مدرسة الفضيلة للبنات بمراكش تستغيت

مالكة العاصمي : 

لا يعرف كثير من المنتمين بشكل من الأشكال إلى مراكش أن حي حارة الصورة أو السورة حيث تقوم مدرسة الفضيلة للبنات هو أول حي بني في مراكش، واقدم حي، عمره عشرة قرون، سكنه أمراء المرابطين وقادة الجيش، ومنهم الأمير علي ابن يوسف نفسه الذي استوطن المنطقة وبنى بها جامعه “ابن يوسف” احد جامعات مراكش التاريخية العظيمة ومراكزها العلمية.
وبالتالي فجزء كبير من مساكن هذا الحي ومنها الدار التي شغلتها مدرسة الفضيلة يمثل التراث المعماري والنموذج المعماري للدار المرابطية ويعتبر جزءا حيويا من ذاكرة هذه المدينة وهويتها المعمارية العمرانية.

هذه الدار المدرسة، ذات التاريخ المتعدد المعماري الثقافي الاجتماعي السياسي للمغرب، قد يتقرر هدمها بسبب ما أصابها من تشققات بدل العمل على ترميمها والمحافظة عليها، وهو أمر لا يمكن استساغته ولا القبول به سيما لكونها كغالبية دور الحي مبنية بالفخار وحجارة جليز لو ازيلت طبقاتها الخارجية لاتضحت صلابة البناء ومقاومته وحاجته للصيانة لا للهدم.

كما لا يعرف الكثيرون،أن مراكش قائمة على ارضية جلمودية اولا، وان أغلب منشآتها مبنية بحجر جليز أو بالفخار المطبوخ او بالمزاوجة بين الفخار وحجر جليز ثانيا، ما يمنح مبانيها الصلابة ويجعلها صامدة على مدى عشرة قرون، ومنها مدرسة الفضيلة التي ظلت مهجورة، ولم تستفد من أي إصلاح منذ قرابة القرن ومع ذلك بقيت صامدة.

والحق، فإن مدرسة الفضيلة للبنات تراث معماري ونموذج للدار المرابطية بحيث لا تنحصر قيمتها التاريخية والتراثية في وظائفها وما قدمته للنهضة المغربية، ولتعليم وتحرير المرأة، وللمقاومة والتحرر الوطني، وتأسيسها للعمل المدني، وللعمل الثقافي وأول مؤسسة وظفت المرأة في المغرب وغير ذلك كثير، ولكن تكمن قيمتها كذلك في كونها تراثمعماري وتراث في نوعية البناء ونوعية المواد المستعملة وغير ذلك، وانها تحتاج للإصلاح والترميم وليس للهدم والمحو.

والواقع،أننا نقدر ونتفهم جيدا غيرة ومخاوف السلطات المختلفة من سقوط بعض المباني وتعريض أرواح الناس للخطر. ونتفهم كون المهندسين والتقنيين والمختبرات يلجأون للقول بالهدم بدل التعرض لمسؤولية قتل الأرواح، سيما مع اكراهات الزمن وضغط العمل وحجم الخسارة واتساعها وضخامتها. لكن الأمر يحتاج مع كل ذلك إلى كثير من التروي.
وعلى العموم، فهذه صرخة موجهة إلى مسؤولي مراكش مع تقديري الكبير للجهود التي يبذلونها والتضحيات الجسيمة التي يقدمونها لا يدخرون.

إبيقور الفيلسوف اليوناني مؤسس مذهب المتعة وعدم الخوف من الموت

هاسبريس : 

إبيقور الفيلسوف اليوناني الذي ولد عام 341 قبل الميلاد في ساموس، من أسرة فقيرة، ثم إنتقل إلى أثينا ليدرس الآداب والفن والفلسفة.

واضع ومؤلف الفلسفة الأخلاقية التي تتألف من المتعة البسيطة، والصداقة، والتقاعد، كما أنّه مؤسس لمجموعةٍ من مدارس الفلسفة التي نجت منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتّى القرن الرابع الميلادي.

 أمضى إبيقور شبابه في مستعمرة ساموس الأثينية، وعند بلوغه الثامنة عشر من عمره ذهب إلى أثينا، وخلال الاضطرابات الناتجة عن موت الإسكندر الأكبر تمّ طرد المستعمرين الأثينيين وكان منهم والد إبيقور، لذلك التقى إبيقور بوالده في كولوفون، وفي عام 306 -307 قبل الميلاد عاد إبيقور إلى أثينا، وأمضى بعض الوقت مع الفلاسفة هناكـ، وخلال هذه الفترة أسس مدرسته التي ما زالت تحمل اسمه.

وقد تعرّض إبيقور في حياته لتعليقات استهزاءٍ وسخرية،ناتجة عن سوء فهم فلسفته، حيث اتهم بالنهم، وملاحقة النساء، كما أنّه كان ضعيفاً من الناحية الجسدية،يعاني من مرض مزمن، وعاش حياةً غير مستقرة وزاهدة، وتميز بحب والديه،وبكرمه على إخوانه، ولطفه مع عبيده، واحترامه للأديان،حيث كانت بالنسبة له مثالاً للتحرر من الألم الجسدي والهدوء النفسي والعقلي.

وقد وصف ديوجين اللايرتي ، إبيقور بأنّه الكاتب الأكثر إنتاجاً والأكثر حفاظاً على رسائله، حيث يوجد له تعاليم رئيسية تتألف من 40 تصريح أبيقوراتي قصير، وعلى الطبيعة الذي يتكون من 37 كتاباً، وتم العثور على العديد من بقايا مراسلاته مثل رسائله الثلاثة المسماة رسالة إلى هيرودوت تناقش الفيزياء. ورسالة إلى بيثوكليس حول علم الأرصاد الجوية،ورسالة إلى مينويسيوس تناقش الأخلاق واللاهوت.

وإزدهرت فلسفة إبيقور  بعد وفاته لفترةٍ طويلةٍ، دامت أكثر من ستة قرون، وأثرت في الحضارات اللاحقة، بما فيها الحضارة الإسلامية،فقد أسس مدرسةً فلسفية في منزله وحديقته في أثينا، وكرس نفسه لتحقيق السعادة من خلال المنطق والمبادئ العقلانية، فهو يؤمن أنّ المتعة جيدة والألم غير جيد،وأن أحسن المتع هي المتعة العقلية،لأن المتع الأخرى من الأكل والجنس والنوم والتنقل يمكن أن تتوفر لدى الحيوانات.

كما رأى أبيقور أن المتعة والألم من المقاييس النهائية والمهمة للخير والشر، وكثيراً ما نصح بالإبتعاد عن السياسة لكونها تجلب الرذيلة، وحذر من الإفراط في الشهوات،وكانت قمة اللذة عنده تتجسد في أن يكون الإنسان حرا, ناصحا أن الكرامة خير من الشهرة،وأن الكفاف أحسن من الطمع، كما حذر كثيراً من تجاوز الحدود ومن الإفراط ،لأنّ الإفراط في غالبية الأوقات يؤدي إلى الشعور بالألم، ونصح بعدم الخوف من الآلهة والموت، لأنه لا سبب منطقي أو عقلاني وراء ذلكــ .

ديوجين الفيلسوف المُتشرد للإسكندر الأكبر : “تنَحَّ جانبا،فإنكـَ تحجبُ عني ضوء الشمس”

هاسبريس : 

تناولت كتب التاريخ منذ العصر القديم، حياة ومواقف وآراء وأقوال، الفيلسوف الإغريقي ديوجينDiogenes الذي الذي عاش ما بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وعاصر الأمبراطور الإسكندر الأكبر،فاتح أغلب دول المعمور آنذاكـ،  وكان ديوجين قد اتخد برميل بيتًا له، واختار أن يعيش حياة غريبة وأن يؤمن بفلسفة خاصة.

ويُعتبر ديوجين من أبرز رواد المدرسة الكلبيّة الاوائل،لأنه كان يعتبر الكلب أحسن مثالا للوفاء والإخلاص، بل أن الكلاب خير من البشر.

فقد كان”ديوجين” حكيمًا فاضلًا، وفيلسوفا متقشفًا زيادة على الحدود، وكان لا يشتري شيئًا ولا يأوى إلى منزل. وازدرى تقاليد المجتمع، وآمن بأن الحكمة تكمن في الاستقلال عن المدنية لإغريقية والعودة للطبيعة والبساطة، بل أنه جعل من الفقر المدقع فضيلة، فعاش على الحدّ الأدنى من حاجته للملبس والمأكل، وكان يجوب شوارع أثينا كالمتشردين من المتسولين، يدحرجه برميله الكبير الذي يأويه بين أزقتها، وقد سار مرارا  يحمل مصباحًا من الزيت في وضح النهار، باحثا عن رجل فاضل على حد قوله.

