“جزيرة الموت” في نيويوركـ حيث يرقد ضحايا “كورونا” بجوار مليون جثّة سابقة
هاسبريس :
في الوقت الذي سجلت خلاله الولايات المتحدة الأميركية أكبر عدد من الوفيات بوباء فيروس كورونا المستجد حول العالم، حيث تجاوز عدد الوفيات بها 23 ألف حالة، فيما تخطى عدد المصابين بها 580 ألف حالة، كما سُجل في نيويورك، أكثر الولايات تأثراً بوباء كورونا، بما يزيد عن 10 آلاف حالات وفاة،عادت جزيرة هارت أيلاند Hart Island في نيويورك إلى الواجهة الإعلامية، .كجزيرة دُفنت بها مليون جثة بها على مدار عشرات الأعوام الماضية، بما في ذلك بعض الذين ماتوا سابقا بسبب الإيدز والسل، حيث تم توظيف عمال متعاقدين في أبريل الحالي ممن يرتدون الملابس الواقية لتنفيذ مهمات دفن ضحايا وباء “كوفيد 19”.
ويرقد بمقبرة جزيرة هارت التي تحيط بها الشواطئ صخرية والمباني المتداعية للسقوط ، أولئك ممن ماتوا دون أن يكون لهم عائلة أو أقارب معروفين، حيث على مدى عقود، تم استخدام الجزيرة لدفن المتوفين ممن لم يطالبهم أفراد عائلاتهم بجثثهم، قبل أن يتم استخدام الجزيرة في زمن كورونا.
وللإشارة، فإن أسماء المتوفين تُكتب بلون أسود على التوابيت، كما يتم تدوين هذه التوابيت في سجلات خاصة، بحيث يمكن لأفراد العائلة المطالبة بأحبائهم لاحقًا، كما تخضع مقابر الجزيرة لسلطة إدارة السجون في نيويورك،إذ كان يتم دفن أكثر من ألف شخص كل عام بترابها بالاستعانة بالسجناء كحفاري قبور، لدرجة بات يقدر عدد من دفنوا بها بمليون شخص على مساحة أكثر من ستين هكتار . .
مكتشف الأنسولين من طبيب مغمور إلى منقذ حياة الملايين حول العالم
هاسبريس :
مع بداية القرن العشرين كان داء السكري يطلق عليه “آفة العصر”، حيث انتشر في الكثير من بلدان العالم وأصيب به الآلاف من الأشخاص الذين توفي الكثيرون منهم لعدم وجود علاج له، حيث كان الحل الوحيد لإبطاء السكري، في ذاك الوقت، هو اتباع حمية غذائية قاسية تعتمد على تناول ما لا يزيد على 500 سعرة حرارية يومياً، والابتعاد نهائياً عن الكربوهيدرات، مع العلم أن جسم الإنسان يحتاج نحو 2000 سعرة حرارية، وأن الكربوهيدرات ضرورية لتغذية الجسم، لذا فقد عانى مرضى السكري المجاعة والضعف الشديد، ولا سيما الأطفال منهم الذين هم بأمس الحاجة إلى التغذية الجيدة لتنموا أجسادهم.
واستمر العلماء في البحث عن علاج لذلك المرض الحساس إلى أن جاء يوم توصل فيه العلماء إلى وجود علاقة بين البنكرياس والسكري، فقام عالمان ألمانيان بإجراء تجربة أزالوا خلالها البنكرياس من الكلاب لتصاب الكلاب بأعراض مطابقة لأعراض مرض السكري. وما إن انتشرت تلك القصة حتى ألهمت طبيباً مغموراً هو الدكتور فريدريك بانتينغ، بتطوير هذه الأبحاث وإجراء تجارب كثيرة حتى توصل إلى العلاج.
وجاءت بداية اكتشاف العلاج في عام 1920، بعد عودة الدكتور بانتينغ من إحدى جبهات الحرب العالمية الأولى، وكان عمره حينها 29 عاماً، وقام بتأسيس عيادة خاصة له في مسقط رأسه في مدينة لندن الكندية، التي تقع في جنوب غرب مقاطعة أونتاريو.
