مـحـمـد الـقـنــور :
في مشهد يختزل معاني العطف والاعتراف، استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الإثنين 8 يونيو الجاري بالقصر الملكي بالرباط، البطلة المغربية نوال صفـنضلة، التي تمكنت من تحقيق إنجاز رياضي استثنائي بتسلق قمتي جبل إيفيريست كأعلى قمة في العالم بسلسلة جبال الهمالايا وقمة جبل لوتسي، في تحدٍ جسّد قوة إرادة المرأة المغربية وصلابة العزيمة المغربية.
وخلال هذا الاستقبال المهيب، وشّح جلالته البطلة بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط، تكريمًا لمسارها الرياضي المشرّف الذي رفع الراية المغربية عاليًا في واحدة من أصعب الرياضات الجبلية على الصعيد العالمي.
ويأتي هذا التوشيح الملكي ليؤكد العناية السامية التي يوليها جلالة الملك للطاقات المغربية المتميزة، وتشجيعه الدائم لمسارات التفوق والتميز، خصوصًا في المجال الرياضي الذي يشكل رافعة أساسية للتنمية وترسيخ قيم المثابرة والاندماج المجتمعي.
إلى ذلكــ ، عكس هذا التكريم المكانة المتميزة التي تحظى بها المرأة المغربية في الرؤية الملكية، باعتبارها شريكًا فاعلًا في مسار التنمية، وقادرة على تحقيق إنجازات نوعية في مختلف الميادين الوطنية والدولية.

وللإشارة، فإن جلالة الملك محمد السادس كان قد بعث سابقًا برقية تهنئة إلى البطلة نوال صفـنضلة إثر نجاحها في هذا التحدي العالمي، مشيدًا بما أبانت عنه من عزيمة وإصرار مكناها من تحقيق إنجاز رياضي يضاف إلى سجل النجاحات الوطنية المغربية على الساحة الدولية.
إستحضار لسيرة أم مغربية أصيلة
مـحـمـد الـقـنــور :
في الرابع من يونيو الجاري، تحل الذكرى الأربعينية لرحيل الحاجة زوبيدة العتابي يرحمها الله،والدة الزميل الإعلامي عبد الصادق مشموم، وهي ذكرى تحضر فيها بالكثير من الإعتزاز والتميز، سيرة سيدة كانت تنسج من الصبر ثوبًا، ومن الحنان ظلًا، ومن الحكمة نورًا.، ومن الدود على التربية الحسنة فضاءا رحبا فسيحا لأبنائها وبناتها.
فقد ولدت الفقيدة الحاجة زوبيدة العتابي سنة 1936 بحي الزاوية العباسية في درب الجديد بمراكش المدينة، من أسرة عالمة أنجبت الفقهاء والمثقفين، فكانت هي بدورها شاهدة على زمنٍ جميل من العلم والكرم والخير والفضيلة.
ثم نشأت الفقيدة العتابي في بيتٍ يفيض بالعلم والورع، حيث كان والدها العلامة الفقيه الحافظ المرحوم محمد العتابي عَلَمًا في أصول الدين والفقه واللغة، وكان عالما متنورا ألحقها بمدرسة سيدي عبد العزيز، بحي أمصفح العريق داخل مدينة الرجال السبعة، فكانت رحمها الله من الرعيل الأول للتلميذات الفتيات المتعلمات بمراكش، في زمن كان التعليم للفتيات يعتبر مغامرةً وإرادة قوية وشجاعةً، فكانت تجربتها التعليمية رائعة، ومثمرة، فتحت أمامها أبوابًا من المعرفة ومسارات من الوعي، والوطتية.
وطبيعيٌّ، فقد تلقت الفقيدة الحاجة زوبيدة على يد والدتها المرحومة عائشة الحيمر، المنحدرة من قبيلة الرحامنة، فنون الطرز والخياطة وفنون الطبخ المغربي الأصيل، واطلعت منها على مسلكيات تدبير العيش والإحسان بالزوج، فكانت رحمها الله مبدعة في الصنائع المغربية العريقة، تجمع بين أصالة البيت المراكشي وذوق المرأة المغربية التي تحفظ أسرار التراث، وأصالة فنون العيش.
عاشت الفقيدة الحاجة زوبيدة العتابي حياتها إلى جانب زوجها الفقيد الحاج عبد القادر مشموم، الذي وافته المنية سنة 1989، قيدوم سائقي مركبات وسيارات الوقاية المدنية بمراكش، الرجل الرائد الذي شكّل مدرسة في الشهامة ونكران الذات، وقدوة في تدبير المهام التقنية والإنسانية لأعوانه ومتعلميه، حيث تخرّج على يديه العديد من عناصر الوقاية المدنية بالمدينة، وترك أثرًا طيبًا في الأوساط المهنية وبصمات إنسانية مشهودة، وزرع في أبنائه الثلاثة وبناته الأربع روح الوطنية وقوة الوفاء، وصدق السريرة، فكان عمله مدرسةً في التضحية، وإحترام المسؤولية، وكان بيته ولايزال مدرسةً في القيم الوطنية والمكارم الإنسانية.
