معاوية الثاني بن يزيد : الخليفة الأموي الذي حكم عشرين يوما

مـحـمـد الـقـنــور :

فى عام 64 هـ مات الخليفة الأموي يزيد بن معاوية الذى ولى الأمر عن أبيه بدهاء أبيه وكياسته وحلمه، ومعرفته بالتوازنات التي كانت تحكم الشعوب الإسلامية، وولى إبنه حتى بغير شورى المسلمين، وكانت وفاة يزيد بقرية من قرى حمص يقال لها حوّارين من أرض الشام، في 14 ربيع الأول سنة 64 هـ وهو ابن 38 سنة أو تسع وثلاثين، فقد كانت مدة خلافته ثلاث سنين وستة أشهر حسب أغلب المؤرخين، و ذكر السيوطي، أن يزيد كان شابا سمينا، لاهيا شرشا ذكيا، محبا للحياة ومقبلا عليها،وأنه كان يلاعب قردا أليفا لديه، فسقط عن فرسه، وبوفاة يزيد، آلت ولاية العهد من بعده لابنه معاوية، ليصبح ثالث الخلفاء الأمويين وآخر خلفاء الفرع السفيانى، وكانت كنيته أبا يزيد أو أبا عبد الرحمن، وسُمى معاوية الثانى ومعاوية الأصغر لدى معظم المؤرخين، وكان رحمه الله شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الشعر، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه، كثيف شعر الوجه، دقيق الملامح، حسن الجسم، وأجمع الكثيرون من المؤرخين والفقهاء والعلماء أنه كان رجلا صالحا ناسكا.

ولا يختلف المؤرخون حول وصفه بالتقوى والورع، لكنهم اختلفوا فى مدة حكمه اختلافا كبيرا، ويتراوح الخلاف بينهم على عشرين يوما وأربعين يوما وثلاثة أشهر.

ووفقا لما ترويه كتب التاريخ ، فإنه لما أحس معاوية بن يزيد بالموت نادى فى الناس الصلاة جامعة، وخطب فيهم، وكان مما قال حسب رواية ابن كثير: «أيها الناس إنى قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوى، كما تركها الصديق أبي بكر أياما قبيل وفاته لعمر بن الخطاب فإفعلوا، وإن شئتم تركتها شورى فى ستة كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك فإفعلوا ، فقد تركت أمركم، فولوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج حتى مات رحمه الله تعالى .

وقد أراد معاوية بن يزيد أن يقول لهم: إنه لم يجد مثل عمر، ولامثل أهل الشورى، فترك لهم أمرهم يولون من يشاءون وقد جاء ذلك صريحا فى رواية أخرى للخطبة عند ابن الأثير قال فيها :

“أما بعد فإنى ضعفت عن أمركم فابتغيت مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر الصديق فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيب حتى مات .

واعتبر هذا الموقف منه دليلاً على عدم رضاه عن تحويل الخلافة من الشورى إلى الوراثة، فقد رفض أن يعهد لأحد من أهل بيته حينما قالوا له اعهد إلى أحد من أهل بيتك، فقال كما جاء فى كتاب “مروج الذهب” للمؤرخ المسعودى: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها، وتتعجلون أنتم حلاوتها وأتعجل مرارتها، اللهم إنى برىء منها، مُتخلِّ عنها.

وجاء فى رواية لابن كثير: قيل له ألا توصى؟ فقال: لا أتزوّد مرارتها وأترك حلاوتها لبنى أمية،وكما جاء فى كتاب “الصواعق المحرقة” لإبن حجر الهيثمى “ومن صلاحه الظاهر أنه لما ولى صعد المنبر فقال: إنّ هذه الخلافة حبل الله وأنّ جدّى معاوية نازع الأمر أهله ومَن هو أحق به منه على بن أبى طالب و ركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيّته فصار فى قبره رهينا بذنوبه، ثمّ قلّد أبى يزيد بن معاوية الأمر وكان غير أهل له و نازع ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار فى قبره رهينا بذنوبه، ثمّ بكى وقال: مِنْ أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأباح الخمر وخرّب الكعبة، ولم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلّد مرارتها، فشأنكم أمركم، والله لئن كانت الدنيا خيراً فقد نلنا منها حظا، ولئن كانت شرّا فكفى ذرّية أبى سفيان ما أصابوا منها، ثمّ تغيّب فى منزله حتّى مات.

