ، حيث تدخل كل أنواع المتعة إلى القلوب والأرواح والأجساد بفعل تسلق الجبل دون استئذان.

إنها الطريق إلى ضريح سيدي شمهاروش،من قمم إمليل، وفجاج أسني، ضريح يعتبر أحد أغرب المزارات الدينية في جهة مراكش آسفي،وفي المغرب وكل دول العالم الإسلامي، ليس فقط من حيث أن المؤرخين لا يعرفون نسبه واسم آبائه وأجداده، وأصوله، وإنما كذلك لأن الكل يتفق في كونه من سلاطين الجن، العرفين بمقومات الإسلام وبأصوله وفروعه وعلومه، والحافظين للقرآن الكريم…

وعند ضريح “سيدي شمهاروش” الواقع تحت أقدام جبل طبقال أعلى قمة في المغرب والعالم العربي،يختلط الواقع بالخيال، وتنتهي الحقائق لتبدأ الأسطورة، التي تناولتها أكثر الأقلام سواء في المغرب أو في الخارج.

تحكي الأسطورة أن “سيدي شمهاروش” هو سليل عائلة ملكية من الجن، وأنه تلقى علوم الدين الإسلامي على يد علماء كبار في الفقه والحديث أمثال البخاري صاحب كتاب الصحيح في السنة النبوية.

وحول العلاقة بين البخاري الذي عاش في المشرق، وسيدي شمهاروش دفين جبال الأطلس المغربية ، ينضاف جانب آخر من لغز هذا الضريح، الذي يقام عليه موسم سنوي منذ قرون، والذي يتزامن مع إطلالة موسم “السمايم” ، وتحضره قبائل المنطقة من ﯖندافة ومسفيوة وغيغاية، ويشهده  مجموعات كبيرة من أتباع الزوايا الصوفية في مختلف بلدان المسلمين.

كما أن حكاية أخرى ترتبط بسيدي شمهاروش، حيث يؤكد المتشرق ادموند دوتي Edmond Doutti  في كتابه حول السحر والدين بالمغرب الصادر سنة 1914 أن “شمهاروش” هو أحد كبار سادة الجن، وأنه عفريت مسلم، وتلميذ لمولاي عبد القادر الجيلالي، وأنه أحد أقطاب الزاوية القادرية في شمال إفريقيا.

يقع ضريح “سيدي شمهاروش” عند ملتقى نهري “تاغات” و “اوكانت”، وعند الضفة اليسرى لهذا الأخير، يوجد كوخ صغير متكئ على كتلة صخرية ضخمة، يتماهى الضريح مع لونها وضخامتها، كما توجد بداخل الضريح ساريتان كبيرتان من الخشب تسندان السطح، وتقسمان الضريح إلى جزئين، فالجزء الأيمن منه مفتوح على ساحة صغيرة، يشعل الزوار فيها الشموع تعبيرا عن الإحتفاء بالأنوار، ويقدمون بها الهدايا والأضحيات، التي عادة ما تكون من الماعز.

يقول الحسين أحد قَـيـِّـمِي الضريح المكلفين به لــ “اسوال بريس” : أن سيدي شمهاروش هو من الجن الصالحين المسلمين، وهو فقيه كبير وعالم بأسرار الدين وفروضه، وأنه عاش قرونا كثيرة، وحكم الجن والعفاريت ثم التحق بالرفيق الأعلى لأن كل نفس ذائقة الموت، حتى وإن كانت نفس سلطان سلاطين الجن، الذي لا تزال بركته قائمة وسارية المفعول رغم وفاته”.