وكان دخل عيادة بانتينغ ضعيفاً للغاية، لذا قرر أن يقوم بإعطاء بعض المحاضرات في الجامعة بمدينته، وكانت إحدى هذه المحاضرات عن استقلاب الأطعمة النشوية بعد أكلها، فاضطره هذا الموضوع إلى اللجوء إلى المراجع المتوافرة حول موضوع المواد النشوية خصوصاً الجلوكوز، واحتمال أن يكون للبنكرياس دور في تحويلها واستقلابها، ففكر في أن يكمل أبحاث من سبقوه من العلماء في هذا المجال.
استحوذ موضوع الجلوكوز على تفكيره ليلاً نهاراً، وقال لنفسه إنّ دخل العيادة لا يغطي نفقاتها، ومن دون تردد أغلق عيادته وتوجه إلى جامعة تورونتو في كندا، وقابل رئيس قسم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجيا) البروفيسور جي جي ماكليود (J. J. Macleod) ليعرض عليه أفكاره، وطلب منه أن يعمل تحت إشرافه لعمل تجارب حول دور البنكرياس في استقلاب الأطعمة النشوية إلى سكريات.
وكانت الفكرة التي تدور في ذهنه أن هناك مادة مجهولة يصنعها البنكرياس هي المسؤولة عن استقلاب المواد النشوية، هذه المادة المجهولة التي لم يستطع أحد اكتشافها إلى ذلك الحين.
وبعد تردد كبير، وافق البروفيسور ماكليود، تحت إلحاح وحماس الدكتور بانتينغ، أن يسمح له بإجراء تجاربه في مختبر صغير مهجور، وعين له مساعداً من طلبة الماجستير هو شارلز بست.
سمح البروفيسور ماكليود لهما بإجراء التجارب على 10 كلاب، ليستطيع د. بانتينغ أن يجري تجاربه على كلبين كحد أقصى في اليوم الواحد.
فقام الطبيبان بالتوسع بالتجارب الطبية على الكلاب، وتوفيت جميع الكلاب التي خضعت للتجارب، حتى فقد بانتينغ الأمل في نجاح تجاربه، إلى أن نجحت التجربة بعد محاولات فاشلة عدة على الكلب رقم 410، بعد أن تم حقنه بخلايا بنكرياس كلب سليم، وبعد مرور ساعة قام بانتينغ بتحليل دمه، ومن هنا لم يصدق نفسه من المفاجأة، حيث اكتشف وصول نسبة السكر في دم الكلب إلى المعدل الطبيعي، وبذلك يكون الكلب رقم 410 هو أول من تم علاجه بالأنسولين من داء السكري.
وبعد نجاح التجارب على الكلاب تم تجربتها على البشر، وفي يوم 11 يناير 1922، تم اختيار الشاب ليونارد ثومبسون (Leonard Thompson ) وعمره 14 سنة، لتجربة اللقاح الجديد، كان ثومبسون على حافة الموت من مضاعفات مرض السكري؛ شديد الهزال، شديد الجفاف، وحرارة جسمه مرتفعة جداً وكانت نسبة الجلوكوز في الدم 440 ملغ%.
حقن ثومبسون بالأكسير الذي أطلق عليه اسم الأنسولين، وكان الجو مملوءاً بالترقب والخوف والأمل، مرت الدقائق ببطء شديد، ولكن بعد ساعة، انخفضت نسبة السكر في دم الشاب إلى 220 ملغ%، واستمرت بالانخفاض إلى أن وصلت إلى 10- ملغ% بعد 12 ساعة.
نجحت التجربة، لكن ثومبسون عانى مضاعفات الحساسية الشديدة، ما اضطر د. بانتينغ الى وقف العلاج، لأنه استنتج أن العلاج بحاجة إلى المزيد من البحث، وبعد 12 يوماً من العمل استطاع الصيدلي كوليب تنقية محلول الأنسولين واستأنف علاج الشاب الذي كتبت له حياة جديدة.
احتل بانتينغ غلاف صحف عدة وصار حديث العالم، ما دفع رجل أعمال أميركياً إلى المجيء عنده وعرض عليه مليون دولار، لكي يصبح الأنسولين أميركياً، إلا أن بانتينغ رفض، وقال له سيظل ابتكاراً ينسب لوطني كندا.