ومهما يكن، فقد ترك رحيل الحاجة زوبيدة العتابي حزنًا عميقًا في قلوب أبنائها وأحفادها، وفي قلوب من عاشرها وصادقها وتعامل معها، وتعرف إليها عن قرب، وفي قلب ابنها الزميل الإعلامي عبد الصادق مشموم الذي حمل مشعل الكلمة والإعلام، مستلهمًا من والدته قوة الصبر ونور الإلتزام، وتوقد الذهن، وروح المثابرة ، وصدق الكلمة، ومن والده روح والده واولوية المسؤولية، وطبعت الفقيدة أسمى عبارات السلوى في قلوب وضمائر أبنائها، وبناتها، بعد إحتسابها لله وصبرها القوي في وفاة زوجها وإبنها الفقيد عبد الإله والفقيدة نعيمة.
واليوم، ونحن نجدد تذكارها في ذكراها الأربعينية، لا نودّع جسدًا فقط، بل نودّع زمنًا من الأصالة، وامرأةً جسّدت معنى الأم المغربية التي جمعت بين العلم والصنائع، ومزجت بين التربية والحنان، وأمنت أن الوفاء للأسرة جزء أساسي من الوفاء للوطن، وظل قلبها واسعا كالأفق، يضمّ الكبير والصغير، ويغفر الزلات كما يغفر البحر للرمال، وبقيت نبرات حديثها في مسامع الأخرين لا تُنسى، لا تعرف الالتواء، وكانت كلماتها تدخل القلوب بلا استئذان ، حيث تنبع من صفاء الروح، فقد كانت يرحمها الله تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى يكون الصبر أجمل من الرد، ومتى يكون الحزم أصدق من اللين، كانت تحفظ العهد، وظلت على الوصل حتى آخر العمر، لا تغيّرها الأيام ولا تبدّلها الظروف.
فسلامٌ على روح الحاجة زوبيدة العتابي الطاهرة، وسلامٌ على ذكراها التي ستظل منقوشة في ذاكرة أرحامها وأبنائها وبناتها وأرحامها وجيرانها ومحيطها الخارجي بمراكش، وسلامٌ على سيرتها التي ستبقى نبراسًا لأحفادها وللأجيال القادمة .
فاللهم اجعل قبر الحاجة زوبيدة العتابي روضةً من رياض الجنة، واغمرها برحمتك التي وسعت كل شيء، واجعل عملها الصالح شفيعًا لها، وذكراها الطيبة نورًا يضيء طريقها إلى جناتك، في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعلنا نلقاها في مقام كريم حيث لا فراق ولا حزن، وارزق أبناءها وبناتها وأحفادها الصبر والسلوان، وامنحهم القوة ليظلوا أوفياء لسيرتها العطرة، وإنا لله وإنا إليه راجعون..
إنَّ السيرة النبوية، حين تُقرأ بروحها العميقة لا بسطح أحداثها، تكشف أن الإسلام لم يكن مشروع حربٍ أو صراعٍ من أجل الهيمنة، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملاً لبناء الإنسان، وتحرير وعيه، وإقامة ميزان الرحمة والعدل بين الناس. فالنبي محمد ﷺ لم يأتِ ليؤسس ذاكرة للخوف والكراهية، وإنما جاء ليؤسس معنى الكرامة الإنسانية، ويجعل من الإنسان خليفةً في الأرض يحمل رسالة الإصلاح والسلام.
إنَّ الفهم الجديد للدين اليوم يقتضي الانتقال من الإسلام بوصفه “هوية مغلقة” إلى الإسلام باعتباره “رسالة أخلاقية مفتوحة” تخاطب الإنسان أينما كان، وتُعلي من قيم التعارف والتعاون والرحمة. فجوهر الدين ليس في كثرة الشعارات، ولا في استحضار صراعات الماضي، بل في القدرة على صناعة إنسان متوازن: صالح مع نفسه، رحيم مع غيره، ومسؤول تجاه مجتمعه والكون من حوله.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن العالم لم يعد يحتمل خطابات الإقصاء والتعصب، بل أصبح في حاجة إلى ثقافة روحية جديدة تُعيد وصل الإنسان بأخيه الإنسان، مهما اختلفت ديانته أو لغته أو معتقده. ومن هنا فإن التعايش بين الديانات ليس مجرد مجاملة فكرية أو اتفاق سياسي، بل هو ضرورة حضارية وأخلاقية، لأن الأديان في أصلها جاءت لخدمة الإنسان، لا لإشعال الحروب بين البشر.

إن الإسلام في أبعاده العميقة يدعو إلى الحكمة، وإلى الحوار، وإلى التعارف:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فالتعارف هنا ليس مجرد معرفة شكلية، بل اعتراف متبادل بالكرامة الإنسانية، وبحق كل إنسان في أن يعيش بأمان واحترام.