ولا شك أن حادثة تنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة حادثة نادرة فى التاريخ الإنسانى ، فهذا ما لم يرد له مثيل فى كتب التاريخ وتجارب الأمم على حد تعبير إبن مسكويه .

مات معاوية بن يزيد ، ثالث خلفاء بني أمية، عن إحدى وعشرين سنة وهو الأرجح وقيل: ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوما. وقيل: تسع عشرة سنة. وقيل عشرين سنة.. وقيل ثلاث وعشرين سنة. وقيل إنما عاش ثمانى عشرة سنة وقيل: خمس عشرة سنة.. وشهد دفنه مروان بن الحكم، فلما فُرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد. فقال مروان: هو أبو ليلى الذى قال فيه الشاعر أزنم الفزارى:

إنى أرى فتنةً تغلى مراجلها      ↔     ↔     والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا

وبالفعل فقد أحدثت وفاة معاوية بن يزيد أزمة خطيرة، فقد كان أخوه خالد بن يزيد صبيا صغيرا. وكان أمر عبد الله بن الزبير قد استفحل وبايع له الناس من أنحاء الدولة الإسلامية، حتى رأى فريق من جند الشام على رأسهم الضحاك بن قيس أمير دمشق أن يبايعوا لابن الزبير، بل أن مروان بن الحكم كبير بنى أمية ، وجد خلفائهم ، كان قد فكر فى الذهاب إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان ولكن سائر الجند والقادة بزعامة حسان بن مالك زعيم القبائل اليمنية ممن كانوا أقوى المؤيدين لبنى أمية وهم أخوال يزيد رفضوا أن يخرج الأمر عن بنى أمية وأن يبايعوا لعبد الله ابن الزبير، فحدث خلاف شديد ولبثت بلاد الشام ستة أشهر بدون إمام، وأخيرا اتفق القوم على أن يعقدوا مؤتمرا للشورى، يبحثون فيه عمن يصلح للخلافة ويصلوا فى ذلك إلى قرار، وكان الأمر فى النهاية من نصيب مروان بن الحكم الذى بويع فى مؤتمر الجابية فى ذى القعدة سنة 64 هجرية

وهكذا انتقلت الخلافة الأموية من الفرع السفيانى إلى الفرع المروانى، وأولهم مروان بن الحكم، الذى لا يُعد عند كثير من المحققين والمؤرخين خليفة، حيث يعتبرونه مجرد ثائر خرج على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وكذلك ولده عبد الملك لا يعتبر خليفة إلا بعد مقتل عبد الله ابن الزبير على يد جيوش الحجاج، التي حاصرت مكة، بعدها أجمع المسلمون وغيرهم على أن عبد الملكـ بن مروان خليفة لهم.

ومهما يكن ، فإن لمعاوية بن يزيد مكانة خاصة عند الشيعة ويسمونه أيضا (معاوية الثانى) تمييزا له عن جده معاوية بن أبى سفيان، ويقرون أيضا تسميته (معاوية الأصغر) ولكنهم يرون أنه هو الأكبر عقلا وقلبا وإيمانا، فقد أورد المؤرخ الكركى فى الجزء الثانى من رسائله قوله فيما نقل عن معاوية بن يزيد من ميوله لأهل البيت وإنكاره الشديد على أبيه وتبرؤه من فعله .

