سيدي يوسف بن علي القطب المبتلى بإمتحانات الله عز وجل

حمزة مـقـبـول :

إنه أبو يعقوب يوسف بن علي الصنهاجي، اكتفت أهم المصادر التي ترجمت له، بالإشارة إلى ولادته بمراكش، وأجمعتْ أنه عربي من أصول يمنية، “واحد أوتاد المغرب في وقته، على حالة تامة من الورع والزهد، كبير الشأن”،[1] وقد ابتُليَ بمرض الجُدام في شبابه، فلزم المدينة ولم يغادرها حتى دُفن بها، ومع ذلكــ ، كان رجلا فاضلا تقيا صابرا، لم ينل منه الجزع أثناء مرضه شيئا، بل زاده تقربا وحُبا لله، إذ ظل راضيا، محتسبا، شاكرا ولله عابدا، مما زاده تقديرا، وتوقيرا “وقد أبدى من مقام الرضى ما استحيا منه كل عارف وغار…، وهذا أعلى المراتب كلها فهو في النهاية العليا من المعرفة”.[2]

ويعد سيدي يوسف بن علي الصنهاجي أحد أقطاب مدينة مراكش ورجالاتها السبعة المشهورين في القرن السادس الهجري، فقد عُرف بالولاية والصلاح، و جسد مقام الرضى والتسليم بأفعاله وأقواله، حتى غدا مدرسة للصبر يغبطه عليها العارفون بأسرار القدرة الربانية ، ويتوق إليها المريدون، لذلك نجده قد تعددت ألقابه وأسماؤه، وتوحدت معانيها وتجسدت في أعلى مقامات الصبر، حيث لقب بدءً بـ: “المبتلى” و “أبو يعقوب” و “مول الغار”، وما هي إلا ألقاب تدل على مدى صبره ورضاه على ابتلاء الله له بمرض استعصى علاجه، وقد مَسّه الضُر وهو في ريعان شبابه، فسَخّر عُمره للعبادة والاعتكاف بغار خارج باب أغمات بنفس المدينة الحُبلى بالأولياء والصلحاء.

كان رحمة الله عليه كريما منفقا على الفقراء، رغم قلة حيلته، و عُسر رزقه، وهذا دليل على صلاحه وعلو مقامه، حيث لم يكتف بحيازة مقام الصبر، بل حاز وفاز بمقامات أخرى، كمقام الحمد والشكر، إلى جانب الجود والكرم، يقول ابن الزيات في التشوف: “كان سيدي يوسف بن علي كبير الشأن فاضلا، صابرا راضيا سقط بعض جسده في بعض الأوقات فصنع طعاما كثيرا للفقراء شكرا لله تعالى على ذلك.

يقول رحمة الله عليه:

” تَعوّدت مَسَّ الضُّر حتى أَلِفته

وأسْلمني طول البلاء إلى الصبر”.[3]

لم تذكر المصادر مراحل تلقي سيدي يوسف بن علي علم التصوف، لكن يكفيه فخرا أنه أخذه وتعلمه من شيخ رفيع القدر هو: أبو عصفور (ت583هـ)، تلميذ الشيخ أبا يعزى (ت572هـ)، وكلاهما شيخين جليلين.

توفي رحمة الله عليه عام “(593هـ الموافق لسنة  1196م  ودفـن خارج باب أغمات عند رابطة الغار”.[4] حيث بني ضريح حوله، واستمرت الوفود في زيارته من كل الأصقاع بالمغرب ومن خارجه بغرض التبرك به والترحم عليه إلى يومنا هذا.
_…هو منهج السلف في الإيمان بالزيارة للتذكرة والاعتبار والترحم على الأولياء”.[5]

الهوامش :

[■1] – درر الحجال في مناقب سبعة رجال، محمد الصغير الإفراني، دراسة وتحقيق: حسن جلاب، ط1/2000م، المطبعة والوراقة الوطنية-مراكش، ص:131

■[2] – المصدر السابق، ص.ص:130-133.

■[3] – التشوف إلى رجال التصوف، لابن الزيات التادلي، تحقيق: علي عمر، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، ط1/2006- القاهرة، ص:253.

■[4] – المصدر السابق، ص:253.

■[5] – بحوث في التصوف المغربي، حسن جلاب، ط1/1995، مراكش، ص:81.

مديحة يسري، وداعا “فتاة النيل” وسمراء الشاشة العربية

اسوال بريس :

توفيت الممثلة المصرية مديحة يسري الملقبة ”سمراء الشاشة“ أمس الثلاثاء 29 ماي الحالي عن عمر ناهز 97 عاما بعد مشوار فني سينمائي متألق لأكثر من ستة عقود.، وأنفقت  الممثلة المخضرمة التي عاصرت كبار الشاشة الكبيرة العربية سنوات عمرها الأخيرة تتنقل فوق كرسي متحرك إلى أن ضعفت صحتها ولزمت فراش المرض ، قبل أن تلبي نداء ربها  في مستشفى المعادي العسكري بالعاصمة المصرية .

هذا، وقد إزدادت الفنانة الراحلة مديحة يسري، وإسمها الحقيقي  هنومة حبيب خليل سنة  1921 وبدأت رحلتها مع السينما بمشهد صامت في فيلم “ممنوع الحب” من بطولة الموسيقار محمد عبد الوهاب عام 1942 قبل أن تحصل على فرصتها الأولى في فيلم “أحلام الشباب” أمام فريد الأطرش والفنانة الراقصة الممثلة الراحلة تحية كاريوكا.

كما قدمت على مدى مشوارها أكثر من 90 فيلما بعضها من كلاسيكيات السينما المصرية مثل (أمير الانتقام) و(حياة أو موت) و(الخطايا) و(لا تسألني من أنا) و(لحن الخلود) و(أيوب)و(بنات حواء)و(إني راحلة) وكان آخر ظهور سينمائي للراحلة مديحة يسري  في فيلم (الإرهابي) عام 1994 أمام نجم الكوميديا عادل إمام، حيث تقمصت دور أم العائلة التي تأوي عدل إمام كإرهابي عرف حجم خطيئته بإنضمامه لشبكة متطرفة .

صنفت بجدارة من بين أجمل 10 نساء في العالم، وفقاً لمجلة “التايم” الأمريكية، تلك التي قال عنها زوجها الأول محمد أمين: “نظرة واحدة من مديحة يسري كفيلة بجعل أي رجل في حالة هذيان”فقد كانت كما وصفتها الصحافة المصرية “سمراء النيل”، والفتاة ذات الجمال الأصيل، حيث نشأت وسط مجتمع وفي كنف عصر كان ينظر فيه للفن على أنه “سبة”، إلى الحد الذي كانت ترفض فيه شهادة “المشخصاتي” الذي أطلق عليه فيما بعد اسم “الممثل”، أمام القضاء. وكانت أسرتها ضمن المجتمع الذي رفض عمل أبناء العائلات في الفن، إلا أن هنومة كانت مشبعة حتى أطراف قدميها بالموهبة الفنية، فأصرت على إشباعها بدءاً من مدرسة التطريز بحي شبرا الشعبي، التي مارست فيها الرسم وكثيراً ما نالت استحسان مدرساتها وإعجابهن برسوماتها ولوحاتها.

و لم يكن إصرار مديحة يسري يقل عن جمالها؛ إذ ظلت محاولاتها المثابرة لدخول مجال الفن، حتى شاء حظها أن يراها مصادفة المخرج محمد كريم، فيجذبه جمال عينيها ويمنحها دوراً صغيراً في فيلم “ممنوع الحب” لمحمد عبد الوهاب في عام 1940. وعلى الرغم من أنها لم تظهر فيه سوى لثوانٍ معدودة، إلا أن تلك الثواني كانت كفيلة بتغيير مجرى حياتها؛ لأنها شعرت أن الفن هو الطريق الوحيد الذي يمكنها السير فيه رغم تأخر أدوار البطولة لمدة عامين كاملين. وفي عام 1942 عرض عليها المخرج كمال سليم دور البطولة في فيلم “أحلام الشباب” مع الفنان فريد الأطرش.

كما كانت الراحلة تتمتع بالذكاء إلى جانب الموهبة؛ ففي أول دور بطولة لها في فيلم لفريد الأطرش، ولعلمها بما يمكن أن تكون عليه ردة فعل والدها، طلبت من شركة “أفلام النيل للإنتاج والتوزيع″ أن تضع شرطاً جزائياً في العقد الخاص بها يتضمن أن تدفع مديحة أموالاً ضخمة في حالة اعتذارها عن العمل. وعندما علم الأب وطلب منها إلغاء تعاقدها طالبته شركة الإنتاج بدفع قيمة الشرط الجزائي، فلم يكن أمامه إلا الرضوخ لرغبة ابنته.

ومهما يكن ، فإن الراحلة مديحة يسري ظلت نجمة شباك السينما المصرية طيلة الخمسينيات بأعمال مع كبار مخرجي تلك الفترة ومن بينها “أمير الانتقام” و”لحن الخلود” مع المخرج هنري بركات، و”من أين لك هذا” للمخرج نيازي مصطفى، وفيلم “مؤامرة” و”أرض الأحلام” للمخرج كمال الشيخ، و”إني راحلة” لعز الدين ذو الفقار، والذي يعد من روائع الأفلام الرومانسية في السينما المصرية.

وقد كتبت عنها زميلتها الممثلة زينب صدقي في إحدى المجلات الفنية تقول: “من ينظر إلى وجهها للوهلة الأولى يحسبها شخصية حزينة هادئة، لكنها في الحقيقة تميل إلى الفرح والفكاهة، فضلاً عن كونها تملك طاقة كبيرة من الثورة والطموح، هي شخصية عربية أصيلة، و(كوكتيل) جميل لفضائل العرب في كأس جذاب يغري بالشرب”.

كما كان فيلمها الشهير “الأفوكاتو مديحة” واحد من أهم وجوهها الحقيقية، أكدت على دور المرأة في المجتمع، وأدت دوراً شبيهاً لهذا الدور في الحياة العامة، حينما تم اختيارها ضمن المعينين في مجلس الشورى، تقديراً لدورها في الحياة الفنية والتزامها على المستوى الإنساني

ورغم جمالها وقوة شخصيتها وثقافتها المتنوعة ، فقد كانت مديحة يسري من أكثر الزوجات اللاتي عانين من الخيانة، حيث تزوجت 5 مرات، 3 منها كانت من الوسط الفني، وكان أولها عند زواجها من المطرب والملحن محمد أمين، أثمر زواجهما عن تأسيسهما لشركة إنتاج سينمائي وأنتجا خلال 4 سنوات، هي عمر زواجهما، العديد من الأفلام مثل “أحلام الحب” و”غرام بدوية”، و”الجنس اللطيف”. وبعد انفصالهما تزوجت مديحة يسري من الفنان أحمد سالم عام 1946، ولكنها زيجة لم تستمر طويلاً؛ حيث وقع الانفصال لتتزوج من الفنان محمد فوزي واشتركت معه في بطولة العديد من الأفلام، وقد أثمر زواجهما عن ابنهما عمرو الذي توفي في حادث سيارة. أما آخر زيجاتها فكانت من الشيخ إبراهيم سلامة الراضي، شيخ مشايخ الحامدية الشاذلية الصوفية، ولم يكن تعدد زيجات مديحة يسري بيدها؛ فقد كشفت أن أزواجها أقدموا على خيانتها، وكان ذلك هو سبب انفصالها عنهم.

