إكتشاف أكفان لشعب الـ”فايكنغ” عليها لفظ الجلالة الله

هاسبريس :

وكالات أنباء دولية : 

 

اكتشف الباحثون السويديون لفظ الجلالة مطرزاً على كفن فايكنغ قديم يعود تاريخ صنعه لأكثر من 1000 سنة مضت، وقد وصفوا هذا الاكتشاف بأنه مذهل، واعتقد الباحثون في البداية أن هذه الأنماط الحريرية هي زخرفات عادية من عصر الفايكنغ، غير أن إعادة فحصها من قبل عالمة الآثار أنيكا لارسون من جامعة أوبسالا، كشفت أنها نص كوفي هندسي.

وقد عثر عليها في حزم محبوكة علاوة على بعض الثياب، في موقعي دفن منفصلين، مما بات يدعو للافتراض أن عادة الدفن لدى الفايكنغ تأثرت بالدين الإسلامي الحنيف.

هذا، وتضمنت الحُزم المنسوجة كتابة كلمة «الله» بالعربية القديمة بالخط الكوفي الذي ظهر في مطلع الإسلام، كما عثر على أحرف كوفية من عهد الفايكنغ في فسيفساء في نصب وأضرحة دفن تذكارية في وسط آسيا.

وعلقت لارسون على ذك قائلة: «إن أحد التفاصيل المهمة هي أن كلمة «الله» مصورة بطريقة منعكسة كصورة المرآة، وربما كانت هذه محاولة لجعل المتعبدين على الجهة اليمنى أن يتمكنوا من القراءة من اليسار إلى اليمين».

وأضافت لارسون : «إنه شيء مذهل، ونحن نعتقد أن هذه الحزم، كالملابس، تمت حياكتها في منطقة تقع إلى الغرب من بلاد المسلمين، ويفترض أن الأكفان في عصر الفايكنغ تأثرت بالدين الإسلامي الحنيف، وبفكرة وجود حياة بعد الموت في الجنة».

وللإشارة، ففي مارس عام 2015 , كانت هناك أنباء عن إكتشاف خاتم قديم كانت ترتديه إمرأة من الفايكنج في مقبرة قديمة مع وجود نقش على الخاتم هو كلمة ( الله ) ! بالخط الكوفي
إندلع الخبر في وسائل الإعلام , وأحاط هذا الإكتشاف الغموض , وتناثرت حوله النظريات والآراء والتساؤلات عن كيفية وصول هذا الخاتم ذو النقش العربي الإسلامي إلى السويد , , واطلق البعض على هذا الإكتشاف ( الخاتم الغامض ) .
ولذا تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على العلاقة التي كانت بين الفايكنج والحضارة الإسلامية في الماضي البعيد , وما يتعلق بها , ومعالجة المفاهيم الخاطئة المتعلقة بعلاقة المسلمين وشعوب أوروبا في العصور الوسطى …

الفايكنج و المسلمين : علاقات السلم والحرب 

 

من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر , كان شعب الفايكنج ذو شهرة واسعة بفضل حروبهم وغزواتهم , وقد جابوا العالم وغطوا مساحات واسعة , بشكل لم يسبقهم إليه أحد ,حتى وصفهم الإدريسي بإن حملاتهم إمتدت من غرب اوروبا حتى آسيا الوسطى , وكان المسلمون آنذاك قد وصلوا إلى قمة الحضارة في شتى المجالات , وإمتدت أراضي المسلمين شرقاً وغرباً وغطت مساحات كبيرة من افريقيا وآسيا حتى حدود آوروبا إلى أن وصلت إلى الاندلس التي حكمها المسلمون حوالي 8 قرون … فكان من الطبيعي أن يطمع الفايكنج في تلك الحضارة المترامية الأطراف ويحلمون بتلك الثروات التي إمتلكها المسلمون آنذاك ولم يضاهييهم فيها أحد في ذلك العصر .

وكانت الأندلس في ذلك الوقت تحت الحكم الأموي , بقيادة عبد الرحمن الناصر , فبدأ الفايكنج بالإغارة على الأندلس من ناحية المحيط الأطلسي على مدينة لشبونه بإستخدام عشرات السفن , وقاموا بتدمير المدينة , وتخريب المساجد , وهتك الأعراض , والسرقة والنهب , حتى وصلوا إلى مدينة أشبيلية , وإستمروا بالسلب والنهب والقتل لأيام .. حتى قام القائد عبد الرحمن الناصر بإرسال جيوش المسلمين في الأندلس لمحاربة الفايكنج وطردهم من البلاد وقد كان وإنتصر المسلمون على الفايكنج , وقام بتحصين الأندلس بعد ذلك من هجماتهم , حتى أدرك الفايكنج أنهم أمام قوة كبيرة فطلبوا الهدنة والصلح مع عبد الرحمن الناصر وسلمت أراضي المسلمين من هجمات الفايكنج للأبد .

 

تجارة الفايكنج مع المسلمين

 

أما في العصر العباسي , وخاصة تحت حكم الخليفة  هارون الرشيد  الذي كان متميزاً بتفاعله مع الأعراق والمعتقدات المختلفة التي تأتي من كل حدب وصوب لبلاد المسلمين في ذلك الوقت الذهبي للحضارة الإسلامية , فكان هذا واضحاً في توافد العلماء ذوي الخلفيات المختلفة على منارة العلم والفن في بغداد عاصمة الدولة العباسية آنذاك فكان من الطبيعي أن تكون هناك علاقات طيبة مع شعوب اوروبا , وحركة تجارية بين بلاد العرب وشعوب أوروبا ومنهم الفايكنج .

فعلى غرار التجار المسلمين وكل تجار العالم في ذلك الوقت , عمل تجار الفايكنج على التجارة بنظام المقايضة مقابل البضائع , مثل الفراء والعسل والجلود والعاج والأسماك وغيرها , كما كانت الفضة في ذلك الوقت ثمينة ومكلفة , كما حرص العرب المسلمين على الحصول على البضائع الإسكندنافية من الفايكنج مثل القبعات والمعاطف المصنوعة من فرو الثعالب السوداء وهي واحدة من أغلى الفراء , وكذلك عبيد السلاف .

فجلب تجار الفايكنج الفضة العباسية  نسبة الى الدولة العباسية بكميات كبيرة إلى الدول الإسكندنافية , وقد تم العثور على آلاف القطع منها في مناطق بحر البلطيق وروسيا .

وفي الواقع فإن عمليات الحفر والتنقيب في كثير من المناطق الإسكندنافية في الوقت الحاضر اسفرت عن العثور على نقود عربية ( دراهم ) مخبأة , حيث كانت تستخدم النقود العربية كعملة مشتركة في مناطق أيرلندا وشمال إنجلترا من القرن العاشر حتى القرن الثاني عشر.

آثار المسلمين في أراضي الفايكنج

 

كان الفايكنج ياتون إلى بلاد العرب للتجارة عن طريق نهر( الفولغا ) , وكان العرب يطلقون عليهم إسم ( الروس ) , وربما أشار العرب إليهم بهذا الإسم , لإن مصطلح الروس كان دلالة على المحاربين  التجار، وبعض المؤرخين يعتقدون ان كلمة الروس مستمدة من Finnic أو شاطيء البحر , أو (الصيادين ) , ( سكان شاطيء البحر ) وذلك بغض النظر عن أصلهم العرقي , وأن هذا المصطلح نشأ في مكان يدعى Roslagen في إشارة إلى المنطقة الساحلية في السويد في شرق أوبسالا.

و لعل البعض يتسآل كيف وصل ذلك الخاتم العربي إلى إصبع إمرأة من الفايكنج !
مع دراسات من مصادر أوروبية وغير أوروبية وبجهد علماء آثار ومؤرخين إستثمروا الكثير من الوقت في إسترجاع المعلومات المتعلقة بعصر الفايكنج على الجزر السويدية , وجدوا أن نساء الفايكنج كانوا يرتدين الكثير من المجوهرات المتنوعة من أماكن مختلفة , كما وصفهم إبن فضلان في رحلته إلى بلاد الفايكنج ( بإن نساء الروس كن يرتدين الكثير من عقود الفضة والذهب حول أعناقهن ) .

وجدير بالذكر أن بقايا المرأة التي تم العثور عليها كانت ترتدي خاتم من الفضة مطعم بحجر أرجواني نقش عليه بالخط الكوفي كلمة ( الله ) , وعلى الرغم من أن لباس تلك المرأة في القبر كان لباساً إسكندنافياً تقليدياً , إلا أن تحلل الجثة حال بين العلماء وبين معرفة نوعها العرقي , وهل كانت هدية أو غنيمة حرب , وما إذا كانت معتنقة للدين الإسلامي أم لا ؟ .. فلم يتم التأكد من ذلك حتى الآن !

بالنسبة للدراهم والنقود العربية التي تم العثور على الكثير منها في أراضي السويد ..
فإن الدرهم العربي في ذلك الوقت كان يتميز بجودة مادته من الفضة ويزن حوال 2,9 جرام , لذا فقد كان ذو قيمة جيدة ,وكان الفايكنج يستخدمونه في تجارة عبيد السلاف التي كانت منتشرة في ذلك الوقت بين العرب ودول أوروبا, وقد تم العصور على كميات كبيرة منها مخبأة في اراضي الفايكنج , فقد تم العثور عليها منذ بداية القرن الثامن عشر , ويصعب تقدير كميتها , ولكن في الإجمالي يكن أن تبلغ عدد ما تم إكتشافه حتى الآن 200.000 قطعة نقدية عربية , ولكن قد تناثرت وسرقت العديد من الكنوز قبل أن يتم إكتشافها بالطبع , حيث أنها أكثر من 1000 كنز , وربما تضم جميعها ما يقرب من مليون قطعة نقدية، مما يشكل رقما كبيرا جداً، ومما يجعل الدراهم العربية من أشهر المواد التي كانت مستخدمة في التجارة في بعض دول اوروبا خلال العصور الوسطى.

 فايكنج إعتنقوا الإسلام

 إلى جانب إرتدائها لخاتم عربي الصنع , كانت هناك مسألة أخرى تتعلق بتلك المرأة التي تم العثور عليها , إذ أن الفايكنج كانوا يحرقون جثث موتاهم ولا يدفنونها , ولكن تلك المرأة تم دفنها بدلاً من حرقها , وهذا قاد بعض المؤرخين إلى إعتقاد أن تلك المرأة كانت من الفايكنج الذين إعتنقوا الإسلام بعد تفاعلهم مع المسلمين , كما أن هناك أدلة تاريخية أخرى تدل على إعتناق بعض الفايكنج للإسلام , منها ما ذكره الجغرافي المسلم من القرن السادس عشر ( أمين رازي ) , الذي يقول فيها ” أن الفايكنج لديهم حب كبير للحوم الخنزير , وهو ذو قيمة عالية عندهم , حتى أولئك الذين تحولوا للإسلام مازلوا يتوقون إلى أكل لحم الخنزير  .
كما ذكرالرازي في قسم بعنوان ” المحاربون التجار” : أن مجموعة من تجار الفايكنج إعتنقوا الإسلام في جنوب شرق أشبيلية , وهي منطقة كانت مشهورة بتجارة الجبن .
توضح تلك الأدلة التاريخية أن الإسلام لم يكن فقط دين ذو شعبية كبيرة في الشرق القديم , ولكنه كذلكـ كانت له جذور عميقة في أوروبا خلال العصور الوسطى .

جدير بالذكر أن هناك أمثلة إضافية توضح العلاقة بين المسلمين وشعوب أوروبا في العصور الوسطى , يتضمن ذلك وجود كتابات عربية ونقوش شرقية على ملابس المذبح وأثواب الكنيسة والجنازة , كما نقشت بعض الأقمشة بنقوش عربية وزخرفة من الآيات القرآنية , حتى إمتدت إلى بعض لوحات عصر النهضة الإيطالية .


كما وجدت النقود العربية في جزيرة في شمال أستراليا , فعدد قليل من الأستراليين على علم بإن سكان الجزيرة الأصلية كانوا على إتصال مستمر مع المسلمين قبل وقت طويل من وصول المستعمريين المسيحيين , وقد إنطبق هذا الأمر عكسياً  على المسلمين, فيبدو أن المسلمين في العصور الوسطى إستخدموا رموز غير إسلامية تأثراً بعلاقاتهم مع شعوب أوروبا , فيقال أن رمز الهلال في قبة المساجد , قد إستمدها المسلمون من ثقافة البيزنطيين …

باحثون يعثرون على جيش فرعون موسى الغارق

هاسبريس :

وكالات أخبار دولية : 

عثر علماء الآثار المصريون بالقرب من سواحل البحر الأحمر على بقايا هياكل بشرية، يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي عصر الميثاناترون، فعلى مسافة تمتد 200 متر مربع، وجد علماء الآثار تحت الماء أكثر من 400 هيكل عظمي ومعدات وأسلحة، فضلا عن شظايا من مركبات المعركة ..

وأكد محمد عبد القادر، رئيس البعثة العلمية البروفيسور من جامعة القاهرة  أنه من الضروري توسيع منطقة البحث، فهذا يمكن أن يساعد على العثور على جيش فرعون وعتاده.
ولم يستبعد محمد عبد القادر كون فريقه العلمي قام باكتشاف مهم جد، يثبت علميا حقيقة قصة خروج النبي موسى رفقة بني إسرائيل من أرض مصر الفرعونية ، في إتجاه براري سيناء .

بسبب الصراع الديني المسيحي، ضاعت رفات عبقري النهضة ليوناردو دافنشي

هاسبريس :

 

من المتداول أن عبقريُّ عصر النهضة، المصمم الهندسي والمخترع  والرسام العالمي ليوناردو دا فينشي؛ كان ابنا لعلاقة غير شرعية لأم فلاحة من طبقة فقيرة وأب من أسرة ثرية؛ رفض الأب توثيق الزواج منها بسبب مركزه الاجتماعي ، وخوفه من عائلته الأرستقراطية ،غير أنه وبعد ولادتها للطفل ليوناردو؛ اعترف به الجد واحتضنه مثل باقي الأحفاد الشرعيين بل وكانت معاملته له مميزة أكثر.

ولقد حظى دافنشي، بحب جده ووالده، لكنه حُرم من حنان الأم وحب إخوته الذين طالما عاملوه بطريقة سيئة وداوموا على افتعال المشاكل ضده ، وهو ما دفع بالجد في أن يوصى  قبل وفاته بكل ممتلكاته لليوناردو ولأعمامه فقط ، وهذا ماسيجر على ليوناردو دافنشي كراهية وحقد كل أخوته .

كبر الطفل وكان يحب الرسم كثيرا، فالتحق بمشغل للرسومات في فلورانس؛ أحبه الجميع حينها واستطاع كسب مكانة بينهم وحظى باحترام الجميع؛ وأصبح ليوناردو المساعد لمالك المشغل الذي يعمل به؛ وبعد فترة من العمل استطاع أن يستقل بعمله لنفسه وكان في عمر السادسة والعشرين.