كما أورد إبن فهد الحلى في كتابه “عدة الداعى”: أن السبب الموجب لنزول معاوية بن يزيد عن الخلافة أنه سمع جارتين له تتباحثان، وكانت إحداهما بارعة الجمال فقالت الأخرى لها قد أكسبك جمالك كبر الملوك، فقالت الحسناء: وأى ملك يضاهى ملك الحُسن وهو قاض على الملوك فهو الملك حقا، فقالت لها الأخرى: وأى ضير فى الملك إما قائم بحقوقه وعامل بشكر فيه فذاك مسلوب اللذة والقرار منغص العيش وإما منقاد لشهواته ومؤثر للذاته مضيع للحقوق ومضرب عن الشكر فمصيره إلى النار، فوقعت الكلمة فى نفس معاوية موقعا مؤثرا وحملته على الانخلاع من الأمر، فقال له أهله: اعهد إلى أحد يقوم بها مكانك، فقال: كيف أتجرع مرارة قدها؟ وأتقلد تبعة عهدها ولو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها نفسى، ثم انصرف وأغلق بابه ولم يأذن لأحد، فلبث بعد ذلك خمس وعشرين ليلة ثم قبض، وروى أن أمه قالت له عندما سمعت منه ذلك: ليتك كنت حيضة، فقال: ليتنى كنت كما تقولين ولا أعلم أن للناس جنة ونار.

وموت معاوية بن يزيد من وجهة النظر الشيعية يحوطه بعض الغموض والشك. حيث إنه لا يُستبعد أن العائلة الأموية هى التى قتلته؛ لأنه كان يكرر مرارا أنه يشم رائحة دم الحسين حفيد الرسول “صلعم”رضي الله عنه ودم أهل البيت تفوح في قصر أبيه. كما أنه يُروى أنه أراد التكفير عن الظلم الذى قام به والده يزيد بن معاوية، ومن ثم فمنهم من يرجح أنه قد مات مسموما وليس بالطاعون ، حيث يستبعد عقلا وصول الطاعون إلى قصر الأسرة الحاكمة ذات الحماية المشددة والترف المبالغ فيه والعناية غير المحدودة.

عبد الله بن ياسين شيخ المرابطين الداعي للإصلاح و الوحدة

محـمـد الــقـنـور :

عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن علي الجزولي فقيه مغربي، ومن علماء المذهب المالكي بالقيروان في منتصف القرن الخامس الهجري.
ويرجع أصل عبد الله بن ياسين إلى  قبيلة تمانارت التي تتبع اليوم إقليم طاطا جنوب المغرب وقبيلة جزولة التي ينتمي إليها استوطنت منذ القدم سفوح جبال الأطلس الصغير بجهة سوس جنوب المغرب.
ولقد استعان به يحيى بن إبراهيم الجدالي ، شيخ قبيلة جدالة بجنوب موريتانيا،  لإصلاح شئون الدبن بين أهل قبيلته ( كانوا يحلون الزنا حيث كان الرجل يستحلي زوجة جاره، وانتشر فيهم السرقة وضاعت بينهم الأمانة، وذلك كله رغم كونهم من المسلمين)، فقام الشيخ يحيى بن إبراهيم الجدالي بالذهاب للحج عام 440 هـ وفي طريق عودته نزل بالقيروان وقابل كبير شيوخ المالكية في ذلك الوقت وهو أبا عمران الفاسي الذي أشار عليه بالشيخ عبد الله بن ياسين الذي وافق على الفور وترك خلفه ماله وأهله، ورحل عن المدينة الساحلية حيث الحضارة ورفاهية العيش متوجها مع الشيخ يحيى بن إبراهيم الجدالي إلى قلب الصحراء الموريتانية القاحلة.