كما أن مديحة يسري الفتاة التي نُشرت صورتها في إحدى المجلات عام 1939 كأحد الوجوه الجديدة، هي ذاتها معشوقة الراحل عباس محمود العقاد، فقد تعلق بها فؤاد الأديب الكبير منذ رؤيته للصورة، فدعاها إلى حضور صالوناته الأدبية الأسبوعية وأغدق عليها بعطائه الفكري والأدبي بشكل فتح أمامها أبواب العلم والمعرفة، حتى إن الأديب الكبير العقاد الذي كان معروفا بعزوفه عن الزواج، وقع في حب تلك الفتاة التي لم يكن عمرها قد تجاوز العشرين، بينما هو في الخمسين من عمره.

ورغم رحيل الفنانة مديحة يسري فإن جمالها وطبيعة شخصيتها يصعب نسيانهما؛ إذ سرعان ما حدث ما كان يخشاه العقاد، وتزوجت وأصبحت نجمة مشهورة، لكنه لم يستطع إلا أن ينجرف في حبه، فلا هو قادر على أن ينساها، ولا قادر على أن يتقبل وضعها الجديد، ويرضى أن يكون واحداً من المعجبين، فاهتدى إلى فكرة عجيبة يرويها تلميذه وصديقه الفنان صلاح طاهر قائلاً: “ذات مرة كنت مع الأستاذ العقاد في شقته، ودخلت غرفة لأتحدث في الهاتف، فناداني العقاد بلهفة: يا صلاح.. تعالى لا تتصل الآن، ورجعت إليه فوجدت الدموع في عينيه، فأخبرني أنه ينتظر على أمل أن تتصل به محبوبته الممثلة التي قاطعها منذ أربعة شهور، ووجدت مدى تأثُره بفراقها على رغم قدرته الخارقة على التحمل والكتمان وتناقشنا في كيفية نسيانها”. ومضى طاهر قائلاً: واقترح عليّ أن أرسم لوحة فنية عبارة عن تورتة شهية جداً وقد تهافت عليها الذباب، وبالفعل أنجزتُ اللوحة المطلوبة ووضعها العقاد على الحائط مقابل سرير نومه، وكلما استيقظ رأى اللوحة التي ساعدته على النسيان”.

كما كانت هشاشة العظام عدو حياتها الأول؛ حيث أصابتها بالعمود الفقري في مرحلة من عمرها ونجت من الشلل بالعلاج بالخارج، لكن الفنانة الجميلة ترقد حالياً في أحد مستشفيات القاهرة، بحالة حرجة نال منها تقدم السن “95 عاماً”، بينما صورتها في أذهان محبيها من المحيط للخليج لم تزل باقية بكامل جمالها.

جاكـ ماجوريل ، فنان عاشق لمراكش، بصم التشكيل وأغنى الطبيعة

محـمـد القـنــور :

خلّف الرسام الفرنسي “جاك ماجوريل” Jacques Majorelle” وراءه بعد رحيله سنة 1962 أثراً رائعاً وبديعاً يتمثل في لوحاته التشكيلية المميزة شكلا ومضمونا من جهة ، والتي أرخت لكل خلجات ولحظات مراكش والمغرب ، بجميع طقوسه وإحتفالياته، وبكل عاداته ويومياته الإجتماعية والإقتصادية والروحية والشعبية، ومن جهة أخرى “حديقة ماجوريل” في مراكش، حيث لا تشكل حديقة تقليدية فحسب، بل إنها نفسها تعتبر لوحة بيئية كبيرة بغنى الطبيعة وفرادة عناصرها ضمن سيمفونية بيئية يمتزج فيها الماء بالأشجار، وتتوحد ضمن معالمها الحضارة المغربية مع درى الطبيعة ، في تراتبية فيحاء  لأكثر من 350 نوعا من النباتات. أتى بها “الفنان العاشق جاكـ ماجوريل” من مختلف القارات الخمس، تؤثتها مجموعة من أشجار النخيل المغربية والإستوائية والمدارية، وتجاورها انواع عديدة من اشجار الصبار و”نباتات الكاكتيس” التي جلبها ماجوريل من أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، فضلا عن أنواع الخيزران والتنوب والقصب وشتى النباتات المائية على غرار أزهار اللوتوس والبردي والزنبق التي تلون الأحواض المائية لهذه الحديقة اللوحة.

كما اختار “ماجوريل ” ألواناً خاصةً بالحديقة لأبنيتها وأثاثها بمستويات معينة حملت فيما بعد اسمه، مثل أزرق ماجوريل، أصفر ماجوريل، وأخضر ماجوريل ضمن ترسانة لونية غير مسبوقة، مما جعلها لوحة حية ومعمارية بأشجارها وأحواضها وألوانها الخلابة جذبت اليها انواعا جميلة من الفراشات والطيور مما زادها روعةً وبهاءاً ، هذا فضلاً عن الاسماك الملونة التي مافتئت تلون احواض الحديقة بألوانها الزاهية. المستوحاة من فكر فنان تشكيلي مميز عشق مراكش حتى النهاية .

فقد ولد “جاك ماجوريل” في مدينة نانسي الفرنسية عام 1886، وتأثر بفن والده “لويس ماجوريل” مصمم الأثاث المشهور  في شبابه، قبل أن يصاب بمرض الربو، فنصحه المقيم العام الفرنسي أيام الحماية الفرنسية على المغرب الماريشال “ليوطي” الذي كان صديقا لعائلته ، بالعيش في مدينة مراكش لجودة مناخها وقلة رطوبته.

وفي سنة  1919 م حل جاك ماجوريل لأول مرة بمراكش، بعدها في عام 1924م إستقر بها نهائيا ، فاقتنى قطعة ارض بها ليقيم عليها دار سكنى له، وحديقة عرفت فيما بعد باسمه، حيث فتحها  أمام الزوار المغاربة والسياح الأجانب في عام 1947م.

وفي عام 1984 عرضت هذه الحديقة اليتيمة والمنسية للبيع، ليقام عليها فندق سياحي ومطعم، وكأن  هذا الاثر الفني والمعماري والبيئي تم الحكم  عليه بالاعدام، وهذا ما حرك غيرة ملك الموضة مصمم الازياء الفرنسي “ايف سان لوران” باقتناءها بالشراكة مع صديقه رجل الاعمال والكاتب “بييار بيرجيه”، ولتصبح هذه الحديقة تحت رعايته بمعية شريكه ، مما أزال عنها آثار التهميش، وأنقدها من الضياع وفتحها للزوار بعد أن أضاف اليها شيئاً من روحه التي تعشق فن العيش وروعة الأناقة ، وفي عام 2004 قام الشريكان “إيف سان لوران” و”بيير برجيه” بتأسيس ” جمعية حماية وإشعاع حديقة ماجوريل” لتتولى ادارة هذا الأثر البيئي الفني ولتسهر على حمايته.

ومهما يكن ، فإن حديقة ماجوريل ليست مكشوفة للملأ، بل تحيط بها أسوار عالية تنكفيء عليها وتحجبها عن الرؤية، وتقع في حي “جليز” بالضبط في زقاق سمي بــ “ايف سان لوران” يقع ما بين شارع علال الفاسي وشارع الأمير مولاي عبد الله بمراكش، ورسم الدخول للحديقة هو خمسون درهماً، (ستة دولارات تقريباً) ورسم الدخول الى المتحف الذي بداخلها بخمسين درهما  أي ما يعادل (خمسة دولارات تقريباً).

ولاتزال تشكل نوعية زوار هذه الحديقة ، نخبة معينة من المغاربة والسياح الأجانب ممن لديهم اهتمام بالطبيعة وعشق للفن، إذ تعتبر هذه الحديقة في حد ذاتها اللوحة، بأحواضها المائية ونباتاتها المتنوعة وأسماكها وأسرا طيورها، ونافوراتها الاندلسية الاسلامية، وأشجارها المميزة والعالمية ونسائمها الوارفة، وألوانها الزرقاء النوعية، وفسيفسائها الاندلسية، مما يترجم روح مصممها المسكونة بعشق التراث المغربي .

وفي حياته أوصى “إيف سان لوران” مالكـ الحدبقة الجديد بعد ماجوريل، بنثر رماد رفاته بين أشجار هذه الحديقة التي كانت مصدر الهامه في التصاميم، وفعلاً بعد موته قام اصدقاؤه بتنفيذ وصيته وليتحول هذا الاثر الفني الى أشبه بضريح له! مما أدى الى زيادة عدد الزائرين بشكل ملحوظ، حيث صار يصل  عددهم اليوم الى أكثر من ست مائة ألف زائر سنوياً!

الذي يميز هذا الأثر الفني هو التصميم الاسلامي البديع: بطراز مبانيه، وزخرفة فسيفسائه، ونافوراته، الذي وُضِعَ فيه النَفَس الغربي ببصمات هذا الرسام المبدع! وحكمة المغاربة هي التي حافظت على خصوصية البلد وجعلت هذا المعلم لا يحيد عن الطراز الاسلامي.

ومع أن الأوربيين يمتلكون حدائق في غاية من الروعة والجمال، فإنهم يتكلفون عناء السفر ويأتون الى المدينة الحمراء لمعاينة أثر الفنان المبدع “جاك ماجوريل” وكذلك معاينة مصدر إلهام ملك الموضة “إيف سان لوران” وزيارة ضريحه الذي احتوى رماد جثمانه.

إلى ذلكــ ، شكل المغرب عبر التاريخ فضاء جذب للكثير من طرف الوافدين عليه من المؤرخين والباحثين والمستشرقين والفنانين من مختلف الفنون التعبيرية والتشكيلية، كمحطة انطلاق ، وكمصدر إلهام، وكحقل لإغناء التجارب ، وكتيمة للإبداعات .

ولقد تميز ماجوريل برؤية تشكيلية خالية من كل التأثيرات الكلاسيكية والرومانسية ، مفضلا اللمسات التشكيلية الحية القريبة من “فطرية” “هنري روسو” و إشراقات نوافذ “هنري ماتيس”، وتلكـ الأشكال البسيطة والمواضيع الأصيلة كما كان يطرحها “بول غوغان” ومعظم الإنطباعيين من أمثال “رينوار” Renoir و”سيسلي” Sissly و”ديكا”Degas و”مونيه” Monet وغيرهم .
فقد اكتشف ماجوريل سحر الشرق وعذوبته ، أثناء زيارته لمصر والنيل سنة 1910 رغم أنه لم يقتنع به، فوجد ضالته في مراكش بعدما تجول في معظم بلدان الشرق ، وكان لمراكش أن أكسبته نظرة جديدة خالية من كل أحلام المستشرقين، ليستقر في “جليز” المدينة الحديثة بمراكش معقل الطبقة البرجوازية الفرنسية.
فقد حل جاك ماجوريل لأول مرة بمراكشفي سنة 1919، حيث وجد السحر الملائم ليواصل مهنته كرسام. ثم عاد إليها عام 1924 ليقتني قطعة أرضية أنشأ عليها الحديقة المعروفة اليوم بإسمه “حديقة ماجوريل”، والتي تم إفتتاحها  عام 1947 لاستقبال الزوار .