وفي عام 1923 أعطيت جائزة نوبل للدكتور “بانتينغ”، وعندما أعلنت أسماء الفائزين بجائزة نوبل عام 1923، أعطيت الجائزة مناصفة للدكتور بانتينغ والبروفيسور ماكليود، فرفض بانتينغ ذلك، قائلاً إن من كان ينام في المختبر مع الكلاب لم يكن ماكليود بل السيد بست، فردّ عليه ماكليود إن من يستحقها حقاً هو الصيدلي كوليب، وهكذا اقتسم الأربعة جائزة نوبل للمرة الأولى في التاريخ.
لماذا سجلت إيطاليا أعلى حصيلة وفيات بسبب “كورونا”: الأسباب والتداعيات
هاسبريس :
إعتبرت إيطاليا، أكبر بؤرة لوباء كورونا كوفيد 19 في أوروبا، مسجلة بذلك أعلى حصيلة في العالم للوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد، وهو ما فسره العلماء بعوامل عدة، منها متوسط الأعمار المرتفع في هذا البلد والنظام الصحي فيه وطريقة تعداد المصابين والوفيات.
وظهرت أشدّ أعراض فيروس كورونا المستجد في إيطاليا لدى المسنين والأشخاص ممن يعانون بالأساس من أمراض، وبالتالي كان من المنطقي أن يكون عدد الوفيات بين المصابين به أعلى في إيطاليا مقارنة بدول أخرى.
كما يعتبر سكان إيطاليا هم الأكثر تقدما في السن في العالم بعد اليابان، إذ تخطت حصيلة الوفيات في إيطاليا أربعة آلاف وفاة فيما سجلت 47 ألف إصابة، مما يعني أن نسبة الوفاة جراء فيروس كورونا المستجد قدرت بنسبة 8,6%.
هذا، ولاحظت “جنيفر داوند” اختصاصية الديموغرافيا والصحة العامة،والباحثة في جامعة أوكسفورد في دراسة نشرتها الأربعاء على الموقع الإلكتروني للمنتدى الاقتصادي العالمي، أن معدّل الوفيات كان مرتفعا في الدول التي تعتبر شعوبها أكبر سنا،مقارنة بالدول الأكثر شبابا.
.وأشارت”داوند” إلى مدى الترابط القوي بين الديموغرافيا ومعدّل الوفيات فيما يتعلق بفيروس كورونا كوفيد-19، داعية إلى ضرورة إتخاذ تدابير الابتعاد الاجتماعي الرامية إلى إبطاء انتشار الفيروس، بالاعتبار “في آن التركيبة السكانية من حيث الأعمار والبيئات المحلية والوطنية والروابط الاجتماعية بين الأجيال”.
وشددت “داوندا”أن من ضمن وسائل مكافحة الوباء العالمي، على أن «الفيروس يجب ألا يقارب المسنين الذين قد يكون بسهولة قاتلا لهم»، لكنها لفتت إلى وضع إيطاليا الخاص حيث أن العائلة الكبيرة هي من دعائم المجتمع، الجدود يجلبون أحفادهم من المدرسة ويحرسونهم ويقومون ربما بالتبضع لأولادهم الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثين وأربعين عاما، معرضين أنفسهم بشكل خطير للعدوى».
والواقع أن إيطاليا أصيبت بالوباء في وقت مبكر جدا، مباشرة بعد الصين، وهو عامل يأخذه الخبراء بالاعتبار ولو أنه لا يستند إلى أساس علمي حقيقي.
وقال الأستاذ في جامعة جونز هوبكينز الأميركية ياشا مونك لشبكة «سي بي سي» الكندية «حين يسألونني لماذا إيطاليا، أُجيب أنه ليس هناك سبب محدد».وأوضح «الفرق الوحيد أن العدوى انتقلت إليها قبل عشرة أيام من ألمانيا والولايات المتحدة وكندا، وإذا لم تتحرك هذه الدول بسرعة وبشكل حاسم، فستتحول إلى ما هي إيطاليا عليه اليوم».كذلك يرى بعض الخبراء أن الوباء «باغت» البلد من غير أن يتسنى له اتخاذ استعدادات لمواجهته، خلافا للدول المجاورة له. فسرعان ما استنفدت المستشفيات قدراتها، واضطر الأطباء إلى القيام بخيارات صعبة بين المرضى الذين هم أجدى بالعلاج.