زقاق “دفة وأربع” بمراكش حيث منح باب متجر صفته للحي

مـحـمـد الـقـنــور :

في شرق حي القصور العتيق والتاريخي، يتموقع زقاق “دفة وأربع”، وربما على مستوى العالم، وليس فقط في المغرب أو في مراكش، يعطي باب متجر عريق، صفة بابه لزقاق بأكمله، فقط إلتقطت عيون المراكشيين، قبل عقود صفة باب هذا المتجر، المتميزة عن المتاجر المجاورة له، حيث تتكون كل المحلات التجارية والمطاعم الشعبية والدكاكين التقليدية في مراكش المدينة خصوصا من طرفين للباب، والذي يتكون من دفتين يُسمَّيان عادةً المصراعين أو الضَّلفتين، وكل طرف يُسمى دفة أو ضلفة غالبا ما تكون متساويتين في الطول والعرض، بينما يُطلق على نقطة الالتقاء بينهما اسم الفراغ أو الفاصل الأوسط، وهو العارضة، تجمع بينهما الأقفال والمصراع “الزكروم” عند الإغلاق .

فبذات الحي، كان ولايزال هناك متجر كبير، للأثواب وقطع القماش وستائر الحرير، بحيث لا يختلف في بضاعته عن باقي معظم الدكاكين، لكنه تميز ببابه الفريد، حيث تشكل الطرف الأول أو الدفة الأولى من الباب العريض ثلاثة أرباع الباب، في حين يمثل الربع الرابع الدفة الثانية، مما جعل ملاحظات قدماء المراكشيين لا تخطئ ملاحظته لما يزيد عن قرن من الزمن، وتطلق صفة وتكوين هذا الباب على الزقاق عموما بحي القصور في مراكش .

وحسب مصادر تجارية وبعض الساكنة من ذات الزقاق، فقد كان الباب “دفة وأربع” خشبيًا عتيقًا، مطليًا بلون بني، تتموقع على جنباته زخارف ونقوشات منحوتة يدويًا، وفي أعلاه قوس مزخرف بآيات قرآنية وأذكار صوفية من الخط المغربي الأصيل.

وعلى كل حال، فلم يكن الباب مجرد مدخل للمتجر المذكور، بل صار إسما ورمزًا للزقاق بأكمله، حيث لا تبدو غرائبيته الجميلة واضحة للعيان إلا غداة إغلاق متاجر الزقاق في الساعات الأولى من الصباح، أو الأوقات المتأخرة من الليل، لدرجة أن الأطفال كانوا يتخذونه نقطة لقاء، والنساء يستخدمنه كعلامة دالة حين يصفن الطريق للزائرات، بينما كان الرجال يجلسون بجواره ليتبادلون أخبار اليوم، بل حتى بعض الباحثين والدارسين من المغاربة والأجانب للتراث الحضري لمدينة الرجال السبعة كانوا على إطلاع بخصوصية هذا الباب الذي يضيء المكان بإسمه وبخصوصيته.

مع مرور السنين، صار المتجر يعرف بـ”دفة وأربع”، وأصبح الباب ذاكرة جماعية مراكشية، ومغربية، دخلت الصكوك العقارية والخرائط التوجيهية، والبطائق البريدية، ووثائق الهوية لساكناته وتجاره، وباتت تروي عن عجائبيته وسلعه القصص والحكايات ، تتناقلها الأجيال المتعاقبة، وحيث يلتقي التاريخ بالحياة اليومية في تفاصيل صغيرة تعكس الطابع المعماري التقليدي للمدينة العتيقة ، وحيث لم تعد “دفة المتجر وربع الدفة” مجرد خصوصية هيكلية للباب بدفتيه، بل إيقونة لحي عريق وحياة يومية نسجت حولها العديد من الممارسات التجارية والآفاق الاقتصادية، بات زقاق “دفة وأربع” يطلق في مراكش من باب تسمية الكل من البعض ، وتحوله من باب متجر إلى ذاكرة زقاق كبير على المستوى الشعبي والتاريخي و الاقتصادي والسكني .

تلكــ حكاية متجر أعطى صفة بابه لزقاق عريق حيوي من أزقة مراكش، ليبقى باب هذا المتجر شاهدًا على كيف يمكن لتفصيلة صغيرة أن تمنح هوية خالدة لزقاق مراكشي عريق .