ولقد استطاع ماجوريل، بفضل عشقه لجمالية مدينة مراكش العتيقة بأسواقها، ورياضاتها، ومساجدها، وبيوتها القديمة، وأسوارها، أن يترجم في لوحاته مفاتن ضوءها وألوان وإيحاءات الحياة اليومية بها، وتلكـ الفرادة الأصيلة التي تميز جنوب المغرب، فكان يسافر بعشقه بين أحضان القرى الأمازيغية الأطلسية مشدوها بهندستها  وبتلكـ القصور والدواوير والبراري والقصبات، التي أسرته وألهمته أروع اللوحات ، وملكـت عله حيزا كبيرا من اهتماماته وأغنت تجربته التشكيلية، في وقت كان بإمكانه أن يقتصر على الحياة البرجوازية الباريسية التي كانت تحيط به .

وتؤكد معظم الدراسات النقدية حول التجربة التشكيلية للفنان الفرنسي “جاكـ ماجوريل” أن المارشال ليوطي القيم العام الفرنسي بالمغرب آنذاكـ ، كان يعشق لوحاته، وأنه كان متيما بلوحته “القصبة الحمراء”، والتي وصل سعرها في مزاد علني بــ “صالة العرض كريستي” لأزيد من مليون أورو، لم تتميز به من قيمة فنية، ولما تتضمنه من حس سوسيو تاريخي وثقافي مغربي أصيل ، فقد أبدعها “جاكـ ماجوريل” عام 1921، حتى أنها اختيرت عام 1923 لتكون غلاف الدليل السياحي لمراكش، وهو ما جعلها تحتل مكانة كبيرة في قلوب وخيال المغاربة وعشاق الفن التشكيلي بشتى ربوع العالم، ممن ينظرون إليها كأيقونة فنية للمغرب، لدرجة أن هذه اللوحة  لم تعرض سوى مرة واحدة في عام 1924.

وعلى إثر تعرض “الفنان جاكـ ماجوريل” لحادثة سير خطيرة في سنة 1962، عاد إلى فرنسا مريضا ، حيث لفظ آخر أنفاسه.
وبالإضافة  إلى انشغال “جاك ماجوريل” بالرسم، فقد كان  يقوم بإعداد وتهيئة ملصقات دعائية و”أفيشات” تروم دعم السياحة في المغرب، كما شارك في تصميم ديكور فندق “المامونية” العالمي بمراكش.
وبين سنتي 1945 و1952، قاد ماجوريل عشقه للجنوب، وشغفه بالضوء إلى اكتشاف إفريقيا السوداء عبر رحلاته إلى مالي، وغينيا، والكوت ديفوار، والنيجر، والسنغال ، حيث أبدع مجموعة لوحات كشفت عن دلالات فنية غنية، وترجمت تمايزات مثيرة على مستوى القيم واللون والأطياف، واستطاعت أن تثبت مدى حنكة ماجوريل على مستوى إتقانه للتقنيات المستعملة وإختياره للمواضيع التشكيلية ، فبعد  كل جولة  في قرى المغرب ودشوره وجباله وقلاعه ووديانه وسهوله ، وبعد كل رحلة في أعماقه الشعبية وإحتفالاته المورقة كان جاك ماجوريل يعود دائما إلى إقامته الرئيسية في الحديقة المعنية ، التي بناها سنة 1924، بجانب النخيل بمراكش، ليخلد ما رآه باللون والضوء والحركة، إذ  تواترت الإلهامات في مخيلة “ماجوريل” وظل ملهما لآخرين حنى بعد وفاته، وإلى الفترة الحالية بعد أن عمد “إيف سان لوران”، مصمم الأزياء العالمي الراحل على إستلهام تصاميمه وأزيائه من لوحات ورحلات ماجوريل في المغرب العميق وعبر مناطق إفريقيا السوداء، فخصص بذات الحديقة لأزيائه رواقا حمل اسم الحلم الإفريقي، وبات يضم نماذج متنوعة من الأزياء الإفريقية المستمدة من مختلف دول القارة التي زارها كل من إيف سان لوران، وهو يتتبع خطوات “ماجوريل” .

وطبيعي، فقد كان إيف سان لوران، حسب تصريحات شريكه بيير بيرجي، دائما يقر بتأثير المغرب على إبداعات ماجوريل،وعلى تصاميمه هو بنفسه، إذ لم تغب عنه ألوان وغنى التراث المغربي في مراكش، وحيث اكتشف لون وجاذبية المغرب، الذي أثر فيه طيلة حياته، مؤكدا أن ماجوريل ، الذي افتتن بالمغرب، منذ وصوله إليه سنة 1919، عرف كيف يستلهم أعماله من الألوان الزاهية المستوحاة من العادات المحلية المغربية والإفريقية.

وللإشارة، ففي سنة 1931، قام المهندس المعماري، بول سينوار، بإنشاء الورشة الزرقاء، التي أصبحت مقرا لمتحف الفن الإسلامي داخل حديقة “ماجوريل” في مراكش، بعدها تم إفتتاح  متحف إيف سان لوران خلال قبل شهور قرب حديقة “ماجوريل” في مراكش.

 

 

مأساة تشكيلية من النسيان والتهميش إلى الشهرة و العالمية

عباس صلادي : 1950 – 1992 

: مـحـمـد الـقـنـور:
عـدسـة : محمد أيت يحي :

دعتني للحديث عن الفنان التشكيلي الراحل عباس صلادي الزميلة الإذاعية أسماء الشرقاوي لبرنامجها الشيق والممتع “المنسيون” الذي سيبث قريبا ضمن حلقات خلال الفترة المقبلة على أثير إذاعة مراكش الجهوية، ولأني كنت أعرف عباس صلادي يرحمه الله، وأعرف ذويه ومن هم من أرحامه، فقد سررتُ بالدعوة وبلقاء الزميلة المحترمة ، التي طالما أثثت المشهد السمعي الجهوي والوطني بما تبدعه من بواكير إعلامية جادة ورفيعة.


والحق، أن الفنان التشكيلي الراحل والكبير عباس صلادي، لم ينل حظه من الدنيا، وما تمنحه للناس من صحة وعافية ، ومن خيرات ومال وبنين ومن إستقرار وعيش وشهرة، فكأني به ولد حزينا وعاش حزينا ومات حزينا، فقد ولد في حي “قبور الشو” بالزاوية العباسية في مراكش، في عائلة فقيرة لا تكد تجد ما تسد به رمقها في سنة 1950 ، و ماكاد يفتح عينيه على الدنيا حتى توفي والده، فدفعت به والدته إلى دكاكين أولائكـ الحرفيين ممن كانوا يؤثتون فضاء حي الزاوية العباسية وأحياء روض العروس وباب تاغزوت، وغيرها من أزقة وأسواق مراكش العريقة، حتى يستطيع إستكمال لوازم دراسته من دفاتر وكراسات وثياب، ثم إنتقل في مقتبل عمره إلى الدار البيضاء، ليشتغل بمقاهيها ومطاعمها ، كغاسل صحون مياوم، حيث إلتحق بجامعة محمد الخامس في الرباط ليدرس الفلسفة، وليجد في عوالمها المتنوعة وأفكارها الفياضة ما كان يتلاءم مع حسه الرائع وبواكير فنه المستلهم من صنوف البحث والغرائبية الوجودية، ومن تماهي مع تلكـ الحكايات التي طالما سمعها في طفولته بمراكش على وجه الخصوص قبل أن يدخل في سلسلة من المآسي لتتقاذفه أمواج الأسى وعتمات الحاجة، ولتصاحبه المحن التي وضعته على سكة اضطرابات نفسانية وانكسارات عصبية حادة، وعلى حافة تنكر المجتمع له ولإبداعاته ، ووسط ظلم من الناس والزمن قاده إلى دخول مستشفى الرازي للأمراض العقلية مرارا متعددة..

 

ولقد قضى عباس صلادي، معظم أيام حياته القصيرة وسنواته الإثني والأربعين فقيرا وحزينا صامتا ومضطربا ، لكنه كان فنانا مرهفَ الحس، حاد البصيرة، متوقد الذكاء ، قليل الكلام، قلقا وكظيما مِمَّا كان يجدهُ من مرارة الوحدة ومن الجحود والإهمال، فكان لا يملك من متاع الدنيا شيئا، ولكنه مع ذلكـ فقد كان عباس غنيا بالأحاسيس وثريا بتلكـ التدفقات العاطفية، والكرامة والنبوغ، وإن كان قد عاش حياته مهمشا، وخجولا وبعيدا عن الأضواء زاهدا فيها ، إذ لم يحظ بالشهرة التي كان يستحقها إلى أن وافته المنية في سنة 1992.


ولــــولا الأوساط الأكاديمية الأجنبية ، والمهتمين من الدارسين ومن نقاد الفن التشكيلي المغاربة والعالميين ممن اكتشفوا تجربتـه الغنيـــة والمتفردة والغريبـــة، لظل عباس صلادي نسيا منسيا كما كان خلال سنوات الثمانينات، ولتعرضت لوحاته للإستنساخ، والضياع، فقد رأيتُ عباس صلادي ذات يوم ماطر وبارد يعرض هذه اللوحات عرضا على قارعة طريق شارع الأمراء بمراكش،وكانت شقيقته تلكـ السيدة الطيبة التي تعتني به ترافقه،والتي فقدت بصرها حاليا، وأقعدها المرض عن الحركة، وقد سكنه الصمت الشفـيف ، وكانت الحسرات المنبعثة من عينيه تكاد تخنقه من لامبالاة المارة، إذ كان صامتا في حياته، ومتكلما في فنه، وقد حدث أن زرتُه مرات في مستشفى الرازي بمراكش، وقد رأيت ما كان يغدق عليه الدكتور العدوي وبعض الممرضات والممرضين من عناية ومن إهتمام بشفائه .
ومهما يكن فقد أغنت لوحات الراحل التشكيلي عباس صلادي الساحة التشكيلية الوطنية، والعالمية وأظفت إضافات نوعية على مدارسها، سواء من حيث القيم التشكيلية المطروحة أو على مستوى الهم والتألق والمعاناة المستدامة التي ارتبطت بالتجربة التشكيلية للفنان صلادي كجزء من مآسيه المتعددة والمترامية كسلسلة من لهيب نار وخطوط رمل على مسافة حياته القصيرة ، فاقت كل التصورات، رغم أن معظم لوحاته لاتزال موزعة مابين شقيقته الصغرى التي تقطن في مدينة آسفي، ومابين بعــض العائــلات الثرية من عشاق الفن التشكيلي في الدار البيضـاء وفي مراكش ومدن أخرى ممن إمتلكوا هذه اللوحات بشكل من الأشكال .
ومن الطريف وغرائب الأقدار، أن لوحة للفنان الراحل عباس صلادي بيعت مؤخرا بمبلغ تجاوز خمسة ملايين درهم، خلال عملية بيع بالمزاد العلني لعدد من تحف الفن التشكيلي المغربي المعاصر، فقد أفاد بلاغ لدار المزادات “مليون” بباريس ودار “مزارت ” “مزاد أند آرت” بطنجة، أن العملية التي جرت مؤخرا “بتقنية الدوبليكس” بالتزامن، في كل من الدار البيضاء وباريس، أسفرت عن بيع لوحة “تاراكت” أو “الهدية” للرسام الراحل عباس صلادي بما يعادل 5 ملايين و 83 ألف و 847 درهم، فيما يشكل سعرا قياسيا بالنسبة لأعمال هذا التشكيلي الذي ظل منسيا .
والجدير بالذكر، أن المعهد الفرنسي في مراكش سبق له أن نظم بتعاون مع جمعية شمس تانسيفت للصحة الذهنية، مؤخرا معرضا للفنان التشكيلي المغربي الراحل، عباس صلادي، كأحد أبرز الوجوه الإبداعية المراكشية والمغربية والعالمية المثيرة للجدل.