كانت أولى لوحاته جدارية بها رسم لكنيسة القصر القديم، واعتاد التنقل من مدينة لأخرى لبيع لوحاته وانتشر اسمه في أكثر من بلد، وبعدها لاحظ والده موهبته فقرر تنميتها وأرسل ليتعلم الرسم بحرفية في مشغل يملكه صديقه، وكان من أكبر المشاغل حينها وبه أكثر من فن رسم؛ ونحت على الخشب والحجر، تعلم ليوناردو من هذا المشغل الكثير.

قررت الممالك الإيطالية على غرار مملكة فلورنسا ومملكة نابولي ومملكة بورجيا إرسال مجموعة من الفنانين إلى مبلانو لتزيين كنيسة لسكيتوس الرابع، وكان ليوناردو من ضمن الفنانين وكان عمره حينها لايتجاوز  30 عاماً، وعند وصوله قبل البدء في الرسم شارك في مسابقة للعزف وعزفه على آلة “محكمة سفورزا” تفوق على كل الحضور، وبعد إنتهائه من أعمال الكنيسة قرر البقاء في ميلانو بسبب إنبهاره بالمكان؛ وألف حينها كتاب وصف فيه جميع رسوماته.

حيث طفق وهو في  عمر الثلاثين يمارس فنه كنحات فكان يصنع التماثيل من البرونز والرخام ؛ والتحق بحدمة لودوفيكو سفورزا ليشتغل في تصنيع السفن والعربات المدرعة والمدافع.

رسم ليوناردو اللوحة الشهيرة “الموناليزا والتي أثارت الجدل لعدة قرون حتى الآن؛ استغرق دافنشي 4 أعوام لإنهاء اللوحة وكان بعمرالواحد والخمسين؛ لكن اصطحبها معه في كل مكان لمدة 10 أعوام فظن الجميع أنه استغرق 10 أعوام لإنهائها؛ و فسر البعض سر غموضها أنه عند النظر إليها ستلاحقك عيناها بزاوية 30 درجة؛ وعن ابتسامتها أنها مزاجية والناظر إليها سيراها سعيدة إذا كان سعيد وحزينة إذا كان حزين.

وحلل الفلاسفة اللوحة على أن دافنشي أظهر الطبيعة البشرية في اللوحة، ويقال أن دافنشي رسم لها 3 لوحات والموجودة الآن وهي بسن الثلاثين ورسمها بيده اليسرى، وعن من تكون السيدة موضوع اللوحة ، قيل أنها لوحة لموناليزا زوجة فرانشيسكو بارتولوميو ديل؛ والبعض قال أنها لوحة لوالدته، لكن المذهل في اللوحة أن تقاسيم وجه الموناليزا نفس تقاسيم وجه دافنشي وكأنه رسم نفسه تحت تساؤل مفاده  “ماذا لو كنت إمرأة!”.

توفي ليوناردو دافنشي في يوم 2 مايو 1519 عن عمر67 عاماً؛ وكتب في وصيته وهب جميع ممتلكاته لإخوته في فلورنسا ووهب بعض منها للفقراء، ووضح رغبته في أن يدفن في كنيسة سانت فلورنسا، وبعد وفاته بفترة نشب صراع بين الكاثوليك والمسيحيين الفرنسيين ونُبِش قبره من قبل المخربين وسرقوا أجزاء القبر كلها فضاعت رفاته.

أبو العباس السبتي : قطب صوفي تحت المجهر

محمد العمراني أمين ‏:

هل كان لأبي العباس السبتي موقف محدد من الثروة، ومن التملك الفاحش لها؟
هل كان لأي العباس السبتي وهو المؤسس الأول لمجتمع مدني بمراكش، موقف متميز ‏في مجالات التوحيد والمعرفة العلمية عامة؟
هل كان لأبي العباس مشروع إحساني متعدد المعالم والواجهات؟ ‏
هذه بعض الأسئلة التي أجاب عنها بتفصيل الدكتور أحمد التوفيق ، وزير الأوقاف ‏والشؤون الإسلامية في ندوة أبي العباس السبتي ومشروعه الإحساني، والتي نظمها ‏المجلس العلمي المحلي لمراكش، بكلية اللغة العربية مؤخرا.‏
يعتبر الدكتور أحمد التوفيق أن المجلس العلمي المحلي التابع للمجلس العلمي الأعلى ، ‏وهو مؤسسة دستورية ، إذ يقيم ندوة حول أبي العباس السبتي ، أمرا يكتسي أهمية ‏كبرى في هذا الوقت بالذا، فالأمر يتعلق بشخص له ضريح وقبة ومزار ، بطرح إشكالا ‏في مسألة التمييز بين العالم والمتصوف .‏
بل ماهو العلم في الإسلام ؟
يجيب أنه جملة معارف، ويعتبره صناعة يمكن أن يحملها الإنسان بغض النظر عن ‏دينه وعن أخلاقه .‏
والعالم في الإسلام من له معارف في الدين ولديه موقف وإلتزام أول يكمن في توحيدالله ‏وعدم الإشراك به ، ويكون سلوكه مطابقا لعلمه ، وهؤلاء الأشخاص هم من يعرفون ‏بالصوفية ، وهم من سعوا إلى تحقيق التوحيد في سلوكهم، لكون التوحيد عندهم وصل ‏بين العلم والتوحيد والسلوك .‏
هذا، ومن خلال الإحتفاء بشخص أبي العباس السبتي المشهود له بالعلم وبالتوحيد يقوم ‏المجلس العلمي بتصحيح شرخ في إنفصام الشخصية الإسلامية.‏
فالصوفية قامت على أساس التوحيد المتحقق في الذات، وهنا تكمن الأهمية في ‏المشروع التوحيدي لأبي العباس السبتي ، والسلوك ثابت أساسي وليس كماليا .‏
لقد كان أبو العباس السبتي في نفس الوقت، صاحب مذهب في التضامن وصاحب ‏مذهب في التوحيد ، وبخصوص رأيه في الثروة وتملكها ، يعتبر السبتي أن تحرر ‏الإنسان لايتم إلا بتحرره من الثروة التي تتملكه متوهما أنه يملكها، بل وقد دعا السبتي ‏إلى التصدق تسعة أعشار مما يربح الشخص ، ويحتفظ بالعشر الأخير حتى يتحرر من ‏عبوديته لثروته ، حتى قال لأحدهم لا أريد أن أملك بكسر اللام ، حتى لا أملك بضم ‏الهمزة وفتح اللام، فالتوحيد في نظر السبتي هو البر الأعظم ، والتخلص من السعي إلى ‏التملك هو مذهبه في التوحيد والسلوك ، أي العمل به .‏
وعليه فإن التوحيد في فكر أبي العباس السبتي ليس علما مجردا عن الذات.‏
وفي إستطراد يشير الدكتور أحمد التوفيق إلى إلى أن الدول الإسكندنافية اليوم تسعى ‏إلى أن تصبح الضريبة تصاعدية كي تبلغ 60 في المئة من الأرباح، فالفقر ماهو سوى ‏نتيجة للتفاوت الظالم الناتج عن الإثراء ، إذ أن أبا العباس السبتي هو مفكر صوفي ‏وقطب يفتح بابا في التوحيد وبابا في العرفان ، وهذا البعد الإجتماعي هو ماغلب على ‏أهل التصوف في المغرب .‏
لقد تنبه المفكر أبو الوليد إبن رشد إلى أمر أبي العباس السبتي فبعث من قرطبة بأبي ‏عبد الرحمان الخزرجي ليرفع له من مراكش، تقريرا عن السبتي وقد إشتهر في ‏عاصمة الموحدين وقتها، فعاد الخزرجي لإبن رشد بخلاصة ما تزال إلى اليوم راسخة ‏في المأثور مفادها : أن “هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود”وعندما يأتيه شخص ‏يشكو شيئا ينصحه بالتصدق معتقدا أن آفة الوجود هي الشح والبخل”هذا الأخير الذي ‏يأتي من الظلم .‏


وقد رفع الفقراء شعارا يقول : نحن الفقراء لانملك شيئا ، والفقراء بمعنى أعمق هم ‏المتصوفة الذين يدعو الدكتور التوفيق كي يتصالح معهم علماء المسلمين ، ويضيف ‏التوفيق أن العلماء المغاربة هم في نفس الوقت أصحاب قيم دنيوية ومذهب السبتي ‏يسعى لتحقيق العدل بإستمرار ، وهذا يشمل كل الفئات الداخلة في دائرة الفقر ، ويختم ‏التوفيق عرضه بما يفهم منه أن مذهب السبتي لم يستمر إلى درجة أن النهاية الأليمة ‏للسبتي كانت عندما قام بعض الحرفيين بتكفيره، الأمر الذي يقضي ضرورة قيام جهود ‏حثيثة لأجل إكتشاف قيمنا الحقيقية، ونشير إلى أن الندوة في جلستها المسائية الثانية ‏ترأسها الدكتور أحمد شحلان ، وألقيت خلالها عروض قيمة لعل من أبرزها عرض ‏الأستاذ محمد الأمراني حول الجود والوجود، وعرض الأستاذة مالكة العاصميحول أبي ‏العباس وتجربة المجتمع المدني، وألقيت في مجموع أكثر من عرضا ومبحثا سواء في ‏السياق التاريخي لهذه المرحلة، أو في موضوع الرجالات السبعة بمنظور غني ‏وشمولي ، إنتهت بإقامة حفل لتكريم الأستاذين محمد عز الدين المعيار رئيس المجلس ‏العلمي المحلي لمراكش، والدكتور أحمد شحلان الباحث البارز في الدراسات الشرقية ‏والمخصص في اللغة العبرية.‏

حقائق حول أسماء المدن المغربية

سعاد تــقـيف :

يتفق معظم الباحثين والمؤرخين على أن الأسماء الحقيقية للمدن المغربية ومعانيها قديما، كانت تحمل دلالات روحية وإشارات يمتزج فيها عبق المكان بمناحي العبارات الأمازيغية والحسانية التليدة ، أو حولت للعربية بعدما كانت تجسد إسما إستعماريا على غرار مدينة القنيطرة، الت عرفت بــ “بور ليوطي” ويؤكد هؤلاء الباحثين في أكثر من مرجع ، شكل النواة الحقيقية للدراسات الموضوعية التاريخية في هذا الصدد ، أن إسم :
1. مدينة الدار البيضاء. الاسم الأصلي: أنفا. المعنى: القمة
2. مدينة مراكش. الإسم الأصلي: أمور ن أكوش – المعنى: أرض الله
3. مدينة فاس. الإسم الأصلي: فازاز. المعنى: إسم قديم لجبال الاطلس المتوسط
4. مدينة. طنجة الإسم الأصلي: طنجيس – المعنى: أم الملك الأمازيغي أنتيوس
5. مدينة أزمور. الإسم الأصلي: أزمور – المعنى: شجرة الزيتون
6. مدينة الجديدة. الإسم الأصلي: ميزاغان – المعنى .صاحبة السهول
7. مدينة سطات. الإسم الأصلي: زطات – المعنى: الضريبة
8. مدينة سلا. الإسم الأصلي: تسلا – المعنى: مرتفع
9. مدينة الصويرة. الإسم الأصلي: موكادور – المعنى: صاحبة السور
10. مدينة إفران. الإسم الأصلي: إفران – المعنى: المغارات
11. مدينة. شفشاون الإسم الأصلي: إشاون – المعنى. القرون
12. مدينة تادلة. الإسم الأصلي: تادلة – المعنى: ربطة أو قبطة
13. مدينة تازة الإسم الأصلي: تيزي كلمة أمازيغية تعني الفج …
14. مدينة. تطوان الإسم الأصلي: تيطاوين – المعنى. العيون
15. مدينة. مليلية الإسم الأصلي. تومليلت – المعنى. البيضاء
16. مدينة آسفي. الإسم الأصلي. أسفي – المعنى. المصب
17. مدينة. أزرو الإسم الأصلي. أزرو – المعنى. الصخر
18. مدينة. تيط مليل الإسم الأصلي تيط مليلن – المعنى. العين البيضاء
19. مدينة. عين أسردون الإسم الأصلي تيط أوسردون – المعنى. عين البغل
20. مدينة تفراوت. الإسم الأصلي: تفراوت. المعنى: جدع شجرة
21. مدينة تندوف .الإسم الأصلي .إتن ضوفت – المعنى . إبتعد وراقب
22. مدينة تاوريرت. الإسم الأصلي تاوريرت – المعنى الثلة


23. مدينة أصيلة. الإسم الأصلي أزيلا – المعنى الجميلة
24. مدينة أكدز. الإسم الأصلي أكدز – المعنى السوق
25. مدينة أرفود. الإسم الأصلي أرأفود – المعنى حتى الركبة
26. مدينة تنمل .الإسم الأصلي تنمل – المعنى المدرسة
27. مدينة تفاريتي. الاسم الأصلي تفرتين – المعنى مخازن الحبوب
28. مدينة وارزازت. الاسم الأصلي وارزازات – المعنى عديم الضوضاء
29. مدينة زاكورة .الاسم الاصلي تزكارت – المعنى شجرة قصيرة كثيفة الاوراق والاشواك
30. مدينة ميدلت .الاسم الاصلي تمدولت – المعنى غطاء صوفي مزركش خاص بأهل المنطقة
31. مدينة صفرو. الاسم الاصلي أصفراو – المعنى منطقة مقعرة
32. مدينة مكناس الإسم الاصلي أمكناس – المعنى إسم دولة أمازيغي
33. مدينة أمز ميز الإسم الاصلي أمز أميز – المعنى خذ حفنتك أو مدك من شعير أو غير ذالك
34. مدينة فضالة الاسم الاصلي تفظن – المعنى البحيرة
35. مدينة تيط الأثرية بمنطقة دكالة الإسم الاصلي تيط – المعنى العين
36. مدينة تيفلت الاسم الاصلي تيفلت – المعنى الصفيحة
37. مدينة بيزكارن الأسم الاصلي بيزكارن – المعنى صاحب حبال
38. مدينة أكادير. الاسم الأصلي. أكادير – المعنى. قلعة
39. مدينة كرسيف الإسم الاصلي كر إسافن – المعنى بين الوديان
40. مدينة أكدال الاسم الاصلي أكدال – المعنى مجال محضور
41. مدينة تونات الاسم الاصلي تونات – المعنى العقبة ويقال كذلك تسونت
42. مدينة أزيلال الاسم الاصلي أزيلال – المعنى الممر
43. مدينة تنغير الاسم الاصلي دو يغير – المعنى تحت الكتف
44. مدينة وجدة الاسم الاصلي ثيوجدا – المعنى نبات السدرة
45. مدينة كلميم. الإسم الأصلي. أكلمام – المعنى. البحيرة
46. مدينة زاكورة الاسم الاصلي واوزاكور نسبة الى جبل واو زاكو
47. مدينة. تارودانت .الإسم الأصلي تروا دان – المعنى الأولاد ذهبوا

48. مدينة القنيطرة port lyautey ميناء ليوطي هناك من يقول أن عهدها يعود لسلطان مولاي اسماعيل وكان إسمها القصبة.