وكان ديوجين يلقب بالـسينيكــ Cynic كلمة إغريقية تعني الكلب،نظراً لأسلوب حياته، ومن هنا جاء اسم الاتجاه الفلسفي المعروف بالـ Cynicism أو الكلبية أو ربما التهكم كترجمة للكلمة، وهو مذهب من مذاهب الفلسفة والتفكير، يؤمن اصحابه بأن السعادة تكمن في التخلي عن كل شيء والعيش وفق الطبيعة.

ومن أشهر الحكايات التي تروى عن ديوجين، وتختصر فلسفته عن الحياة والناس، ما حدث بينه وبين الأسكندر الأكبر عندما ذهب لزيارته. فيحكى أنه بينما كان يستريح في ضوء الشمس أثناء أحد الاحتفالات أتى الإسكندر الأكبر ، رفقة بطانته وقواد جيشه الجرار، متحمسًا للقاء الفيلسوف الشهير، وسأله إن كان يرغب في أي شيء ليحققه له، فقال له الإسكندر : «اطلب ماتريد وسأعطيه لك».

وهنا رد عليه ديوجين: “نعم، أرجو أن تَتَنَــحَّ قليلًا؛ لأنك تحجب عني ضوء الشمس”، هنا، إشتاط قواد الأسكندر، وهموا بقتل ديوجين، قبل أن يأمرهم قائدهم الحكيم، وتلميذ أرسطو ، أحد كبار معلمي البشرية، بالرجوع، وأن يخلوا بينه وبين ديوجين.

 ثم سأله الإسكندر: «ألست خائفًا؟» فرد عليه ديوجين بسؤال مُقابل: «وهل أنت خير أم شر؟» فأجاب الإسكندر: «أنا خيرٌ طبعًا» فقال ديوجين: «ومن يخاف من الخير؟!» فقال الإسكندر: «لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجين»!

إلى ذلكــ ، فإن ما فعله الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي مع الإسكندر الأكبر، تم سرده من طرف كل المؤرخين، في حين جرى تفسيره فيما بعد خصوصا مع بزوغ علم التحليل النفسي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، على إنه اضطراب نفسي، سمي باسم ديوجين بمصطلح علمي : “Diogenes syndrome  أو متلازمة ديوجين”، والتي تعرف  بـ «خرف العصب» أو «متلازمة الشيخوخة»، وتنتج عن الإهمال الحاد للذات والميل للعزلة والتقشف بشكل متطرّف…

ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺎﻝ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻣﺎﺗﺎ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻴﻮﻡ .. ﺩﻳﻮﺟﻴﻦ ﻋﻦ ﻋﻤﺮ ﻳﻨﺎﻫﺰ ﺍﻟﺘﺴﻌﻴﻦ سنة، ﻭﺍﻻﺳﻜﻨﺪﺭ ﻋﻦ ﻋﻤﺮ ﻻ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻭﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻦ .

المغاربة يستحضرون روح القائد الهمام وجلالة الملك محمد السادس يحيي ذكرى وفاة المغفور له الحسن الثاني‎‎

هاسبريس : 

ترأس جلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بالأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد ومولاي إسماعيل، مساء اليوم الجمعة 4 نونبر الحالي بضريح محمد الخامس بالرباط، حفلا دينيا إحياء للذكرى الرابعة والعشرين لوفاة فقيد المغرب العظيم الملك الحسن الثاني، حيث قام عاهل البلاد محمد السادس، مرفوقا بالأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد والأمير مولاي اسماعيل بزيارة الملك الحسن الثاني، حيث ترحم على روحه الطاهرة.

وتميز هذا الحفل الديني بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وبإنشاد أمداح نبوية، قبل أن يختتم برفع أكف الضراعة إلى العلي القدير بأن يتغمد جلالة الملك الحسن الثاني بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنانه، وبأن يمطر شآبيب رحمته وغفرانه على الملك محمد الخامس وينور ضريحه.

كما ابتهل الحضور،كل رئيسي غرفتي البرلمان، ومستشاري صاحب الجلالة، وأعضاء الحكومة، ورؤساء الهيئات الدستورية، وممثلو البعثات الدبلوماسية الإسلامية المعتمدة بالرباط، وشخصيات مدنية وعسكرية، إلى الله سبحانه وتعالى بأن يحفظ الملك محمد السادس بما حفظ به الذكر الحكيم، ويسدد خطاه ويكلل أعماله ومبادراته بالتوفيق والسداد، ويجعل النصر والتمكين حليفا له في ما يباشره ويطلقه من مبادرات وأوراش كبرى، لما فيه خير ورفاهية شعبه الوفي، ومتضرعين إلى العلي القدير بأن يقر عين جلالة الملك محمد السادس بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وبكافة أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

إلى ذلكــ ، خلد الشعب المغربي، يوم غد الجمعة التاسع من شهر ربيع الثاني 1444 هـ)،في أجواء من الخشوع، الذكرى الـ 24 لرحيل الملك الباني، مؤسس المغرب المعاصر  جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، إذ أستحضر المغاربة بكل تقدير وإجلال المسار المتفرد لقائد ملهم وملك عظيم وأمير للمؤمنين همام وزعيم دولي مؤثر بصم التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كما أثر بشخصيته وحكمته وبعد نظره في الأحداث العالمية الكبرى التي ميزت عهده.

ومن لطائف الأقدار، أن تزامنت ذكرى وفاة الملك الحسن الثاني مع تخليد هذه الذكرى الـ47 للمسيرة الخضراء المظفرة وذكرى عيد الاستقلال، التي كانت من ضمن منجزاته ومفاخره، وترجمة حنكته في توجيه إرادة الشعب المغربي نحو الكرامة والسؤدد بأقدام ثابثة لترسيخ مكانته بين الأمم.

كما كانت ذكرى وفاة الحسن الثاني  طيب الله ثراه، كملك متبصر استطاع قيادة المغرب نحو العصرنة مع المحافظة على هويته وإرثه وحضارته، وبقيت وشما راسخا في لذكرة الجماعية لمختلف فئات الشعب المغربي،ترتبط بأبرز محطات التنمية والإزدهار في تاريخ المملكة.

وقد شكل يوم التاسع من ربيع الثاني 1420 هـ بالنسبة للمغاربة قاطبة يوما حزينا، ودعوا فيه قائدا عظيما وعاهلا فذا، عاشوا تحت رايته لمدة 38 سنة، قام خلالها بمجهودات جبارة جعلت من بلده وشعبه منارة بين الدول والأمم، مسخرا في ذلك حنكته وما تحلى به من بعد نظر، فكان، على الصعيد الوطني، بانيا ومشيدا، وعلى المستوى الدولي، مدافعا قويا عن العدل والسلام، مما جعل صيته يمتد عبر المعمور، مثبتا نجاعته في تجاوز أكثر الأزمات تعقيدا، في أصعب الفترات التي عرفها العالم في القرن الماضي.

وجاءت مراسيم التشييع المهيبة وغير المسبوقة لجنازة جلالة المغفور له الحسن الثاني لتترجم بصدق تلك العروة الوثقى التي كانت تربط الشعب المغربي بالملك الراحل، حيث خرج أزيد من مليوني مغربي إلى شوارع العاصمة التي استقبلت حشودا من مدن أخرى، كثير منها حل راجلا من مدن مجاورة، لوداع عاهلهم الراحل، ولتجديد تأكيد وفائهم الدائم لذكراه وعهدهم على مواصلة الطريق مع وارث سره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من أجل صالح الأمة المغربية والسلم والوفاق الدوليين.

وقد تمكن المغرب، بفضل السياسة الحكيمة التي نهجها جلالة المغفور له الحسن الثاني، من تحقيق الوحدة الترابية للمملكة، في مسيرة سلمية شهد العالم أجمع بعبقرية مبدعها، علاوة على تثبيت ركائز دولة المؤسسات والحق والقانون، مما أهل المملكة لاحتلال موقع متميز على الساحة الدولية، بل وتساهم بشكل ناجع في إرساء السلم والأمن في مختلف بقاع العالم، لا سيما وأن الملك الراحل كان على الدوام قبلة استشارة دائمة للعديد من زعماء وقادة الدول.

وقد تمكنت هذه المسيرة الخضراء من تحقيق أهدافها في زمن قياسي بفضل التعبئة العامة للشعب المغربي الذي استجاب بعفوية وإقبال مكثف لـ “نداء الملك الحسن”، مبرهنا للعالم أجمع على أنه جدير بملك فذ من طينة الحسن الثاني الذي جعل المملكة تحقق قفزة نوعية في درب الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، بوأتها مكانة متميزة في محيطها الجغرافي وعلى المستويين الإقليمي والعالمي.