ويردد الاختصاصيون باستمرار أن الارتفاع السريع في عدد الوفيات جراء الوباء في إيطاليا، وتحديدا في منطقة لومبارديا، بؤرة الوباء في البلد، هو نتيجة العدد غير المسبوق من المرضى الذين احتاجوا دفعة واحدة إلى دخول أقسام العناية الفائقة، وذلك لفترة متوسطة من أسابيع عدّة، إذ في مثل هذه الظروف الحرجة يؤكد الإختصاصيون على ضرورة إعطاء الأولوية للمرضى ممن يحظون بأكبر فرص للتعافي، مما يعني أن نوعية العناية ستتراجع وتظل محدودة،وإن كان النظام الصحي في لومبارديا الإيطالية بؤرة الوباء، يعتبر مهنيا وجيدا.
على صعيد آخر، يرى العديد من الأطباء الإداريين والدارسين السوسيولوجيين والعلماء أن نسبة الوفيات في إيطاليا تعود بالإضافة إلى العوامل السابقة المذكورة، إلى سياسة كشف الإصابات، حيث قررت الحكومة الإيطالية بأن تُجرى الفحوص فقط للأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض الإصابة، وهو ما يستبعد من الإحصاءات الأشخاص ممن يحملون الفيروس دون أن تظهر عليهم أعراض تذكر أو لا تذكر،.وهذا نهج كلف إيطاليا ضريبة وخيمة في الأرواح، مقارنة مثلا مع ألمانيا والمغرب وكوريا الشمالية، وهي دول اختارت اتباع سياسة الحظر الصحي، وإجراء فحوص على نطاق واسع أتاحت رصد العديد من المصابين الذين يكادون لا يعانون من أي أعراض. ونتيجة لذلك، تراجعت نسبة الوفيات مع تعداد الإصابات الطفيفة.
من جهة أخرى، كانت إيطاليا قد اختارت تضمين الحصيلة الإجمالية للوفيات جراء فيروس كورونا المستجد الأشخاص الذين أظهرت الفحوص إصابتهم بالفيروس غير أنهم توفوا جراء مرض آخر، وهي سياسة لم تتبعها حكومات دول أخرى.
تدابير وقائية ضد الأوبئة سجلها التاريخ للمغرب
هاسبريس :
توالت الأزمات والابتلاءات والمحن التي أصابت البشرية عبر تاريخها الطويل، ونزلت بها شتى صنوف الابتلاء؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وبالطبع، فقد نال المسلمين عبر تاريخهم الطويل، حصتهم من تلكــ الجوائح، وسجل تاريخهم أحداثا ووقائع ، سسجلت آثارها مؤلفات المؤرخين ووردت على ألسنة الشعراء والأدباء. ولعل أكثرها فتكاً كان مرض “الطاعون” الذي انتشر أكثر من مرة في المغرب والأندلس ومصر والشام والعراق، وقتل ألوفاً من سكانها.
وقد قدم المؤرخون ممن عاصروا تلك الأحداث صوراً متنوعة عن تلك الأوبئة وآثارها وعواقبها في سائر أرجاء الأرض، مثل الطبري والمسعودي والسيوطي والمقريزي وابن “تغري بردي” و”ابن كثير” و”ابن إياس” والرحالة المغربي “ابن بطوطة” وابن عذارى المراكشي، كما بحثت في ذلك كتب النوازل الفقهية للونشريسي وابن رشد وغيرهم… ونظراً لما تركت تلك الأوبئة من آثار في التاريخ الإسلامي نظراً لانعكاسها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي خصوصا والإنسانية عموما .