أقام عبد الله بن ياسين في جداله 4 سنوات محاولا إصلاح الدين في نفوس الناس ولكن أبى أحد أن يتبعه أو يصلح معه عمله بل تكالب عليه أصحاب المصالح من كبار القبيلة حتى خيروا الشيخ يحيى بن إبراهيم الجدالي بطرده خارج القبيلة أو قتله. خرج الشيخ عبد الله بن ياسين بمفردة إلى الصحراء ولكنة أبى أن بعود إلى القيروان وإنما توجه إلى شمال السنغال حين أقام لنفسه خيمة (وفي اللغة حين تنصب خيمة خارج الحضر تسمى رباط) وجلس يترقب القوافل والفتيان الخارجون للصيد ليحدثهم في الدين. يقال أنه أول من أمن به كانوا خمسه من الفتية وقام كل منهم بهداية واحد أو إثنين وبمرور الزمن تكاثر أتباعه حتى بلغوا بعد 5 أعوام الفان من الشباب وكانوا يضربون لأنفسهم خياما حول خيمة شيخهم فسموا بالمرابطين (منشأ دولة المرابطين), وعرفوا فيما حولهم بحسن الجوار، و كانوا يعيشون من الصيد. ثم أنضم إليهم قبيلة لمتونة (ثاني أكبر قبائل موريتانيا بعد جدالة) وعلى رأسها شيخ القبيلة يحيى بن عمر اللمتوني و كان رجلا صالحا.
ومع تكاثر المرابطين بدء حدوث مناوشات بينهم وبين القبائل المحيطة انتصر فيها أبو بكر بن عمر اللمتوني خليفة يحيى بن عمر اللمتوني وكان من بينها قبيلة جداله نفسها . وفي عام 451 هـ استشهد الشيخ عبد الله بن ياسين بعد 11 عاما مرت منذ خروجه من حاضرة القيروان إلى الصحراء القاحلة لإصلاح الدين في القبائل. وبعد أن نجح أيضا في إنشاء دولة إسلامية قوية هي دولة المرابطين التي بسطت نفوذها على كل المغرب العربي بدءا من تونس وحتي الجابون في وسط إفريقيا. واستطاعت هذه الدولة إنقاذ الأندلس من سقوط مبكر 250 عاماً.

 

“أحاديث فيما جرى” مذكرات اليوسفي عن مساراته السياسية

هاسبريس :

تم أمس الخميس 08 مارس الحالي بالرباط تنظيم حفل تكريمي للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، الوزير الأول الأسبق، بمناسبة صدور كتاب يتضمن شذرات من حياته ومساره النضالي الحافل على مدى ما يقرب من ثمانية عقود من الزمن، وبمناسبة عيد ميلاده الرابع والتسعين.

واستهل هذا الحفل التكريمي، الذي حضره كل من أندري أزولاي وعبد اللطيف المانوني مستشارا صاحب الجلالة وعدد من الوزراء والبرلمانيين والسياسيين وممثلي المجتمع المدني والديبلوماسيين، بالنشيد الوطني للمملكة.

وفي كلمة للسيد عبد الرحمان اليوسفي، قال إن “الأجزاء الثلاثة من الكتاب، التي تجشم  مبارك بودرقة عناء الإشراف عليها بدعم من عدد من الأشخاص، وتتضمنت في جزئها الأول شذرات من مذكراته وسيرته، هي فرصة لتجديد العهد بين الجميع ولتذكير البعض بالقيم الوطنية والدروس النضالية التي عبدتها أجيال من المغاربة، في الدولة والمجتمع، منذ تأسيس الحركة الوطنية في الثلاثينات من القرن الماضي”.

وأضاف اليوسفي أن هذه “هي القيم التي لاتزال تشكل السماد الخصب، لإتمام مشروع بناء مغرب اليوم والغد ، مغرب الحريات والديمقراطية ودولة المؤسسات وأيضا حماية وحدتنا الترابية تحت قيادة عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله”.

وأوضح أن ما تتضمنه الأجزاء الثلاثة من الكتاب هو بعض من خلاصات تجربة سياسية، شاء قدره أن يكون طرفا فيها من مواقع متعددة سواء في زمن مقاومة الاستعمار أو في مرحلة بناء الاستقلال، وسواء من موقع المعارضة أو من موقع المشاركة في الحكومة. وأعرب عن يقينه أن مادة هذه الأجزاء الثلاثة تشكل جزءا من إرث مغربي غني “نعتز أننا جميعا نمتلكه عنوانا عن ثروة حضارية صنعتها أجيال مغربية متلاحقة”، مشيرا إلى أنها ستكون بلا شك مجالا لاشتغال أهل الاختصاص من علماء التاريخ والسياسة والتاريخ والسياسة والقانون والاجتماع، مثلما ستشكل أيضا مادة لتأويلات وتفسيرات إعلامية متعددة.