 

الدكتور التوفيق : التصوف ركيزة أساسية للاستقرار الروحي والاجتماعي

 مـحـمـد الـقـنــور :

خلال مداخلته في الندوة العلمية التي نظمتها جمعية منية مراكش، في إطار الشق الموضوعاتي من فعاليات دورة الإمام ابن العريف، الدورة الرابعة عشرة لـ مهرجان سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية، ما بين 4 و7 دجنبر الجاري تحت شعار أبرز الدكتور أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن التصوف يشكل عنصرا أصيلا في الهوية المغربية، لكونه ليس مجرد ممارسة روحية، بل جزء من البنية الثقافية والروحية للمغرب، لكونه ساهم في تشكيل الشخصية المغربية عبر القرون.

وأفاد الدكتور التوفيق أن مكانة الإمام ابن العريف الأندلسي، تتجلى في كونه أسس مدرسة روحية عميقة أثرت في المغرب والأندلس، مؤكداً أن استعادة سيرته في حد ذاتها استعادة لجزء من الذاكرة الروحية المشتركة.
وذكر الوزير التوفيق أن التراث الصوفي سيظل جسرا مكينا للتواصل، كما أوضح أن الموسيقى واللقاءات الصوفية ليست مجرد فنون، بل هي وسيلة للتواصل بين الأفراد والجماعات والشعوب والثقافات، لما لها من قدرة على نشر قيم التسامح والتواصل والمثاقفة والمحبة.

كما ركّز الدكتور أحمد التوفيق على أهمية دعم مثل هذه المبادرات الثقافية والروحية التي تحتفي بالتراث الصوفي المغربي والأندلسي، وتشجيع البحوث والمؤلفات المنصبة حول دراسة التصوف كرافد للهوية الروحية المغربية، وإحياء تراث أعلام التصوف مثل الإمام ابن العريف، الذي تم تسليط الضوء على شخصيته وفكره كأحد كبار أعلام التصوف في القرن الخامس الهجري، الذي كان له تأثير واسع في المغرب والأندلس، وأن إحياء التراث الصوفي ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل هو استثمار في المستقبل عبر تعزيز قيم السلم والعيش المشترك.

كما ثمن الوزير التوفيق أهمية هذه اللقاءات الفكرية والتواصلية والتأطيرية في تعزيز الحوار الثقافي والروحي بين المغرب والعالم، ومشددا على أهمية الدراسات العلمية حول التصوف، وربطها بالواقع المعاصر، مذكّراً بضرورة دعم البحث الأكاديمي في هذا المجال، خاصة مع تكريم شخصيات بارزة في الدراسات الصوفية مثل العلامة المفكر علي شودكيفيتش يرحمه الله.

وإعتبر الدكتور أحمد التوفيق أن احتضان مراكش لهذه الدورة يعكس مكانتها التاريخية كمدينة روحية، وكفضاء علمي وطني ودولي ، مشيرا أنها قادرة على أن تكون منارة للحوار الروحي العالمي.

في سياق متصل، تمكنت جمعية منية مراكش من خلال دورة الإمام ابن العريف، الدورة الرابعة عشرة لـ مهرجان سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية، المنظم بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، في أن تتحول إلى محطة أكاديمية نظرا للحضور الدولي الوازن للخبراء والمهندسين والكفاءات العلمية الوطنية والعالمية ، وفي أن تصبح فضاء فني ثقافي يبرز أهمية البعد الروحي والفكري في المهرجان، الذي لا يقتصر على الموسيقى والسماع بل يشمل لقاءات علمية وندوات فكرية حول أعلام التصوف مثل الإمام ابن العريف، والثقافة الصوفية باعتبارها جزءاً من الهوية الروحية للمغرب، وركيزة أساسية للاستقرار الروحي والاجتماعي.