لوحة الهدية للتشكيلي الراحل عباس-صلادي

وطبيعي، الآن فقد تجاوزت شهرة الراحل عباس صلادي حلقات الإعلاميين والنقاد والأكاديميين، وخرجت من نقاشات الصالونات والأروقـــة، لتنـزل إلى الأحياء الشعبية والدروب والحارات في مراكش وفي غيرها، ولتخلق حولها الأساطير والحكايات وهو أول رسام مغربي بحكم موقعه الإجتماعي يصبح معروفا لدى فئات الحرفيين والعامة.
فالعامة من الناس ينظرون لعباس صلادي أنه كان فنانا وإنسانا غريب الأطوار، وأنه كان مجنونا وأنه كان حكيما، ومنهم من يرى أن قوى غيبية كانت ترسم معه لوحاته، وأنه كان يرسم ما يراه في دواخله، وأنه كان مجذوبا حقيقيا، على غرار أولائك الدراويش ممن كانوا يجوبون أزقة مراكش جيئة وذهابا في سنوات السبعينيات، وأن روحه الطيبة ومرئياته البسيطة كانت ترسم معه ، وأنه كان رجلا مباركا جالبا للحظ السعيد ولحسن الطالع.
وأن الراحل عباس صلادي، كان أسطورة، تتولد منه أكثر الأساطير والحكايات إثــارة، مثـــل تلك الشخوص والحكايــــات التي أبدعها في لوحاته .


وعلى كل الحال ، فأثناء الحديث عن تجربة الفنان التشكيلي الراحل عباس صلادي، لابد وأن تختلط الحكايات مع المعطيات الواقعية، ومن المنتظر أن تمزج الأساطير بالحقائق الإجتماعية، لتشكل بوثقة لا متناهية من سيرة فنان تحدى الويلات ليرسم خواطر النفس وأعماق المأساة وعنفوانية اللحظات الهاربة، ضمن لوحات مسكونة بتفاصيل النفس الحزينة والوجدان العارم والقلق الذي لا ينتهي، والذي يؤرخ لفنان تشكيلي قتله الفقر وأماته المرض والتهميش، لكنه ظل حيا في ذاكرة الشعب.


والواقع أن الفنان الراحل عباس صلادي، الذي اعتبرته أوساط ثقافية ومدارس نقدية تشكيلية بالولايات المتحدة الأمريكية مؤسسا لتيار فني يجاوز مابين الفطرية والمظاهر الحضارية المغربية، فإستطاع أن يأتي بالجديد على مستوى القيم الموضوعاتية المطروحة في معظم أعماله من جهة وعلى صعيد الإضافات المميزة واستحضار وحصر مكنونات الثقافة الشفاهية التي تطرق لها في رؤيته للوجود والموجودات والإشارات والدلالات، وفي قدرته الفائقة على مدى استيعاب مكنونات نفسيته المتوترة وخلجاته المتواترة ومتاهات ذاته التي تتلاطم فيها أمواج من الرغبة والخوف ومن الطموح والتردد، بكل صدق وجرأة واقتدار.

الحسن الثاني : مؤسس المغرب الحديث، وقائد عالمي بنزعات وطنية

مـحـمـد الـقـنـور :

 

موهوب وجذاب وذكي، يؤكد أن الفكر الشاسع والفهم السياسي الحكيم مقترن بشخصيته، صريح ويعبر عن وجهة نظره بشكل قوي ومؤثر، مستمع جيد يستوعب وجهات النظر المختلفة و يختار الوقت المناسب ليعبر عن وجهة نظره الخاصة به، في تواضع طبيعي وليس مفتعل،  قريب من نبض الشارع، يعبر عن أراء الناس، وبالتالي يكون قريبا منهم، واثق من نفسه حتى في أحلكـ الظروف، وأصعب الأوقات، لا يتأثر برأي الآخرين بسهولة، ويجتهد ليقنع بوجهة نظره، رجل صبور وغير انفعالي، قوي الشخصية، وصاحب كلمة قوية ومؤثرة في المجتمع، يتوفر على الكثير من العلاقات القوية مع العالم، مثقف وعالم متنور، حسن الهندام والمظهر، ذو ثقافة واسعة في العديد من مجالات العلوم والقوانين والفنون ومختلف مناحي الحياة، ذاكــ هو أمير المؤمنين جلالة الملكـ الحسن الثاني يرحمه الله .

فقد ولد جلالة الملك الحسن الثاني يوم 9 يوليوز 1929 بمدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية. وقد حرص والده جلالة المغفور له الملك محمد الخامس على أن ينشئه على القيم الإسلامية والعربية والوطنية الأصيلة من جهة، وعلى مبادئ الحضارة الإنسانية المعاصرة من جهة أخرى،والمتمثلة آنذاك في مبادئ الثقافة الفرنسية وتقاليدها..

ألحقه والده أولا بالمدرسة القرآنية بالقصر الملكي سنة 1934، حيث تمكن من حفظ القرآن الكريم، وتشرب لغته ومعانيه في سن مبكرة. ثم ولج بعد ذلك أسلاك التعليم العصري، وتوّجه بالحصول باستحقاق على شهادة الباكالوريا سنة 1948، وأتم تعليمه الجامعي بتفوق في مدينة بوردو الفرنسية،حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1951.

والحق، أن  الحسن الثاني رحمه الله عايش أجواء الحماية المفروضة على المملكة المغربية منذ سنة 1912، وما رافقها من ردود فعل.وقد نما مولاي الحسن وترعرع في خضم مقاومة المستعمر الفرنسي والإسباني، وتنامي الحس الوطني في كل أنحاء المغرب، فانخرط منذ نعومة أظافره في العمل الوطني مع والده، منشغلا بمستقبل الوطن، حريصا على بناء الدولة المغربية بما يوافق أصالة تاريخها ويناسب عراقة الأسرة العلوية الشريفة، وبما يساير التطورات التي جدت خلال فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، مستفيدا من التجربة التي راكمها والتقطها، بالنباهة التي جبل عليها، بملازمة والده خلال معركة التحرير. فقد كان مولاي الحسن يرافق أباه في أهم الأنشطة الملكية ذات الطابع الثقافي أو الوطني أو السياسي. ومن أهم اللقاءات التي حضرها؛ وهو لم يتجاوز بعد سن الرابعة عشر؛ اللقاء التاريخي بين روزفلت الرئيس الأمريكي وتشرشل رئيس الوزراء البريطاني في أنفا بالدار البيضاء سنة 1943 في غضون الحرب العالمية الثانية. وشارك مع والده إلى جانب ممثلي الحركة الوطنية في تحرير وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، والتي تم تقديمها إلى السلطات الفرنسية للمطالبة بالاستقلال. وفي سنة 1947 سافر مولاي الحسن رفقة والده محمد الخامس إلى مدينة طنجة، الذي ألقى خطابا تاريخيا أعلن فيه عن تطلع المغاربة ملكا وشعبا إلى الحرية والاستقلال، ووجه مولاي الحسن بهذه المناسبة نداء للشباب المغربي داعيا إياه إلى الانخراط في العمل الوطني، والإسهام في معركة التحرير.

وعلى إثر تصاعد وتيرة العمل الوطني، واشتداد حركة المقاومة بكل أنحاء المغرب، عمدت سلطة الحماية إلى نفي السلطان محمد الخامس وأفراد عائلته وكان من ضمنهم ولي العهد مولاي الحسن بتاريخ 20 غشت 1953 إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر سنة 1954.وكان مولاي الحسن المستشار السياسي لوالده خلال فترة المنفى. وبعد العودة المظفرة للأسرة الملكية أواخر سنة 1955، شارك الملك الحسن الثاني وهو في ريعان شبابه إلى جانب والده المغفور له الملك محمد الخامس في المفاوضات التي أجريت في فبراير 1956 حول استقلال المغرب، وفي السنة نفسها، ومباشرة بعد إعلان الاستقلال،عينه السلطان محمد الخامس قائدا عاما للقوات الملكية المسلحة و رئيسا لأركانها. وفي السنة الموالية 1957 تم إعلانه وليا للعهد رسميا، وفي سنة 1960 تقلّد منصب وزير الدفاع. وبعد وفاة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس،يوم 26 فبراير 1961، تمت مبايعة الملك الحسن الثاني ملكا على المغرب، يوم 3 مارس 1961. و دام حكمه للمغرب 38 سنة، قضاها رحمه الله في بناء دولة عصرية، تتوفر على المؤسسات الضامنة لوحدتها واستقلالها، والهياكل والأجهزة الكفيلة باستمرارها ونموها، وتدبير شؤونها. فكان أول ما قام به في هذا الإطار هو وضع دستور يجعل من المغرب مملكة دستورية، وتمت المصادقة عليه في استفتاء شعبي 1962. وتلته بعد ذلك مجموعة من التعديلات والإصلاحات الدستورية التي أغنت الحياة السياسية، وطورت الممارسات السياسية بدولة المغرب، كان آخرها إصلاحات سنة 1996 التي حظيت بإجماع وطني، ومهدت لتقلد أحزاب المعارضة مسؤولية تدبير الشأن العام سنة 1998.