إن السبيل الجديد لفهم الدين يمر عبر:
* تقديم السيرة النبوية كنموذج للأخلاق والرحمة والعدل.
* ترسيخ التربية على التفكير والحوار بدل التلقين والانغلاق.
* بناء خطاب ديني بلغة العصر، يخاطب العقل والقلب معًا.
* الانتقال من ثقافة الخوف من الآخر إلى ثقافة التعارف معه.
* اعتبار الإنسان قيمةً عليا، بصرف النظر عن انتمائه.
فالنبي ﷺ كان رحمة للعالمين، ولم يقل “لجماعة” أو “لقوم” أو “لدين” فقط، بل للعالمين جميعًا. ومن هنا يبدأ الفهم الحضاري الجديد للإسلام: دينٌ يصنع الإنسان قبل أن يصنع السلطة، ويبني الجسور قبل الأسوار، ويزرع الرحمة بدل العداوة.

وفي زمن تتشابك فيه الحضارات والثقافات، يصبح المؤمن الحقيقي ليس من يُكثر الحديث عن الاختلاف، بل من يستطيع أن يجعل من إيمانه مصدرَ سلامٍ وعدلٍ ونورٍ للآخرين…
مـحـمـد الــقـنــور :
في دورتها الرابعة عشرة، التي نظمتها جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، أثبتت زهرية مراكش مرة أخرى أنها ليست مجرد موسم لتقطير ماء الزهر، بل هي فضاء جامع بين العطر والفكر، بين الطقس الشعبي والروحانية الصوفية العميقة.
فقد استحضرت الزهرية هذه السنة المعنى الرمزي العميق في كون “الولي ريحانة الله في الأرض يتشممه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون إلى ربهم”. فمن هذا البعد الروحي جسدت الصبحية الفنية بتراتيل المحبة والصفاء التي احتضنها ضريح أبي العباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، حيث صدحت خلالها فنون الإنشاد الديني والسماع
هذا، وكان المشهد أشبه بجسر بين الماضي والحاضر: الأطفال والنساء والرجال التفوا حول الضريح، يستمعون إلى أصوات تعيدهم إلى زمن الأولياء، حيث العطر والذكر يتعانقان في لحظة واحدة. إن حضور الإنشاد والسماع في الزهرية يعكس أن هذا الموسم ليس فقط احتفاءً بالزهر، بل أيضًا بالروح التي تسكن المدينة العتيقة، وتجعل من مراكش فضاءً للذاكرة والقداسة والجمال.
وعليه، فإن زهرية مراكش 2026 إذن، هي أكثر من طقس تراثي متوارث؛ إنها دعوة إلى أن نعيد اكتشاف معنى التصوف وأسرار الولاية، ومراتب أهل الله، فقد شكل كل عطر “ماء الزهر” وفن سماع السماع لغةً واحدة ربطت بين الأرض والسماء، وبين الإنسان وربه، وبين حاضرة مراكش وذاكرتها المتجددة.

ففي صباح مراكشي يضوع بعطر الزهر، ونسائم الربيع المنعشة، حجّت الأرواح قبل الأجساد إلى ضريح الولي الصالح أبي العباس السبتي، حيث اجتمعت الأصوات على السماع والإنشاد، لتعيد إلى جميع أحياء المدينة العتيقة من حي الزاوية العباسية نبضها الروحي العميق، فهناك، بين القباب والدروب، وعلى مداخل الصابات، ومدارج الأزقة الممتدة على مسافات ما بين الزاوية العباسية والقنارية، وسيدي أيوب وبوسكري، وإسبتيين، وأسوال وبن صالح، قاع المشرع وحارة السورة، القصبة وروض الزيتون، إلى ضبشي،وزنيقة الرحبة، ومابين العراصي، عرصة بلبركة وعرصة الملاك، عرصة البردعي وعرصة علي أوصالح، عرصة لغزايل وعرصة سي يوسف،عرصة المعاش وبريمة، حي القصور والمواسين ، زاوية لحضر وقاعة بناهيض، عرصة الحوتة وجنان بنشكرة، قشيش وتابحيرت، الملاح وباب أحمر …
فقد اتضح جليا أن زهرية المنية التي تم تسجيلها ضمن قائمة التراث الثقافي الوطني، منذ يوليوز 2022، لدى “الإيسيسكو”منظمة العالم الإسلامي للتربية و العلوم و الثقافة كتراث ثقافي للعالم الإسلامي، بإقتراحات أكاديمية وميدانية وتاريخية من جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته”، التي يترأسها الأستاذ جعفر الكنسوسي الخبير الأكاديمي في قضايا التراث المادي والغير المادي بالمغرب، ليست موسمًا سنويا لتقطير ماء الزهر فحسب، بل هي لحظات تجلٍّ، وعرفان رباني يجسد شعار الصبحية بالضريح العباسي، أن “الولي ريحانة الله في الأرض يتشممه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون إلى ربهم”

في سياق متصل، كان لزوار صبحية الزهرية لقاء فنيا روحيا مع منشدي الجمعية العباسية، برئاسة المنشد الشيخ محمد عز الدين ، والتي أهدت للحضور صبحية من فنون السماع والإنشاد الديني، حيث ارتفعت الأصوات كأجنحة نور، وامتزجت بالعبير المتصاعد من إنبيقات تقطير ماء الزهر، لتصنع مشهدًا يليق بمراكش كحاضرة من حواضر العالم الإسلامي، وكعاصمة للثقافة فيه، وكمدينة تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وتؤكد إنفتاحها على كل الأجيال، وجميع العالم .