مجموع تصاميم المدن العتيقة بالمغرب كتاب للمهندس المعماري سيرج سانتيلي

 

 

 

 

د   جعـفـر الكـنـسـوسي : 

أكاديمي خبير في التراث المادي واللامادي المغربي :

منذ أن لقينا سيرج سانتيلي في مراكش، بفضل وساطة إيلي مُويال، تلميذه ورفيق دربه، انصبت نقاشاتنا ومشاريعنا بطبيعة الحال على شؤون المَدينة. فحاضر المَدينة ومستقبلها، ومعرفة تراثها المعماري والعمراني في المغرب الكبير والشرق الأدنى، كانت وما تزال محور لقاءاتنا الشخصية، وتشكل الإطار الفكري للندوات الدولية السنوية التي تنظمها جمعيتنا «منية مراكش» بمشورته العلمية.

وقد عملنا على أن نجمع في هذه الندوات بين شخصيات كرّست جزءاً أو كامل مسارها المهني لدراسة هذا التراث الغني من خبراء، معماريين، مخططين حضريين، مؤرخين، باحثين جامعيين، إلى جانب فاعلين من المجتمع المدني ومسؤولين معنيين بحماية المدن العتيقة وصيانتها. إن فهم التراث، والتأمل فيه، والتعريف به، وترميم معالمه وفق المعايير العلمية المعتمدة لدى الخبراء، وإحياء مضمونه الثقافي والروحي، كلها أهدافنا نعتبرها بمثابة كيمياء عملية تُعيد للمَدِينَة مجدها، «فهي غاية في الإنسانية» على حدّ تعبير تيتوس بوركهارت.

بحضور جمهور واسع مهتم، تتيح هذه الندوات الحوار بين المتخصصين ذوي الخبرات المتنوعة، ممن يجمعهم الشغف ذاته بقضية نعدّها جديرة بالدفاع. ونحرص على عقد هذه اللقاءات في قلب المدينة التاريخية نفسها، تحت ظلال الجامعة اليوسفية، في مكتبتها أو في أبهاء مدرسة ابن يوسف. ورغم ما يُنجز من أعمال، يظل الواقع يؤكد أن المَدِينَة والنسيج العمراني التقليدي في منطقتنا المغاربية ما يزالان قليلي الدراسة لم يعبأ بها على الوجه الأمثل.

وتهدف لقاءاتنا إلى تقديم مساهمة علمية رصينة لسدّ هذا النقص الوثائقي، وتُسهم في فهم الحالة الراهنة للمدن التاريخية في المغرب الكبير والشرق العربي، كما يرى سيرج سانتيلي، وفي ” تقييم سياسات الحماية المطبقة عليها، سواء كانت وظيفية أو عمرانية أو اجتماعية أو بنائية”.

كما تضطلع بدور في دعم الممارسة المعمارية الهادفة إلى الاستعادة المطابقة للأصل، والتي يمكن تطبيقها مثلا على قصر البديع «الذي لا نظير له»، إذ يرى أن إعادة بنائه «ستُعرّف العالم بأسره على ما كان عليه أعظم وأفخم قصر إمبراطوري شيّد قط في العالم العربي الإسلامي».

نسائم وأنغام الصبوحي هدية سنوية عريقة من سماع مراكش

 مـحـمـد الـقـنــور :