إلى ذلكــ ، طبع جلالة المغفور له الحسن الثاني التاريخ الحديث للمغرب مضمونا وشكلا من خلال ما حققه من تنمية اقتصادية واجتماعية للمملكة عكستها الإصلاحات العميقة التي باشرها والأوراش الكبرى التي أطلقها حتى أصبح المغرب مضرب المثل كبلد عصري وصاعد استطاع أن يوفق بين الأصالة والمعاصرة، تصورا وممارسة، من خلال إرساء المؤسسات الديمقراطية وتعزيز الحريات العامة وترسيخ حقوق الإنسان وتشجيع الإبداع على المستويات الثقافية والمعمارية والفنية والرياضية.

والواقع، أن جلالة المغفور له الحسن الثاني لم يكن فقط وراء وضع سياسة تنموية ترتكز على مؤسسات قوية وعصرية وصانع السلم الاجتماعي بالمغرب، بل كان أيضا القائد المحنك الذي استطاع أن يقود بنجاح الأمة في كفاحها السلمي لاستكمال وحدتها الترابية وضمان سيادتها.

وبمثل ما كان المغفور له قائدا سياسيا محنكا استطاع أن يرسي أسس الدولة المغربية الحديثة، فإنه كان كذلك رمزا دينيا، وقائدا روحيا، وأميرا للمؤمنين يزكيه نسبه الشريف إلى البيت العلوي، وسعة اطلاعه على أصول الدين الإسلامي ومصادره وعلومه، حيث كان له الفضل في إحياء مجموعة من السنن الحميدة التي دأب عليها المسلمون، ومنها على وجه الخصوص الدروس الحسنية، التي كانت ولا تزال محجا لأقطاب الفكر الإسلامي من جميع الآفاق، ومن كل المشارب، ومناسبة للحوار بين المذاهب الإسلامية، ودعمه لبناء المساجد بكل أنحاء العالم، وخاصة في إفريقيا.

وفي هذا السياق بالذات، يظل مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء معلمة دينية شامخة شموخ صاحب فكرة تشييدها.

أما على المستوى الدولي، فقد عُرف عن الملك الراحل دفاعه المستميت عن الحوار كسبيل ناجع لفض النزاعات وتحقيق السلم والأمن، وهو ما تجلى، بشكل خاص، في النزاع العربي-الإسرائيلي، حيث انخرط في ملفات هذا النزاع بكل ثقله، وكان بذلك من بين الزعماء القلائل الذين تمكنوا من القيام بدور هام في دعم القضية الفلسطينية وإنعاش فرص السلام في الشرق الأوسط، فضلا عن التقريب بين الشعوب والحضارات الكبرى والديانات.

كما برز موقف جلالة المغفور له الحسن الثاني في دعم القضية الفلسطينية في سهره على عقد القمة العربية بالرباط في 1974، والتي اعترفت لأول مرة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب الفلسطيني.

وعلى المستوى القاري، فقد تعددت مبادرات جلالة المغفور له الحسن الثاني ومساهماته من أجل توحيد القارة الافريقية وتحررها، ومنها على الخصوص جهوده في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، التي أصبحت سنة 2002 تحمل اسم الاتحاد الافريقي.

وفي هذا السياق، منحت إثيوبيا بمناسبة انعقاد أول قمة إفريقية للشباب ما بين 29 أكتوبر المنصرم و1 نونبر الجاري، جائزة إفريقية لجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، نظير تفانيه و إسهامه في توحيد إفريقيا وتحررها.

ومن جهة أخرى، وإيمانا منه بما يجمع شعوب المغرب العربي من أواصر متينة قوامها الاشتراك في التاريخ والدين واللغة واستجابة لما لهذه الشعوب من تطلعات عميقة، كان لجلالة المغفور له الحسن الثاني الأثر البالغ في قيام الاتحاد المغاربي باعتباره خيارا استراتيجيا لا محيد عنه من أجل تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها وتحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية.

والواقع،أن المغاربة، وهم يخلدون اليوم الذكرى الـ24 لوفاة هذا الملك العظيم،أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني ليفخرون، وهم يشاهدون ويتابعون جهود وارث سره جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وهو يواصل، ليل نهار، العمل الدؤوب من أجل وضع المغرب على سكة القرن الواحد والعشرين، مع ما يتطلبه ذلك من عصرنة وتحديث، عنوانهما الأوراش الكبرى التي أطلقها جلالته من شمال المملكة إلى جنوبها، وتعزيز مغربية الصحراء على الساحة الدولية والنهوض بالصحراء وجعلها قاطرة للتنمية الإقليمية والقارية.

صورة وحدث : إفتتاح أول خط قطار في التاريخ يربط المغرب بإسبانيا

هاسبريس : 

في يوم 4 ماي 1918، دشن الخليفة السلطاني مولاي الحسن بن المهدي صحبة الوزراء والكتاب وأصحاب المخزن، محطة تطوان معلنا انطلاق أول قطار في التاريخ يربط المغرب بإسبانيا، قبل أن تقوم السلطات الإسبانية عبر “كارلوس دي بوريون” ممثل ملك إسبانيا، بتدشين القطار رسميا في 17 ماي 1918، في مشروع استمر 40 سنة.

ملكة بريطانيا الراحلة اليزابيث الثانية : ملكة الألفيتين

مـحـمـد الــقــنـــور  : 

على الرغم من كونها تربعت على عرش بريطانيا منذ سبعة وستين عاما، إلا أن الملكة الراحلة إليزابيث الثانية نادرًا ما كانت تُجري مقابلات صحفية، مما ظل يثير الفضول حول حياتها …

هذا، فقد ولدت الأميرة إليزابيث ألكسندرا ماري عام 1926، في لندن… من والدها الأمير ألبرت، دوق يورك والذي أصبح بعد ذلك الملك جورج الخامس، ووالدتها الملكة الأم إليزابيث باوز ليون. قبل أن تتزوج من فيليب ماونتباتن، دوق إدنبره، وتتوج ملكة في فبراير عام 1953، وتنجب الأمير تشارلز، وريث العرش، وتصبح جدة للأميرين ويليام وهاري. وملكة لبريطانيا العظمى …

تُعد الفترة الفاصلة منذ توليها سنة 953 إلى عاية وفاتها يوم الخميس الفارط 8 شتنبر 2022، فترة عايشت فيها الملكة الراحلة اليزابيث الثانية من أوبئة أمراض الطاعون والجدري والملاريا التي تفشت في أكثر بلدان العالم،إلى جنون البقر،وانفلونزا الطيور والخنازير، وفيروس السارس،والإيدز، وفيروس كورونا،وجدري القرود،ثم ويلات وأهوال الحرب العالمية الثانية،وتابعت كل من أدولف هتلر الزعيم النازي والدوتشي الإيطالي بينتو موسليني وخطابات ومبادرات رئيس وزراء بلدها ونستون تشرشل، خلال ذات الحرب،ثم الحرب الكورية،وحرب فيتنام،كما شهدت عملية تصنيع الدفعة الأولى من سيارات اللاندروفر و”الرونج روفر”،و”الجي واغن”واختراع التلفزيون،وتابعت طيران طائرة الكونكورد ثم إحالة هذه الطائرة على التقاعد، وإبتكار “الابل تي في”والأنترنيت و”الواي فاي”.. 


وحضرت
الملكة الراحلة الملكه اليزابيث الثانية سيطرة النازيين علي برلين، وتدميرهم لها، ثم سقوطها، وتقسيمها إلى شرقية وغربية بين معسكرين متناحرين،وإندلاع الحرب الباردة،والنكبة العربية،وقيام إسرائيل،وعدوان 56 الثلاثي،وهزيمة مصر في يونيو،وحرب اكتوبر بين مصر وإسرائيل والحرب العراقية الايرانية. وتفكيك الاتحاد السوفيتي، وحرب الخليج بعد غزو  الكويت، واحتلال العراق،وصفقة القرن ودخول وخروج بريطانيا الاتحاد الأوروبي،وقصة حب وزواج وطلاق إبنها تشارلز والأميرة ديانا،ثم زيجته لـكاميلا بعد وفاة ديانا ..