أصل عبارة “مسخوط للا أعزيزة” في الثقافة الشعبية المغربية

‏ محمد القـنــور :

إختتمت مؤخرا فعاليات اللقاء الجهوي الأول لرابطة كاتبات المغرب فرع أكاديــر والذي استمر على ‏مدى يومين ، تحت شعار “كاتبات سوس ورهان التنمية الثقافية بالجهة” حضرته مجموعة من الكاتبات ‏والإعلاميات والناقدات والشاعرات والباحثات حيث قدمت باللقاء المعني ندوات فكريـة وتواصلية حول ‏الكتابة النسائية وواقع المرأة بجهة سوس ماسة وعلى المستوى الوطني في عالم الإبداع والتصنيف، كما تم ‏تطرقت المشاركات إلى دور القلم النسائي في السياسة والمجتمع، ومدى حضوره وتفاعله وتأثيره على الساحة ‏الجهوية في جهة سوس ماسة خصوصا ، وعلى المستوى الوطني والدولي . ‏
‏ في حين عرفت فعاليات اللقاء الجهوي المذكور مداخلات ومناقشات إنصبت حول الكتابة الرقمية النسائية داخل ‏عالم الأنترنيت، وما باتت تطرحه من تسهيلات وآليات إجرائية وتداولية جديدة ككتابة صارت تفرض وجودها ‏بالساحة الفكرية والأدبية وتتجاوز الحدود الترابية إلى مختلف دول المعمور .‏
إلى ذلك، شهدت الدورة جلسات قراءة لمجموعة من النصوص الأدبية والشعرية والزجلية للمشاركات، تم ‏تقديمها للحضور على إيقاعات موسيقى العود.‏
في ذات السياق، أجمع العديد من المتتبعين لفعاليات اللقاء،على أهميته كمناسبة مكنت المبدعات من الكاتبات ‏والشاعرات والزجالات والناقدات والباحثات في شتى ضروب الفنون التعبيرية، من التواصل وتبادل التجارب ‏الإبداعية والتعريـف بأسمائهن . ‏
وقد خلص المشاركون ضمن فعاليات هذا الملتقى إلى ضرورة الإهتمام بالإبداع النسائي والتنقيب عن ‏أسماء نسائية تبدع في صمت ،والعمل على إبراز جهودها ، كما تم تثمين هذا اللقاء الذي يعتبر الأول من ‏نوعه بمدينة تعرف أسماء وزانة من النساء المبدعات في مجالات تساءل طبيعة الخط السردي والشعري ‏للمرأة، وتتطرق لطبيعة الشحنات الإبداعية من حيث العوالم التخييلية لنفس المواضيع التي يتطرق إليها الرجل، ‏وحدود اختلاف المعاناة الإبداعية وفيما إذا كانت المرأة تستعمل نفس سلوكيات الكتابة الرجالية عن وعي ‏بحدودها أو بدون وعي ثم حول مجالات الجدة في الطرح الشكلي النصي لممارسات المرأة الكتابية ، وأبعاد ‏النص الإبداعي في الأدب النسائي وأسلوبه، ونظراته .‏
كما تعهدت الرابطة بمساعدة كل منخرطاتها في طباعة ونشر أعمالهن، بالإضافة إلى إعداد دليل لكاتبات ‏سوس يجمع طاقاتها الإبداعية ويغني بها الساحة الثقافية بالجهة .‏
هذا، وقد تم إختيار إسم “لالـة أعزيزة تاكرامت” إحدى العالمات المستنيرات والرائدات في سوس ، والمعروفة ‏بــ للا عزيزة بنت إبراهيم السكساوية “الشيشاوية” المرابطية الركراكية، كعنوان للدورة المعنية .‏

وللإشارة، فإن للا أعزيزة بنت إبراهيم السكساوية “الشيشاوية” تعتبر من أبرز أعلام عصر الدولة المرينية في ‏القرن 13 م، تنتسب إلى عائلة سوسية من ذوي العلم والفضل والصلاح ، تعرف بعائلة “أيت علي” ، سكنت ‏براري منطقة سكساوة التي ليست سوى “شيشاوة”حاليا ، وقد نشأت “لالـة أعزيزة تاكرامت” في بيت أهلها ‏وذويها وترعرعت في براري وجبال ومروج مسقط رأسها راعية لمواشي وأغنام والدها، غير أن أحلامها كفتاة ‏فتحت عينيها على رحابة الفضاءات وشساعة الحقول وتنوعات خلق الله تعالى، أذكى طموحاتها وشجعها على ‏طلب العلم والإنكباب على التصوف على الشيخ الكبير الفقيه العارف والحافظ أبي مدين الغوث، فلما حازت ‏‏”لالـة أعزيزة تاكرامت” مبتغاها ونالت مرادها من العلم والمعارف عادت إلى ديارها مواطنة بناءة وفقيهة ‏متصوفة ، عالمة وسيدة تقية ، تعظ الناس وتدبر الصراع بين القبائل والبطون على محجة بيضاء ، وخاصة ‏النساء .‏
وقد عرفت ” لالـة أعزيزة تاكرامت” وإسم “تاكرامت” يعني الفقيهة بالأمازيغية، بنباهتها وتقواها،وفصاحتها ‏وقوة تأثيرها وحسن إجابتها عن ما يعترضهم الرجال والنساء من نوازل فقهية ، ومن أمور الدين والدنيا، فداع ‏صيتها وأصبحت زاويتها المتواجدة على تراب إقليم شيشاوة”حاليا” بالجماعة الترابية التي تحمل إسمها إلى ‏الآن، محجا للطلبة والفقهاء، مقصدا للتبرك وللمتعلمين والناشئة من الفتيان والفتيات ببلاد سكساوة وبلاد سوس ‏الأدنى والأقصى ممن يؤمون زاويتها للاستفادة من علمها والأخذ بفتاويها ونصائحها وإرشاداتها.‏
والرواة والمؤرخين للمنطقة يخبرون بكل هذا، وبأكثر منه، و الشيخ الحافظ الأديب المغربي الكبير محمد ‏المختار السوسي يخبر أن “لالـة أعزيزة تاكرامت” هي سيدة صالحة ناسكة من أهل قبيلة “إيسكساون بأدرار ‏ندرن” وتعني بالأمازيغية ، سكساوة، وهو الإسم العريق لــ شيشاوة، والتي كانت تدخل في عرف الجغرافيين ‏والمؤرخين الأوائل من ضمن بلاد سوس الأدنى كان قد زارها القائد عامر الهنتاتي بجحافل جيشه ، وقد عزم ‏على تأديب قبائل شيشاوة،إذ كان عاملا على مراكش من قبل السلطان المغربي، فإستقبلته “لالـة أعزيزة ‏تاكرامت” على أحسن وجه، وحاورته على خير ما يرام، ثم أمرته بالرجوع فامتثل لأمرها وسمع لها ، لسديد ‏رأيها وقوة تدبيرها، وصدق إيمانها ووطنيتها . ‏
والحق، أن “لالـة أعزيزة تاكرامت” يرحمها الله، كانت سيدة مغربية من أوائل النساء على مستوى العالم ، ممن ‏وطدن ثقافة المصالحة والإنصاف وتدبير النزاع، والمثل الشعبي لايزال يؤكد أن من لا يقبل شروط وحلول ‏تدبيرها للمنازعات، يعتبر “مسخوط للا أعزيزة” ويشاع أمره أن عصي وغير متفهم فبين القبائل ولدى ساكنة ‏المدن والقرى، وفي كل الآفاق. ‏

إلى ذلك، يزخر الجنوب المغربي من سلسلة جبال الأطلس الكبير والأطلس الصغير الى ومن كثبان رمال ‏السمارة إلى خلجان الداخلة بالصحراء المغربية ومن ضفاف وادي درعة وواحات زاكورة الى قلاع وقصبات ‏تافيلالت، ومن قمم الأطلس الكبير والأطلس الصغير إلى شعاب الهضاب و النجود العليا ومن مروج وغابات ‏الحوز وتلكـ السهول المترامية بأغراس اللوز والجوز والتفاح من أعالي إمليل بالحوز إلى بلاد سوس الكبيرة، ‏بأعلام من النساء الفاضلات من مآثر الأميرات الجليلات وتصنيفات الفقيهات الناسكات والمدرسات المربيات، ‏ومؤلفات العالمات المرموقات ومرويات الواعظات البليغات ومناهج المرشدات المؤطرات ، وصيت الحافظات ‏الناسكات والمقرئات المجيدات ، ومحاسن الصالحات والمتصوفات الزاهدات والأديبات ومأثور الشاعرات ‏والناظمات ، والراويات للمحفوظات والأمازيغية والعربية، والنساء التنمويات المؤسسات للمدارس العلمية ‏والمشيدات للمعاهد الدينية منذ قرون، حيث منهن من نالت المقامات السامية، وسارت بذكر جليل أعمالها ‏الركبان، وتناقل أخبارها تجار القوافل والعابرين من الناس للمسالك نحو أداء فريضة الحج، وخلد الناس إكرامهن ‏بإقامة الحفلات الدينية والمواسم وملتقيات المجاورة والعبادة والذكر في مقاماتهن.‏

الغساني سفير السلطان مولاي إسماعيل : أول مغربي يزور ‏إسبانيا بعد سقوط غرناطة ‏

محمــد الـقـنـور : ‏
عندما شرع محمد بن عبد الوهاب الأندلسي الفاسي ، الملقب بالغساني في رحلته إلى أسبانيا ، سفيرا ‏لسلطان السلاطين مولاي إسماعيل بن الإمام مولاي علي الشريف ، والذي حكم المغرب بقبضة من حديد ‏ما بين سنتي 1672 1727 ميلادية ، كان ينتقل من حضارة إلى حضارة آخرى، وكان الغساني ، رجل ‏المخزن الإسماعيلي من أوائل المغاربة، ممن سافروا إلى أوروبا، وشاهدوا آثار إندحار الحضارة ‏الإسلامية في الأندلس، فقد كانت غرناطة آخر معاقل الإسلام قد سقطت تحت سنابك جيوش الملك فرناندو ‏والملكة إيزابيلا سنة 1492، ‏
كانت دولة المغرب الكبير قد انهارت مع زوال سطوة الموحدين. وأصبحت هناك ثلاثة كيانات كبرى تشبه ‏الموجودة حاليا، ولكن كل كيان منها كان منقسما إلى مدن وإقليم أصغر. وفي الوقت الذي كانت فيه أوربا ‏تضم أشلاءها وتواجه القرن السابع عشر كدول كبرى متوحدة تسعى لاكتشاف العالم واحتلاله كان العالم ‏العربي يواصل التفتت ليتحول إلى دول بهية وسنية ومنصورة وكل ما شاءت من صفات لا تملك منها ‏شيئا، أقاليم بلا شخصية تنزلق تدريجيا تحت نير الحكم العثماني‎.‎
كانت دولة السلطان مولاي إسماعيل ، قوية حكما وتدبيرا،كانت جندا منظما ومدافع منصوبة، قلاعا ‏وحصونا مشيدة، كانت سيفا وقلما، وكان الغساني أحد رجالاتها الأفذاذ،ضمن أبناء المخزن الإسماعيلي، ‏ومن جماعة الوزراء والحجاب الذين يحتلون أرفع المناصب وممن يشيرون على السلطان القوي القابض ‏على زمام الأمور في المغرب الخارج من الفوضى ، بعد نهاية حكم السعديين .‏
فقد إبتدأ الغساني حياته المهنية والفكرية في أول الأمر ، كاتبا في البلاط الإسماعيلي ، وقد أهّله منصبه و ‏مهارته وسرعة بديهته وحسن حظه، في أن يكون من حلقة الجماعة الأولى، ومن أن يتبوأ كرسي ‏الوزارة، ثم مهام السفارة إلى إسبانيا، مرورا بمنطقة الأندلس المنكوبة .‏
‎ ‎وقد شهد عصر الغساني تبلور الصراع بين أوربا المسيحية في الشمال، وبين المغاربة المسلمين من ‏عرب وأمازيغ وموريسكيين وحسانيين في الجنوب، على إختلاف روافدهم الثقافية ، ورغم مرور سنوات ‏طويلة على سقوط الأندلس فلم يكن أحد من هؤلاء المغاربة قد نسي ثأره من الإسبان، الذين حولوا مساجد ‏الأندلس لكنائس، وسيطروا على قصورها وقلاعها .‏

 