اسوال بريس :
لبى نداء ربه، اليوم الأربعاء 16 أبريل 2025 بمدينة مراكش، المشمول بعفو الله ومغفرته الأستاذ المحجوب الخالدي، وبهذه المناسبة الأليمة، يتقدم أعضاء نادي الإعلام والثقافة، لصهره البار مولاي العربي لمدغري، وإبنته وفاء حرم الصديق المحترم لمدغري، ولأرملته، وأبناء الفقيد أمحمد ومرشد وربيع، ومعاد وأمين، وبناته نظيرة وحفيظة، وهناء بأبلغ دواعي التعازي، وأسمى عبارات المواساة، راجين من الله العلي القدير، أن يلهمهم الصبر والسلوان، ويمطر على الفقيد شآبيب رحمته وعفوه، وأن يحشره في مغفرته الواسعة الفيحاء، ويبعثه اللهم أحسن مقام مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا ويلهم ذويه الصبر والسلوان.

هذا، وكان الأستاذ الفقيد المحجوب الخالدي، قد إبتدأ مشواره المهني بمدرسة سيدي بودشيش في مراكش العتيقة، فكان من صفوة رجال التربية والتعليم بمدينة مراكش، وبجهة مراكش آسفي، نموذجًا للعلم والتفاني، وعلو الأخلاق،وحدة الذكاء، ويقظة الضمير، وصفاء الروح، ونقاء السريرة، ورائدا للمبادرات الإحسانية، ومنبعا للتكافل، مُلهِمًا لطلابه، وأصدقائه، وأفراد عائلته ومحيطه، بأسلوبه الفريد، وسماحته الطيبة، كما استطاع الفقيد الأستاذ المحجوب الخالدي بأن يجعل من الصف الدراسي الذي كان يشتغل فيه كأستاذ مساحة للنقاش والإبداع، مع كل من حظي بفرصة التعلم منه، كما كان رحمه الله رائدا في تكوين أجيال الغد، ثم رمزا من رموز الإدارة التربوية بعد تعيينه كمدير بأحد مؤسسات منطقة القطارة على تراب عمالة مراكش، حيث ساهم في تحويل الفضاء التعليمي، إلى مجال لتحقيق التفاعل التربوي البناء مع زملائه من الأساتذة والإداريين، إيمانا منه بأن التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل بناء للعقول وصناعة للشخصيات، فكان حريصًا على غرس روح الوطنية والوفاء لتوابث الأمة المغربية لدى تلاميذته، ثم في نفوس موظفيه لاحقا.
والحق ، أن الأستاذ الفقيد المحجوب الخالدي ترك أثرًا لا يُمحى في قلوب جميع من عرفوه، فلم يكن فقط أستاذًا، بل كان فاعلا جمعويا نزيها، ورجل إحسان ومبادرات خيرية، وصديقًا للكثيرين، ممن يمدهم بالعون والنصائح، ويقف بجانبهم في لحظاتهم الصعبة، مما جعل إرثه خصوصا في سعيه لبناء بيوت الله ليس مجرد خطوات مبادراتية بل دروسا تعليمية، وقيما ومبادئ بقيت محفورة في ذاكرة كل من تعامل معه، وجعلت إرثه أكثر إشراقًا ونورانية وتأثيرًا، حيث لم يكن فقط أستاذًا ينقل المعرفة، أو رجل إدارة تربوية ينفذ المخططات و البرامج التربوية فقط، وإنما كان أيضًا قلبًا نابضًا بالخير، وروحا مفعمة بالعطاء، يعمل بجد لإحداث الفروق الإيجابية في حياة من حوله من خلال مبادراته الإحسانية، حيث استطاع أن يكون بعون الله سندًا للعديد من الأشخاص، وناشرًا لقيم التضامن والتكافل الاجتماعي.
كما آمن الفقيد الأستاذ المحجوب الخالدي، بأن التعليم لا يقتصر على الكتب والمناهج، بل يشمل بناء مجتمع أكثر إنسانية، حيث كان يعمل على مساعدة المحتاجين، ويدعم المشاريع التربوية المحلية، ويسابق لتنظيم الأنشطة الهادفة إلى تحسين حياة الآخرين، مما جعل بصماته تبقى محفورة في قلوب من عرفوه، ليس فقط كمعلم أو كمدير بل كمصدر إلهام في العمل الاجتماعي من خلال رئاسته لودادية سيدي عباد بمراكش، حيث كان وراء بناء ثلاث مساجد .