ووجه اليوسفي رسالة إلى الأجيال الجديدة بالمغرب “التي أدرك جيدا مقدار شغفها بتاريخ وطنها وأيضا مقدار شغفها بمستقبل بلادها”، معربا عن يقينه أنها “تعلم جيدا أن قوة الأمم قد ظلت دوما كامنة في تصالحها مع ماضيها وفي حسن قراءتها لذلك الماضي وذلك الحاضر، حتى يسهل عليها بناء المستقبل بأكبر قدر ممكن من النجاح والتقدم”. وعبر السيد عبد الرحمان البوسفي، في الختام، عن يقينه بأن هذه الأجيال الجديدة “ستحسن صنع ذلك المستقبل ما دامت مستوعبة لكل دروس وقيم ماضينا وحاضرنا، قيم الوطنية وقيم الوفاء والبذل والعطاء”.

وأعرب اليوسفي عن امتنانه لضيوف الحفل من “شخصيات سياسية محترمة جاءت إلينا تقديرا للمغرب والمغاربة في الدولة والمجتمع، ولكل الذين كانوا وراء فكرة تنظيم الحفل، وعلى رأسهم  ادريس جطو ، بل واختيارهم أن يكون ذلك يوم ثامن مارس الذي يصادف يوم ميلاده، وهو التاريخ الذي يصادف الاحتفال باليوم العالمي للمرأة”. مؤكدا أن “النساء والشباب هم الطاقة الكبرى التي ستحقق التحول إيجابيا في مسيرة بلد مثل بلدنا المغرب”.

في سياق مماثل، أفاد مبارك بودرقة، الذي تولى إعداد الكتاب، بأن هذا الأخير تجميع لمداخلات وحوارات ترصد المسار الفكري والسياسي لليوسفي منذ توليه قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد رحيل رفيق دربه عبد الرحيم بوعبيد، مشيرا إلى “التفاعل مع الإرادة العليا للدولة ليكون المغرب سباقا للانخراط في التجربة الديموقراطية”.

وأكد بودرقة أن عبد الرحمان اليوسفي من المؤمنين بأن الدفاع عن الحاضر والمستقبل يتطلب التعرف على الماضي، مشيرا إلى دعوته لتسمية الشوارع في البلدان المغاربية بأسماء مقاومين أفذاذ من قبيل التونسي حافظ إبراهيم اعتبارا لدوره في تحرير بلدان شمال إفريقيا، مشددا على خصلة الوفاء لدى  اليوسفي لرفاق دربه (ذكرى المهدي بنبركة، أربعينية المفكر محمد عابد الجابري، تكريم الإعلامي الراحل محمد باهي، أربعينية المقاوم محمد سعيد بونعيلات…)، مشيرا إلى العناية الفائقة التي أحاطه به صاحب الجلالة الملك محمد السادس بعد الوعكة الصحية التي ألمت به.

واعتبر المناضل الحقوقي المصري محمد فايق، من جانبه، أن هذا التكريم “هو في حق فارس كبير في الوطن العربي”، وأن لحظة التكريم هذه “تم انتظارها بعد أن توج الكتاب كل أعماله وعطائه الوطني اللامحدود، خاصة وأن اليوسفي لا يتحدث عن نفسه إلا أن بودرقة استطاع أن يخرج ذاكرته إلى النور”.

وأضاف  فايق ، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان بمصر ، أن “معظم الناس يعرفون اليوسفي محاميا بارعا وحقوقيا ، لكن من يعرفه عن قرب يكتشف أكثر من ذلك بكثير ، إذ اتسعت مهامه وامتدت إلى الوطن العربي ككل عبر الحركات التحررية التي دعمها”، وأشار إلى أن اليوسفي ، الذي تعرف عليه سنة 1959 عن طريق المهدي بنبركة، كان “نجما في أفريقيا وفاعلا في كل عمل قومي عربي، ومن أوائل الذين عرفوا معنى حقوق الانسان كقيم لتحقيق العدالة”.

وأفاد بأن اليوسفي شارك في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الانسان “فاستفادت الكثير من حكمته وخبراته”، ودافع عن المنظمة إلى غاية حصولها على الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة، مضيفا أنه جعل حقوق الانسان ضمن أوليات انشغالاته عندما تولى الوزارة الأولى واهتم اهتماما خاصا بالمرأة وبتحقيق مساواتها مع الرجل ومشاركتها ، وأن المساواة ليست إنصافا للمرأة بل إنصافا للمجتمع ومقياس تقدمه.