حلم من أجل العودة

ولقد زاد من حدة هذا الصراع في العالم الغربي في عصر الغساني أن الدولة العثمانية لم تكن قد انهت ‏حروبها في أوربا بعد، ففي الوقت الذي بدأ فيه الغساني رحلته إلى الأندلس المنكوبة ، كانت القوات ‏العثمانية التركية تحاصر “بلكراد” من أجل استعادتها من جديد، في حين كان الأندلسيون الذين تم طردهم ‏من أسبانيا قد استوطنوا في مدن المغرب مثل تطوان وسلا وشفشاون ومكناس وطنجة وتافيلالت وفاس ‏والرباط ومراكش، وتحديدا في حي القنارية، المشتق من جزر القنارية الإسبانية ‏les iles canaries، ‏وكان هؤلاء يثيرون المشاعر القوية نحو الارض الضائعة، وكانوا قد حولوا “فاس” وسلا ومراكش ‏تحديدا إلى مدن للعلم والحلم،وكان بينهم العلماء والكتاب والمفكرون ممن جددوا الثقافة المغربية التقليدية ‏وأضافوا تقاليد أندلسية جديدة لنظم الحكم فيها،ولأنماط العيش والمعمار، ولكنهم ظلوا متمسكين بحلمهم في ‏العودة إلى الأندلس، وظلت الاسر الكبيرة تحتفظ بمفاتيح بيوتها في المدن الضائعة في الأندلس ، ‏ويورثونها لأبنائهم على أمل أن يجدوا هذه البيوت في انتظارهم يوما ما، ومما يحضرني ، في هذا الصدد ‏ويُثيرُ الحزن و الأسى أن هذا الأمر نفسه، يتكرر مع بعض اللاجئين الفلسطينيين الذين مازالوا يحملون ‏مفاتيح بيوتهم فلسطين ويوقنون أن معجزة ما سوف تحدث في يوم سعيد وتنقذهم من مخيماتهم البائسة،في ‏لبنان وفي سوريا وفي الأردن .‏
وإزاء هذا الوضع المطبوع بالصراع بين الجنوب المسلم والشمال المسيحي ، فقد انتشرت السفن الغربية ‏في البحار – وخاصة الأسبانية والبرتغالية ، زمن الإستمرار في حمى الإكتشافات الجغرافية الكبرى، ثم ‏البريطانية من بعدها وتسيّدتها وأصبحت تهدد الشواطئ المغربية وتحتل بعض الثغور منها كلما سنحت لها ‏الفرص اللوجيستيكية والتاريخية لها بذلك‎.‎
‎ ‎وتعد مدينة العرائش، التي كانت سببا من أسباب رحلة الغساني ، موفد السلطان مولاي إسماعيل إلى ‏أسبانيا، خير شاهد على ذلك. فقد كانت السفن البرتغالية هي أول من فطنت إلى أهمية هذه المدينة المغربية ‏الساحلية وقامت باحتلالها وتحصينها، وكان السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي قد خاض كفاحاً مريرًا ‏حتى استطاع أن يستردها من أيديهم خلال القرن الخامس عشر، وخوفا من أن تقع المدينة مرة أخرى قام ‏السلطان مولاي إسماعيل بتحصينها بالأسوار السميكة والعالية، ولكن الغريب في الأمر أن سلطانًا مغربيًا ‏آخر هو محمد الشيخ السعدي قام بتسليمها إلى الأسبان دون أي معركة ولكن وفق معاهدة ثنائية، تماما كما ‏فعل أهل غرناطة ، زمن أبو عبد الله آخر ملوكها بدعوى إعادة إعمارها والمحافظة عليها.‏
وقد استلزم إسترجاع العرائش قتالا طويلاً آخر حتى جاء سلطان مغربي ثالث هو مولاي اسماعيل العلوي ‏فعمد إلى محو أخطاء السلطان السعدي السابق وإسترد المدينة عام 1689م‎.‎
فقد كانت معارك السلطان مولاي إسماعيل ، متتالية وعنيفة، كبدت خسائر كثيرة في صفوف جيوش ‏الإسبان ومرتزقة أوروبا، وبلغ عدد الأسرى من الحامية الأسبانية حوالي 500 جندي، ومن هنا جاءت ‏فكرة السلطان مولاي إسماعيل في مبادلة الأسرى الذين وقعوا تحت يده بأسرى المغاربة من ممتهني ‏الجهاد البحري ، ومن كافة المسلمين الذين كانوا متواجدين في الأراضي الأسبانية‎.‎
‎ ‎ومهما يكن ، فإن قضية الأسرى المغاربة وبقية الأندلسيين الذين بقوا في الأندلس على مدار أكثر من ‏قرن ونصف قرن من الزمن، بعد سقوط غرناطة قد شغلت الرأي العام المغربي، والرأي العام الأوروبي ‏على حد سواء، وكانت المعارك التي لم تهدأ سواء في البحر أو البر قد خلفت نوعًا من الجراح من الصعب ‏اندمالها، وقد تعدت هذه المسألة كلا من المغرب وأسبانيا وانتقلت إلى اهتمامات البابوية في “الفاتيكان” ‏بروما وداخل بلاط الخليفة العثماني في الأَسِتانَة‎. ‎
ومن المؤكد أن السلطان مولاي اسماعيل كان من السلاطين المغاربة القلائل الذين استطاعوا الوقوف في ‏وجه النزاعات الاستعمارية الأسبانية، والأطماع العثمانية ، وتمكن من التعامل وجها لوجه مع قوتهم ‏البحرية التي كانت تتحكم في حركة الملاحة في البحر المتوسط. فأقام نوعًا من التوازن الجيو إستراتيجي ‏من خلال علاقاته الديبلوماسية المستمرة مع لويس الخامس عشر ملك فرنسا، لدرجة أن السلطان مولاي ‏إسماعيل عرض عليه أن يتزوج ابنته الأميرة كارولين، من أجل تقوية العلاقات بينهما.‏

الرجل الذي سافر

‎ ‎هذا، ويعد إرسال السلطان مولاي إسماعيل لمحمد بن عبد الوهاب الأندلسي الفاسي الغساني إلى الديار ‏الإسبانية، دليلا على شعور المغاربة بالقوة والندية هو الوزير المتوفى عام 1757 ميلادية ، فقد كان ‏الغساني ينحدر من سلالة الأندلسيين الموريسكيين ممن هاجروا من الأندلس بعد أن تساقطت ثغورها ‏واستقرت عائلته في فاس.‏
ولقد حملت عائلة الغساني معها قدرًا كبيرًا من العلم بالتراث الإسلامي، وكان ماهراً في نسخ المخطوطات ‏في سرعة لا يضاهيها فيه أحد، وهو ما أهّله من الولوج إلى دار المخزن. فقد رحل من فاس إلى مكناس ‏ليكون بالقرب من السلطان مولاي إسماعيل العلوي الذي كان نجمه صاعدًا، في كل بقاع العالم الإسلامي ‏والغربي. وقد لفتت مهارته نظر السلطان على الفور لأنه كان نجيبا في ذلك. وذكر أنه كان كل ما يلقى من ‏أوامر يكتبها ويستوفيها ولا يتهاون فيها بشيء مع كثرتها‎.‎
من أجل هذا قربه السلطان مولاي إسماعيل فصار وزيرًا، ثم اختاره من أجل بعثة إلى بلاد الإسبان، وكان ‏للرحلة هدفان أولهما إنساني ويتعلق بمبادلة الأسرى المسيحيين بالأسرى المسلمين من المغاربة، ممن ‏كانوا جنودا في الجهاد البحري، قبيل عصر السلطان، أو تجارا ملاحيين يجوب المتوسط بسفنهم ‏ومراكبهم، أو حتى من المسافرين المغاربة والمهاجرين من المشرق إلى المغرب ممن سقطوا في أيادي ‏قراصنة البحار الشمالية، وإقتيدوا إلى الأسر والعبودية.‏

خطة إسماعيلية

وعلى كل حال، فقد كان السلطان مولاي إسماعيل، يعتزم أن يبادل 500 أسير، من الذين أسرهم بعد ‏موقعة العرائش مع العديد من الأسرى المسلمين وبقايا أسر الموريسكيين الذين بقوا في الأندلس بعد ‏سقوطها وأرغموا على اعتناق المسيحية، كما أن أهداف بعثة محمد بن عبد الوهاب الغساني كان علميا ‏وحضاريا ثقافيًا، يتمثل في استعادة مخطوطات السلطان مولاي زيدان السعدي إبن السلطان أحمد ‏المنصور الذهبي، الذي كان عاشقًا للكتب والمخطوطات، ومن شدة خوف هذا السلطان على مكتبته الثمينة ‏من أن تقع في أيدي غوغائيو القبائل ، بعد إستفحال “السيبة” وكثرة مهاجمة القبائل لعاصمته آنذاكـ ‏مراكش، عمد إلى شحنها بإحدى السفن بآسفي حتى ينقلها إلى مدينة أكادير، وبينما كانت السفينة في وسط ‏المسافة بين آسفي وأكادير أغارت عليها سفن القراصنة الأسبانية، واستولت على حمولتها بما فيها من ‏كتب ونفائس، فتبددت النفائس من ذهب وحلي وأحجار كريمة وسروج مطهمة وسيوف خناجر غالية ‏بطبيعة الحال، ولكن المخطوطات التي بلغ عددها خمسة آلاف نُقلت إلى مكتبة الاسكوريال الشهيرة في ‏مدريد ، ليكون إنقاذ هذه المخطوطات من الأسر هو الهدف الثاني لرحلة السفير الغساني .‏
ورغم أن المستشرق الروسي المعروف كراتشكوفسكي لم يصدق هذه الأهداف المُعلنة، فقد شكك في أن ‏تكون رحلة الغساني قد نجحت في تحقيقها. ويرى أن الهدف الرئيسي كان هو محاولة من الغساني لعقد ‏صلح بين السلطان المغربي القوي مولاي إسماعيل والملكـ الأسباني يروم السيطرة على مضيق جبل ‏طارق .‏
‏ وحتى إن كان الأمر كذلك فهذا لاينفي شرعية وموضوعية الأهداف المعلنة، وأَيَةُ ذلكــ ، أن أي معاهدة ‏للصلح لابد أن يستتبعها استعادة الممتلكات واستعادة الأسرى ورغم هذا الهدف السامي لرحلة الغساني إلا ‏أن الكثير من مقاطع كتابه توحي أنه كان بدوره أسيرا بشكل أو بآخر، اسيرا لسطوة السلطان مولاي ‏إسماعيل المطلقة التي كانت تحتم عليه فعل المستحيل من اجل نيل رضاه حتى وهو بعيد في بلاد ‏الاسبان، أسير لأسوار المخزن وشراسة الجند وخائف لحد الرعب من سجون المولى إسماعيل التي كانت ‏تمتد مثل قبو بالغ الاتساع تحت ارض مدينة مكناس، وهو مازال باقيا حتى الآن ورغم أنه تحول إلى ‏مزار سياحي فهو لم يفقد شيئا من رهبته‎.‎
‎ ‎

الغساني سفير بأكثر من عينين

‎ ‎ومما لاشك فيه أن رحلة هذا الدبلوماسي المغربي المميز محمد بن عبد الوهاب الغساني، يرحمه الله، قد ‏أضافت بعد تدوينها وكتابته للملاحظات التي رأها في بلاد إسبانيا، القرن السادس عشر الميلادي، قد ‏أضافت رصيدا كبيرا للتاريخ المغربي، وللآداب العربية، وللمغرب الذي خرج منه أشهر الرحّالة ‏المشاهير أمثال ابن بطوطة وابن جبير والتيجاني والحسن الوزان وغيرهم ممن لا يزلن ولا يزالون ‏يفعلون إلى حدود كتابة هذه الأسطر.‏
ومما لاشك فيه كذلكـ ، أن ازدهار “أدب الرحلات” في المغرب فرضه موقع هذا المملكة المغربية في ‏أقصى العالم الإسلامي، وقربها الشديد من أوروبا ، وتواجدها فوق رأس إفريقيا.‏
وبعيدا، عن السفراء والرحالة المغاربة، والتجار المغاربة من رواد القوافي في مراكش وسجلماسة وفاس ‏وتارودانت والسمارة وسلا، فقد دأب أكثر المغاربة من دخول الإسلام، ومند “رجال ركراكة” إلى شد ‏الرحال نحو مكة إلى بيت الله الحرام والمدينة المنورة قبر رسوله الشريف، والقدس الشريف أولى القبلتين ‏وثالث الحرمين، فكان ذلكــ ، واحدا من الأهداف والأحلام التي دفعت المغاربة للرحيل الدائم. ولكن رحلة ‏الغساني كانت مختلفة في الغرض وفي الاتجاه عن رحلات الحج السابقة، فقد كانت رحلة ديبلوماسية، ‏يرعاها مولاي إسماعيل ملكـ مغربي سدت شهرته كل الآفاق الدولية في عصره .‏

وقد ذهب الأستاذ محمد الفاسي الباحث والعالم المغربي يرحمه الله ، إلى أن الغرض من رحلة الغساني ‏كان هو القيام بسفارة لدى إسبانيا كدولة أجنبية، طالما نافست المغرب، وكان الهدف منها أن يقوم بتدوينها ‏السفير الغساني يرحمه الله نفسه ، خصوصا وأنه كان من أهل العلم والأدب .‏

تقارير ليست كالتقارير

وبالفعل فقد سجل الغساني تفاصيل هذه الرحلة في كتاب “رحلة الوزير في افتكاكــ الأسير”‏‎ ‎وغطت فترة ‏عام كامل من عام 1690 إلى 1691 ويشوب الغموض الكثير من رحلة الغساني، فهي تنتهي فجأة وهو ‏في طريق عودته، فبعد أن ينتهي من بعثته الدبلوماسية ويقابل الملك الأسباني نراه وقد أنهاها عند إحدى ‏القرى المجاورة لمدينة طليطلة أو “توليدو” حاليا ، كما يطلق عليها الآن. ‏
ولا يذكر الغساني شيئًا بعد هذه النقطة من رحلته رغم أنه يواصل الكتابة ولكن في موضوع آخر، ولعل ‏طليطلة التي كانت منطلقًا لملوك العجم من أجل استرداد الأندلس وقد سقطت في زمن الغساني قبل نصف ‏قرن من سقوط بقية المدن قد أثارت في نفس الغساني ذكريات الفتح الأول، لذلك ترك تدوين وقائع عودته ‏وأخذ يتحدث عن وقائع الفتح بالتفصيل واللقاء الذي جمع بين طارق بن زياد الأمازيغي وموسى بن نصير ‏العربي القادم من مركز الخلافة الأموية ثم الخلاف الذي دب بينهما وكيف حاول كل واحد منهما أن ينسب ‏الفتح لنفسه‎.‎