ومهما يكن، فإن تأثير الفقيد الأستاذ المحجوب الخالدي لا يُقاس فقط بعدد تلاميذته وطلابه، بل كذلكــ بعدد الأفراد والعائلات الذين استفادوا من جهوده، وهذا إرث يحتسبُ له عند الله عز وجل، ولا يُمحى.
فاللهم أرحم الأستاذ الفقيد المحجوب الخالدي برحمتك الواسعة فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك..
واللهم قِهِ عذابك يوم تبعث عبادك، وأنزل نوراً من نورك عليه، ونور له قبره ووسع مدخله وآنس وحشته، وأرحم شيبته، وأجعل اللهم قبره روضة من رياض الجنة،وأعف عنه وإكرم نُزُله.
أحسن الله العزاء في مصابه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى فلنصبر ولنحتسب، آمين يا رب العالمين .
مـحـمـد الــقــنـــور :
كانت الفقيدة نجية الزين، إحدى أبرز رائدات الحركة الصيدلانية في مراكش، يحذوها عزم أكيد وحيوية وشغف لا حدود لهما ، في تسخير حسها التضامني الوافر ، وقوتها التواصلية الجارفة، لخدمة روح التضامن مع كل الفئات المراكشية العابرة إلى الفضاء الصيدلاني، والباحثة عن تيسير الاستشفاء والولوج للخدمة الصيدلانية التي ظلت تسكن روحها الطيبة ، وتؤكد شغفها بمساعدة المحتاجين والمرضى والثكالى واليتامى والأرامل وضحايا التشرد والفقر والتهميش .
فقد تعلمت الفقيدة نجية الزين وهي سليلة أسرة عريقة أنجبت علماء وصلحاء، أساليب التكافل،وفن الإنصات لهذه الفئات من والدها ووالدتها، في أجواء عائلية طبعتها الرحمة والسكينة والإحترام لكل إنسان، فعبرت نحو الحياة الاجتماعية الزاخرة بالفضيلة، وهي لم تتجاوز بعد سن الرابعة عشر، كما مكنها ارتباطها بزوجها الأستاذ فوزي بيان، من صقل مواهبها والرفع من قدراتها، ذالكــ ، أن هذا الزوج الطيب شكل مدرستها الحقيقية الأولى ، التي جعلتها تنهل من زخمه الثقافي وشساعة تجاربه الإجتماعية وعمقه المعرفي .
ومهما يكن، فقد استطاعت الفقيدة نجية الزين، يرحمها الله ، ضمن مسارها المهني المتميز، وبفضل شغفها وعزمها، من رفع تحديات هامة، وخاصة العمل على تحويل الفضاء الصيدلاني الى روابط تضامنية علاقات تضامنية على المستويين المهني والانساني، مما اتاح لها الانسجام من جذورها، والنهل من ثقافتها الاصلية التي إكتسبتها من والديها ومن زوجها الأستاذ المميز والمثقف النبيل فوزي بيان .
فقد كانت الفقيدة نجية الزين تستقبل في صيدليتها رفقة زميلاتها وزملائها كل المرضى ورواد الصيدلية سواء من مراكش أو من الواردين على مراكش من مختلف الأقاليم بجهة مراكش آسفي بحفاوة كبيرة، فتفتح أمامهم جميع أبواب المساعدة وتضع بين أياديهم وأياديهن كل منتهى التسهيلات العلاجية الدوائية بشغف وعزم لا يمكن أن يصدران سوى على سيدة تؤمن بديناميتها وعزيمتها ومواظبتها على التكافل والارتقاء بالميدان الصيدلاني والصحي، والمختبراتي ومن أجل الإسهام من موقعها في تحسين الظروف المزرية الصحية للمواطنين في إحترام تام لتلبية حاجياتهم ، والإنخراط في همومهم ، والمشاركة من موقعها في حماية البيئة الصيدلانية وتعزيز التنمية الصحية المستدامة على الصعيد المحلي والجهوي.

وإذ تحل الذكرى الثالثة لرحيل الفقيدة نجية الزين، فإن ذكراها لاتزال تغمركل من تعامل معها بإحساس الفخر والفرحة وعواطف السرور والاعتزاز بالنفس ، لما كانت تقدمه هذه السيدة النبيلة والمهذبة الودودة من أعمال الخير ودرى التواصل من خلال الصيدلية التي كانت تشتغل على مقربة من مستشفى إبن زهر “المامونية” في مراكش، في نكران رفيع المستوى للذات وضمن عمل ميداني من أجل صحة المواطنات والمواطنين.