في الصباح الباكر بمراكش، حين تلامس أشعة الشمس أرضية ومبان مراكش الحمراء، ويلتقي الحجر بالنغم، ثم يغدو المعمار نفسه آلةً موسيقية تعزف على أوتار الروح، لتتوحد مع حديقة الحارثي العريقة بمراكش، كاشفة عن أسمى صور البهاء والثراء الحضاري، تتردد أصداء الصبوحي ضمن فعاليات سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية ضمن الدورة الرابعة عشرة، دورة الإمام ابن العريف، كأنها تنبع من أغراس ورياحين وأشجار زيتون ونخيل ذات الحديقة، فيتماوج الضوء مع الصوت في مشهدٍ يفيض بالسكينة، حيث يجتمع أبناء وبنات مراكش من كل الأطياف، والأحياء، والحارات، ويلتئم زوار وسياح المدينة الحمراء، وكأنهم يحملون في حضورهم تنوع وانفتاح المدينة عن العالم، وثراءها الثقافي والتاريخي.
وخلال احتفالية الصبوحي التي تنظم كل سنة من طرف جمعية منية مراكش، ما بين حديقة الحارثي وحدائق المنارة، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي للمدينة، تحمل الاحتفالية كل رسائل التواصل الروحي السالك للقلوب من أبواب السماع، رابطا كل الحضور من مختلف الأطياف والخلفيات والجنسيات في وحدة الإيقاع، وطلاوة للإنشاد، فيصبح السماع لغةً جامعةً لا تعرف الحدودً، ويصيرُ اللقاء كعرسٍ روحيّ، وفكري وتواصلي يكلله المعمار كجسور تربط بين الماضي والحاضر، ويمنح من خلالها سماع مراكش للمدينة قلبًا نابضًا بالصفاء والأنس، وفنّاٌ عريقا يوقظ القلب، وحديقة تحتضن الروح والذوق والألفة، وحضورا إنسانيّاً يكتب لمراكش سيرةً متجددة على الدوام من الجمال والأنس.

وعلى غرار الأجداد، فقد حرصت جمعية منية مراكش على إحياء طقس الصبوحي في مراكش كلحظة فريدة يتداخل فيها الزمن مع النغم، وكأن مدينة سبعة رجال تستيقظ على أنفاس الآلة الأندلسية مع أول خيوط الفجر، أحياها جوق أحمد بيرو للطرب الغرناطي، برئاسة الفنان الأستاذ طه بيرو، وبمشاركة الفنانة الأستاذة بهاء الروندة والأستاذ الفنان فهد الروندة، والفنان المنشد محمد كريم، تلته فقرات من كور الدقة شارة مراكش الموسيقية بقيادة لمعلم عبد الإله بلمقدم بابا، وفواصل لميازين من الكلام المرصع، من نظم لمعلم عبد الكبير مرشان، وطقيطيقات الفنان الشعبي المراكشي عبد الرحيم بانا .

فعند شروق الشمس، حين يذوب الليل في نور النهار، يجتمع جمهور الصبوحي على موائد الفطور المراكشي اللذيذة، قبل أن تنطلق أوتار الآلة الأندلسية كأنها رسائل موسيقية تُعلن ميلاد يوم جديد، إذ في هذا الطقس، يصبح السماع امتدادًا للكون، فتغدو النغمة صدىً لزقزقة الطيور، وخرير مياه السواقي وتماوج صفحاتها في الصهاريج وإيقاع قطراتها بالنوافير، ويصبح الإيقاع والإنشاد مرآةً للغة كونية ومنصة لنبض الحياة. يجتمع الناس في صفاء الصباح، فيتشاركون لحظةً من الطهر والسكينة، مع إلتقاء جمال الطبيعة بعمق الروح، ويصبح الصبوحي عرسًا للأنغام والأنوار، يكتب لمراكش سيرةً من السحر المتجدد.

إلى ذلكــ ، يشير “الصبوحي” مجلس طرب الآلة الأندلسية، إلى المقامات والألحان التي تُعزف في الصباح أو وقت البكور، حيث يتضمن جزءا أو “نوبةً” محددة ذات طابع صباحي، مستوحاة من كلمة “صباح” التي تعني الفجر أو الصباح الباكر، والتي تُستعمل لوصف حالة من البهجة والانطلاق الصباحي في العمل والأداء، وترتبط بمقامات معينة كالرصد أو الزيدان، والتي تُعزف في أوقات محددة من اليوم، كما تشير لـ “صباحية” إحدى الآلات في الفرقة كآلة العود أو الرباب، في سياق النوبات الأندلسية.