كما واكبت ملكة بريطانيا الراحلة إليزابيث الثانية استقلال 54 دولة أفريقية، وانقلاب خليفة بن حمد على احمد بن علي، ومظاهرات ونتائج الربيع العربي، وتحوله إلى خريف عربي، كما عاصرت 14 رئيس وزراء بريطاني إشتغل باسمها، وعاصرت 14 رئيسا أمريكيا، و 3 ملوك مغاربةو 7 رؤساء مصريين،و 7 ملوك سعوديين،و 48 رئيس وزراء إيطالي،و 6 أمناء عامين لمجلس التعاون الخليجي،و 7 أمناء عامين للجامعة العربية، و 9 أمناء عامين للأمم المتحدة،
والجمهورية الثالثة والرابعة والخامسة في فرنسا، وصولا إلى
حرب روسيا واكرانيا …

المقاومة وجيش التحرير بجهة مراكش آسفي تخـلد الذكرى 64 للزيارة لمغفور له محمد الخامس الى محاميد الغزلان

هاسبريس : 

تخليدا للذكرى 64 للزيارة التاريخية للمغفور له محمد الخامس الى محاميد الغزلان و ذكرى معركة الدشيرة وإجلاء اخر جندي عن الأقاليم الجنوبية،نظمت النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومة وأعضاء جيش التحرير بمراكش بتنسيق وتعاون مع بعض المصالح الخارجية و فعاليات من المجتمع المدني أيام 28 فبراير و فاتح وثاني مارس الجاري عدة أنشطة ثقافية و تربوية و ترفيهية وتجلت هذه الأنشطة بالخصوص في تنظيم زيارات لفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة و التحرير من طرف طلبة و تلاميذ و مهتمين ،كما تم تنظيم عدة محاضرات سلطت الأضواء على هذه الفترة من تاريخنا التليد .

وأبرز بلاغ من ذات النيابة الجهوية، توصلت به “هاسبريس”أنه في غمرة الأجواء الوطنية المفعمة بعبق الإخلاص والبرور والعرفان لما أسداه أفراد أسرة الحركة الوطنية و المقاومة و التحرير من تضحيات جسيمة وأعمال جليلة إبان فترة الكفاح الوطني، واستحضارا لأرواح نسائها ورجالاتها الأفذاذ الذين آثروا الموت على الحياة إبان فترة ملحمة العرش والشعب في تلاحم متين وعروة وثقى من أجل الاستقلال والحرية والكرامة، خلدت أسرة الحركة الوطنيةوالمقاومة وجيش التحرير الذكرى 64 للزيارة التاريخية للمغفور له محمد الخامس الى محاميد الغزلان و الذكرى 64 لمعركة الدشيرة و الذكرى 46 لجلاء آخر جندي عن الأقاليم الجنوبية.

وأفاد ذات البلاغ، أن زيارة المغفور له محمد الخامس الى منطقة محاميد الغزلان و خطابه التاريخي ليوم 25 فبراير 1958 حيث أعلن جلالته مطالب المغرب استرجاع الأقاليم الجنوبية التي كانت ما تزال ترزح أنذاك تحت الاستعمار يشكل نقطة الانطلاق لمطالب المغرب المشروعة في تحرير كافة أراضيه وربوعه.

كما تعتبر معركة الدشيرة محطة وضاءة وبارزة حيث ألحق فيها جيش التحرير بالجنوب المغربي هزائم نكراء بقوات الاحتلال الأجنبي ما بين سنتي 1956 و 1960.

وهكذا وعرف مقر النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بمراكش تم يوم الجمعة 28 فبراير القاء كلمة بمناسبة الذكرى 64 للزيارة التاريخية للمغفور له محمد الخامس الى محاميد الغزلان حيث تم خلالها ابراز الدلالات و العبر لهذه الزيارة و بالأخص مضامين الخطاب الملكي الذي القاه جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه يوم 25 فبراير 1958. كما تم القاء محاضرة للأستاذ الباحث أبو بكر إبران تناول خلالها سياق زيارة محمد الخامس لمحاميد الغزلان ودلالاتها و العبر المستخلصة منها.

في حين،شهد يوم فاتح مارس إلقاء مداخلة بمناسبة الذكرى 64 لمعركة الدشيرة والذكرى 46 لجلاء آخر جندي عن الأقاليم الجنوبية من طرف الأستاذ محمد جولال النائب الجهوي للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بمراكش تطرق من خلالها الى الاعمال البطولية والنضالية للشعب المغربي خلال فترة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال وبالأخص الدور الذي لعبه جيش التحرير بالجنوب المغربي وما جسدته معركة الدشيرة في بداية سنة 1958.

كما تميز يوم ثاني مارس بتنظيم محاضرة بالمركب الثقافي بمراكش تطرق خلالها النائب الجهوي للمندوبية المعنية بمراكش الأستاذ جولال إلى  أدوار المقاومة المغربية المسلحة، عبر مواقف وملاحم جيش التحرير بالجنوب، وإلى مختلف الاعمال البطولية التي خاضها هذا الجيش بالجنوب المغربي والتي ستظل ربوع الصحراء المغربية شاهدة على ضراوتها كمعارك الدشيرة والرغيوة ومركالة وأم العشار وغيرها من المعارك التي حقق فيها جيش التحرير الحنوبي انتصارات مهمة، حيث شكل تواطؤ الاستعمارين الاسباني والفرنسي ضد المغرب من خلال عملية إكوفيون المشهورة،دافعا ملهما لجيش التحرير من أجل طرد المستعمر خلال سنة 1958.

69 سنة عن مظاهرة المشور بمراكش، الشرارة الوطنية الأولى في مسيرة التحرر من الإستعمار

جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني حول مظاهرة المشور بمراكش :

… إن أنسى فلا أنسى أن جماعة من الخدام الأوفياء والوطنيين الأحرار بهذه المدينة نصبت نفسها في هذه الساحة للدفاع عن القصر وساكنيه”

مـحـمـد الـقـنـور  :

خلدت أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير ومعها ساكنة تراب عمالة مراكش مساء يوم الاثنين 15 غشت 2022 ، بقاعة الندوات والمحاضرات بمقر فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير التابع للنيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين و اعضاء جيش التحرير بمراكش،الذكرى 69 لمظاهرة المشور الخالدة، كصفحة مشرقة ومنعطفا حاسما في ملحمة التحرير الخالدة بقيادة العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الأبي وفاتحة ملحمية لفترة الكفاح الوطني من أجل الشرعية والذود عن الوطن وتوابثه، والنضال من أجل التحرير والانعتاق من ربقة المستعمر الغاشم.

وحضر فعاليات الإحتفاء بالذكرى التاريخية الطافحة بالأمجاد والبطولات كل من مدير الأنظمة والدراسات التاريخية ممثلا المندوب السامي لقدماء المقاومين أعضاء جيش التحرير، والكاتب العام لولاية جهة مراكش آسفي. ممثلا لوالي جهة مراكش آسفي،عامل عمالة مراكش، ورئيس المجلس الجماعي للمشورالقصبة،ونائب عمدة رئيسة المجلس لجماعي لمراكش، وممثل المجلس العلمي المحلي لمراكش، وعدد من الشخصيات المدعوة و أفراد من أسرة المقاومة وجيش التحرير وذوي حقوقهم و فعاليات المجتمع المدني وممثلي المنابر الاعلامية الوطنية والجهوية .

كما تم خلال الإحتفاء بالذكرى المعنية،تكريم ،وتوشيح وتوسيم ثمانية (8) من المقاومين منهم الأحياء والمتوفين موازاة مع شهادات في حقهم تشيد بمناقبهم وبخصالهم الحميدة وبجلائل الأعمال التي قدموها فداء للوطن والملكـ ، وتوزيع بعض المساعدات المادية ، وتوقيع اتفاقية شراكة وتعاون بين النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين و اعضاء جيش التحرير بمراكش والمجلس العلمي المحلي لمراكش، وتوزيع مساعدات مادية ، كواجب العزاء والاسعاف لفائدة بعض أرامل قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وذوي حقوقهم ومنح امداد لإقامة مشروع اقتصادي، حيث بلغ الغلاف المالي الاجمالي لهذه المساعدات 117610.00 درهما، فضلا عن توقيع اتفاقية شراكة وتعاون بين النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والمجلس العلمي المحلي لمراكش تتمحور جل بنودها حول تكثيف التنسيق بين الطرفين للمساهمة في ابراز ملاحم المغرب وأمجاده وبطولاته وتاريخ المقاومة وأدوار العلماء للمساهمة في بث الروح الوطنية وقيمها النبيلة في فضاءات الوعظ والارشاد وبالمساجد .

هذا، ويخلد الشعب المغربي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير من طنجة إلى الكويرة يوم الإثنين 15 غشت 2022، الذكرى 69 لانتفاضة المشور بمدينة مراكش، كحدث وطني تأسيسي لما أتي بعده من انتفاضات ومظاهرات شعبية ضد الإحتلال الفرنسي، كما إعتبر من الإرهاصات الأولى لملحمة ثورة الملك والشعب التي عرفتها مراكش هذه المدينة المجاهدة والتي صدرت جذوتها في مسيرة الكفاح الوطني،إلى كافة مدن وقرى ربوع المملكة، على غرار مظاهرة يوم 16 غشت 1953 بوجدة ومظاهرة يوم 17 غشت 1953 بتافوغالت وقبائل بني يزناسن بالمغرب الشرقي وصولا إلى ثورة الملك والشعب يوم 20 غشت 1953 بعد إقدام سلطات الحماية الفرنسية على نفي رمز الأمة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وعائلته الملكية إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر ، وتنصيب صنيعة الإقامة العامة للحماية الفرنسية محمد بن عرفة، من أجل إخماد جذوة الروح الوطنية وتقويض االالتحام بين العرش والشعب وعرقلة الكفاح الوطني في سبيل الحرية والاستقلال والوحدة الترابية.