ثم أن شغفا ظاهرا وملموسا بالطهارة والصدق، كان يميز الفقيدة نجية الزين، وإنسانية لا تخطئها العين، كان يدفعها دفعا حثيثا إلى التطوع وإلى العمل الاجتماعي، وذلكــ منذ نعومة أظافرها، ومن زمن ليس بالقصير، شغف كانت تميزه الطاقة الإيجابية والتصميم على التضامن مع الناس والطموح من أجل تكريس رسالة الصيدلة النبيلة، فلم تكن تدخر يرحمها الله من جهدها ولا من وقتها ساعية ومساعدة نحو النساء والشباب والشيوخ والأطفال ممن يرزحن في وضعيات استشفائية صعبة وكأنها تتحدى بذلك كل أشكال العدمية والخمول، وجميع مظاهر الكسل والتراخي، لتؤكد أن روح المبادرة الإنسانية تظل حجر الزاوية في تحقيق الذات والإهتمام بالآخر ، وهي عبارات طالما كانت تكررها كثيرا في حديثها، وتجزم أن “التطوع والتضامن هو أب الفضائل”، لا سيما حين يحركه الانخراط الجاد والمثابرة وحب العمل مع الناس.
ولم يفت الفقيدة نجية الزين يرحمها الله، في أن تغتنم كلما سنت لها الفرصة، أثناء لقاءاتها العفوية بالإعلام، في أن تشيد بجهود زملائها وربة عملها داخل الصيدلية التي كانت تشتغل فيها، وهي الجهود التي كانت تروم الإسهام، الذي لا يقدر بثمن من أجل تحقيق التنمية السوسيو ثقافية، وفك العزلة عن المحتاجين والمحتجات للأدوية على إختلاف أنواعها وأشكالها .
وإذا كانت ملامح النجاح في حياة الفقيدة نجية الزين ظلت بادية للعيان حتى يوم وفاتها، فإن ذلك لم يأت بمحض الصدفة وإنما كان نتاج لإرادة سيدة عرفت كيف تتجاوز الإكراهات وتتحدى العوائق، لتحقيق الأهداف المنشودة.
فاللهم أرحم الفقيدة نجية الزين، برحمتك الواسعة ، وأدخلها جنان الفردوس الأعلى بغير حساب، في أعلى عليين، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولائك رفيقا، وأحسن عزائك في مصاب زوجها الأستاذ فوزي بيان وأبنائها البررة الكرام، وإنا لله وإنا إليه راجعون،ولله ما أعطى ولله ما أخـــذ.
ايها الوثني في وطنيته والمتفرد بتعدده.
أيها البهيّ في قلوبنا: تحية مفعمة بمحبة لا يعتريها الصدأ.
يتعذر على إمكانياتي المتواضعة أن تحيط بمسارك قيمة وقامة، لأنك مصبّ يلتقي فيه الإنسان بالسياسي، والحقوقي بالإعلامي، والمثقف بالشاعر. ولكنني سأركب صهوة المغامرة وأطلق العنان لبوْحي فأقول:
كلما كان القلب أنقى كان السلوك أرقى.
وتلك خصلة متأصلة فيك. تنهمر طيبوبة وتتدفق نبلا، نزيه حتى الثمالة، لطيف حد الإحراج، مترفع عن الصغائر. نصادفك دائما بوجه باشّ، وبابتسامة حريرية تؤمّمها على الجميع. آمنت بالإنسانية دينا للشرفاء، وعشت ولا زلت مستقيم الظهر وما عرضت قلمك في سوق الذمم.
كنت زاهدا في قمرة القيادة، ولكنها تأتي إليك كل مرة بسبق إصرار وترصد: في عضوية المكتب السياسي لحزبك، أو في المجال الحقوقي تأسيسا وتسييرا وطنيا ومحليا، أو في رئاستك لاتحاد كتاب المغرب.
وقبل أن ترتدي بدلة الترافع الواقف، تشكلت هويتك الإعلامية وأنت في مهْيَع الصبا تقريبا، حيث بدأت مشوارك في قسم التمثيل، لتنتقل بعده الى تقديم برامج إذاعية استضفت في بعضها الزعيم الفقيد علال الفاسي، وفقيد مدرسة الاقتصاد المغربي عزيز بلال، وفيلسوف الشخصانية محمد عزيز لحبابي …أما برنامجك (قبل الامتحان)، فقد شكل منارة بيداغوجية أتاحت لتلاميذ الثانويات الإعداد والتهييء القبلي للامتحان من خلال تنافس شريف حول تحصيلهم الدراسي. وامتدادا لهذا المجال الإعلامي – وفي الصحافة الورقية تحديدا – كانت لك مساهمة وازنة وفعالة في خروج يومية (الأحداث المغربية) الى حيز الوجود. ولكن تفردك المائز تجسد في إطلالتك علينا من شرفة نافذتك ذات أربعاء من كل أسبوع، تدعونا – بسخاء حاتمي – الى وليمة من السعادة المؤلمة نلتهم فيها بشراهة أطباقا لذيذة من مآسينا، وبتوابل أصيلة من السخرية الهادفة، تكشط – ويا للمفارقة – ما علق بأرواحنا من تقشف في الفرح والابتسام.