وعلى غرار باقي دول العالم، فقد مر تاريخ المغرب بالكثير من الأوبئة نتيجة الحروب والمجاعات والجفاف في عصر المرابطين والموحدين وفي عهد بني مرين وحتى الفترة الحديث، ولعل من أهمها طاعون عام 571هـ، الذي انتشر في بلاد المغرب والأندلس ، والذي يعتبر أهم طاعون عرفه عصر الموحدين، حيث كانت له نتائج كارثية ولم يسلم منه أحد حتى أن أربعة أمراء من إخوة الخليفة الموحدي يوسف بن يعقوب ماتوا فيه، بينما كان يموت بسببه ما بين 100 و190 من عامة الناس في اليوم الواحد حسب ما أورده عبد الإلاه بنمليح .
فقد حدث أن ضرب الطاعون المغرب عام 1798م، بعدما انتقلت العدوى إليه، من خلال التجار ممن حملوه معهم من الاسكندرية إلى المغرب، حيث تفشى الطاعون في فاس ومكناس ووصل إلى الرباط ، فكان يخلف حسب المؤرخ البزاز، مايربو عن 130 ضحية في اليوم.
كما أورد ابن عذاري المراكشي في سياق التأريخ لحوادث الأوبئة في الأندلس في أواخر القرن الخامس الهجري، القرن الحادي عشر الميلادي أنه في سنة 498 هـ الموافقة لسنة 1105م تناهى القحط في بلاد الأندلس والعدوة حتى أيقن الناس بالهلاك”، ولا شك أن ما أعقب كارثة القحط من مضاعفات سكانية واقتصادية بكل من المغرب والأندلس، كان بمثابة الشرارة المهددة لسلسة من الكوارث الطبيعية المتلاحقة، حيث كلما حدث اضطراب مناخي كان يدل في ذهنية إنسان تلك المرحلة على ظروف معيشية ونفسية وصحية أصعب، وفي نفس تلك الفترة أصيب المغرب والأندلس بسلسلة من القحوط والمجاعات في الربع الأول من القرن السادس الهجري، القرن الثاني عشر الميلادي، حيث اجتاح جفاف شديد مدينتي فاس وغرناطة عام 524 هـ/ 1130م، وفي عام 526هـ/ 1132م اشتدت المجاعة والوباء بالناس في قرطبة، وكثر الموتى وبلغ مد القمح خمسة عشر ديناراً. واستمرت موجات الكوارث الطبيعية في العدوتين الأندلس والمغرب وخاصة في فترات المواجهة العسكرية التي عرفت تناوب مستمرحسب المؤرخ المغربي الطيب البياض .
هــذا، وقبيل انتشار الطاعون في المغرب سنة 1798م، استطاع المغاربة تطبيق حجر صحي واتخاذ إجراءات للوقاية من الوباء الذي قدم من الشرق، فهم وإن لم يستطيعوا أن يتفادوه ولكنهم استطاعوا تأخير قدومه عدة سنوات، فهذا الطاعون أول ما بدأ في الإسكندرية في عام 1783م. والذي ساهم في تأخير قدوم الوباء مجموعة التدابير التي اتخذها السلطان سيدي محمد بن عبدالله لوقاية مملكته من الوباء المتفشي في الجزائر وذلك بأن أقام نطاقاً عسكرياً على الحدود الشرقية للمغرب، وبدأت الهيئة القنصلية المقيمة في طنجة في عام 1792م باتخاذ اجراءات صحية وقائية على الواجهة البحرية، بعد أن استطاعت انتزاع موافقة من خلفه السلطان مولاي سليمان على فرض حجر صحي ضد الجزائر التي كان الوباء فيها قد تفشى آنذاك .