على ذات السياق، وفي يوم 15 غشت سنة 1953، شهدت ساحة المشور بمراكش، اندلاع انتفاضة شعبية عارمة في مواجهة قوى الإحتلال الفرنسي، خاضت غمارها الجماهير الشعبية، وهزت تداعياتها أركان الاستعمار الفرنسي ووجوده،معلنة رفضها لتعسفات وتجاوزات وتحديات سلطات الحماية الفرنسية بتنصيب صنيعتها محمد بن عرفة سلطانا على البلاد بديلا عن السلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف، رمز الحركة الوطنية ، موازاة مع تسارع كافة القوى الحية الوطنية والدولية وأوسع فئات الشعب المغربي للتنديد بنفي عاهل البلاد الشرعي واستنكاره لهذا الفعل الشنيع في مختلف المحافل الوطنية والدولية.

ومن الجدير بالذكر، أن سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية وهي تخطط لتنصيب محمد ابن عرفة سلطانا على المغرب، وقع اختيارها أول الأمر على مدينة زرهون وحددت يوم 10 غشت 1953 موعدا لذلك، إلا أنها ما لبثت أن تراجعت عن هذا الاختيار وقررت تنفيذه في مراكش اعتبارا للإمكانيات الأمنية والعسكرية المتوفرة لضمان نجاح مخططها المشؤوم. وكما هو معلوم، فالمدينة كانت خاضعة لسلطات متعاونة مع نظام الحماية بقيادة الباشا التهامي الكلاوي الذي كان يَعُد على الناس أنفاسهم ويحصي حركاتهم وسكناتهم، إضافة إلى تواجد قوات عسكرية ضخمة من الجيش الاستعماري الفرنسي بالمنطقة التي كانت مصنفة منطقة عسكرية.

وبالفعل، فقد حددت السلطات الاستعمارية في أول الأمر تاريخ يوم الجمعة 14 غشت 1953 لتنصيب السلطان المزعوم بمسجد الكتبية، إلا أن فطنة رجال الحركة الوطنية والمقاومة الذين كانوا يتتبعون تحركات السلطات الاستعمارية،أفشلت هذه الخطة في بدايتها، ليتم اختيار يوم السبت 15 غشت 1953 لتنصيب السلطان المزعوم بداخل القصر الملكي،وفور شيوع هذا الخبر،اكتسحت الجماهير الغاضبة ساحة المشور بشعارات تؤكد تمسك المغاربة بالعرش العلوي وبالسلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف، ومطالبين بإنهاء عهد الحجر والحماية.

وكانت السلطات الأمنية الفرنسية قد قامت بمحاولات يائسة لإفشال هذه المظاهرة مستخدمة مختلف الوسائل القمعية، وحملات اضطهاد وتنكيل بالمواطنين. وقد شهد هذا اليوم الحزين استشهاد الشهيدة فاطمة الزهراء بنت مولاي الحسن البلغيتي، كأول امرأة، إختراقت بكل شجاعة وإباء، حاملة العلم الوطني في يدها،الأحزمة الأمنية التي كانت تطوق الساحة،وكانت تصرخ وتزغرد وتهتف بحياة السلطان سيدي محمد بن يوسف مما استفز قوات الأمن الإستعمارية التي أطلقت النار عليها لتسقط شهيدة،ملهبة بذلك حماس كافة المتظاهرين،ثم استشهاد التهامي المسيوي،وبذلك حازت مدينة مراكش من جديد إكليل الفخر في تنظيم انتفاضة شعبية بإحكام وانتظام ، على منوال تلك التي شهدتها ذات المدينة في شهر شتنبر من سنة 1937، تضامنا مع الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة مكناس إثر انتفاضة ماء واد بوفكران.

وما من شكــ، أن مظاهرة المشور أربكت حسابات السلطات الاستعمارية وبعثرت أوراقها وتأكد لها بالملموس أن تنفيذ أجندتها الإستعمارية ليس بالأمر الهين، وأدركت أن الشعب المغربي واقف وقفة رجل واحد، وصامد كالبنيان المرصوص في وجه كل من سولت له نفسه المس بمقدسات الوطن وثوابته ومقوماته.

وكان الاستياء قد بلغ أشده والاستنكار إلى ذروته، عندما أَصَرَّت سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف طيب الله مثواه خارج أرض الوطن في 20 غشت 1953، لتتجدد المواقف الثابتة للشعب المغربي، توجت بالعملية الفدائية والبطولية التي نفذها الشهيد البطل علال بن عبد الله في 11 شتنبر 1953 عندما تصدى لموكب السلطان المزعوم محمد بن عرفة صنيعة الاستعمار بالمشور السعيد بالرباط، مضحيا بروحه ومفتديا السلطان الشرعي محمد بن يوسف بحياته،ومدافعا عن العزة والحرية والكرامة.

كما كانت مظاهرة المشور في مراكش،كانت الشرارة الأولى لمختلف المظاهرات الحاشدة والعمليات الفدائية البطولية التي عمت سائر ربوع الوطن مطالبة بالتحرر وعودة الملك الشرعي إلى عرشه، وهو ما تحقق بالعودة المظفرة لبطل التحرير والاستقلال حاملا بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وإشراقة شمس الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية، وداعيا رحمه الله للانتقال من الجهاد الأصغر في سبيل الحرية والاستقلال إلى الجهاد الأكبر من أجل البناء والنماء وإعلاء صروح الوطن، وإستحضار القول المأثور الذي خص به جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني مظاهرة المشور، مخاطبا منتخبي المجلس الاقليمي والمجلس البلدي لمراكش سنة 1978 ” …إن أنسى فلا أنسى أن جماعة من الخدام الأوفياء والوطنيين الأحرار بهذه المدينة نصبت نفسها في هذه الساحة للدفاع عن القصر وساكنيه”.

إلى ذلكــ، سيظل التاريخ يذكر باعتزاز وإكبار الانتصار العظيم لمسيرة الكفاح الوطني والتحرري التي جسدت الالتحام الوثيق والترابط المتين بين العرش والشعب من أجل عزة الوطن وسؤدده، إذ بقدر ما يطفح هذا التاريخ بالأمجاد والبطولات، بقدر ما يُرصَّع سجله الذهبي بالدروس والعبر المفعمة بالقيم النبيلة وبالمعاني البليغة وبالدلالات الوطنية العميقة كقيم ومثل عليا عبدت الطريق أمام جلائل الأعمال والتضحيات الجسام للمغاربة ورموزهم الأخيار وأعلامهم الأبرار ممن خاضوا غمار ملحمة الحرية والاستقلال بقيادة العرش العلوي المجيد، في ملاحم سجلها التاريخ للشعب المغربي بمداد الفخر والاعتزاز وسجلت في حق مراكش الحاضرة التاريخية، في أجواء طافحة بمشاعر التقدير والإكبار والروح الوطنية الصادقة.

وفي ختام حفل هذه المناسبة الخالدة، تم تلاوة نص البرقية المرفوعة الى السدة العالية بالله سيدي محمد السادس،كما تم الترحم على أرواح شهداء الاستقلال والوحدة الترابية وفي طليعتهم روحي المغفور لهما الملكين العظيمين محمد الخامس بطل التحرير والاستقلال والحسن الثاني، باني المغرب الحديث وموحد البلاد،وبالدعاء بالنصر والتمكين لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه ولكافة الأسرة الملكية الشريفة .

أصل المقولة الشعبية المغربية : الرحامنـــة عشـــرة فـــ أعْقِيـــل

مـحـمـد الــقـنــور  : 

جرت على ألسنة العامة والخاصة من المغاربة،في اطار المزاح مقولة : “نتوما الرحامنة عشرة فــ أعقيل ” ويظن العديد، ممن تطرق سمعهم هذه المقولة، أنها تنقيصا لقبيلة الرحامنة، هذه القبيلة التي تعتبر من أشهر القبائل المغربية تاريخيا وثقافيا،لما أنجبته من كبار الأعلام، في الفقه والقضاء والآداب والعلوم، فيظن السامع أن كل عشرة جماجم رحمانية تساوي عقل واحد سليم، في حين أن العُقيل يقصد به العِقَال، وهو القيد الذي يستعمل للإعتقال .