وكان استكمال الوحدة الترابية واستقلال الأراضي المغربية التي مازالت تحت يد المستعمر من بين الأوليات التي شغلت فكر الحسن الثاني وملكت وجدانه، وهكذا عمل وهو ولي للعهد على استرجاع إقليم طرفاية إلى حظيرة الوطن سنة 1958. وفي سنة 1969 ثم تحرير مدينة سيدي إفني. وفي أكتوبر 1975 أعلن الملك الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء المغربية، والتي انطلقت في 6 نونبر 1975 عابرة الحدود الوهمية بطريقة سلمية. وكانت بحق ملحمة وطنية لا تضاهى تحدثت عنها جميع الأوساط السياسية والإعلامية وطنية كانت أو دولية. وفي نفس المنحى اقترح رحمه الله على العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس إنشاء خلية تفكير للنظر في قضية سبتة ومليلية السليبتين وباقي الأراضي المغربية التي ما تزال تحت نير الاستعمار الإسباني.
وأولى جلالة الملك الحسن الثاني عناية خاصة لتحديث الاقتصاد الوطني.فعمل على هيكلة كل قطاعاته من أجل الرفع من مردوديتها وخاصة القطاع الفلاحي الذي يعد ركيزة الاقتصاد الوطني. وأولاه رحمه الله باهتمام خاص من حيث بناء السدود واستصلاح الأراضي الزراعية، وتطوير أساليب إنتاجه من خلال أجهزة مختصة على رأسها مراكز الاستثمار الفلاحي و التعاونيات الفلاحية، من حيث خلق صناعات تحويلية مرتبطة بالمنتوج الفلاحي، ومن حيث تسويقه في الداخل وفي الخارج، كما تم إحداث عدد كبير من المؤسسات والمكاتب العمومية للإشراف على مجموعة من القطاعات الاقتصادية والخدماتية.

أما على الصعيد الدولي فقد كان للمغفور له الملك الحسن الثاني حضور قوي ومتميز طبعته الحكمة والشجاعة في الحفاظ على المصالح الوطنية المغربية والقومية،وفي الدفاع عن القضايا الوطنية والعربية والإسلامية ، مبرهنا دائما على أنه رجل دولة يؤمن بالحوار بامتياز كبير، وجاعلا من المملكة المغرية أرض التسامح والتعايش السلمي بين مختلف الديانات والتيارات الفكرية والمعتقدات السياسية. وكذلك أرض اللقاءات الحضارية والثقافية الكبرى. وأقام الملك الحسن الثاني علاقات وطيدة مع جل أقطاب السياسة والثقافة في مختلف أنحاء العالم. وكان المغرب من الأعضاء المؤسسين لمجموعة من المنظمات الإقليمية والدولية ومسهما في نجاحها، مثل منظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، واتحاد دول المغرب العربي، ولجنة القدس. هذا في ما يخص المجال الإقليمي ، أما فيما يخص المجال الدولي، فقد كان المغرب على عهد الملك الحسن الثاني قبلة لعدد من الشخصيات العالمية، حيث زاره جل الزعماء والقادة السياسيين وأقطاب الفكر والإبداع من كل جهات العالم فضلا عن استقباله لكثير من الرموز الدينية كان أهمها استقبال البابا جون بول الثاني في مدينة الدار البيضاء سنة1985.

وبمثل ما كان المغفور له الحسن الثاني  قائدا سياسيّا محنكا استطاع أن يرسي أسس الدولة المغربية الحديثة، فإنه كان كذلك رمزا دينيا، وقائدا روحيا، وأميرا للمؤمنين تزكيه النسبة الشريفة إلى البيت العلوي، وسعة اطلاعه على أصول الدين الإسلامي ومصادره وعلومه، وقد كان له الفضل في إحياء مجموعة من السنن الحميدة التي دأب عليها المسلمون ومنها على وجه الخصوص تنظيم الدروس الحسنية التي كانت ولا تزال محجا لأقطاب الفكر الإسلامي من جميع الأماكن، ومن كل المشارب، و مناسبة للحوار بين جميع المذاهب الإسلامية. ودعم جلالته بناء المساجد بكل أنحاء العالم وخاصة في إفريقيا مثل السينغال وغيرها من البلاد الإفريقية. و شجع جلالته ايضا بناء المساجد بكل أنحاء المملكة المغربية، كان أهمها على الإطلاق: التحفة الفنية التي خص بها مدينة الدار البيضاء سنة 1986، إذ سيظل مسجد الحسن الثاني بهذه المدينة شاهدا على عبقريته. وأولى الحسن الثاني عناية خاصة لعلماء الأمة من خلال دعمه رابطة علماء المغرب وإنشاء دار الحديث الحسنية،ومن خلال إحداث هياكل تنظيمية لعمل العلماء، ومدهم بالقنوات اللازمة للتوعية الدينية السليمة. واهتم في الوقت ذاته بقطاع التعليم الديني العتيق وعمل على تشجيع مؤسساته ومساعدتها وتنظيم عملها. كما أغدق على رجالات التصوف بحيث اعتنى بالزوايا ومريديها في كل أقاليم المملكة.

ولقد وافت المنية جلالة الملك الحسن الثاني يوم الجمعة 23 يوليوز1999،وشارك في تشييع جنازته قادة وزعماء العالم،وعدد كبير من الشخصيات العالمية، واحتشد المواطنون في مواكب ضخمة لتوديع قائد وطني عظيم، وأحد أبرز قادة العالم العربي والعالم الإسلامي والقارة الإفريقية ودول العالم الثالث،وأكثرهم تأثيرا في الأحداث،وإسهاما في الجهود الدولية من أجل إقرار الأمن والسلم في العالم .

 

فاتحة الخلفاوي إيقونة جامعية،تحدوها المواطنة،ورسم معالم الثقافة المغربية

مـحـمــد الـقـنـور :

عــدســـة : مـحـمـد أيت يـحـي :

إذا كانت جامعة القاضي عياض بمراكش قد احتلت صدارة ترتيب الجامعات المغربية والمغاربية وجامعات الدول الإفريقية الفرنكفونية، حسب التصنيف الأخير لأفضل الجامعات على المستوى الإفريقي والعربي الذي أصدرته المجلة الدولية “تايمز هاير اديكاسيون”.

وإذا كانت هذه الجامعة قد حافظت على تموقعها في الصدارة على مستوى الجامعات الفرنكفونية على الصعيد القاري وذلك باحتلالها المرتبة الحادية عشرة ضمن أفضل 27 جامعة في القارة الإفريقية متقدمة بذلك بأربع رتب مقارنة بالعام الماضي،فإن الأمر يعود لمثابرة رئاستها، وأطرها وللمعان أساتذتها وإدارتها، وإلى أولائك الجنود في الخفاء ممن يجهدون من أجل تحديث وعصرنة الحياة الجامعية،على غرار الأستاذة فاتحة الخلفاوي،العضو بمجلس كلية اللغة العربية التي إنتخبت لمرتين، والعضو المنتخبة لمرتين كذلكـ بمجلس جامعة القرويين السابق،وبمجلس التدبير لذات الجامعة، والتي كانت من ضمن المكرمات خلال تخليد الذكرى الأربعين لتأسيس جامعة القاضي عياض بمراكش، إيقونة الجامعات على مستوى العالم العربي وإفريقيا  .

فكأنها بطلة إسبارطية، وكأنها زهرة “اللوتس” القوية والباذخة المعطاءة ، تعتبر الأستاذة فاتحة الخلفاوي ، والمسؤولة بمصلحة الموارد البشرية بكلية اللغة العربية في مراكش، المثقفة والفاعلة الجمعوية، المسكونة بوهج التراث المغربي، نموذجا للمرأة المغربية المثابرة التي استطاعت المزاوجة بين ممارسة المهنة والعمل الجمعوي متشبعة بقيم الانفتاح والدفاع عن القضايا العادلة للوطن وللمواطنين، بدءا من إهتمامها بالمسألة النسائية والطفولة ، وإنتهاء بإهتماماتها الثقافية والإبداعية كشاعرة أديبة، وككاتبة عامة لجمعية منية مراكش لإحياء التراث، برئاسة الأستاذ جعفر الكنسوسي  .

مفعمةٌ بالحماس ومسكونةٌ بالعزيمة،ومنطلقة من مختلف مظاهر تأكيد إرادة النساء المغربيات، انخرطت فاتحة الخلفاوي ،المراكشية المولد، والأم لثلاثة أطفال، في العمل الإداري والجمعوي الثقافي مبكرا حيث نشطت ولا تزال في العديد من الدوائر الأكاديمية والجمعيات الثقافية، والمراكز التنموية، متشبعة بالقيم الإنسانية وبمبادئ الوطنية ، ضمانا وصونا لكرامة مساهمة المرأة المغربية في الحياة الجامعية وإعلاءً لمكانتها داخل المجتمع ترسيخا لمقاربة النوع الاجتماعي في العمل الميداني الجمعوي، لمحاربة الصور النمطية اتجاه المغربيات والتي تضع سقفا محددا لحركيات النساء في مختلف أطوار الحياة،حيث تمكنت من تجاوز حدود جغرافية وفكرية ضيقة لتطلق العنان لطاقاتها الدفينة في العطاء وفي تلكـ النزعات الإيجابية الرفيعة الرامية إلى التشاركية والتواقة نحو الحقيقة والفضيلة بكل تواضع وإقتدار.

وطبيعيٌّ، فإن الأستاذة فاتحة الخلفاوي يحذوها عزم أكيد وحيوية مستدامة وشغف لا حدود له ، في تسخير ملكاتها الإبداعية وتجاربها الإدارية وحسها التواصلي الجارف، لخدمة الاشعاع  الحامعي والأكاديمي وللمشاركة في المشهد الثقافي المحلي والجهوي والوطني ، ففي همس لــ “هاسبريس”، ابدت الخلفاوي شغفها بالجامعة المغربية وبمهنتها،وعشقها للفكر و التاريخ والفنون التعبيرية والتشكيلية منذ حداثة سنها،حيث لم تكن تتجاوز بعد سن الرابعة عشر ، مدشنة بذلكـ إنغماسها في مختلف تجليات الصرح الثقافي الوطني ومختلف الإطارات المعرفية والتراثية المغربية .ومنذ ذلك السن تولدت لديها بذور طموح جارف، نسج علاقات وجيهة على المستويين المهني والثقافي والانساني،مع أكاديميين وباحثين ومخرجين وكوميديين،وملحنين، وممثلين وكتاب وموسيقيين وشعراء وزجالين ومغنين،وهو ما اتاح لها الاقتراب من جذورها، والنهل من ثقافتها المغربية الاصلية، والحفاظ على جوانبها التواصلية، والذي يعكس تلكـ الحرارة من الحفاوة الكبيرة، التي تُستقبل بها غداة كل منتدى فكري، وأثناء كل حضور أكاديمي أو ثقافي بكثير من التأثر والمحبة والإحترام .