طاعون عمواس أول وباء في تاريخ الإسلام، والخليفة عمر يضع سياسة للتدابير الوقائية منه
هاسبريس :
وقع طاعون عمواس فحدث في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه في العام الثامن عشر 18 من الهجرة،وقد سمِّي بطاعون عِمَواس نسبة إِلى “عِمَواس” بلدةٍ صغيرة، بين القدس، والرَّملة في فلسطين؛ وكانت أول ما ظهر بها هذا الدَّاء، ثمَّ انتشر في الشَّام منها، فنسب إِليها، وكان حصول الطَّاعون في ذلك الوقت بعد المعارك الطَّاحنة بين المسلمين والأمبراطورية الرومانية، وما نتج عن هذه المعاركـ من كثرة القتلى، وتعفُّن الجثت، وتلوث الأجواء،نتيجة الجثث المتعفنة. فكانت شدَّته بالشَّام حسب رأي المؤرخين، مما أودى بحياة أعداد كبيرة من المسلمين الفاتحين ومن الروم ، كان من ضمنهم الصحابي الكبير أبو عبيدة عامر بن الجرّاح أحد المبشرين العشرة بالجنة بحديث رسول الله، وكان أمير الجيش، ونفر من كبار الصحابة كمعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وإن كانت بعض المراجع التاريخية تفيد أنه استشهد باليرموك .
فعلى المستوى اللغوي في لسان العرب لإبن منظور، فالشخص الطعين هو من أصابه الطاعون، وطعن الشخص فهو مطعون، وقد جاءت كلمة طاعون على وزن فاعول من الطعن، فاستخدموه بمعنى غير معناه الأصلي، لكنه يعطي دلالة قريبة منه ليدل على الموت الذي يصيب جماعة من الناس فيشيع بينهم كالوباء .
أما المعنى الاصطلاحي الطبي للطاعون، فإنه مرض عبارة عن قروح جسدية تخرج وتتمركز في مواضع مختلفة من الجسم، كالأيدي أو المرافق أو الآباط أو غيرها. ويصحب ذلك آلام شديدة، مع ما يرافقها من أعراض أخرى كالقيء وخفقان القلب،وقد عرَّف ابن حجر العسقلاني الطاعون على أنه المرض الذي يفسد الهواء به وتفسد به الأبدان والأمزجة، وهو مادة سمية تحدث ورماً قاتلاً في أطراف الجسم الرخوة، من خلال دم رديء يميل إلى العفونة والفساد” مما ينتج عنه من الأورام .
هذا، ودمر مرض طاعون عمواس عدد من الضحايا وصل إلى أكثر من 30 ألف من بينهم العديد من صحابة النبى محمد “صلى الله عليه وسلم”، كما سلفت الإشارة.
ويكشف الطبري والمسعودي وعدد من المؤرخين، أن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، من خلال تعامله مع ذلك الوباء كان في منتهى الحذر، حيث لم يدخل هو ومن معه من كبار الصحابة كعبد الرحمان بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد والزبير بن العوام، وعلي بن أبي طالب وآخرون إلى الشام، بل حاول إخراج المعافين من أرض الوباء، فضلاً عن قيامه بتحمل المسؤولية كاملة بعد انجلاء هذا الوباء، فرحل إلى الشام وأشرف على حل المشاكل الإقتصادية والإجتماعية الناجمة عن هذا الوباء، وتصريف تبعات هذه أزمته .
في حين رفض الصحابي ، وقائد الجيوش الإسلامية آنذاكــ أبو عبيدة بن الجراح الخروج من الشام، التي كان واليًا عليها، عملاً بما جاء في حديث الرسول بعدم الخروج من أرض الطاعون، واعتقادًا أن في ذلك فرارا من قدر الله، وقال حينها مقولته الشهير: “إني في جند المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عنهم”.
وشهد الإجراءات التى قام بها الخليفة عمر بن الخطاب، وواليه على مصر آنذاكــ عمرو بن العاص لمواجهة الوباء القاتل فى الشام، إجراءات شبيهة بالحجر الصحى، حيث نفذ بن العاص أمر عمر بن الخطاب بالخروج بالناس إلى الجبال؛ لأن الطاعون لا ينتشر هناك؛ فخطب فيهم قائلاً: “أيها الناس، إن هذا المرض إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال”، أي الحجر الصحي، وبتلك الطريقة استطاعوا القضاء على الوباء الذي شكّل خطورة كبيرة على دولة الإسلام الفتية في تلك الفترة؛ وذلك أخذًا بأسباب الوقاية منه،والحجر الصحي والتدابير الوقاية .





