أما في الشعر فقد كنت بلسما لشفاء أرواحنا وخاصة بقصائدك المغناة: القمر الأحمر، راحلة، ميعاد، رموش، قصة الأشواق، وهي قصائد زاخرة بشعر فاتن يتأرجح بين تطاوس اللحن وتسلطن الغناء وافتتان بالحب والطبيعة، لشاعر ظامئ للخصوبة يتعقبها في تباشير غيمة أو في ارتواء قلب أو تربة. ألست الصادح فينا :
وعلى المراعي مر يا خير
رش الخصوبة كثر الإغداق
ته في الحقول الخضر كالحلم
ته يا جميل فكلنا عشاق
وقد كنت في هذه القصائد -المتأبية على النسيان – منظفا لآذاننا وذائقتنا بالكلمة شعرا ولحنا وغناء.
وازدادت القصائد ألقا بألحان خالدة للمرحوم عبد السلام عامر والفقيد سعيد الشرايبي وحميد بنبراهيم، وعبد الرفيق الشنقيطي، وحسن القدميري. كما تعملقَتْ بأصوات ذهبية وبلورية بعضها لن يتكرر: عبد الهادي بلخياط، والفقيد محمد الحياني، والفقيدة رجاء بلمليح، والمطربة كريمة الصقلي، وصاحبة أغنية (السفينة) المطربة فردوس.
وفي كلمتك الشعرية الملتزمة أنجبت لنا ديوان (وشم في الكف)، وقصائد (أطفال الحجارة)، و(باسْطا =كفى) …، دخلت من خلالها في مواجهة مفتوحة ضد القبح. ورغم منسوب التقريرية التي تطفو على سطح بعضها، وهيمنة معجم الشهادة والاستشهاد، إلا أنها حبرت بيراع لا يهدأ. يراع قدّ من أهداب عيونك وبحبر نازف من قلق على وطن، كان طموحنا فيه أن نصافح الحياة بألفة، وأن يمنحنا صدرا دافئا يحتضن محبتنا المقدسة. لكن البعض ظن أن هذه الأحلام – على بساطتها – أكبر من هاماتنا، فكانت الفواتير مكلفة أعناقا وأرزاقا. وبما أنك وكل شرفاء الوطن قادمون من أمل ورحابة المستقبل، وبما أن قداسة الوطن أثمن من أرواحكم، فإنكم قررتم – وبتواطؤ جميل – أن نسمو بشموخ جماعي فوق جراح آلامنا، لنطوي صفحة ماض يخدش حياء ذاكرتنا،من فرط ما انزلق فوقها من دم ودمع وانين.
أما ديوانك (كأني أفيق) فأزعم بأنه مقطع من شريط سيرتك الذاتية. صعدت من خلاله معراجا روحيا عرفانيا تجلله لغة الكشف والمواجد والشهود وتستحضر فيه بشكل مضمر البعد العقدي للمغاربة حيث يلتئم الفقه والإرشاد بالذكر والإنشاد.
في حين أحدس أنك في ديوانك (الرابسوديا الزرقاء) أصبحت مؤمنا بأن الكتابة لا تتوسل بنبل قضاياها فقط بل بانحيازها الجمالي باعتباره شرط وجودها. لذلك ابتهج الديوان بالتناصّ وشعرية الاغتراب والمفارقة والتكثيف، حيث بدت على قوام قصائده حِمْية جمالية، باقتصاد تعبيري متوازن، وبدون تورم بلاغي. ألست القائل :
هذا دم فوق القميص
إنّ القميص قميصي
والذئب ذئبهم
يا حزن قلبي هل في البئر يوسف
أم ما في البئر غيرهم؟
صفوة القول : لقد شكلت أستاذي، هامة إبداعية في مشهدنا المغربي والعربي، آمنت بالشعر أميرا للقول وعيدا للكلمات، فروضته بتشبيهات لعوب وإيقاعات طروب وتناصّات دالة ومفارقات رامزة، واستعارات راقصة بغنج فوق حلبة التفرد. وكلها خصائص جعلتك شاعرا فردوسيا يرى الحياة بعين فنّان، وعقل حكيم، وإحساس عاشق وضمير إنسان، فتربعت على عرش البهاء متوجا بين مدينتين تزاحمتا في محبتك: مراكش وفاس بعد أن نهلت من معينهما هيبة التاريخ وعبق الحضارة.
أخيرا، أتمنى – بهذا المرور العابر – أن أكون موفقا في صرف ما تهاطل من زخات سيرتك وشعرك على تربة ذاكرتي، وبواحا بما اذخرته لك من حب ذهبي في بنك مشاعري.
فعذرا إن قصرت، ولا شكر على واجب إن وفّيت.
المحكوم بالمؤبد في محبتك.