لماذا سمي الرحامنة بمساخيط السلطان ؟ وكيف ساهم القايد العيادي في رد الإعتبار لهم ؟

يجمع مختلف المؤرخين المختصين في تاريخ المغرب الحديث، أن” للرحامنة ثورتان، الأولى في عصر السلطان مولاي عبد الرحمن، والثانية في عصر السلطان المولى عبد العزيز وكانت هي الأعنف، وقد استطاع الرحامنة أن يسيطروا على حوز مراكش بكامله، وحاصروا مدينة مراكش لشهور طويلة وكان عليها آنذاك الباشا ويدة، وقد ضاق الناس في هذا الحصار حتى أُكلت الجيف، فقام المولى عبد العزيز بتجهيز جيش لمواجهة الرحامنة قادما من فاس، إلا أن الجيش العزيزي انهزم أمام جحافل الرحامنة بقيادة الطاهر بن سليمان الرحماني، وفرت المحلة السلطانية حتى إن بعض الكتابات التاريخية تقول بأن الرحامنة استطاعوا الحصول على نعل أو “بلغة السلطان” وتباهوا بذلك مدة، ومن ثم نعتتهم القبائل المخزنية بمساخيط مولاي عبد العزيز.

هذا، وقد استطاع المولى عبد العزيز تجهيز جيشه من جديد بتأطير القائد ماكلين، وهزمت جحافل الرحامنة قرب منطقة ابن ساسي المحادية لمراكش، وفر قائد الثورة الطاهر بن سليمان إلى ضريح سيدي علي بن ابراهيم بمدينة تادلة، قبل أن يتم القبض عليه هناك، واقتياده في قفص خشبي إلى سجن جزيرة الصويرة، ومعه المئات من أفراد قبائل وعشائر الرحامنة، حتى جعل العشرة منهم في عقال واحد، ومن هنا جاءت تسمية الرحامنة عشرة في عقيل، نسبة للعقال وليس إلى العقل”.

 

كيف ساهم العيادي في عودة المسجونين ورد الاعتبار لهم ؟

” قدم القايد العيادي للسلطان المولى عبد الحفيظ دعما سياسيا وعسكريا غير محدود، مقابل تعهده بإطلاق سراح أبناء قبيلته القابعين في سجون السلطان المولى عبد العزيز، ومواجهة الاحتلال الأجنبي، وعلى هذا الأساس قام بالدعاية له في مختلف القبائل مقدما إياه على أنه السلطان الأوحد الذي سيواجه التدخل الفرنسي، قبل أن يقود شخصيا، بتاريخ 20 غشت من سنة 1908، «الحرْكة» التي هاجمت المحلة العزيزية المتوجهة نحو مراكش، على ضفة وادي تساوت، وألحقت هزيمة قاسية بها، سرعت باندحار السلطام المولى عبد العزيز وتراجعه،طالبا الأمان عند القائد المعطي بسطات.


ومباشرة بعد مبايعة المولى عبد الحفيظ سلطانا جديدا للمغرب، كافأ حليفه القوي وعراب الانتصار النهائي الذي أطاح بعرش أخيه، معينا إياه قائدا على الرحامنة إلى جانب قياد آخرين، أمثال القائد عبد السلام البربوشي، والقايد امبارك بن التهامي، والقايد الطاهر بن الأعظم، والقايد ابن الزادي.
كما لم ينس السلطان المولى عبد الحفيظ الوعد الذي قطعه على نفسه بالجهاد ضد «النصارى»، ولذلك أرسل، في سنوات حكمه الأولى، محلة إلى الشاوية لصد الفرنسيين، شارك فيها القائد العيادي على رأس محاربين من الرحامنة ”

ثم من هنا اكتسب القايد العيادي هيبته و خلده الثراث الشفوي في الكثير من الحكايات و كذلك فن العيطة الذي تفنن فيه النظام في وصفه و مديحه…

المنصور الذهبي سلطان المغرب الذي أرْعَب الأسِتَانَة العثمانية وأقضَّ مضجع البرتغاليين

محـمـد الـقـنــور :

تميزت أوضاع المغرب في بداية القرن 16 ، بوجود سلطة مركزية ضعيفة، لم تكن قادرة على توحيد البلاد،وعاجزة عن الوقوف في وجه الغزو البرتغالي المتزايد، وفي المقابل تقوى نفوذ الزوايا التي أصبحت تتولى مهمة تأطير حركة الجهاد ضد المحتلين،إلى أن تهيأت الظروف بجنوب المغرب لظهور السعديين كقيادة جديدة للبلاد، وقد تمكن هؤلاء السعديون من تنظيم المقاومة ضد البرتغاليين واستعادة وحدة البلاد،والوقوف في وجه الأطماع الأجنبية ، فقد اتسمت أوضاع المغرب إبان الحكم الو طاسي بالتجزئة والتدهور،اذ لم تتوفر للوطاسيين القوة العسكرية الضرورية لبسط نفوذهم على ومجموع التراب المغربي،وبذاك فشلوا في إعادة وحدة البلاد، إذ لم يتعد نفوذهم المناطق الواقعة شمال آم الربيع، وضمنها أيضا ظلت مناطق متعددة تشكل كيانات مستقلة لاتعترف للحكم الو طاسي إلا بتبعية اسمية فقطن مثل منطقة تطوان التي خضعت لإمارة بني المنظرين ومنطقة شفشاون لأسرة بني راشد، وكلاهما من أصول أندلسية، بالإضافة إلى استمرار حركة تمرد القبائل ضدهم، خصوصا أثناء فترة جباية الضرائب والتي تكلف الوطاسيين جهودا كبيرة.
وعرفت الدولة السعدية أزهى عهودها خلال فترة السلطان أحمد المنصور الذهبي ، حيت اكتملت خلالها تنظيمات الدولة،وتقوى نفوذها واتبع ليشمل جميع مناطق المغرب وأجزاء من إفريقيا الغربية،كما ازدادت هيبتها على الصعيد الدولي بفضل السياسة الخارجية التي نهجها المنصور،الشيء الذي كان له دور كبير في استقرار الوضع الاجتماعية بالمدن والبوادي المغربية،وانفتاح المغرب على تيارات حضارية مختلفة،وانتعاش الحياة الاقتصادية والفكرية انتعاشا كبيرا خلال النصف الثاني من القرن 16.
وقد أدت هذه الأوضاع إلى عزلة الدولة الوطاسية،وزادت الكوارث الطبيعية ون تعميق الاختلال ومعانات السكان.
ومما زاد في ضعف الوطاسيين وافقدهم ثقة السكان والقبائل،عجزهم عن التصدي بفعالية للاحتلال البرتغالي خصوصا بعد أن جدد هؤلاء هجومهم في مطلع القرن 16م،وأقدموا على احتلال عدد آخر من الثغور فاتحين بذالك جبهات متعددة أمام الوطاسيين.
ومهما يكن، فقد أدى ضعف السلطة المركزية الوطاسية إلى انفصال منطقة سوس كغيرها من المناطق منذ أواسط القرن 15،فأدارت القبائل شؤونها مستغلة خيراتها الفلاحية وموارد التجارة الصحراوية التي ظلت منتعشة رغم بداية تحول الطرق التجارية تحو الغرب لفائدة الأوربيين،إلا أن استيلاء البرتغاليين على سواحل الإقليم وإغلاق منافذه البحرية اضعف الموارد التجارية للمنطقة فتضررت الحياة المغربية من هذا الحصار و من هجماتهم،وكذا من بعض الأعمال التي كانوا يمارسونها.
فالتفت قبائل سوس حول فروع الزاوية الشاذلية لإجلاء المحتلين المسيحيين من الثغور تحت راية الجهاد، إلا أن حدود هذه المقاومة أمام الخطر البرتغالي اقنع المجاهدين والزوايا بضرورة إقامة كيان يستقطب القبائل ويوفر الموارد وينظم المقاومة،واستقر الرأي على ترشيح إحدى الأسر الأكثر حظوة لدى السكان ،وهم الاشراف السعديين، الذين استقطبوا التأييد ينتسبون لآل البيت النبوي،فقد استقروا أول الأمر بدرعة منذ القرن 14م القرن الثامن الهجري ومنها نزحوا شمالا في القرن 15 م،وذالك نحو تيدسي جنوب غرب تارودانت، وكانت من مراكز طريق التجارة الصحراوية، تحدث عنها الحسن الوزان في كتابه “وصف إفريقيا” الذي كتبه لبابا الفاتيكان، بعدما إعتنق الوزان المسيحية، وتسمى بليون الإفريقي.