ومن جانبه، تحدث فيليبي غونزاليس، رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، عن الأستاذ اليوسفي، رفيقه في منظمة الاشتراكية الأممية، موضحا أنه مقاوم كبير من أجل الاستقلال والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الترابية لبلاده ، يلح على الحفاظ على الذاكرة من أجل تشييد المستقبل، ويؤمن بما يقول، ويسعى إلى تحقيقه.

وأعرب  غونزاليس ، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، عن اعتقاده أن الاشتراكية الديموقراطية ما زالت تشكل حلا في ظل الأزمات الكبرى التي يشهدها العالم، مشيرا إلى أنه لا يمكن النجاح إذا تم تعطيل نصف ذكاء المجتمع وقدراته وطاقاته الخلاقة التي تشكلها النساء.

في حين أشار  الأخضر الإبراهيمي الديبلوماسي الجزائري السابق،إلى ماجمعه باليوسفي من آمال وتطلعات مشتركة حول المشروع المغاربي الذي ما زال مطروحا، وقضية فلسطين التي يتعين أن تبقى أم القضايا العربية، مشيرا إلى أن هذا الحفل التكريمي يشكل فرصة لمجموع محبي السيد اليوسفي للالتفاف حوله، وأن لا مناص من مواصلة الحلم والسير على نفس الطريق من أجل تحقيق الأمل المنشود للمنطقة المغاربية المتمثل في بناء صرح مغرب عربي.

واعتبر  الإبراهيمي أن “المغاربة والمغاربيين ينتظرون ماجاء في المجلدات الثلاثة، بعضها معروف وبعضها غير معروف لديهم”، منوها بأجزاء الكتاب التي “تحمل حقائق تاريخية حافلة للمغرب ونضالات الشعوب المغاربية وما تخللها من نجاحات وعثرات “.

كما لم يخف الإبراهيمي اعتزازه بالصداقة التي جمعت بينه وسي عبد الرحمان اليوسفي، وإعجابه بما قدمه وما يستمر في تقديمه للمغرب ولدول المغرب العربي ومجموع البلاد العربية والإفريقية، مشيدا بالخصال التي يتمتع بها المحتفى به المتمثلة في الوفاء، “الوفاء للوطن وللأصدقاء . والوفاء لهدف بناء المغرب العربي الكبير الذي مازال متواصلا”. وأضاف السيد الإبراهيمي أن “الأمل مازال متواصلا من أجل تحقيق هذا الهدف الذي هو من حق الشعوب المغاربية”، وأن “بناء المغرب العربي يستحق النضال والعمل من أجله”، محييا بالمناسبة السيدة هيلين ، رفيقة عمر اليوسفي، وكل النساء في هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم بعيد المرأة.

 

كما تطرق  فتح الله ولعلو  العضو القيادي بحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، والمحلل الإقتصادي المعروف عن الخصال الإنسانية لعبد الرحمان اليوسفي ونضاله الحقوقي المستميت الذي جعل اسمه يرتبط بحقوق الإنسان وباستقلال البلاد ووحدة ترابها وتطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مشيرا إلى أنه “يشكل أحد أفراد الثالوت المرجعي إلى جانب المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد”.

وأضاف  ولعلو أن هذا الحفل التكريمي يأتي على بعد أيام قليلة من الذكرى العشرين لحكومة التناوب برئاسة السيد اليوسفي، الذي يصادف عيد ميلاده اليوم العالمي للمرأة، والذي تم في عهده التحكيم الملكي السامي الذي أفرز مدونة الأسرة ، وهو ما شكل قفزة كبرى في مجال الإصلاح المجتمعي.

كما تطرق ولعلو إلى الروح الوطنية لليوسفي بدءا من الإسهام في تأسيس الأنوية الأولى للمقاومة وجيش التحرير والتضامن مع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي إلى الانخراط في بعد حقوق الإنسان قبل توليه منصب رئاسة حكومة التناوب التوافقي.