ولأن فاتحة الخلفاوي شجرة مثمرة ، ولأن الأشجار المثمرة هي عادة ما تقدف بالحجارة، فإن فاتحة الخلفاوي لا تتخلى عن حسها الفكاهي المرح المراكشي، عندما إلتقتها “هاسبريس” وهي تتصفح إدعاءات وأكاذيب  ضدها مصحوبة بإنزلاقات لغوية ، و”شقلبات” إملائية لكتابات مغرضة وصفتها ضاحكة بـــ “الــكاملوطية” وبكونها تتنافي مع أخلاقية الإعلام وتُناقض أليات الكتابة الصحافية المهنية المحايدة شكلا ومضمونا ، حيث تناولت إسمها ولقبها وشخصيتها وعملها بالكثير من الإفتراءات،والأباطيل وبمنتهى الغوص في منطق الذكورية،على خلفية تسخير  أحدى الجمعيات المتطاولة عن حقوق الإنسان ضدها، وضد ما يتطلبه العمل الحقوقي من حياد ومن موضوعية ومن إحترام لكافة الفرقاء، ومن تناغم ومتابعة  لمعطيات سلطة القضاء ومن فن إستماع وقدرة على تجديد وحصر الخلاصات .

وفي الوقت، الذي علمت فيه “هاسبريس” أن أطرًا من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان،دخلوا على الخط فيما تعرضت له هذه السيدة المميزة من حقد ومن مظاهر للكراهية،والوصم والتعسف الإعلامي والشطط في إستغلال العمل الجمعوي وتوجيهه لأغراض مبيتة و منافع شخصية .

ومع كل ذلكــ ،فــلم تنفكـ الخلفاوي عن السخرية بحسها المراكشي من الإدعاءات الملغومة والأخطاء الإملائية والإسنادية واللغوية التي تضمنتها هذه الكتابات على تلكـ البوابات المفتقرة للملاءمة،وللحس الإعلامي والدربة المهنية .

ومهما يكن، فإن الخلفاوي، بقوة صدقها، وبعمق إلتزامها ، وتوقد ذهنها وسداد بصيرتها وبتلقائيتها المعهودة وإنفتاحها على ثقافة التطوع من أجل الوطن والمواطنين،وقصد تفعيل العمل الاجتماعي، وعشقها للجامعة المغربية منذ زمن ليس بالقصير، يؤكد أن فاتحة الخلفاوي تظل عنوانا للشغف والحركية الطافحة والممزوجة بالطاقة الإيجابية والتصميم على النجاح والطموح في رسم معالم سير قافلتها التي تسير وتسير وتسير  غير آبهةٍ بالضغينة ولا بالمؤامرات،أو الإشاعات، شديدة الإيمان بإعمال الذكاء الجماعي وتقاسم الأفكار وإستثمار التواصل  وتضافر الجهود.  .

الدكتورة لطيفة بلالي، ملامح حياة سيدة مراكشية بإمتدادات عالمية

مـحـمـد الـقـنـور :

تجسد الدكتورة لطيفة بلالي الأستاذة الجامعية بكلية العلوم السملالية التابعة لجامعة القاضي عياض،إحدى كبريات الجامعات بالعالم العربي وفي إفريقيا، السيدة المتعددة الإهتمامات بديناميتها وعزيمتها ومواظبتها على التحصيل المعرفي والعلمي، متسلحة في ذلك بقيم التواضع،وثقافة المواطنة، لتعطي المثال الحي للأستاذة الباحثة ، وللعالمة التي تناضل من أجل الإرتقاء بالبحث العلمي، والدفاع القضايا المرتبطة بحماية البيئة وتأهيل العمل الجمعوي المنبثق من التشخيص والتواصل المستديم مع مختلف الفئات العمرية بمراكش ، وبمختلف أقاليم وجهات المملكة بغية مساعدتها على بلورة المتغيرات الطبيعية والاقتصادية والثقافية لمجالاتهم وإعادة بنائها بمنطق المشاريع المبنية على النتائج من أجل المساهمة في التنشيط الترابي والتنمية المحلية المندمجة الى جانب الجمعيات والمؤسسات والمنتخبين.


وتمتلك الدكتورة لطيفة بلالي إلى جانبها تخصصها في الكيمياء ، باعا ملحوظا في الإعلاميات وتقنيات التواصل باللغتين العربية والفرنسية والإنجليزية، وثقافة متنوعة ، فضلا عن إلمامها الواسع بالمجالات المتعلقة بالسلامة الصحية والتغيرات المناخية والتنمية المستدامة، فنون الطبخ والأزياء وأسرار الثقافة المتعلقة بفنون العيش المغربي.

وتنتمي بلالي ، الحائزة على شهادة الدكتوراه بتفوق من جامعة القاضي عياض بمراكش إلى ثلة من الباحثين والباحثات المغاربة المعبئين داخل المختبرات من أجل الإسهام من مواقعهم في جهود تطوير آليات الملامح الأكاديمية العلمية.
كما تنخرط الدكتورة لطيفة بلالي ، المزدادة في مدينة مراكش، والمتزوجة والأم لطفلة واحدة في مجال البحث العلمي مما أتاح لها، ولمرات عدة، تشريف المغرب على المستوى الدولي، في العديد من الملتقيات العلمية بمختلف دول المعمور، إذ يغمرها إحساس كبير بالفرحة والسرور والاعتزاز بالوطن حينما ترى، في كل مرة، العلم المغربي يرفرف عاليا في سماء بلدان أخرى، أو متموضعا على طاولات النقاش الأكاديمي في المنتديات الدولية التي تشارك فيها، كما لا تأل جهدا على مساعدة وانخراط الباحثات والباحثين الشباب، ممن يتحلون بالإرادة والعزيمة، لتعزيز مكانة وإشعاع المملكة في مجال البحث العلمي على الصعيد الدولي تحت القيادة النيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وحرصا منها على الإرتقاء بمستواها المعرفي والعلمي حظيت الدكتورة بلالي بفرصة المشاركة في عدة لقاءات أكاديمية وعلمية وجمعوية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهولندة وفرنسا، والنرويج وسويسرا،وألمانيا وكينيا وتونس وتانزانيا،والجزائر وبولونيا، ومصر واسبانيا، والأردن، وغيرها، إذ ترى أن التقدم الكبير الذي حققته المملكة بفضل التزامها التام على المستوى الدولي في مجال مكافحة التغيرات المناخية، ورعاية ذوي الحاجات الخاصة، وتطوير المسألة النسائية وتوجيه البحث العلمي نحو سلامة العمران بيئيا ، مكن المغرب من كسب ثقة المنتظم الدولي في قدرته على الإسهام وعلى نحو فعال في الجهود العالمية المتعلقة بالتنمية المستدامة ، وكلها مجالات لقيت نجاحا باهرا باعتراف الجميع.

ويرجع نجاح لطيفة بلالي في مسارها العلمي والجمعوي، إلى مثابرتها وما تتحلى به من عزيمة وإرادة في إبراز الدور الذي يمكن أن تضطلع به المرأة في تنمية وازدهار ورقي بلدها، وذلك بتشجيع ودعم من لدن زوجها وعائلتها وزملائها وزميلاتها ، وطلبتها بالجامعة ممن يكنون لها كل الاحترام والتقدير لما تتصف به من مهنية وخصال إنسانية.
وعلى كل حال، فقد استطاعت لطيفة بلالي، في إطار بحوثها العلمية ، وإنشغالاتها المختبرية، وإنجازاتها الجمعوية والميدانية ومسارها المهني، إلى جانب منشوراتها العلمية العديدة الصادرة في مجلات علمية دولية، بالإضافة إلى مهامها كأستاذة وباحثة بجامعة القاضي عياض بمراكش،وكناشطة بمركز التنمية لجهة تانسيفت، وكأول سيدة بمراكش تنتخب على رأس مكتب مراكش للمنظمة العلوية لرعاية المكفوفين، أن تؤسس لمعالم تعبئة جماعية من مراكش من أجل المواطنة الحقة، والوطنية الصادقة .
وعلى كل حال، فإن السيدة لطيفة بلالي تظل نموذجا للمرأة المغربية المثابرة التي استطاعت المزاوجة بين ممارسة المهنة والعمل الجمعوي متشبعة بقيم الانفتاح والدفاع عن القضايا العادلة لفئات مختلفة من المجتمع وخاصة المكفوفين والمكفوفات ، وساكنة العالم القروي، متشبعة في كل ذلكــ بالقيم الإنسانية ومبادئ المساواة وضمان وصون كرامة المرأة وإعلاء مكانتها داخل المجتمع ترسيخا لمقاربة النوع الاجتماعي، هو ما دفعها مفعمة بالحماس والعزيمة والإرادة إلى النضال من أجل تحقيق هذا المبتغى ، وإلى تأسيس “جمعية رائدات جهة مراكش آسفي” قصد الدفاع عن القضايا المشروعة للنساء.
ومهما يكن، فللدكتورة لطيفة بلالي شغف ظاهر، لا تخطئه العين، يدفعها إلى عشق التطوع من أجل الوطن والمواطن ويرسم معالم يومها في تدبير خططها من أجل العمل الاجتماعي، منذ زمن ليس بالقصير. ويبدو أن عناوين الشغف في حياة هذه السيدة يتلخص في ثلاث قيم تتأسس على حب الوطن والدفاع عن ثوابته والتصميم على فرادته وتميزه والحرص على خصوصياته الثقافية والتاريخية، إذ لا تدخر بلالي ابنة مراكش من جهدها ولا من وقتها ساعية نحو تفعيل التنمية المستدامة ، متحدية في كل ذلكــ جميع أشكال العدمية والإنطوائية والخمول، إذ تبرز شديدة الإيمان بإعمال الذكاء الجماعي وبتقاسم الأفكار وتضافر الجهود من أجل الإسهام في تصور بدائل سوسيو اقتصادية وثقافية عملية وتربوية لفائدة محيطها الداخلي والخارجي .

تلــكــ ، هي الدكتورة لطيفة بلالي، ملامح سيدة مراكشية بإمتدادات عالمية

إبتسام بلالي: صيدلانية من مراكش تؤمن أن صحة الإنسان قبل ثمن الدواء

مـحـمـد الـقـنـور :

عــدســة : مـحـمـد أيت يـحـي :

إستطاعت الدكتورة الصيدلانية إبتسام بلالي من هيئة الصيادلة بمراكش ، أن تؤسس علاقات متميزة مع كل زبوناتها وزبنائها من مختلف الشرائح الإجتماعية التي تحج لصيدليتها بحي المسيرة في مراكش، راسمة من خلال مشوارها معهم المليء بالعطاءات التضامنية، أجندات يومية لتمثين علاقاتها التداولية والوظيفية، وإبراز مكنونات مسارها الأكاديمي والعلمي، والإجتماعي والجمعوي كفاعلة في إطار جمعية “رائدات جهة مراكش آسفي” عبر القوافل الطبية التي نظمتها لتقريب مواصفات العلاج من ساكنة المناطق النائية والجماعات الترابية القروية .