نتائج سفارة الغساني

والواقع، أن رحلة الغساني قد نجحت في بعض أهدافها، فقد فقد قبل ملك أسبانيا صفقة تبادل الأسرى، ‏‎ ‎وإن ‏كان الغساني نفسه، أو التاريخ لايخبرنا شيئا عن جمع هؤلاء الاسرى أو ترحيلهم، أما بالنسبة للهدف ‏الثاني ، المتعلق بإسترداد الكتب والمحطوطات العلمية والفقهية والأدبية، والوثائق المخزنية للسلطان ‏السعدي المولى زيدان ، فقد قام المسئولون الأسبان بأخذ الغساني إلى مكتبة الاسكوريال في مدريد ، ‏وجعلوه يرى بعينيه آثار الحريق الذي التهم كل ما في المكتبة من كتب ومخطوطات وكيف طالت النيران ‏حتى أخشاب السقف. وقد اقتنع فيما يبدو الغساني بهذه الحجة ولم يثر الموضوع مرة أخرى‎.‎
‎ ‎وقد تبين فيما بعد أن حوالي ثلاثة آلاف مخطوط منها كانت موجودة في أقبية الدير المسيحي ، الذي لم ‏تمسَسْهُ النيران أثناء الحريق المذكور.‏
وعلى كل حال، فقد أصبحت هذه المخطوطات والنفائس الفكرية والعلمية المغربية فيما بعد هي نواة مكتبة ‏الاسكوريال في مدريد ، كأكبر مكتبة اليوم تحتوي على المخطوطات الإسلامية في العالم‎.‎
ولكن التحوّل الفكري الذي أحسّ به الغساني بعد انتهاء الرحلة كان واضحًا وجليًا، فقد بدأ الرحلة وهو ‏يعتقد أنه ذاهب إلى مخزن آخر يشبه المخزن الذي خرج منه ولكنه اكتشف أنه أمام دولة تتطور ، وأن ‏أسوارها حول حدودها الخارجية وليس داخلها، وأنها تعيش مرحلة مهمة من تحولها تنمو فيها بذور ‏مؤسسات المجتمع المدني الحديث مثل البريد والصحافة والمستشفيات المتخصصة.‏
كما لاحظ الغساني أن إحساسه كواحد من أحفاد أهل الأندلس ، الفردوس المفقود قد تغير فقد بدأ رحلته إلى ‏أسبانيا وهو يعتقد أنها إحدى ديار الإسلام الضائعة وسوف يعيدها الله – طال الزمن أو قصر – إلى الإسلام ‏مرة أخرى. ولكنه فوجئ أنه أمام دولة مختلفة تماما، لم تعد تتطلع إلى الوراء ، وأن لقناطر المقنطرة من ‏الذهب تتدفق عليها من العالم الجديد، وأن ملوكها باتوا يحكمون أجزاء كبيرة من العالم ، وأن سفنها من ‏نوع “الكارابيلا” صارت تجوب بحار ومحيطات الدنيا .‏
ولم ينس الغساني أن يستخدم ذكاءه البارع وثقافته الشاسعة وأن يقدم تقارير بطريقة غير مباشرة عن ‏الحياة اليومية للملوك والأمراء الأسبان ، وكأنه يبعث برسالة إلى مولاي إسماعيل سلطانه المغربي القوي ‏الذي كان حاكمًا مطلقًا، لقرابة النصف من أراضي شمال إفريقيا يصف فيها تفاصيل طقوس يوم القيامة ‏في المنظور المسيحي الكاثوليكي ، وكيف يقوم الملك بدعوة ثلاثة عشر رجلا من الفقراء إلى قصره، وهو ‏نفس عدد الحواريين الذين حضروا العشاء الأخير مع السيد المسيح عليه السلام ، وكيف كان الملكـ يقوم ‏بخدمتهم بنفسه ويقدم لهم الطعام ثم يقوم بغسل أقدامهم جميعًا وتنشيفها ثم يقبلها قدما،قدما. ‏
فقد صور السفير المغربي الغساني صورة مدهشة لتواضع الملوك الإسبان حتى ولو تم ذلك مرة واحدة ‏في العام .‏
لقد أحسن السلطان المغربي مولاي إسماعيل في اختيار السفير الغساني الذي أرسله. فقد كان الغساني مثقفا ‏وأديبا وعالما بالتاريخ، و وزيرًا عارفًا بتفاصيل الصراعات الدولة والتناقضات بين الدول الأوربية ، ‏وكان مع كل هذا، يبتعد في تقاريره الديبلوماسية عن كل تلفيق أو تحامل أو تزوير، ويتميز بأمانة كبيرة ‏وروح إسلامية متسامحة في فترة عصيبة من الصراع الإسلامي المسيحي ، وما عرفه من محاكم للتفتيش ‏قهرت الموريسكيين من مسلمين ويهود بالأندلس، وطبع كل أقطار أوروبا بروح التعصب الأعمى الذي لم ‏يسلم من شروره حتى المسيحيون أنفسهم نتيجة محاكم التفتيش التي إستمرت منذ 1492 ‏‎.‎

حضور السلطان

وعلى ما يظهر ، فإن كتاب “رحلة الوزير في افتكاكــ الأسير”‏‎ ‎‏ الجامع لرحلة الغساني الوزير في بلاط ‏مولاي إسماعيل ، والسفير يرحمه الله إلى بلاد إسبانيا ، جاء كتقرير مطول كتبه الغساني ليرفعه إلى ‏أعتاب مولاي اسماعيل سلطان المغرب ، وإن تضمن نتائج رحلة دبلوماسية لم تكن كبيرة النتائج.‏

‏ وقد اعتمدت هذه الدراسة على الطبعة التي أصدرتها دار السويدي في إطار مشروع ارتياد الآفاق وقام ‏بتحريرها وكتابة مقدمة جيدة لها الشاعر نوري الجراح. وقد اعتمد هو بدوره على نسخة أقدم عمرًا حققها ‏الفريد بن جرجس بن شبلي البستاني ونشرها في مدينة تطوان عام 1939مستندًا إلى ثلاث مخطوطات ‏ناقصة.‏
وألفريد البستاني ، هو لبناني من عائلة مسيحية عربية، أعطى أبناؤها، على غرار المعلم بطرس البستاني، ‏وسليمان البستاني وعبد الله البستاني الشيء الكثير للثقافة والموسوعة العربية خلال القرن التاسع عشر، ‏فقد كان ألْفْــريد ‏‎ Alfredالبستاني يجيد اللغة العربية والأسبانية وقد عمل مترجما في صفوف قوات ‏الجنرال فرانكو التي كانت تحتل المغرب، ولم ينشر البستاني نص رحلة الغساني كاملا ولكنه حذف منه ‏فصلا كاملا أعتقد فيه أن الغساني قد سخر وانتقد فيه العقائد المسيحية‎.‎
‎ ‎ولكن هذه الرحلة لم تكن مجهولة قبل ذلك التاريخ.فقد خلط الكثير من المؤرخين بينها وبين رحلة قام بها ‏مؤرخ مغربي آخر هو أحمد بن المهد الغزال ومن الواضح أنها كانت رحلة سفارية أخرى، ولكن الذي ‏أعطى هذا المخطوط حقه بقدر هو المستشرق المعروف أغناطيوس كراتشكوفسكي الذي تحدث عنها ‏بالتفصيل في كتابه تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ولقد وصف الغساني قائلا : من اتجاهه العام يبدو ‏السفير المغربي الغساني كعالم أثنوجرافي واجتماعي أكثر منه مؤرخا. فهو يهتم قبل كل شيء بوصف ‏الأخلاق والعادات والنظم وفي هذا المجال ، فقد تفوق معطياته أحيانا حتى الأوصاف الأوربية المعاصرة ‏له.‏

الدخول إلى أرض الخصم

 

بدأت رحلة الغساني إلى إسبانيا يوم 19 أكتوبر 1690 من ميناء جبل طارق. وتعرضت مثل العديد من ‏الرحلات إلى تقلبات الطقس الذي تعرفه منطقة البوغاز، مما أدى إلى تأجيل عملية العبور لعدة أيام. ‏وكانت الخطوة الأولى في رحلة السفير المغربي الغساني هي من جبل طارق أول مكان وطأته أقدام القائد ‏المسلم المغربي طارق بن زياد وهو يستعد لغزو بلاد إسبانيا، تحت إمرة خلفاء دمشق من الأمويين، الوليد ‏بن عبد الملكـ ، ولكن الغساني رآى جبل طارق وقد أصبح حصنا منيعا تسكن فيها حامية عسكرية إسبانية ‏، أنظارها موجهة باستمرار ناحية الساحل المغربي، خوفا من عودة الجيوش المغربية لإحتلاله في نظرهم ‏،وحيث ظل الإسبان منذ سقوط غرناطة سنة 1492 م يترقبون هجمات المغاربة، ولكن المفاجأة أن الهجمة ‏جاءت عبر القنال الإنجليزي عندما احتلت بريطانيا هذا الجبل بعد رحلة الغساني بأربعة عشر عاما فقط ‏أي في عام 1704م‎.‎

والحق ، أن السفير الغساني سار بطول الساحل الإسباني بسفينته ولم يهبط إلى البر إلا في ميناء قادش ‏وهناك كان في انتظاره استقبالان.‏
إستقبال رسمي من طرف حاكم مدينة قادش، وإستقبال شعبي يتمثل في عشرات الأسرى ممن إصطفوا في ‏أزقة قادش ، ممن كانوا ينتظرون من يفك أسرهم، هاتفين بإسم السلطان مولاي إسماعيل ، فقد كان هؤلاء ‏الأسرى، تحت الإقامة الإجبارية والحراسة المشددة، ولم يكونو في زنازن السجون الإسبانية، بل كانوا ‏مطلقي السراح ولكن حالة بائسة ، وفي سوء تغذية، يقومون بالأشغال الشاقة من إقتلاع لحجارة الجبال، ‏وإصلاح للطرق ولدورات المياه، كما كانوا عرضة للسخرية خاصة من جانب الاطفال الصغار الاسبان ‏،ممن يعيبون كلامهم المغربي، وهو ما لاحظه الغساني بنفسه. ‏
ولا بد أن الحاجة إلى طاقتهم في مثل الأعمال الشاقة هي التي جعلتهم مطلقي السراح هكذا. فقد كانت ‏قادش في هذا الوقت هي الميناء الرئيسي الذي يتدفق منه الذهب القادم إلى إسبانيا من العالم الجديد وما ‏يخلق لدى ساكنة قادش من الدعة والرفاهية جعلت الأسبان يأنفون على القيام بهذه الأعمال الشاقة .‏

ولقد اكمل السفير المفاوض الغساني رحلته برا متوجها إلى الشمال، صوب مدريد، وهو ما سمح له ، أن ‏يشاهد عشرات البلاد والقرى وأن يراقب طقوس الزراعة والري وبناء الطواحين الهوائية وتشييد القناطر، ‏وفي أن يستمع إلى أغاني “الفلاح المفجوع” أو ما يعرف بــ “الفلامينكو” وأن يشاهد ضراوة حركات ‏راقصيه وراقصاته، وكأنهن يحتججن على ضياع ممتلكاتهم ، وأن يقابل بقايا الأندلسيين من المسلمين ‏واليهود، وقد علقوا الصلبان على صدورهم، مخافة إقتيادهم لمحاكم التفتيش التي لا ترحم، فقد شاهد ‏السفير الغساني هؤلاء وهم يحاولون جاهدين إخفاء جذورهم القديمة وإظهار الاخلاص لحياتهم الإسبانية ‏الجديدة ودينهم المسيحي. كما اجتاز الغساني العديد من غابات من الزيتون، كأعظم الآثار التي تركها ‏المسلمون في الأندلس،بعدما جلبوا هذه الشجرة المباركة من وديان الشام،زمن فتوحات موسى بن نصير ‏وعبد الرحمان الغافقي وطارق بن زياد ، على غرار فسائل النخل ، وابتكروا السواقي التي ترفع المياه من ‏أعماق الوديان إلى أعلى التلال وحولوا الهضاب القاحلة إلى غابات من الزيتون مازالت مزدهرة حتى ‏الآن‎.‎

 

“مورا” المدينة المُدوَّخـــةُ

وفي قرطبة قابل السفير الغساني أسيرًا من نوع آخر، إذ وقف حزينا ومشدوها أمام مسجدها الكبير الذي ‏رأى كيف تشوهت عمارته وتحول قسرا إلى كنيسة كاثوليكية وهي رؤية أثارت الكثير من الحزن و الأسى ‏في نفسه وجعلته يستحضر تاريخ هذا المسجد الكبير الذي كان مجرد حلم في صدر عبد الرحمن الداخل ‏‏”صقر قريش”وهو يسعى هاربا من مطاردة بني العباس ناذرا لله إن مكنه في الأرض، ونجَّاه من فيالق ‏أبي العباس السفاح ، أول خلفاء بني العباس ، أن يبني له ولإعلاء إسمه جل جلاله أكبر مسجد، فيما لم ‏تشهده عين بشر.‏
وهكذا، بقي السفير الغساني يستمع إلى كل الأصداء القديمة وهي تتردد في جنبات المسجد، خليط وارف ‏من مزيج الأدعية والابتهالات ، فكأنه كان يتحسس أصداء استغاثات ما قبل سقوط قرطبة ، وهو يراقب ‏الصلبان التي تعلو السقوف والأبواب ، والأجراس وهي تدوي من أعلى منارة قرطبة بدلا عن صوت ‏الأذان‎.‎
وفي بلدة (الكاربي) قابل الغساني وجها آخر حزينا من بقايا الأندلسيين. إنهم أحفاد بنو سراج الذين اختلفوا ‏مع آخر ملوك غرناطة ابو محمد الصغير فخرجوا عليه وأعلنوا تنصرهم وإعتنقوا الكاثوليكية ، وانضموا ‏للإسبان وساهموا في حصار مدينة “الكاربي” حتى سقطت، والمدهش أن أحفادهم ظلوا يلعبون على هذا ‏الحبل المتسخ والخبيث ، فلم يصبحوا مسيحيين مخلصين ولا بقوا مسلمين، وقد لاحظ السفير المغربي ‏النابه، الغساني أنهم موطنون في إسبانيا من الدرجة الثانية ، وأن مواطنتهم الأسبانية ناقصة،وكأنهم ‏توارثوا إرث الخيانة وخطيئتها جيلا بعد آخر. ‏
وتأكد للغساني وهو يزور “مورا” مدينة أندلسية ، تأخر دخول أهاليها للمسيحية، فوجد أهلها يزرعون ‏العنب بكثرة ولا يكفون عن عصره وتخميره وشربه صباح مساء ، كأنهم يدفنون في الخمر كل الذكريات ‏التي كانت والتي لا يستطيعون مواجهتها‎.‎
ومهما يكن، فعلى هذا المنوال ، سارت ملاحظات الغساني، متأملا في أحوال الأندلس السليبة ، بلادا ‏وعبادا، وباكيا على آثار الأندلسيين مندهشا من العادات والسلوكيات التي لم يرها من قبلُ، حتى وصل ‏أخيرا إلى مدريد‎.‎
كانت مقابلة الغساني مع الملك الإسباني قصيرة ومُوجَزَة، اقتصرت على التحية الواجبة للملوك ، وتسليم ‏خطاب السلطان مولاي إسماعيل وتبادل بعض كلمات المودة، ثم تركه الملك الإسباني لينعم بالضيافة ‏والتأمل ريثما يأتيه الرد على الخطاب الذي حمله‎..‎‏ ‏
ولأن الغساني كان سفيرا ورجل دهاء وسياسة ، فقد أصر في تقاريره للسلطان مولاي إسماعيل على أن ‏يطلق على الملك الإسباني لقب الطاغية ، وأن يدعو بهلاكه العاجل هو وأمثاله من على وجه الأرض.‏

أكثر من سفير

وطبيعيٌ، فقد كانت المدة التي قضاها السفير الغساني في إسبانيا مابين 1690 و1691 م، فرصة كبرى ‏ليتابع مظاهر الحياة في إسبانيا الجديدة. ولعل اول هذه المظاهر الثراء الذي ظهر من جراء اكتشاف ‏أمريكا أو الأرض الجديدة، وظهور الأشكال الأولى من تنظيمات الدولة الأوربية الحديثة مثل البريد ‏والصحافة والخدمات الصحية المختلفة. كما راقب الرياضات التي يقوم بها الإسبان مثل التزلج على الجليد ‏في الشتاء ومصارعة الثيران في الأعياد. وكانت المصارعة في ذلك الوقت لا يقوم بها مصارعون ‏محترفون وإنما يقوم بالتصدي للثيران كل من يجد في نفسه الشجاعة، وما أكثر التهور الذي يُغلفُ ‏بالشجاعة ، وإن كان ليس بينهما رابط عقل أو روح .‏
ويشرح الغساني بعضا من مكائد البلاط الإسباني ويقوم بزيارات عديدة لأسواق مدريد ، وقد بقي الغساني ‏متجولا في إسبانيا ومقيما في مدريد حتى سمح له الملك الإسباني كارلوس الثاني بالدخول إليه، تذكره ‏واستلم منه رسالة السلطان مولاي إسماعيل وأعطاها لمترجمه الذي ينحدر من مدينة حلب بالشام، وكان ‏مسيحيا عربيا، ليترجمها له. وقد سببت له كلمات السلطان اضطرابا كبيرًا على حد تعبير الغساني فلم يجد ‏بدًا من الامتثال لأمره المطاع ، فشرعوا في جمع الأسرى أما بالنسبة للكتب والمخطوطات فقد أخذوه في ‏رحلة الأسكوريال الشهيرة بمدريد ، ليشهد بنفسه آثار الحريق الذي إلتهم الكتب، كما سلفت الإشارة.‏
وفي يوم 20 من أكتوبر عام 1691 قرر الغساني أن يغادر مدريد بعد أن انتهت مهمته، فجعل يطوف ‏بالعديد من القرى حتى دخل مدينة طليطلة الباهرة. وهنا كانت نهاية المطاف رحلته مثلما كان هنا بداية ‏الاسترداد.‏
وكانت طليطلة قد سقطت في أيدي الإسبان عام1086 م أي قبل سقوط غرناطة آخر المدن بحوالي ‏‎400 ‎عام ، ومع ذلك لم ينتبه أحد إلى بداية الكارثة القادمة فلله الأمر من قبل ومن بعد‎.‎