يشار إلى أن هذا الحفل التكريمي استهل بعرض لصور بعدسة الفنان الفوتوغرافي محمد مرادجي تجسد فترات من تاريخ المغرب تبدو فيها بصمات  عبد الرحمان اليوسفي واضحة.

إلى ذلكــ ، فإن  الثامن من مارس هذه السنة يكتسي صبغة خاصة في المغرب، فهو لا يرتبط فقط بالاحتفال بعيد المرأة، بل أيضا بتقديم مذكرات السياسي المغربي البارز، والوزير الأول السابق، عبد الرحمان اليوسفي.

وللإشارة، فإن مذكرات اليوسفي التي جمعها رفيق دربه، المحامي والسياسي والحقوقي مبارك بودرقة، تحمل عنوان “أحاديث في ما جرى”، وتسلط الضوء على جوانب من حياة الوزير الأول السابق، من طفولته إلى اعتزاله للسياسة، مرورا بمعارضته للنظام وقيادته لحكومة التناوب التوافقي سنة 1998.

“هاسبريس” تطل على مضامين من الكتاب.

1. مع جطو قبيل تشكيل حكومة التناوب

ورد في المذكرات أنه، في بداية 1998، وزير المالية حينها، إدريس جطو، اتصل باليوسفي وأخبره أن الملك الحسن الثاني كلفه بلقائه، بناء على العرض الذي قدمه جطو للملك حول الأوضاع الاقتصادية الراهنة للمغرب، وآفاق المستقبل الذي ينتظر البلاد.

وفي 4 فبراير 1998، استُقبل اليوسفي من قبل الحسن الثاني، وعرض عليه قيادة الحكومة لأربع سنوات، وهذا ما وافق عليه اليوسفي، كما طلب الملك من القيادي الاتحادي أخذ الوقت الكافي لتشكيل حكومته، وعبر عن استعداده للقاء معه كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

2. البصري خالف توجيه الحسن الثاني 

يعترف اليوسفي في مذكراته “أحاديث فيما جرى” أنه من الصعب تصوير ما يطلق عليه “جيوب المقاومة” للإصلاح بالمغرب تصويرا دقيقا، لكنه يقول إن “الجميع يدرك أن من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة أو لا يزال، ويرى في التغيير والتجديد تهديدا لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي، سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب”.

وفي سياق حديثه عن “جيوب المقاومة”، يتحدث اليوسفي عن وزارة الداخلية التي يقول إنها كانت مهيمنة على هندسة الانتخابات في تلك الفترة من تاريخ المغرب.

“منذ اختيار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نهج النضال الديمقراطي، والمشاركة في جميع الاستحقاقات المحلية والتشريعية، كان إدريس البصري يهيمن على كل ما أطلق عليه ‘أم الوزارات’ أي وزارة الداخلية التي كانت لها اليد الطولى في تزوير الانتخابات، وفي صنع أحزاب إدارية قبل أي استحقاق لتحتل المراتب الأولى فيه”، يردف اليوسفي في مذكراته.

ويشير اليوسفي في المذكرات إلى أنه رغم التعليمات التي أُعطيت للبصري من طرف الحسن الثاني، بعد تعيينه وزيرا أول، بضرورة تقديمه واجب الدعم من أجل إنجاح تجربة حكومة التناوب، إلا أن البصري استمر في السير عكس توجهات الحكومة التي كان يقودها اليوسفي، لأن “الطبع يغلب التطبع”، يقول الوزير الأول السابق.

3. اليوسفي وأجهزة التنصت 

من أبرز التفاصيل التي كشفتها مذكرات عبد الرحمان اليوسفي  لأول مرة، هو تعرض الوزير الأول السابق للتجسس، واكتشافه لعدد من أدوات التنصت في أحد المكاتب التي كان يخصصها لإجراء مفاوضات تشكيل حكومته.

وتتناول المذكرات “أحاديث فيما جرى” هذا الأمر ذاكرة بقلم اليوسفي : “عندما بدأت الاستشارات الأولى لتكوين حكومة التناوب التوافقي، وفر لي الإخوان في الحزب شقة في حي أكدال بالرباط، لعقد اللقاءات الأولى المتعلقة بالمشاورات، بعد ذلك بمدة، سرعان ما سنكتشف أنه تم زرع أجهزة للتجسس، وأخرى لتسجيل محتوى هذه المشاورات داخل الشقة، وبالنتيجة تم التخلي عنها واللجوء إلى أماكن أخرى متعددة لنفس الغرض”.