ونسجت إبتسام بلالي خيوطا رفيعة ومتينة مع عالم العقاقير الطبية والأدوية على إختلاف أشكالها وألوانها،  ما انفكت تترسخ وتتعمق عبر الزمن، حيث باتت معاملاتها الداخلية والخارجية، سواء مع زميلاتها وزملائها، أو مع المواطنات والمواطنين ممن يؤمون صيدليتها تنم عن إلهام شعبي وحس تضامني رفيعين، وتؤكد ما تتميز به من زخم قوي، وإدراكـ أصيل لحاجياتهم وقدراتهم المالية وتجاوباتهم النفسية والمعاملاتية .

لقد شقت الصيدلانية إبتسام بلالي، التي ازدادت بمدينة مراكش ، طريقها بثبات في مجال العلوم الصيدلانية، ورغم حصولها على دكتوراه في الصيدلة، فقد طفقت تطور مداركها العلمية ورؤاها الأكاديمية، وتستلهم مختلف التجارب الوطنية والدولية التي تتمحور حول الصيدلة كعلم من جهة يتطلب الخبرة وتوسيع المداركـ، وكفن يتطلب مختلف المعاملات الإجتماعية ، والتي كانت وراء تحقيقها لنجاحات متتالية في مشاركات ميدانية وتواصلية على مستوى جهة مراكش آسفي .

في ذات السياق، يكمن سر نجاح إبتسام بلالي في موهبتها، وفي إيمانها بشعارها القائم على أن “الإنسان قبل ثمن الدواء”حيث يكتسي في نظرها إمداد الأدوية للناس أهمية في علاقاتها المتنوعة مع كل الأطياف الإجتماعية،فالدواء  يأتي بعد الانسان فسواء كانت الوصفات الطبية كبيرة أو صغيرة، تحرص الدكتورة الصيدلانية إبتسام بلالي دوما على إنتاج مسرات وأفعال تضامنية تدخل البهجة في النفوس وتسعد الناس بالأساس.

وعلى كل حال، فتصرفات إبتسام بلالي مع رواد صيدليتها تعكس شخصية صيدلانية نموذجية، وفاعلة جمعوية مثقفة بالدرجة الأولى. تؤكد أن مضمين الربح السريع لا تغريها،بالقدر الذي تستهويها تقديم المساعدات والإجابة عن الإستشارات الصيدلانية، حيث تؤمن بلالي أن الصيدلاني والصيدلانية يلعبان  دورًا رئيسًا وتكميليا أساسيا إلى جانب الأطباء العامون والأطباء المختصين والمختبرات في توفير الرّعاية الصّحّيّة، فهم خبراءٌ بدورهم في نجاعة الأدوية وعلاقة فعاليتها الصحية، حيث عادة ما تستخدم بلالي خبرتها المعرفية والعلمية السريرية جنبًا إلى جنبٍ مع المَعرفة العملية لتقديم النُّصح حولَ الأدويةِ والمشاكلِ الشائعة؛ مثلَ السُّعالِ ونَزَلاتِ البردِ والآلامِ، وكذلك حولَ الطعامِ الصّحّيِّ والمُساعدةِ في الإقلاع عن التدخين.

إلى ذلكــ ، فقد تمكنت الصيدلانية الدكتورة إبتسام بلالي من أن تستفيد من تدريب عالي خصوصي في المجال الصّحّيِّ والدوائيِّ، حتى بعد أن أصبِحت صيدلانية، مكنها من معرفة تعرف استعمالاتِ الأدويةِ وتداخلاتِها وتركيبِها، ومتابعة تشخيصِ الأمراضِ العامّةِ بدقة من طرف الأطباء وتحليل نتائج المختبرات وكيفيّةِ التعاملِ معَها، كما خضعت لتدريبٍ عمليٍّ خاصٍّ للتّعامُل معَ المَرضى والأدويةِ تحتَ إشرافِ صيادلةٍ ومُختصين مغاربة وأجانب مِن ذَوي الخِبرةِ والمُؤهَّلين، تعلمت خلاله كيفيات التحقّقُ مِن الوَصَفاتِ الطبيّةِ ، والإطلاع فيما إذا كانت تداخلاتٍ أو مَحاذيرَ مع حالةِ المريضِ الصّحّيّةِ، وتقديمُ المشورة للمرضى حولَ الأدوية الموصوفة لذلك، وحولَ كيفية تناولِ الأدوية، والآثارِ الجانبيّة الأكثرِ شُيوعًا، وكيفيةِ الحفاظِ على الصّحّةِ جيّدةً.

ويمكن الجزم بأن الصيدلانية بلالي قد جاوزت بين مهنتها وبين إهتماماتها المتعددة التي تبرز في إدمانها على مطالعة الكتب العلمية ذات العلاقة بمضمار عملها الصيدلاني، وعشقها للفنون وممارستها للموسيقى على القيثارة، وحبها للثقافة المغربية العالمة والشعبية، و للسفر قصد الإطلاع على شتى التجارب الأكاديمية والحضارية الإنسانية، إهتمامات متمايزة إستطاعت أن تجعل منها  صيدلانية مميزة، منغمسة في علوم الصيدلة التي تعتبرها علما و فنا ، فهي في نظرها علم لأنه ينبغي تقديم حلول ملموسة وعملية من خلاله، وفن لأنه يتعين أن تكون لدى المرء ما يكفي من حساسية ورؤية للتمكن من استشراف وضعيات الزبون وقدراته الإجتماعية والنفسية، وطرق قبول أو رفض مرضه.

مبدع إيقونة “غيفارا” يعود للواجهة من جديد بلوحة لـ “عهد التميمي”

هاسبريس :

عن مجلة “نيــــو زويـــكــ”

قبل 50 عاماً، أبدع الفنان الإيرلندي الشهير جيم فيتزباتريك، لوحة الثائر الأرجنتيني تشي جيفاراً، والتي لقيت رواجاً كبيراً وأصبحت أيقونة ثورية عالمية، ليعود إلى الواجهة مع تداعيات قضية الفتاة الفلسطينية عهد التميمي حول العالم، حيث أبدع الفنان فيتزباتريك لوحة جديدة تجسد بطولة عهد التي اعتقلت من طرف قوات الاحتلال الإسرائيلي، في الـ19 من دجنبر المنصرم بعدما  صفعها جندياً إسرائيلياً ، كان قد اعتدى على منزل والديها.

وخلال لقاء مع مجلة “نيوزويك” الأمريكية أمس السبت 17 فبراير الحالي،لم يخف الفنان الإيرلندي فيتزباتريك، طموحه ورغبته بأن تصبح لوحة “عهد” أيقونة عالمية جديدة،لكونها تستحق بكل جدارة لقب (wonder womem) “المرأة الخارقة”.

وقال الفنان فيتزباتريك: “لقد تابعت قصة عهد منذ البداية، ودفعني شعور خاص بأن أقدم دعماً حقيقياً لها”، لكونها تمثل نضالاً نبيلاً في وجه احتلال ظالم”. وتابع: “بغض النظر عن مصدر الشجاعة التي تمتلكها عهد والقوة الحقيقة التي تبديها، والتي ملأصداها العالم، وحرك شعوراً خاصاً في داخلي، وشحذ فرشاتي لترسمها إيماناً مني بأن تلك الفرشاة أكثر قوة من أقوى سيف”.

 

وللإشارة، فقد أبدى الفنان الإيرلندي فيتزباتريك، عقب تصريح من مسؤول إسرائيلي طالب بسجن “عهد” إلى الأبد، تخوفه عليها، في أن يقتلونها. معربا أنه قد قام بواجبه إتجاهها من خلال الصورة الجديدة، حيث صور الفنان عهد وهي تحمل العلم الفلسطيني مدوناً أسفلها عبارة هناك “امرأة خارقة” حقاً، في رد دلالي  على الفيلم الشهير “ووندر وومن” الذي هو من بطولة الممثلة الإسرائيلية والمجندة السابقة غال غودات، المعروفة بمواقفها المساندة لجيش الاحتلال.

فهناك وعلى مسافة 20 كم فقط غربي مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، وتحديدا في قرية النبي صالح، برزت عهد التميمي البالغة من العمر17 سنة ، والتي اعتقلتها جنود الإحتلال الإسرائيلي، بعد اقتحام منزلها، ومن ثم قاموا باقتيادها إلى مركز تحقيق في تجمّع مستوطنات «بنيامين»، شرقي مدينة رام الله.

فقد ولدت «عهد» سنة 2000وحملت لقب عائلة «التميمي»، المعروفة بتاريخها النضالي في فلسطين، كما حرمها الاحتلال من والدها، عقب أسره، فشبّت شجاعة، لا تأبه لما يفعله جنود الاحتلال الإسرائيلي، كما قالت في لقاء تلفزيوني: «نحن في القرية، نعمل مظاهرات في وجه العدو، كل يوم جمعة»، إذ لم تكن عهد طفلة عادية، فمنذ طفولتها تصدّرت أحداث قرية النبي صالح، والمواجهات التي تندلع مع جنود الاحتلال هناك، وتصدت، وهي في الثانية عشرة من عمرها، للجنود المدجّجين بالسلاح، حيث قهرت بشجاعتها فوهات البنادق التي لم تشعرها بالخوف يوما.

نضال العائلة

ترعرعت الطفلة الشجاعة وسط عائلة ناشطة في مجال مقاومة الاستيطان، وشهدت عدة حالات اعتقال لوالدها باسم التميمي، الذي اعتُقل لأكثر من عشر مرات بمجموع خمس سنوات أمضاها في السجن، منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ولأمّ تُدعى ناريمان التميمي تصدت قبلها ومعها عشرات المرات لجنود الاحتلال المقتحمين للنبي صالح واعتقلت نحو ثلاث مرات، واستمر اعتقالها في كل مرة لعدة أيام، وقد اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، ناريمان التميمي، والدة الطفلة الأسيرة عهد التميمي، أثناء محاولتها متابعة قضية ابنتها في مركز شرطة بنيامين شرق رام الله وسط الضفة الغربية.

كما سبق أن استشهدت عمة “عهد” في عام 1992م، لحظة اعتداء مجندة إسرائيلية عليها أثناء حضورها جلسة محاكمة لابنها، دخلت حينها بعد السقوط على الأرض في العناية المكثفة لعدة أيام قبيل الإعلان عن استشهادها.

شجاعة باسلة

كان أول ظهور لـ «عهد» كان في مثل هذا الشهر قبل خمس سنوات، وهي تصرخ في وجه جنود الاحتلال عندما اعتُقل شقيقها الأصغر محمد، وبدت وهي توبخ الجنود المحتلين بسبب اعتقالهم له.

حينها؛ صرخت كثيراً في وجه العشرات منهم على مدخل قريتها، وانتشر مقطع الفيديو الذي تم تصويره في ذلك الوقت، كالنار في الهشيم، على مواقع التواصل الاجتماعي، كبطلة لم يقدر على طفولتها جنود الاحتلال إلا باستهدافها بقنابل الغاز المسيل للدموع، في محاولة لإبعادها، ولم يتمكنوا من ذلك، كما اكتسبت «عهد التميمي» الشجاعة من المواجهة في الميدان، ومنعت، أكثر من مرة، جنود الاحتلال من اعتقال شبان في قريتها، ومنعتهم أيضاً، في أكثر من مرة، من استهدافهم بالرصاص الحي والمعدني المغلف بالمطاط، حين كانت تتصدى بجسدها وقلبها الطفولي لفوهات البنادق التي كان يصوبها جنود الاحتلال نحو الشبان المحتجين على الاستيطان هناك.