وفي “تيدسي” استطاع السعديون اكتساب حظوة لدى المغاربة من السكان ومن طلاب العلم وعابري السبيل وتجار القوافل بسبب وطنيتهم وعدلهم ونسبهم الشريف ومساهمتهم في رد إعتداءات البرتغاليين على السواحل المغربية.
فقد بدأت الحركة السعدية مع زعيم دعوتها محمد القائم بأمر الله بمساعدة ابنيه، احمد الأعرج ومحمد الشيخ،فعمل على تامين شروط التنظيم وإستراتيجية الجهاد وفي مقدمتها الموارد المالية والأسلحة، فاستخلص الزكاة والأعشار من القبائل والبطون، وعين الدُّعاة، ووضع أسس التخابرفيما بينهم وبينه، وسعى إلى الحصول على الأسلحة والعتاد من الأوربيين المناوئين للبرتغال كأنجلترا، وبعض ممالك مدن إيطاليا كالبندقية “فينيسيا” وجنوة مقابل تمكين بعضهم من الإستفادة من منتوج السكر الذي كان يصنع في مراكش وشيشاوة، وهو ما مكنه من تركيز سلطته وتوسيع نفوذه.

وشكلت سنة 1511م بداية المواجهة العسكرية مع البرتغاليين في الجنوب، فبعدما استقطبت الدعوة السعدية منذ البداية سكان المناطق الجنوبية المتضررة من تافيلالت إلى سوس مرورا عبر درعة ووادي الذهب والساقية الحمراء،أصبحت تتطلع إلى فك الحصار المفروض على التجارة الصحراوية مما جعلها في مواجهة البرتغاليين،لذالك استهدفت الحملات السعدية الأولى ضدهم عزل الثغور المحتلة جنوبا تمهيدا لتحريرها.
فنظم محمد القائم هجومات على مناطق حاحا والشياضمة، ثم نقل السعديون حملاتهم نحو الشمال حول ازمور ومازاغان لإنهاك المحتلين،لاسيما بعد استرجاع أكادير التي سماها البرتغاليين سانتاكروز سنة 1546 م، وهو ما كان له الاثر البالغ على زعزعة الوجود البرتغالي.
وقد اظهر السعديون في الفترة مابين 1511 م-1525 م دهاءا سياسيا بالحفاظ على ولائهم للوطاسيين،إلى أن وطدوا نفوذهم في الجنوب المغربي، ووضعوا أسس الدولة الجديدة واسترجعوا الطرق التجارية الشرقية، وضبطوا طرق القوافل إلى مالي وحوض النيجر، ثم شرعوا في مواجهة الوطاسيين مابين 1525 م-1536 م فدخلوا مراكش سنة 1521 م،حيث شن الوطاسيون الحرب ضد السعديين في معركة أنماري سنة 1529 م،ثم في معركة مشرع بوعقبة على ضفاف وادي العبيد سنة 1536 م، فانهزم الوطاسيون وثم عقد صلح بوعقبة على وادي العبيد سنة 1536 م،وهو الصلح الذي اعترف خلاله الوطاسيون بالسعديين كقوة ثانية بالبلاد يمتد نفوذها من جنوب أم الربيع إلى تخوم إفريقيا .
وقد حاول الوطاسيون استرجاع مراكش سنة 1538 م، غير أن محاولاتهم باءت بالفشل، ، فتراجعوا عن تادلة وتافيلالت ،وبعد أن تمكن محمد الشيخ السعدي من تنحية أخيه احمد الأعرج، واصل السعديون ضغطهم على المناطق الشمالية إلى أن تمكنوا من ضم مكناس وفاس سنة 1549 م،ثم باقي المدن والشواطئ وبذاك وحدوا كل البلاد تحت سلطتهم.
ولتوطيد دعائم الدولة السعدية وحماية البلاد واجه السلطان محمد الشيخ ثم ابنه السلطان عبد الله الغالب أطماع العثمانيين لمد سيطرتهم إلى المغرب، بعد أن تمكنوا من فرض سلطانهم على الشمال الإفريقي، فإسترجع السلطان محمد الشيخ مدينة فاس بعد أن دخلها أبو حسون الوطاسي بدعم من الأتراك العثمانيين ، عقب استنجاده بهم ضد السعديين، وبذالك وقع السلطان المغربي محمد الشيخ شهادة وفاة أطماع العثمانيين في المغرب، بعد قضائه على أبي حسون السملالي سنة 1555 م.

في ذات السياق، لم تتوقف أطماع البرتغاليين في المغرب رغم تحرير السعديين للثغور، فقد ظلوا ينتظرون الظرف الملائم للوثوب عليه،وهذا سيظهر جليا اثر أزمة العرش كانت قد انطلقت بعد وفاة السلطان عبد الله الغالب،حيث تمكن السلطان عبد الملك السعدي من الانتصار على ابن أخيه المتمرد الأمير محمد المتوكل سنة 1576م،مما دفع بهذا الأخير ، إلى اللجوء إلى البرتغاليين لطلب مساعدتهم مقابل إعادة بعض المدن الشاطئية المغربية لهم . وكان على عرش البرتغال آنذاك الملك دون سباستيان1557 – 1578وكان مسيحيا كاثوليكيا متشددا،ومتحمسا لتحقيق حلم البرتغاليين بالتوسع بالمغرب بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وإستراتيجية.
ومن ثم استغل الملكـ البرتغالي سباستيان الفرصة وقاد قوة عسكرية كبيرة سرعان ما إنضم إليها مسيحيون متطوعين من مختلف مناطق أوروبا، ممن كانت لاتزال بهم باقية من بقايا الحروب الصليبية، فعزموا على غزو المغرب رفقة الأمير المتوكل المغربي الذي سجله التاريخ ضمن الخونة المغاربة التاريخيين .
فلما علم السعديون بنبأ الغزو قاموا بالاستعداد لهذه المواجهة بتعبئة طاقات هامة من الجند ومتنوعة من فرسان القبائل، مجاهدي البحار ،فقد استثمر السعديون الحماس الوطني الذي أثاره الغزو البرتغالي ، فجندوا أعدادا هائلة من المغاربة ، كما وفروا الأسلحة المتطورة خصوصا النارية من المدافع التي اهتموا بها منذ انطلاق حركتهم عن طريق الاستيراد وحتى عن طريق الصنع المحلي، إذ توفر السعديون على مصانع للأسلحة والذخيرة في كل من تارودانت ومراكش وفاس، تستغل معادن النحاس والحديد وملح البارود، كما زاد من فعالية القوة السعدية عملية التخطيط للمعركة واختيار موقعها وتوقيتها، حيت تم استدراج جيوش العدو قرب وادي المخازن في 4 غشت 1578م .
وهكذا التقى الجيشان في المعركة التي سميت باسم موقعها، وقد حقق الجيش المغربي السعدي خلال المواجهة انتصارا واضحا أعطاها أبعادا تاريخية عميقة، فقد أدى الانتصار من جهة إلى انهيار القوة العسكرية والمعنوية للبرتغال والدول الحليفة الأوروبية، وكشف للعثمانيين قوة المغرب ، وعززت مكانته الدولية .


وكان من حسنات معركة وادي المخازن” أن حسمت في مسالة الحكم والصراع حول السلطة داخل جهاز المخزن السعدي، وزادت من هيبة الدولة السعدية بين القبائل والزوايا بالمغرب، مما أتاح للسعديين الاهتمام بتوسيع نفوذهم وبناء قوتهم بعد وادي المخازن، كما مكن هذا الانتصار خزينة الدولة من مكاسب مادية مهمة انعكست ايجابيا على المجال الاقتصادي والإجتماعي والعسكري والعمراني سواء في مراكش العاصمة أو في غيرها من مدن المغرب، وهكذا تمكن السعديون من ضمان توحيد المغرب ورد الأطماع، فدخلت البلاد في عهد احمد المنصور مرحلة من القوة والاستقرار والبناء والتجديد.

وطبيعيُّ،  فإن السلطان احمد المنصور، بن أبي عبد الله الشيخ محمد المهدي كان قد ولد بفاس سنة 956 هـ من ام تدعى مسعودة وتكنى بالحرة، وتسمى تلطيفا وتحببا بالعودة السعدية وكان من أساتذته في النحو واللغة ابو العباس احمد بن قاسم الأندلسي ومحمد الحارثي،كما اخذ الفقه عن أساتذة أمثال أبي عمران السوسي وغيره،وكان يجمع بين علوم كثيرة.
ولقد إشتهر السلطان أحمد المنصور الذهبي بحزمه وتتبعه لأخبار رعيته،وإطلاعه على مستجدات العالم المسيحي، وأسس مجلسا للشورى كان يجتمع يوم الأربعاء وكان يسميه يوم الديوان،وهو أول من استعمل المنصورية في لباسه،وكان مولعا بالعمران على غرار والدته العودة ،وكان شديد الحنو على أولاده، شعبه، وقد اتخذ الاحتفال بعيد المولد كعيد رسمي للمغاربة ،وكانت له علاقات طيبة مع عدة دول أبرزها أنجلترا وهولندة ،كما كان إداريا ممتازا لا يقبل تهاونا، خاصة على مستوى التنظيمات الداخلية للدولة، فقد كانت الإدارة المركزية للدولة السعدية مكونة من عدد من العناصر السياسية والإدارية والعسكرية والمالية ومن أبرزها السلطان الذي كان يحتل الصدارة في جهاز الحكم،بحيث كان يعد أعلى سلطة في هذا الجهاز،وقد حمل المنصور لقب الخليفة كغيره من الملوك السعديين تأييدا لأحقيتهم بخلافة المسلمين بذل العثمانيين الأتراكـ ،بحكم أصلهم النبوي الشريف، ثم الحاجب المكلف بتنظيم العلاقات بين السلطان وباقي كبار الدولة، ثم منصب الوزير يشرف على تنفيذ السياسة العامة للبلاد، وجذورهم العربية المغربية فكان من مظاهر ملكـ المنصور كاتب السر وهو الكاتب الخاص للخليفة.والمسؤول عن ضبط مراسلات السلطان المنصور الداخلية والخارجية،يساعده مجموعة من الكتاب، ثم صاحب خزائن الدار وهو بمثابة وزير المالية حاليا.إذ يتكلف بالسهر على ضبط مداخيل الدولة وصرفها.