ذ : حميد منسوم
مراكش في: 14/9/2024
مـحـمـد الـــقـــنــور :
عـــدسة : الفنان التشكيلي طه سبع :
منذ أن تعَرَّفت عليه ولأكثر من ثلاثين سنة، ظل صديقي الأستاذ طه سبع الفنان التشكيلي المتميز، و أحد معلمي الأجيال في مراكش، يعرف كيف يصنع أحلى ساعات الود وأطيب لحظات الاستجمام، ففي صباح جميل من صباحات مراكش التليدة، دعاني كعادته لفنجان قهوة، فكانت الدعوة، فاتحة يُمن وبركات، قبل أن نلتقي الفنان الكاريكاتوريست العراقي الأستاذ المحترم سامي الديكــ صديقا كبيرا وعزيزا ، أحسستُ كأني أعرفه لسنوات…
والواقع، وأنا أتحدث عن الفنان الكاريكاتوريست سامي الديكـ ،فإنني أتحدث عن رجل ذكي القلب، طيب النفس، حاضر البديهة، بشوش الوجه، كريم سمح، وتلقائي رفيع، يترك لدى من يلتقيه أجمل إنطباعات الحياة المنشرحة المنسابة والأوقات الهادفة الهادئة، والعواطف الجياشة والصادقة التي تستقر بداخلنا كهدايا وتوقيعات لبعضنا البعض ، ثم تكلل علاقات نابعة من صدق من القلوب الجميلة ، وطيب الأرواح النقية .
فقد ولد ودرس سامي الديكـ في بغداد بالعراق، ثم إنتقل إلى إيطاليا ليغرم بفنون النحت ومدارسه وتقنياته وعوالمه، وإيطاليا كما يعرف الجميع، هي بلد النحاتين، ووريثة ممفيس وبابل، وسليلة أثينا،ونابولي هي موطن النحت منذ عصر النهضة، فقد كانت إيطاليا في طليعة البلدان في هذا الفن،ومركزًا رئيسيًا له، وخاصة في مدينة فلورنسا مع أوركانا Orkana الذي عاش في القرن الرابع عشر، وناني دي بانكو Nanni di Banco ثم فيليبو برونيليتشي Filippo Brunelleschi وناني دي بارتولو Nanni di Bartolo ، ولورينزو غيبيرتي Lorenzo Ghibertiودوناتيلو Donatello ثم بيرناردو Bernardo Rossellino، في القرن الخامس عشر والشهير ميكائيل أنجيلو Michel angelo في القرن السادس عشر، نحاتا ورساما ومهندسا.
ولاشكــ أن هؤلاء النحاتين الكبار ساهموا في تطور النحت العالمي وأثروا في الفن والثقافة الإنسانية على مر العصور، ولاشكــ كذلكــ ، أن الصديق الفنان سامي الديك، قد وجد في إيطاليا من تنوع الفنون التشكيلية، وتعدد مشاربه أساليب كثيرة ومدارس كبيرة، غير أنه ما فتئ أن إنتقل للنمسا، ليدخل غمار فن الكاريكاتور، وليختار الشق الاجتماعي لا السياسي في هذا الصدد، إيمانا منه ، بأن التطرق لقضايا المجتمعات في الكاريكاتور، هي أكثر نجاعة وأخلد وأكثر بقاءً وتأثيراً من التطرق للسياسة والساسة، فالسياسة تغيرات وتحولات ومواقف وتصورات، أما المجتمعات فهَوِيات وثقافات ومشاعر جماعية ..
ثم أن الفنان الصديق سامي الديكـ ، برع في الكاريكاتور بالنمسا، ونبغ فيه ، وبصم من خلال أعماله الكثير من أوجه الثقافة في هذا البلد…
ولأن العالم صغير، والتاريخ أزقة ودروب تتداخلُ وتتخارجُ، فإني كنتُ قد تعرفتُ من خلال قراءاتي ولأزيد من عقدين على الرياضي المصارع عباس الديكــ يرحمه الله، جد الفنان الكاريكاتوريست سامي الديكـ، وكنت قد قرأتُ أنه من أوائل الرياضيين العرب ممن شاركوا في الألعاب الأولمبية الصيفية الحادية عشر لسنة 1936 والتي إنتظمت في برلين، وكان قد إفتتحها الزعيم النازي آنذاكـ أدولف هتلر، وشارك في أطوارها 3963 لاعبًا ولاعبة من ضمنهم 331 لاعبة، من 49 دولة، ممن تنافسوا على ميداليات في 129 مسابقة و19 لعبة، وكان النازيون قد روجوا لهذه الألعاب بقوة، وعلى مختلف الواجهات، من أجل تأكيد وإبراز تفوق العرق الآري، غير أن الفوهرر خرج غاضبا مكفهرا، عندما إنتصر الأمريكي الأسود جيسي أوينز على الألماني لوتس لونغ، وحصد أربع ميداليات ذهبية في مسافة 100 متر، ومسافة 200 متر، وفي القفز الطويل، ومسابقة رابعة لم أعد أتذكرها .