سماع مراكش يحتفي بالمهندس المعماري المراكشي إيلي مويال

 مـحـمـد الـقـنــور :

بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، إحتفت جمعية منية مراكش خلال دورة من سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية،الرابعة عشرة، دورة الإمام ابن العريف، المنظمة مابين 4  إلى 7 دجنبر الحالي، بالمهندس المعماري المراكشي إيلي مويال، وذلكــ بحضور مجموعة من الفعاليات الهندسية، الوطنية والأجنبية والإختصاصيين في مجال العمران وترميم المعالم التاريخية الأثرية، والأكاديميين والأساتذة الباحثين، والمؤرخين ومختلف أطياف المثقفين إلى جانب العديد من المنتخبين والمنتخبات، والأوساط الحرفية وأرباب الصنائع المرتبطة بالعمران، والفنانين في مختلف الفنون التعبيرية والتشكيلية، وجمهور غفير من مراكش ومن أبرز حواضر المملكة.

وحسب جمعية منية مراكش فإن هذا الاحتفاء، يبرز أهمية مهرجان سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية كجسرٍ بين الروح والمعمار، إذ لم يكتف أطر الجمعية المعنية باستدعاء أنغام السماع وأصداء التصوف على مدارج الإمام القطب أبو العباس إبن العريف، أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري، 481 هـ – 526 هـ / 1088 – 1141 م، صاحب كتاب “محاسن المجالس” ودفين حي الطالعة بسوق الحدادين في مراكش، بل فتح أبوابه لتكريم من صانوا ذاكرة المكان وأعادوا لها الحياة، على دأب جمعية المنية في كل إحتفالية، وعلى غرار تكريم زملاء له سابقا،من أمثال المهندس عبد العزيز بلقزيز، والمهندس نور الدين برادة، تم الإحتفاء بالمهندس إيلي مويال، الذي يُعدّ من الأسماء البارزة في الهندسة المعمارية بمراكش، حيث ساهم في الحفاظ على العديد من ملامح المدينة التاريخية، وفي ترميم معالمها بما يليق بعراقتها وأسسها الهندسية الأصيلة.

ولم يكن الاحتفاء بـ إيلي مويال المنحدر من عائلة مغربية  يهودية أصيلة الديانة مجرد تكريم شخصي، بل هو إقرارٌ بإنشادِ الروح، ووفاءً للذاكرة العمرانية التي جعلت من مراكش مدينةً فريدة في العالم الإسلامي، وتثمين لدور المعماريين المغاربة في حماية الهوية البصرية والحضارة المادية والروحية لمدينة سبعة رجال، وتتويج للموسيقى الروحانية التي يحييها المهرجان، والتي ظلت تجد صداها في جدران القصور والمدارس والزوايا، تلك التي أعاد لها المعماريون الحياة، لتظل شاهدة على تمازج الفن الروحي مع الفن العمراني.

كما عكس اختيار سماع مراكش، الإحتفاء بالمهندس المعماري مويال الوعي العميق لجمعية منية مراكش، في كون مدينة مراكش العتيقة ليست فقط فضاءً للأنغام والطقوس، والأسواق والأهازيج الشعبية والصنائع العريقة ، وفنون مبالغ العيش المغربي والحكواتين والعراصي والجوامع ونكهات الأطعمة التليدة والرياضات والدور والسويقات والمزارات والقباب والزوايا والحمامات وتنوعات الطبيعة الخلابة وحلقات جامع الفنا، والروافد الثقافية الوطنية، بل لوحة معمارية تحتاج إلى من يحفظ تاريخها، نكهتها ،خطوطها وألوانها.