خامس الخلفاء الراشدين،عمر بن عبد العزيز،من حياة الترف إلى مسلكيات الزهد ‏

    عمر بن عبد العزيز ‏‏”681 م ـ 720 م”

مـحـمـد الـقـنـــور : ‏

ولد عمر بن عبد العزيز في حلوان بمصر أميرا ، وقيل حسب بعض المؤرخين في المدينة، من ‏أبيه عبد العزيز بن مروان بن الحكم وأمه أم عاصم ‏بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وحفظ ‏القرآن في صغره وتفقَّهَ في الدين على أيادي فقهاء وعلماء المدينة المنورة، وقد توفي والده ‏الأمير عبد العزيز بن مروان ، وهو لايزال حدثا في السن ، فاستدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن ‏مروان إلى ‏دمشق فأقام عنده وزوّجه من ابنته الأميرة فاطمة.‏
ولقد أحبت هذه الأميرة فاطمة، الأمير الشاب، وأغرمت به لوسامته وأناقته، ولذكائه ‏وتقديره لأهل الفضل والعلم، وعشقه للعطور وللبذخ ، وفضلته على منافسيه في حبها من شباب ‏بني أمية وشباب الثقفيين وغير الثقفيين من العائلات الموالية لبني أمية.‏
وقد تولّى الأمير عمر بن عبد العزيز ولاية المدينة، في خلافة عمه عبد الملكـ بن مروان، ثم ‏عزل عنها في خلافة الوليد بن عبد الملكـ ، لأن الناس كانوا يفرون من العراق هربا من بطش ‏الحجاج بن يوسف الثقفي نحو المدينة، فيجهرون بإنتقاده دون أن تمسهم شرور من إدارة ‏عمر،وقد كان الخليفتين عبد الملكـ والوليد لا يطيقان أي إنتقادات في أبي محمد ، الحجاج بن ‏يوسف، ثم استوزره سليمان، وقرَّبه وجعله من مستشاريه، وقد ولاه الخليفة سليمان بن عبد ‏الملكـ ، بولاية عهده ، فبويع له بعد وفاته في ‏مسجد دمشق سنة 99 هجرية، الموافق لسنة 717 ‏ميلادية .‏
وقد إتفق معظم المؤرخين من عرب وأجانب ، أن إستخلاف عمر بن عبد العزيز ، كان الحل ‏الوسط لحل النزاعات داخل البيت الأموي ، والرامي إلى حفظ إستمرارية ملك بني أمية. ‏
وكان أول ما قام به الخليفة عمر بن عبد العزيز، أن أوقف الحروب الخاسرة ضد البيزنطيين، ‏التي ظلت تستنزف خزينة الدولة، دون فتح للقسطنطينية أو فائدة إستراتيجية تُذكر، وجهد في ‏محاولة مصالحة الموالي الذين عانوا من سياسة الخلفاء الأمويين ‏السابقين العروبية، تحقيقا منه ‏للسلم الإجتماعي مع الأقليات، فصار الموالي في زمنه يستطيعون الوصول إلى مناصب الدولة ‏الرفيعة كالولاية للبلدان والقيادة لفيالق الجيوش وكراسي القضاء والإفتاء والكتابة في الدواوين ‏وشؤون الحسبة وغيرها .‏
وعمل عمر بن عبد العزيز على التقرب من آل البيت، فأمر بوقف سبّ الإمام الخليفة الراشد عليّ ‏بن أبي طالب من على المنابر الأموية، وأعاد لبني هاشم ‏أملاكهم، وخفّف الضرائب عن الموالي ‏والفرس والمسيحيين واليهود والصابئة ، ورفع الخراج عمّن أسلم منهم ، وأنشأ هيئة لتعويض ‏‏تعويض مصادرة كنيسة القديس يوحنا، و أعاد لهم كنيسة توما ‏‎ Thomas ‎في دمشق.‏
كان عمر بن عبد العزيز زاهداً فلم يقرب ما تركه الخلـفاء من قبله، عبد الملكـ وإبنيه الوليد ‏وسليمان، وما عُرف له في التاريخ من ممتلكات عند استخلافه ، وقد خَيُّر زوجته فاطمة ما بين ‏الطلاق والزوجية، خوفا من أن تكون الأميرة التي تربت في رغد العيش، حزينة من حياة الزهد ‏معه، وراغبة في ما كانت عليه من رفاهية زمن والدها وأخويها ، وخلال السنوات الأولى من ‏زواجهما، فقبلت البقاء في عصمته، لأنها أحبتهُ .‏
وكان يحرص على عدم تبذير أموال بيت مال المسلمين حتى أنه كان يقرأ القرآن على ضوء ‏شمعة حتى لا يأخذ ‏ثمن وقود الإنارة من بيت المال لإنارة القنديل ومما يروى عنه أنه قال ‏لزوجته فاطمة، ابنة الخليفة التي أورثها أبوها ‏الحلي:‏
‏”اختاري إمّا أن تردّي حليك إلى بيت المال وإمّا أن تأذني لي في فراقك”. فقالت: “بل أختارك”.‏
ومما يروى عنه ، انه أبطأ يوماً عن صلاة الجمعة قليلاً، فعوتب في ذلك، فقال أمام الملأ : “إنما ‏انتظرت قميصاً غسلتُه ‏أن يجفّ”، وقد خفَّت في عهده مكائد الشيعة، وثورات الخوارج، فقال ‏بعضهم ، ولالله، لن نعارض ملكا، يمشي في الأسواق، ويُحادِثُ الفقراء والفلاحين والحرفيين، ‏ويعانق الأطفال والمعاقين وذوي الحاجات الخاصة، ويعمل على جبر ضرر ماضي بني مروان.‏

وعلى كل حال، فقد‏ كان عمر بن عبد العزيز عادلاً حتى إن الناس سموه بالخليفة العادل “الخليفة ‏الراشدي الخامس” فكثرت الحكايات التي وصلت لحدود الكرامات عن عصره وحكمه، فقد أكثر ‏من زجر لصوص المال العام، والمخالفين والمتطاولين على هيبة الدولة، وأنشأ ثقافة أساسها ‏التسامح بين الأديان والأعراق التي كانت تعج بهم رقعة ملكه، من عرب وأمازيغ وأقباط وروم ‏وسريان وتركمان وفرس وديلم وأكراد وصقالبة وأحباش ومختلف القوميات ، فكان إنصافه ‏وعدله وحب الناس له ، أساسا لحكمه. كما أنه عرف بجماله وتقشفه، وباتّباعه سياسة التسامح ‏والحنكة وحسن التدبير حتى مع أعدائه الداخليين والخارجيين ‏وأعداء بني أمية.‏
وكان قد جرّد بني أمية من أكثر امتيازاتهم الخاصة، فطلبوا منه ، خلال مفاوضات ماراطونية ‏إستغرقت شهور إعادتها لهم فرفض. فدسّوا له السم بطئ المفعول، أحس بتداعياته الخطيرة، في ‏زيارته لدير سمعان من أرض المعرة في الشام ، فأرسل له ملك الروم رئيس أساقفته ليعالجه، ‏فرفض ذلك، واستدعى المتّهم بسمه، وسأله: “ما ‏حملك على ما صنعت ؟ “قال: “خُدِعْتُ ‏وغرِّرْتُ” فقال عمر: “خُدعَ وغُرَّ… خَلُّوه”، وتركه حراً، ولم يعاقبه فيما يروي الرواة ويؤكده أكثر المؤرخين .‏
وكذلكـ مات الخليفة عمر بن عبد العزيز، وإنتقل إلى الرفيق الأعلى، وكان قد حكم مدة سنتين ‏وأربعة اشهر وعدة أيام… ولو امتدّ العمر بالخليفة الصالح مدة ‏كافية من الزمن، فلربما كان ‏استطاع إصلاح أحوال الدولة الأموية وإعادتها إلى ثوابت الحكم الراشدي القائم على التسامح ‏والإختلاف ، وعلى حماية المواطنات والمواطنين والحقوق والواجبات ، لكنّ سياسة ودسائس ‏البلاط الأموي كانت تتعارض وسياسته فسارعوا إلى التخلّص منه بالسم.‏
وطبيعيٌّ، فللنسب و السلالة الأصيلة تأثير كبير في تكوين النساء والرجال على حد سواء ، تنتج ‏آثارها الناضجة ‏الطيبة إذا استقامت على أمر الإسلام ونهجه، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه ‏جد عمر بن ‏عبد العزيز لأمه رضي الله عنهم، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي زوج ‏ابنه ‏عاصما من الفتاة الهلالية التي أبت غش اللبن في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ‏وقد ‏ورث عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن جده ابن الخطاب كثيراً من شمائله من ‏إيثار الحق ‏ومناصرة العدل، والعفة والورع والتقوى والجرأة في الحق. ‏
فــأبوه هو الأمير عبد العزيز بن مروان رضي الله عنه والي مصر المتوفى في جمادى الأولى سنة ‏‏86 ‏هـ وعمه الخليفة عبد الملك بن مروان رضي الله عنه أحد كبار فقهاء المدينة المتوفى ‏في شوال ‏سنة 86 هـ، وجده من أبيه مروان بن الحكم رضي الله عنه (64 – 65هـ) شيخ ‏بني أمية وقريب ‏عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. ‏
ومع كل ذلكــ ، فإن الخليفة عمر بن عبد العزيز هو من أبناء عمومة الصحابي الجليل كاتب وحي ‏رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (41 – 60 هـ) ومؤسس ‏الدولة الأموية. ‏
أما جدته من أمه فتاة قبيلة بني هلال التي أبت غش اللبن في عهد عمر بن الخطاب، لأن الله ‏يراها، ‏وهي زوجة عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وابنتها أم عاصم زوجة عبد ‏‏العزيز بن مروان وأم عمر بن عبد العزيز هي أم عاصم رضي الله عنهم. ‏
وقد كان عمر بن عبد العزيز قبل استخلافه، أميرا وابن أمير، تربى في كنف الملكـ وفي رفاهيته ، ومن سلالة الأتقياء الطاهرين، فصار ‏‏الدم الطاهر الكريم والجوهر النقي الأصل الطيب متمثلاً كله فيه. ‏
وقد رأى رجل من الصالحين في المنام ليلة ولد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن مناديا بين ‏السماء و ‏الأرض ينادي “أتاكم اللين والدين وإظهار العمل الصالح في المصلين فنزل فكتب في ‏‏الأرض ع.م.ر”. ‏
فقد ولد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه 63 هـ، وهي السنة التي ماتت فيها ميمونة زوج ‏النبي ‏صلى الله عليه وسلم (10)، ويقال كان مولده ‏بمصر،في سنة 61 هـ ، وهي السنة التي قتل فيها ‏سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه وقيل سنة 63 هـ وقيل سنة 59 هـ. ‏
وأكد آخرون أن عمر ولد بحلوان، وهي منطقة حاليا ضمن المجال الحضري للقاهرة، وكان ‏بوجه عمر شجةٌ خفيفة ، فقد ضربته فرس – فيما رواه الطبري وإبن عساكر – في جبهته وهو ‏طفل صغير ‏فجعل أبوه الأمير عبد العزيز يمسح الدم عن جبينه ويقول وفق نبوءة “والله، لأرجو ‏أن تكون يا بني أشج بني أمية، الذي يملؤها عدلا، و والله يا بني إني لسعيد بكــ وبهذه الشجة .‏
وقد ذهب إبن عساكر والواقدي وإبن قتيبة وإبن عبد البر ، أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله ‏عنه كان يقول “من ولدي رجل بجبينه شجة يملأ الأرض ‏عدلا”، فصدق ظن أبيه فيه، فكان هو ‏عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
‏ ومهما يكن ، فإن عمر بن عبد العزيز منذ نعومة أظفاره، حرص والده على أن ينشأ ولده على ‏الصلاح والاستقامة، وعلى فنون الفروسية والحرب، والرياضة من رماية وسباحة وعدو وتسلق ‏للأعالي من الجبال والبواسق من النخيل كما كان شائعا لدى أطفال عصره ، و فأختار له مدينة ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كبيئة خصبة سيترعرع فيها الأمير الصغير ، حيث كان ‏يعيش ‏بعض من بقي من صحابة إمام الهدى “ص” رضي الله عنهم. ‏
عندما أراد عبد العزيز بن الحكم إخراج ابنه عمر رضي الله عنه معه إلى مصر من الشام ‏وهو ‏حديث السن طلب عمر منه أن يرسله إلى المدينة رغبة في العلم والأدب، فأرسله أبوه ‏إلى المدينة ‏ومعه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش و فقهائها فتأدب بآدابهم، وتجنب بعض ملاهي شبابهم ‏ومازال ‏ذلك دأبه حتى أشتهر ذكره وذاع صيته. ‏
‏ ومهما يكن ، فقد كان الخليفة عمر تابعياً جليلاً حيث قال فيه أحمد بن حنبل رضي الله عنه “لا ‏أدرى قول أحد من ‏التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز”، وقد حفظ الأمير عمر القرآن ‏الكريم وهو صغير، وكان صالح بن كيسان رضي الله عنه معلمه، وقد قال في حقه هذا الفقيه “ما ‏‏عرفتُ أحدا الله أعظم في عقله من عمر هذا الغلام”، وحدث أن عمر قد تأخر عن صلاة الجماعة ‏‏يوماً، فقال له بن كيسان “ما شغلك؟ فقال: كانت مرجلتي تسكن شعري، فقال له صالح : ياللعجب، ‏قدَّمتَ أيها الأمير تزيين شعركـ أسبق من الصلاة ؟ فكتب صالح إلى أبيه الأمير عبد العزيز وكان ‏واليا على مصر، يخبره بما كان من الأمير عمر ، فبعث أبوه فارسا من جنده فلم ‏يكلمه هذا ‏الفارس حتى حلق كل شعر رأسه.‏
وكان الأمير عمر عبد العزيز قبل الخلافة على قدم الصلاح، إلا أنه كان يبالغ في التنعم،فكان ‏يشتري أغلى الثياب وأغلى العطور، ويأكل أجود الأطعمة، حريصا على أناقته وزينته ، فكان ‏منافسوه في حب فاطمة بنت الخليفة عبد الملكــ ، يعيبون عليه الإفراط في التنعم والاختيال في ‏مشيته في زقاق المدينة المنورة، وقد أجمع سكان المدينة المنورة، أن من أراد أن يتعطر فليعانق ‏عمر بن عبد العزيز . ‏
ولكن هذا تغير عند توليه ولاية المدينة ثم ظهر ذلك جليا عند توليه أمانة الخلافة على بلاد ‏‏المسلمين. ‏
‏ فقد مات والد عمر بن عبد العزيز فأخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وجعله ‏كمنزلة ‏أبنائه ، وباركـ حبه لابنته فاطمة، ووافق على زاجها منه ، فكانت بدورها مثالا للأميرة الرائعة ‏والمرأة المسلمة والزوجة الصالحة وقدوة ‏مضيئة لمن أراد أن يقتدي بسيدة فاضلة. ‏
‏ثم توفي الخلفة عبد الملكـ رضي الله عنه ، عم عمر بن عبد العزيز ، فحزن ‏عمر حزنا شديداً ‏عليه لأنه كان له بمنزلة الأب واليد الحنونة التي غمرته بالمحبة والسرور، ‏فتولى الوليد بن عبد ‏الملك رضي الله عنه الخلافة وكانت دار الخلافة آن ذاك بدمشق، فعامل ‏الوليد عمر بن عبد ‏العزيز بما كان أبوه يعامله به وولاه إمرة المدينة ومكة والطائف من ‏سنة 86 هـ إلى سنة 93 هـ ‏، فأقام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه للناس الحج سنة 89 ‏هـ و90 هـ، وفي فترة ولايته بنى ‏مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ووسعه بأمر من الوليد، ‏فدخل فيه القبر الشريف للنبي صلى الله ‏عليه وسلم. ‏
وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وكان إذا وقع أمر مشكل جمع فقهاء ‏المدينة، وقد ‏عين عشرةً منهم رضي الله عنهم، ولا يقطع أمراً بدونهم، وكان لا يخرج عن ‏قول سعيد بن ‏المسيب رضي الله عنه، وقد كان سعيد لا يأتي أحداً من الخلفاء، وكان يأتي ‏على عمر بن عبد ‏العزيز وهو بالمدينة واليا عليها، قبل إعدامه من طرف الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق، ‏بإمر من الدولة المركزية في دمشق . ‏
وقال الصحابي الجليل خادم صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه “ما صليت ‏وراء ‏إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى في إشارة الأمير عمر بن عبد ‏‏العزيز، فقد كان الأمير عمر بن عبد العزيز يتم السجود ويخفف القيام والقعود، دون مبالغة ولا ‏إفراط ، كما يفعل البعض اليوم .‏
وقد أثنى عليه من عاصره في المدينة من علماء وتابعين وفقهاء لما لمسو في عمر من ‏إخلاص ‏وتفاني لخدمة دين الله ، دون غلو ولا تطرف، ومن حمل لأمانة ولاية المدينة مجاليا وقطاعيا ‏على أتم وجه. ‏
‏ فقد قال من رأووا عمر بن عبد العزيز واليا على المدينة المنورة، أنه كان أحسن الناس وجها ‏وقامة ولباساً ومن أطيب الناس ريحاً ومن ‏أخيل الناس مشية، وأنه كان يعطر حتى أحذيته وخفافه ‏وشباشبه بالمسك والعطور ، وأنه كان يمشي مشية الرهبان”. ‏
‏ وحدث أن توفي الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة 96 هـ، وبويع بالخلافة لسليمان رضي الله ‏عنه، وتولى عمر ‏بن عبد العزيز بنفسه أخذ البيعة لسليمان، فضم سليمان إليه عمرَ مستشاراً ‏ينصحُهُ ويشير ‏عليه، ثم ولاه على المدينة مرةً ثانية، وكانت تجارب عمر بن عبد العزيز رضي ‏الله عنه في ‏ولاية المدينة، وقربه من الخلفاء، ناصحاً أو مستشاراً، مفيدة في مراقبة الأوضاع ‏الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والبيئية عن ‏كثب، وفي الإعداد لخلافته لاحقا ، وقيامة بحركته ‏الإصلاحية الكبرى في جميع البلاد ‏الإسلامية، من الأندلس إلى حدود الصين وسهول البنجاب ‏في الهند . ‏
فقد كان لعمر مع أمير المؤمنين سليمان مواقف نصح وارشاد وتذكير بشدة الحساب يوم القيامة وفي نفس ‏الوقت كان ‏سليمان يقدر عمر ويحرص على ملازمته له أشد ما تكون الملازمة، إلا أن هذا التقدير لم ‏يصل ‏إلا حد التفكير بأن يعهد لخلافته من بعده، وإنما كان تفكيره في تولية أحد أولاده، لولا ‏اقتراح ‏الفقيه الصالح والحكيم العارف رجاء بن حيوة الذي كان وزير صدق للأمويين.‏
ورُويَ عن رجاء بن حيوة التابعي والعالم الجليل والوزير الصادق أنه قال : ” لما تولى عمر بن ‏عبدالعزيز الخلافة وقف بنا ‏خطيبا فحمد الله ثم أثنى عليه، وقال في جملة ما قال : يا رب إني ‏كنت أميرا فطمعت ‏بالخلافة فنلتها، يا رب إني أطمع بالجنة اللهم بلغني الجنة. قال رجاء: فبكى ‏الناس بالمسجد ، فكأني حتى بجدران المسجد تبكي معنا‎”‎‏.‏


وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إنتشر العلم وكثرت المساجد التي تعلم القرآن، وفي عهده القصير أوقف ‏الحرب مع ‏جيرانه ووسع العمل داخل دولته ( البنية التحتية للدولة ) كالشوارع والطرقات ‏والممرات الآمنة ‏و السواقي وحفر الآبار وبنى دور المياه ودور الطعام (التكايا) و المدارس ونسخ الكتب ‏والترجمة ‏والتعريب ونقل العلم وشجع الإستفادة من علوم وتجارب الأمم من رومان وفرس ‏وهنود وصينيين وغيرهم ، ونظر إلى الأمم المتحضرة والغير المهدد لدولته ، بسلم دون حرب ‏وسعى في الأعمال ‏الخيرة حتى دعاه المؤرخون بخامس الخلفاء الراشدين.‏
وكان عمر بن عبد العزيز واحدًا ممن دخلوا التاريخ بأعماله العظيمة وإدارته العادلة للدولة، حتى ‏‏تجدد الأمل في النفوس أنه بالإمكان عودة حكم الخلفاء الراشدين واقعًا ملموسًا لا قصصًا تُروى ‏‏ولا أماني تُطلب ولا خيالاً يُتصوَّر، بل حقيقة يشهدها الناس، وينعمون بخيرها.‏
واحتاج عمر بن عبد العزيز لإحداث هذا التغيير في حياة الأمة إلى ثلاثين شهرًا، لا إلى سنوات ‏‏طويلة، ولهذا دلالته ؛ حيث إن الأمة كانت حية نابضة بالإيمان، مليئة بالنساء والرجال الذين ‏يجمعون ‏إلى جانب الصلاح، مختلف مكامن القدرة والكفاءة، ولو كانت الأمة مُجدبة أو متطرفة ‏أو غير مؤمنة بالإنفتاح وبقوة الحضارات الأخرى ، لما استطاع عمر أن ‏يقوم بهذا الإصلاح ‏العظيم في هذه الفترة القصيرة من الوقت .‏
وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز إداريًا عظيمًا، إلى جانب صلاحه وتقواه، وزهده وورعه، وهو ‏ما امتلأت به كتب ‏السِّيَر والتراجم حتى كادت تطغى هذه الأخبار على ملامح شخصيته الثرية ‏بجوانبها الأخرى.‏
وقبل أن يلي عمر بن عبد العزيز الخلافة تمرّس بالإدارة واليًا وحاكمًا، واقترب من صانعي ‏‏القرار، ورأى عن كثب كيف تُدار الدولة، وخبر الأعوان والمساعدين ؛ فلما تولى الخلافة كان ‏‏لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسؤولية ومباشرة مهام الدولة، وأضاف ‏‏إلى ذلك أن ترفَّع عن أبهة الحكم ومباهج السلطة، وحرص على المال العام، وحافظ على الجهد ‏‏والوقت، ودقَّق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل.‏
وخلاصة القول أن عمر بن عبد العزيز لم يكن رجل زهد وولاية وجد نفسه فجأة خليفة؛ بل كان ‏‏رجل دولة استشعر الأمانة، وراقب الله فيما أُوكل إليه، وتحمل مسؤولية دولته الكبيرة بجدٍّ ‏‏واجتهاد؛ فكان منه ما جعل الناس ينظرون إليه بإعجاب وتقدير.‏
وكان يختار ولاته بعد تدقيق شديد، ومعرفة كاملة بأخلاقهم وقدراتهم؛ فلا يلي عنده منصبًا إلا من ‏‏رجحت كفته كفاءة وعلمًا وإيمانًا، وحسبك أن تستعرض أسماء من اختارهم لولاياته؛ فتجد فيهم ‏‏العالم الفقيه، والسياسي البارع، والقائد الفاتح، من أمثال أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ‏‏أمير المدينة وقاضيها، والجراح بن عبد الله الحكيمي، أمير البصرة، وكان قائدًا فاتحًا، وإداريًا ‏‏عظيمًا، وعابدًا قائدًا، والسمح بن مالك أمير الأندلس، وكان قائدًا فذًا، استُشهد على أرض ‏‏الأندلس، وكان باقي ولاته على هذه الدرجة من القدرة والكفاءة.‏
وكان عمر لا يكتفي بحسن الاختيار في الولاة فقط بعد دراسة وتجربة، بل كان يتابع ويراقب، لكن مراقبته لم ‏‏تكن مراقبة المُتَّهِمُ، بل كان يراقب تطبيق السياسة العامة التي وضعها للدولة.‏
ولم تطل حياة هذا الخليفة العظيم الذي أُطلق عليه “خامس الخلفاء الراشدين”، فتوفي وهو دون ‏‏الأربعين من عمره، قضى منها سنتين وبضعة أشهر في الخلافة، ولقي ربه في 24 ‏رجب ‏‏101هـ الموافق لــ 6 من فبراير720م ، وقد رأه إبن عمه القائد الأموي مسلمة بن عبد الملك، ‏وهو مسجى في نعشه، ووجهه ينضخ شبابا ودمالا، فقال : رحمكـ الله يا أمير المؤمنين، فقد ‏أحسنت وعدلت، وتركتَ لنا في الصالحين ذِكـْـرا ..‏
أما وليّ العهد يزيد بن عبد الملك، فقد ذكر المؤرخون ، أنه ابتعد عن سياسة عمر بن عبد العزيز ‏وعزل الولاة الصالحين، ‏وقسا على ‏الأمازيغ والأكراد وعذّب آل موسى بن نصير وأعاد سياسة ‏الحجاج والبطش في الناس، ‏فثار ضدّه الخوارج وباعوا نساء بني مهلّب، فقال العديد ممن عاصر ‏هذه الفاجعة الإنسانية : “ضحّى ‏بنو أميّة يوم كربلاء بالدين ويوم الـعقير بالكرامة والحُرُمات “.‏

وفاة هشام بن عبد الملك وبداية نهاية دولة الأمويين

مـحـمــد الــقـنـور ‏:

إنه الخليفة هشام بن الخليفة عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ‏أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقي ، أمير المؤمنين، وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل ‏المخزومي، أحد وجهاء مكة في عصر الراشدين .‏
فقد  وُلِدَ هشام بن عبد الملك ، فيما يُجمعُ عليه المؤرخون سنة 72هـجرية ، وسمَّاه عبد الملك منصورًا ‏لانتصاره على مصعب بن الزبير بن العوام في تلك السنة.‏
فقد قضى هشام الشطر الأخير من طفولته في منزل الخلافة الأموي بدمشق في الشام في أواخر ‏حكم أبيه وإخوته من الخلفاء وكان مغمورًا في البلاط الأموي زمن أخويه الوليد وسليمان، وفي ‏خلافة إبن عمه عمر بن العزيز يرحمهم الله وقد بقي بعيدًا عن مسرح الأحداث نسبيًّا حتى توليه ‏الخلافة سن 105هـ، وهو الرابع من ولد عبد الملك لصلبه من الذين ولوا الخلافة، وتربعوا على ‏كرسي الحكم في أمبراطورية تمتد من الأندلس إلى حدود بلاد الصين .‏
وُصِفَ بالبخل وجمع المال، فقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : كان هشام يقول: ضع ‏الدرهم على الدرهم يكون مالاً. ويبدو أن السبب في هذا الوصف شدة مراقبته للمال العام، فقد ‏كان شديد المحاسبة للمشرفين على الخزينة العامة وعلى الديوان، وكان حريصًا على مال ‏المسلمين، ولذلك وصفه الشعراء والكُتَّاب بالبخل؛ لأن الشعراء اعتادوا الهبات الكبيرة من ملوك ‏بني أمية.‏
كان لهشام عشرة من الأولاد الذكور وبعض البنات، ويختلف المؤرخون في عددهم؛ فقد ذكر ابن ‏حزم أن عددهم كان ستة عشر ولدًا وبعض البنات، وقد حاول هشام أن يُحْسِن تربية أولاده فاختار ‏لهم محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المحدث الشهير بالمدينة المنورة لتأديبهم، ‏واختار هشام لأولاده من يعلمهم اللغة والشعر، وكان يحضر أحيانًا مجالس مؤدبيهم، وكان ‏يعطي مؤدبو أولاده ألف درهم فضي كل شهر، إلى جانب الكسوة والجوائز، وكان يوصيهم بأن ‏يعلموهمُ القرآن، والأشعار، والتاريخ، وعلم الفرائض والسنن، وقيل: أوصاه أن يأخذ ولده بكتاب ‏الله ويقريه في كل يوم عشر آيات ليحفظ القرآن، ويروه من الشعر أحسنه، ويتخلل به مغازي ‏رسول الله ، وطرفًا من الحلال والحرام والخطب، ويصله بأهل الفقه والدين. وبالرغم من ذلك فقد ‏أساء بعض أبنائه السيرة، ولم يشتهر أحد منهم في التاريخ بعد سقوط الدولة الأموية عدا حفيده ‏عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، والشهير بــ “صقر قريش” .‏
ويُذكَر أن هشامًا شتم ابنه محمدًا لقيام أحد عبيده بضرب طفل مسيحي، كان قد اعتدى على أحد ‏أولاد محمد، كما منع أحد أولاده من ركوب الحصان سنة، عقابًا له على عدم حضوره لصلاة ‏الجمعة بحُجَّة موت حصانه، وأنه ليس باستطاعته أن يحضر إلى المسجد ماشيًا على قدميه ، وقد ‏كان هشام يهتم بتصرفات أولاده وبناته ويرغب لهم ولهن أن تكون سمعتهم جيدة بين الناس، ‏وتصلح أحوالهم مع ربهم ودينهم، ويتضح ذلك من اختياره لمؤدبهم، فقد ولى العديد منهم إمارة ‏الحج وتدبير الحجيج، مواسم الحج، وإجبرهم على حضور صلاة الجمعة.‏
كما كان هشام يُشرِكُ أولاده بالحروب، ويقلدهم قيادة جيوش الغزو وقد اشتهر منهم معاوية بن ‏هشام.‏
فقد أكد ابن حزم أن إبنه معاوية بن هشام قاد الحملات العسكرية في أدربيجان وأرمينيا ‏وتركمنستان عشر سنين، وقد شارك معاوية في قيادة الحملات الموجهة لغزو القسطنطينية، ‏‏”إستانبول” حاليا زمن أبيه أكثر من عشر مرات، وقد شارك في قيادة حملات الغزو من أولاد ‏الخليفة هشام، حسب ما يذكر المؤرخون ، الأمراء سليمان، ومسلمة، وسعيد، ومحمد.‏
فقد تولى هشام بن عبد الملك الخلافة بعهد من أخيه يزيد سنة 105هـ، وكان هشام يُعَدُّ من ساسة بني ‏أمية المشهورين، فقد كان شديد المراقبة لعماله ودواوينه، وقد شهد له بجدارته أحد خصومه، ‏العباسيين ، فقد قال محمد بن عبد الله بن علي بن العباس، والد الخليفتين أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور، أنه جمعَ دواوين بني ‏مروان – يقصدُ الأمويين- فلم  يــرَ ديوانًا أصح ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام بن عبد الملكــ .وكان ‏الخلفاء قبل  هشام قد وضعوه في الحميمة بالأردن تحت الإقامة الإجبارية، مراقبة له، وتخوفا من ‏دعوته للعباسيين .‏
كان هشام يضع الرقباء والعيون من خيار الناس على ولاته وعماله ليتأكد من سيرهم بالعدل، ‏وقضائهم حوائجهم الإقتصادية والإجتماعية ، ولا يكتفي بذلك بل يتعرض للناس بنفسه يسأل عن ‏أحوالهم، ويحرضهم على المطالبة بحقوقهم، وكان له موضع بالرصافة تُضرَب له به الخيام ، ‏فيمكث فيه ستين ليلة لإستقبال الشكاوى من مختلف الأقطار ومن شتى فئات الناس، فكان يرد فيها ‏المظالم ويأخذ على يد الظالم، من جميع الناس وأطراف البلاد، ويصل إلى مخاطبته في ذلك ‏الموضع الراعي والتاجر والمزارع والصانع والفقيه والجندي وغيرهم ، حتى أنه وظَّف رجالاً ‏عقلاء مختصين في تقريب الضعفاء، والنساء واليتامى منه .‏
وقد أسس الخليفة هشام بن عبد الملكـ الرصافة في بادية الشام، فكانت تحفة معمارية جديدة على المسلمين ، بقصورها وبساتينها ونوافيرها وأبراجها وعمد إلى إنارتها بالقناديل ليلا وبالشموع ، فكان يصطاف فيها ، ويستقبل وفود الأمصار فيلبي حاجاتهم، ويخرج مع مستشاريه ‏فيأمر بصنع الطعام لهم، وإستضافتهم بنفسه فيأكل منه، فإن حدث أن نشبت بينه وهو الخليفة ‏وبين أحد من أشراف رعيته خصومة لم يجد مفرًّا من إرضائه بكل سبيل.‏
‏ فقد شتم هشامٌ مرة رجلاً من الأبرار العقلاء ؛ فوبخه ذلك الرجل وقال: أما تستحي أن تشتمني ‏وأنت أمير المؤمنين ، وخليفة الله في الأرض؟ فاسْتَحَى منه هشام ، وطأطأ رأسه، وإحمرَّ وجهه ‏وقال: اقتصَّ مني. فقال له الرجل في جرأة نادرة : إذًا فأنا سفيه مثلك. فقال الخليفة هشام : فخُذْ ‏تعويضا من مالي ما تشاءُ ، فقال : ما كنت لأفعل. فقال هشام : فهبها لله، أيها الرجلُ، آنذاك قال ‏الرجل : هي لله، ثم لك. فنكس هشام رأسه واستحي، وقال لبلاطه : والله لا أعود إلى مثلها أبدًا، ما ‏عشتُ .‏
وقد حدثت في خلافته أن عم الجفاف ، وقحطت البادية، لمَّا إنحبس المطر فقدمت عليه وفود ‏الناس، فهابوا أن يكلموه ووجلوا من هيبته ومجلسه ، وكان فيهم شاب في مقتبل العمر، درواس ‏بن حبيب وهو ابن ست عشرة سنة، ثم قال الخليفة هشام لحاجبه: من أراد أن يدخل عليَّ فليدخل.‏
فدخل حتى الشباب والفتيان، فوثب درواس هذا الشابُّ، حتى وقف أمام مجلسه ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، ‏إن للكلام طيًّا ونشرًا، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أَذِنَ لي أمير المؤمنين أن أنشره ‏نشرته. فأعجبه كلامه، وقال الخليفة هشام : انشره أيها الفتى. فقال له : يا أمير المؤمنين، إنه أصابتنا ‏سنون ثلاث، كانت سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وثالثة دقَّت العظم، وفي أيديكم القناطير من ‏الذهب والمال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، ولا تحسبوها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا بها ‏عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين،ويحب المحسنين ، فقال هشام: ما ترك لنا هذا الفتى واحدة من ‏الثلاث عذرًا، فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، ولهذا الفتى بمائة ألف درهم، ثم قال له: أما لك ‏حاجة؟ فقال: ما لي حاجة في نفسي دون عامة الناس.‏
وطبيعيٌ ، فقد كان هشام لا يُدخل بيت ماله مالاً حتى يشهد أربعون رجلاً أنه أُخِذَ من حقه، ولقد أعطى لكل ذي ‏حق حقه، ويقال: إنه جمع من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبله.‏
وكان مع كل ذلكــ ، خليفةً يُدبرُ ساعات يومه ، وأجندته كما يقال حاليا ، فــإذا صلَّى الغداة كان أول من يدخل عليه حارسه الشخصي ، فيخبره بما حدث ‏في الليل، ثم يدخل عليه خادمان بقصره مع كل واحد منهما مصحف فيقعد أحدهما عن يمينه، ‏والآخر عن يساره حتى يقرأ عليهما جزأه، ثم يدخل الحاجب فيقول: فلان بالباب، وقبيلة فلان ‏بالباب ، وأهل البلاد الفلانية ، فيقول: ائذن، فلا يزال الناس يدخلون عليه، حتى ينتصف النهار ثم ‏يوُضِعَ طعامُه، وترُفِعُ الستورُ، فيأمر بإدخال أصحاب الحوائج، فيسألون حوائجهم، فيقول: لا، ‏ونعم، والكاتب خلفه يكتب ما يقول: حتى إذا فرغ من طعامه وانصرف الناس صار إلى قائلته، ‏فإذا صلى الظهر دعا بكُتَّابه فناظرهم فيما ورد من أمور الناس حتى يصلي العصر، فإذا صلَّى ‏العشاء حضر جلساؤه من الشعراء والفقهاء والعلماء من مختلف العرقيات والأديان . ‏
وقد كان هشام في خلافته حازم الرأي جمَّاعًا للأموال، ذكيًا مدبرًا، له بُعدٌ للأمور ، باحثا عن ‏جليلها وحقيرها، وكان فيه حلم وعقل وهدوء وأناة، قال فيه الذهبي: كان عاقلاً حازمًا سائسًا فيه ‏بأس وعدل.‏

‏ ‏

الخليفة العاشق للفروسية وحلبات السباق ‏

كان الخليفة هشام بن عبد الملك يعشق الفروسية و الخيل، فقد بنى حلبة كبيرة في دمشق ‏عاصمته، فاجتمع له من خيله فيها وخيل غيره أربعة آلاف فرس، وهو عدد لم يكن من قبلُ، لا ‏في جاهلية ولا في إسلام لأحد من الناس، وكان هشام يقبل الهدايا من الخيل، ويقيم حلبات السباق ‏لها، ويصلح الطرق ويوسعها لأجل ذلك، وكان يفرح كثيرًا إذا فازت خيله في السباق، ويطلب من ‏الشعراء وصف الفرس أو الحصان الفائز.‏
كان هشام يتقبل الهدايا من الولاة وغيرهم، ولم يَرَ بذلك إضرارًا بمصلحة الدولة أو إجحافًا ‏بحقوق الناس. ولا شك أن قبوله للهدايا من الولاة خاصة، وعدم إمعانه في التحري عن مصادر ‏تلك الهدايا أمر غير مقبول من حاكم مثله، وهذا مخالف في نظر خصومه  للنهج الذي سار عليه الرسول والخلفاء ‏الراشدون والخليفة الشاب الذي سبقه، إبن عمه عمر بن عبد العزيز يرحمهم الله .‏
‏ ‏

اهتمامه بالآثار الأدبية والفكرية العالمية ‏

وقد شغف الخليفة هشام بن عبد الملك بالاطلاع على الآثار الأدبية الخاصة بالأمم الأخرى، فقد ‏أمر على عهده بترجمة كتاب عن تاريخ فارس، وتسرب هذا الشغف إلى المحيطين به، فترجم مولاه سالم ‏بعض كتب الفيلسوف اليونني أرسطو إلى العربية، كما ورث ابنه جبلة بن سالم عن أبيه كثيرًا ‏من معارفه وعلومه؛ فترجم بعض الآثار التاريخية إلى العربية.‏
جاءت روايات لا يصح إسنادها تشير إلى أن هشام بن عبد الملك كان يشرب الخمر كل يوم جمعة ‏بعد الصلاة، وكانت له مجالس يدار فيها الخمر، فإن تلك الروايات لا تصح من حيث السند، كما ‏أن سيرة هشام منافية لهذا الاتهام الباطل، فقد زجر ولي عهده ، وإبن أخيه الوليد بن يزيد ‏لمعاقرته وإدمانه الخمر، كما زجر ابنه مسلمة المكَنى أبا شاكر، وألزمه الأدب وحضور الجماعة.‏

‏ ‏

العلماء في عهد هشام بن عبد الملك

عندما تولى هشام بن عبد الملك حاول تقريب بعض العلماء -بعض الشيء- والاستفادة منهم، ومن ‏أشهر هؤلاء العلماء العالم الجليل محمد بن شهاب الزهري، والإمام الأوزاعي، وأبو الزناد ‏وغيرهم، وكان تأثير هؤلاء العلماء في اتخاذ القرار في بعض الجوانب، وبطريق غير مباشر من ‏خلال تأثير قربهم من الخليفة وأسرته -لا سيما الزهري- على سلوك هشام وسيرته، ولعل الذي ‏حَدَّ من تأثير العلماء في توجيه القرار في عهد هشام -مقارنة بتأثيرهم في عهد عمر بن عبد ‏العزيز- هو محاولة هشام أن يمسك العصا من الوسط، فحاول أن يسير وَسَطًا بين سياسة عمر بن ‏عبد العزيز الإسلامية الخالصة وسياسة المُلك وتدبير الدولة ، ووسطًا بين المسلمين من مختلف ‏المذاهب وبين المسيحيين واليهود من رعاياه .‏

‏ ‏

سياسة هشام بن عبد الملك الخارجية

كان الخليفة هشام بن عبد الملك رجل دولة من طراز رفيع في إدارة شئون الدولة الداخلية ، كما ‏أعطى عناية كبيرة للسياسة الخارجية، ولصيانة حدود الدولة المترامية الأطراف ، من المحيط ‏الأطلسي إلى المحيط الهندي وتأديب أعدائها.‏
ويؤكد  فلهاوزن في تاريخه مشيرا أنه “… ولا شك أن المؤرخ يخطئ في تصور هشام، إذا ظن أنه كان خليفة لا هَمَّ له إلا ‏أمور الإدارة والشئون الداخلية، على أن هشامًا لم يكن جنديًّا ولكنه لم يكن يرهب من الحروب، ‏بل هو وجهها بهمة وبكل الوسائل، وجهَّز جيوشًا كبيرة، ولم يدخر في ذلك الأموال ولا حياة ‏الرجال وكانت يداه مشغولتين بالمشاريع الحربية في أكثر المواضع تباعدًا؛ فقد كانت جيوشه تقف ‏بالمرصاد للروم، واستمر في إقامة الحصون على الحدود، وكان قواده لا يكفون عن الغزو ‏والجهاد، وكان هشام يسند قيادة الجيوش في معظم الأحيان إلى رجال من أسرته، مثل: أخيه ‏مسلمة بن عبد الملك، وأبنائه معاوية وسليمان، وأبناء عمه مثل: مروان بن محمد بن مروان، ‏وأبناء إخوته كالعباس بن الوليد بن عبد الملك”.‏

وإذا كان هناك من إنتقاد على الخليفة هشام بن عبد الملك فهو تغافله عن دعاة بني العباس الذين ‏نشطوا في عهده في الدعوة لآل البيت، وهم في الحقيقة آل العباس ، وانبثوا في خراسان تحت قيادة نقباء بني العباس أمثال ‏أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير، وأبي مسلم الخراساني ، تحت رعاية محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وإبنه إبراهيم من بعده ، وجَدُّوا في تشويه سمعة الدولة ‏الأموية، وفي الاستعداد لتقويضه. ولعل كراهية هشام للعنف وسفك الدماء ، ومراعاته للقربى منهم في عبد مناف ، كانت سببًا في تغاضيه ‏عنهم حتى استفحل أمرهم، وقد ظهرت آثار ذلك قبيل وفاته واستفحلت بعده، بحيث لم يستطع ‏خلفاؤه وقف مَدِّ الدعوة العباسية السرية التي نجحت في نهاية الأمر في القضاء التام على بني ‏أمية أسرته؛ ولذلك يقول ابن كثير: “لما مات هشام بن عبد الملك مات مُلْكُ بني أمية وتولى، ‏وأدبر أمر الجهاد في سبيل الله، واضطرب حالهم ، وإن كانت تأخرت أيامهم بعهده، نحوًا من سبع ‏سنين، ولكن في اختلاف وهيج، وما زالوا كذلك حتى خرجت عليهم بنو العباس فاستلبوهم نعمتهم ‏وملكهم، وقتلوا منهم الصغير والكبير وسلبوهم الخلافة”.‏
وقد تُوُفِّي الخليفة هشام بن عبد الملك يرحمهما الله يوم الأربعاء من شهر ربيع الآخر سنة ‏‏125هـ ، الموافق لــ 10 فبراير 743 ميلادية .‏