والملاحظ أن موارد الدولة المغربية في عهد السعديين اتسعت بشكل كبير في عهد المنصور،حيث شملت إلى جانب غنائم الحرب،الجبايات وكانت تتكون من الزكاة وضريبة الخراج وكانت تمس على الخصوص قبائل السهول المغربية التي اعتبرت مفتوحة بالقوة،وضريبة الجزية على اليهود،والأجانب المقيمين بالمغرب من الصناع والتجار ومختلف الملازم المفروضة على أصحاب الأنشطة الإقتصادية  وأصحاب الحرف والصنائع الفكرية والفنية والحرفية ،كما شملت المداخيل عائدات استغلال الدولة لعدد من المناجم،فضلا عن احتكارها لصناعة السكر ومداخيل الجمارك.
وكان للسلطان المنصور الذهبي أصحاب المشورة وهم الهيئة الاستشارية التي يلجا إليها المنصور في حالة عزمه على اتخاذ بعض القرارات، ومكونة من شخصيات عدة كقواد الجيش والفقهاء وزعماء بعض القبائل، فكان صاحب المظالم “وزير العدل” في دولة المنصور مكلفا بتلقي الشكايات ورفعها مباشرة إلى المنصور للبث فيها.


ومنذ ذاكـ الزمن ، فقد قام المنصور بتوزيع البلاد إلى اثنتي عشرة إقليم،واسند إدارتها لعناصر تحظى بثقته،حيث عين على رأس كل منها عاملا بمثابة نائب عنه في الإقليم وكان يتمتع بصلاحيات واسعة،وقد أناب المنصور عنه بعض أبنائه في أقاليم خاصة كمراكش وفاس ومكناس وسوس،و الساقية الحمراء ووادي الذهب، كما عمل السلطان أحمد المنصور بعد استقرار أوضاع المغرب الداخلية و الخارجية على ضم أقاليم السودان و تشكيل إمبراطورية إسلامية في غرب القارة لمواجهة الأطماع الأجنبية في ظل أوضاع السودان السيئة و انقسامها و بتزايد الخطر الإيبيري عبر المراكز الساحلية في غرب القارة، و اتجه الملك المنصور إلى الاستيلاء على المراكز الصحراوية المتجهة إلى السودان، و حاول إقناع الملك سونجاي الدخول في طاعته ، فلما رفض ذلكـ أرسل له حملتين عسكريتين 1591 فقضوا على مملكته ليتم ضم أقاليمها للمغرب و جعلها تابعة للإدارة المركزية السعدية بمراكش ،بعدما عين لها واليا لتسيير أمور الإقليم ، ثم قسم المنصور الذهبي الأقاليم بدورها إلى قيادات يرأسها قائد أو باشا يدير شؤونها العامة ويقوم بالبث في القضايا المدنية والخصومات،ويساعده صاحب الشرطة المكلف بالحفاظ على الأمن،والقاضي الذي يتكلف بالنظر في القضايا الشرعية،إضافة إلى شيوخ القبائل الذين عهد إليهم بمهمة تامين سلامة الطرق .
وقام السلطان أحمد المنصور الذهبي بتقوية الجيش وتطويره باعتباره الأداة الفعالة في ضبط الأمن والدفاع عن حوزة البلاد، فأسس جيشا قويا مكونا من جيش نظامي وآخر من المتطوعين .

فبالنسبة للجيش النظامي تكون من الأتراك والأعلاج “النصارى” والأندلسيين ومن انضاف إليهم من المتطوعين أهل سوس ومراكش،والحسانيين وقسم إلى فرق جعل لكل منها لباس خاص،وجعل على رأسها قائدا وضباطا مرتبين ترتيبا عسكريا مستمدا من العثمانيين، وكان يخضع بانتظام لتدريبات خاصة،كما ثم تجهيزه بالأسلحة النارية مثل المدافع والبنادق الى جانب الأسلحة التقليدية،كما شرع المنصور في تقوية الأسطول البحري.فبالنسبة لجيش المتطوعين، عرف بجيش عرب الدولة،وهو مكون من القبائل ،وكانت تمد المنصور بقوات من الفرسان والمشاة مقابل تمتعها ببعض الامتيازات مثل إعفائهم من الضرائب وإقطاعهم بعض الأراضي.
وقد كان لهذا التنظيم الإداري والعسكري دور مهم في إحكام سيطرة الدولة السعدية على جميع مناطق المغرب وإقرار الأمن داخليا بها ، وساعد المنصور بالتالي على التفرغ لتعزيز مكانة المغرب على الصعيد الخارجي.

وقد عرف المغرب انفتاحا مهما في عهد المنصور الذهبي  على الخارج خلال القرن 16 الميلادي عبر توافد عناصر بشرية انصهرت تدريجيا داخل مجتمعه، منهم الأندلسيون و أعداد من الأتراك العثمانيون اللاجئين والفارين من بطش سلاطين بني عثمان و أعداد كبيرة من السودانيين للخدمة و عناصر أوربية قدمت للتجارة فإستقرت في مملكة المغرب،إضافة إلى أعداد كبيرة من الأسرى، ليتلقى المجتمع المغربي مؤثرات حضارية انضافت الى حضارته العربية الأمازيغية الإسلامية ،ومست التأثيرات الحضارية التي تلقاها المجتمع المغربي في هذا القرن مجالات مختلفة من الحياة اليومية للسكان من لباس ومعمار و عادات و موسيقى و لغة.
كما عرفت الحياة الفكرية في المغرب انتعاشا كبيرا فقد تعددت المراكز العلمية و تزايد عدد المؤلفات في مختلف المجالات العلمية والفكرية والفقهية والأدبية .
وعلى كل حال ، فقد استعادت الحياة الفكرية نشاطها تدريجيا في المغرب منذ أواسط القرن 16 بعد خمول طويل، بسبب الاستقرار التدريجي لأوضاع البلاد، وأيضا تفتح المغرب على الخارج و توافد إعداد من المفكرين من الأندلس و السودان و من المغربين الأوسط و الأدنى ،مما أغنى الحركة الفكرية بما حملوه من فنون ومعارف.
كما كان النشاط الفكري خلال العهد السعدي بمثابة استمرار للحركة الفكرية السائدة سابقا، بحيث شمل عدة علوم منها العلوم الشرعية أو النقلية و العلوم العقلية إضافة لتعريب عدة كتب من اللاتينية واللغات الأخرى .
إلى ذلكــ ، نشطت حركة العمران في الجنوب وطوال بداية انتشار حكم السعديين ، فأعادوا بناء و توسيع و تجديد عدة أماكن ومدن في الجنوب وفي الشمال، فأنشئوا القلاع والحصون، ووسعوا الطرقات ومدوا القناطر والأبراج، وشيدوا المدارس والتكنات والمستشفيات والجوامع، وهيئوا المصانع والفنادق التي كانت تعج بالحرفيين،  فكان قصر المنصور “البديع” في حد ذاته تحفة التحف العالمية في مراكش ، ومضرب للمثل في الأبهة والجمال شرقا وغربا.
فقد ساعد السعديون على استمرار الفن المعماري المغربي الأندلسي عبر الفن المعماري السعدي بحيث حافظوا على مواد البناء بها و ادخلوا تحسينات عليها مع الحفاظ على نفس أسلوب الزخرفة المغربي المنطلق من النمط المريني وعلى أسس الهندسة المغربية داخل الفنادق والرياضات والجوامع والقلاع والقيساريات والأحياء والدروب والمنازل والدويريات، والأزقة والأبواب والسقايات والقناطر والأبراج والسواقي والخطارات والعراصي والمنتزهات والمستشفيات والمدارس .