سماع مراكش أصداء روح تتردد في المزارات والقصور وفي الزوايا والرياضات

مـحـمـد الـقـنــور :

بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، نظمت جمعية منية مراكش الدورة الرابعة عشرة من سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية، دورة الإمام ابن العريف، وذلك خلال الفترة الممتدة من 4  إلى 7 دجنبر الحالي، بحضور مجموعة من القامات الهندسية، الوطنية والأجنبية والإختصاصيين في مجال العمران وترميم المعالم التاريخية الأثرية، والأكاديميين والأساتذة الباحثين، والمؤرخين وإلى جانب العديد من المنتخبين والمنتخبات ، والأوساط الحرفية وأرباب الصنائع المرتبطة بالعمران، والفنانين في مختلف الفنون التعبيرية والتشكيلية، وجمهور غفير من مراكش ومن أبرز حواضر المملكة .

وحسب التصور المعرفي والرؤية التواصلية الفكرية لجمعية منية مراكش، برئاسة الأستاذ جعفر الكنسوسي الباحث الأكاديمي في قضايا التراث المادي واللامادي، والأكاديميين والأساتذة الباحثين، والمؤرخين والمهندسين بذات الجمعية المعنية، فإن فن السماع في المغرب عامة، وفي مراكش خاصة، ليس مجرد فن طربي، بل هو نفَس روحي يتردد بين المزارات والزوايا والقصور والرياضات، لينساب إلى أعماق القلوب في أفق صقل الأرواح، فكأنه صلاة على مقام المحبة والوجد.

وترى جمعية منية مراكش أن السماع المغربي يجمع بين الفقه والجمال، والعلم والنغم، والدين والعرفان، مما يجعله حالة وجدانية تُستنهض فيها النفوس وتُستعاد فيها ذاكرة القلوب، حيث تُنشدُ الأذكار وتُغنّى القصائد العرفانية الصوفية.

هذا، ومنذ انطلاقته الأولى، أصبح سماع مراكش محطة محلية ووطنية ودولية لفن لا يُؤدى بل يُعاش، ولطرب لا يُسمع بالأذن فقط، بل بالروح والمقام والتفكر والصفاء.، فمن مراكش إلى فاس ووزان، ومن تطوان وشفشاون إلى الصويرة وتافراوت، ومن قمم الأطلس إلى كثبان الصحراء وزوايا السمارة، ظل السماع مرآةً للهوية الروحية، وجسرًا يعمّق الروابط بين الإنسان وربه، وبين الماضي العريق والحاضر المعاش.

والواقع، أن دورة الإمام ابن العريف، الدورة الرابعة عشرة من سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية، خلال الفترة الممتدة من 4  إلى 7 دجنبر الحالي، التي نظمتها جمعية منية مراكش، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، نجحت في تقديم رؤية عميقة للإنسانية، تزاوج بين المعمار وروح المدن، وتوحد بين البعد الصوفي والبعد الثقافي، مستلهمة مادتها من مقولة الإمام أبي حامد الغزالي: “إن النفس كالمدينة، تحتاج إلى حكامة يقظة تجمع بين الإيمان والعقل لتحفظ نظامها وسلامتها.”

ومهما يكن، فإن الهوية الدينية للمغاربة نُسجت عبر مسارات القرون، بخيوط راسخة من الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، ومذهب الإمام الجنيد في التصوف، حتى غدت كالسبيكة الصافية التي تجمع بين العقل والروح، وبين النص والذوق. فالفقه المالكي منح المغاربة ميزانًا عمليًا يضبط حياتهم اليومية، ويجعل الدين رفيقًا للناس في معاملاتهم وأخلاقهم، أما العقيدة الأشعرية فقد صانت العقل من الغلو، وأبقت الإيمان في دائرة الوسطية، حيث يلتقي البرهان بالوجدان. وفي رحاب التصوف الجنيدي، وجد المغاربة طريق السلوك الروحي، طريقًا يعلّمهم أن الدين ليس مجرد أحكام، بل هو صفاء القلب، وتزكية النفس، وحبٌّ يفيض على الخلق، وهكذا تآلفت هذه المكونات الثلاثة لتصوغ شخصية مغربية دينية متوازنة، أصيلة، ومشرقة، جعلت المغرب أرضًا للسلام الروحي والاعتدال الفكري.