ونظرا لمقاومتها ونضالاتها من أجل قضية شعبها، فقد استحقت الطفلة «عهد» جائزة حنظلة للشجاعة التي نالتها من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبل خمس سنوات، بعد ظهورها في العديد من مقاطع الفيديو ، وهي تتصدى  لجنود الاحتلال ممن  يهاجمون شبان قريتها لحظة خروجهم في كل جمعة بمسيرة أسبوعية رافضة للاستيطان على أراضيهم.

وفي مقابلة، أُجريت مع «عهد» عبّر برنامج «دنيا»، عام 2014، لم تخف الفتاة الصغيرة حينها، مما فعلته، أو المصير الذي ينتظرها، ظلّت تردد رسالتها، وتقول: «إذا كنا نكتفي فقط بمتابعة الأخبار في التلفزيون، فمن يحرر الأرض، صلاح الدين؟».

وعندما سألتها المذيعة عن اعتقال بعض أقاربها، قالت، دون تردد: «أنا حزينة بسبب ذلكـ ، لكن كل شىء فداء فلسطين»، ويشرفنا أن نموت كشهداء لفلسطين، وسنكمل مهما كان ».

وفي غشت 2015، وثق فيديو منعها برفقة والدتها جنود الاحتلال من اعتقال شقيقها محمد مرة أخرى، الذي كان يعاني آنذاك من كسر في اليد، وانطلقت على إثر الفيديو ردود أفعال كثيرة لتصرفات جنود الاحتلال الإسرائيلي بحق الأطفال الفلسطينيين واعتقالهم بطريقة وحشية، وأخرى تشيد بشجاعة تلك الطفلة التي تمكنت من تخليص شقيقها من الاعتقال، ولعل آخر مقاطع الفيديو، التي أظهرت شجاعة «عهد» كان الجمعة الماضية، عندما منعها جنود الاحتلال من اقتحام منزلها ونصب كمين لعدد من الشبان المتظاهرين في المسيرة الأسبوعية ضد الاستيطان والغاضبة ضد قرار ترامب، الذي اعترف بالقدس الفلسطينية عاصمة لدولة الاحتلال.

وظهرت التميمي وهي تطرد، الجنود الإسرائيليين من منزلها، بعنفوان وشموخ المناضلة الأبية، والشبلة الكاسرة الرافضة للاحتلال،  و وثق ذات الفيديو، للجنود الإسرائيليين وهم يتراجعون للخلف مقهورين من شجاعة أنوثتها، حيث تمكنت من منعهم من اقتحام المنزل ونصب المكيدة للشبان والأطفال هناك.

ومهما يكن، فقد اعتُقلت «عهد» من منزلها، وكتب والدها على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، «فايس بوكـ»: «الأصدقاء الأعزاء.. اقتحم الجيش الإسرائيلي بيتنا، وتم اعتقال ابنتي (عهد التميمي) ومصادرة كل أجهزة الكمبيوتر وكاميرات التصوير، بالإضافة إلى أجهزة الاتصال الخاصة فينا والاعتداء بالضرب على الجميع وتفتيش البيت وقلب محتوياته».

حملة صهيونية

ورغم أن فلسطين زاخرة بالأبطال كأمثال «عهد» ممن يتصدون لجنود الإحتلال في كل يوم، ويجابهون المحتلين ممن يسرقون أرضهم، ويقتحمون منازلهم، ويستهدفونهم بالرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع، فإن عهد التميمي تعرضت لحملة كبيرة على وسائل الإعلام العبرية، ومواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، واتهمت بضرب الجنود المقتحمين للمنزل وهم يحاولون الاعتداء على عائلتها بمنزلهم في القرية.

ومن خلال  تحريض مكشوف، دعا كل من “افغدور ليبرمان” وزير جيش الاحتلال و”نفتالي بينيت”وزير التعليم  إلى عدم الاكتفاء باعتقال عهد بل بمعاقبة افراد اسرتها جميعا.

وبعد اعتقال «عهد»، شنّ رواد مواقع التواصل الاجتماعي حملات للإفراج عنها، فيما كتب المتحدث الرسمي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، «أفيخاي أدرعي»: «تخيلوا ماذا كان ليحدث لهذة المستفزة لو تصرفت بهذا الشكل مع ضباط أو جنود عندكم؟».

وأضاف: «من التحقيق الأول الذي أجراه قائد الكتيبة يتضح أن قائد السرية وصل بنفسه إلى المنزل لمنع دخول المشاغبين، وتعامل بمهنية عندما لم ينجر إلى العنف وذلك مع التاكيد أنه كان يحق له اعتقال الفلسطينيات في الميدان على خلفية استخدامهن العنف إلى جانب محاولتهن اعتراض مهمة الجنود».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك هذا الموضوع:
1K+انقر للمشاركة على فيسبوك (فتح في نافذة جديدة)1K+اضغط للمشاركة على تويتر (فتح في نافذة جديدة)اضغط للمشاركة على Google+ (فتح في نافذة جديدة)اضغط لتشارك على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة)Click to share on Telegram (فتح في نافذة جديدة)مشاركة على Skype (فتح في نافذة جديدة)

 

مقالات قد تعجبك

وداعا الدكتور العراقي داعية السلامة البيئية والحياة الإيكولوجية

مـحـمـد الـقـنـور :

تنعي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الدكتور مولاي أحمد العراقي وزير البيئة المغربي الأسبق الذي انتقل إلى عفو الله ورحمته عن حوالي سبعين سنة.

ويعتبر الدكتور أحمد العراقي من أبرز الأطر التي أنجبتهم الحركة الاتحادية في المغرب ، فقد حصل على الدكتوراه في الطب سنة 1977 من جامعة تولوز في فرنسا، حيث كان من الشباب المغربي الواعد الذي ارتبط بتجربة الشهيد عمر بنجلون قبل استشهاده، وبعد مدة من تخرجه التحق بالمغرب أستاذا بكلية الطب بالدار البيضاء متخصصا في علم التشريح المرضي الذي سيتولى رئاسة القسم الخاص به في الكلية، مثلما شغل فيما بعد منصب نائب العميد هناك.

وقد تولى الفقيد العراقي منصب وزارة البيئة في حكومة التناوب التي رأسها الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، والذي كان عضوا في مكتبه السياسي.

وبالرغم من اهتمامات الراحل العراقي السياسية والحزبية،فلم يكن الراحل لينشغل بها عن الارتباط بقضايا المجتمع سواء داخل المغرب أو على صعيد الوطن العربي الكبير. ذلك أن اهتماماته الصحية والبيئية شغلت حيزا كبيرا من وقته بحكم رئاسته للجمعية المغربية للدراسات والأبحاث في التغيرات المناخية. وهكذا ترأس اللجنة العربية البيئية في الأمم المتحدة في نهاية التسعينات من القرن الماضي، حيث كان صوتا بارزا في مواجهة لوبيات الاحتكار الصناعي في مراكز القرار الرأسمالي الدولي، منافحا عن دول الجنوب في مواجهة السياسات المدمرة التي تنهجها القوى الرأسمالية الكبرى.

وفي هذا السياق اشتهر بمواقفه الداعية إلى تأسيس مرصد لمراقبة التغيرات المناخية في الجنوب مع التركيز على القارة الإفريقية، وذلك حين إشرافه على الدورة السابعة للمؤتمر العالمي للتغيرات المناخية “الكوب 7” في مراكش سنة 2001.

وعلى مستويات أخرى عرف الراحل العراقي  بدفاعه عن قضايا الأمة في فلسطين والعراق خاصة ما تعلق منها بالتصدي للحروب والاحتلال والعسكرة؛ حيث كان من مؤسسي “مجموعة العمل الوطنية من أجل العراق وفلسطين” إبان العدوان على العراق سنة 2003، إذ أنه كان حاضرا في كل تظاهراتها وأنشطتها المختلفة.

ومثلما كان من المؤسسين لــ”المرصد المغربي لمناهضة التطبيع” بهدف التصدي للاختراق الصهيوني، فإنه كان في مقدمة الموقعين على الميثاق الوطني لمناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني جنبا إلى جنب مع الأديب الراحل إدمون عمران المالح.

وقــد حمل الراحل العراقي هموم النضال من أجل الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والنهضة، مثلما بقي مدافعا عن الصحة العمومية والتعليم العمومي الجيد في مواجهة زحف الخوصصة وسيادة منطق التسليع. وهو الموقف الذي بقي مدافعا عنه إلى آخر رمق بعدما كان من أبرز المؤسسين للائتلاف الوطني من أجل الدفاع عن الصحة العمومية بالمغرب. وقد جسد تلك المبادئ قولا وسلوكا حين لم يغره بريق الذهاب للقطاع الخاص، وهو العالم المبرز والأكاديمي الوطني في مجال تخصصه الطبي.

وطبيعيٌّ، فقد كان الدكتور أحمد العراقي دائم التطلع إلى حلم إعادة بناء الحركة الاتحادية بأطيافها المختلفة، وكذا بناء جبهة واسعة في الوطن العربي لوقف النزيف، وكذا على صعيد المغرب العربي الكبير، حيث كان من الشخصيات البارزة التي أسست الفضاء المغاربي إلى جانب رفيقه الكبير محمد الفقيه البصري.

هذا، وللدكتور العراقي يرحمه الله العديد من الإصدارات في مجالات الطب ونظم التعليم والبحث العلمي والتنمية المستدامة والصحة والبيئة والعلوم الإنسانية واللغة العربية الذي كان يعتبر أحد أبرز المدافعين عنها عبر بلورة رؤى متقدمة في إطار “الائتلاف الوطني لترشيد اللغة” الذي كان رئيسه المؤسس، وهو الإطار الذي لعب أدوارا كبيرة في مجال اهتمامه. وقد كانت له جولات وصولات في مواجهة قوى الهيمنة الفرنكوفونية في المغرب، داعيا إلى ضرورة تدريس المواد العلمية باللغة العربية وتبويئها مكانتها اللائقة بها في جميع مجالات الحياة العامة، فكان مناضلا صلبا في هذه الجبهة حتى قبيل انتقاله بأيام إلى جوار ربه.

ومهما يكن، فلروح مولاي أحمد العراقي  الطاهرة الخلود في الفردوس الأعلى، ولأسرته الصغيرة و لأرملته المحترمة رجاء لحلو، وأبنائه أمل، أشرف، كنزة وحمزة. وكذا لعائلته الكبيرة وجميع اصدقائه ومحبيه خالص العزاء وجميل الصبر والسلوان. ولله مأعطى ولله ما أخذ ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.