4. ليلة الرحيل عن الحكومة

جرت الانتخابات التشريعية يوم 27 سبتمبر 2002، وكانت أولى الانتخابات في عهد الملك محمد السادس، وهي الأولى التي تشرف عليها حكومة التناوب التوافقي.

في هذه الانتخابات، احتل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المركز الأول، والتقى بعدها اليوسفي بالملك محمد السادس، وعرض عليه تقديم استقالته من الوزارة الأولى حتى يتمكن الملك من تعيين الوزير الأول الذي سيتولى تدبير المرحلة القادمة، لكن الملك رفض المقترح.

وفي التاسع من أكتوبر 2002، ترأس الملك مجلسا وزاريا بمدينة مراكش، كان هو آخر مجلس وزاري لحكومة التناوب. وبعد المجلس، استقبل الملك اليوسفي، وأخبره أنه قرر تعيين إدريس جطو على رأس الوزارة الأولى.

شكرَ اليوسفي الملك محمد السادس، حسب المذكرات، وأكد له أن دستور 1996 يمنحه حق تعيين من يشاء وزيرا أول، “لكن المنهجية الديمقراطية تقضي بتعيين الوزير الأول من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى في عدد المقاعد البرلمانية، كما أسفرت عنها الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو حزب الاتحاد”.

5. علاقة مستمرة وحبل مودة موصول بالملك 

يؤكد عبد الرحمان اليوسفي في مذكراته “أحاديث فيما جرى”أن حبل التواصل استمر بين الملك واليوسفي، حتى عندما قدم الوزير الأول السابق استقالته واعتزاله نهائيا العمل الحزبي والنشاط السياسي.
“بعث لي جلالته برسالة شخصية عبر فيها عن مشاعره تجاه ما أسديته لبلادي طيلة مساري السياسي”، وأضاف اليوسفي، كاشفا أن الملك محمد السادس كان يستدعيه للمشاركة في أفراح العائلة الملكية، أو بعض اللقاءات الرسمية، وفي بعض الحالات مع عائلته الصغيرة.

الخروج الأخير لأبي جعفر من مدينته بغداد

 136 – 158 هـجرية      754 – 775 للميلاد  

مـحـمـد الـقـنـور :

إستجمعت بغداد كل زينتها ونضارتها، لتودع عبد الله أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين ، الخليفة العباسي الكهل القوي، وهو يهم على مغادرتها، في موكب ملكي بادخ متوجها إلى مكة، لحج بيت الله المعمور، فــإصطف على طول الأزقة الفاصلة مابين قصر الخليفة والأسوار العالية التي تسيج مدينة السلام ، كل كتاب الدولة، والمقربين من الفقهاء والأطباء والرواة والمحدثين والأدباء والأصفياء من الشعراء والمغنينممن إصطحبوا المزامير والدفوف، وكبار الأعيان من أرباب الصنائع والتجار، وأمناء الحرف، وكبار مُلاكـ الأراضي، وقادة القوافل العملاقة التي تمخر عباب طريق الحرير الرابط مابين أبواب سور الصين العظيم ومرافئ الشام وبلاد الأناضول،حيث كانت تُشْتَمُّ في معاطفهم الجلدية وقبعاتهم من الوبر نسائم ثلوج السهوب الأسيوية، وقد طفقت نساء بغداد من بنات الأثرياء يرسلن الزغاريد وينثرن الورود على موكب الخليفة، في حين تزاحم الناس من العامة في طرقات أخرى من المدينة لرؤية هذا الخليفة العجوز الذي ملكـ الدنيا وبنى القباب الشاهقة ومد الجسور، وإستصلح الأراضي، ومأسسة الدواوين، كانت الهتافات بالنصر والدعاء والتبريك، تصعد من مختلف الحراقات تلك القوارب الكبيرة التي إصطفت على صفحة دجلة، وقد تعبأت بالعابرين مابين الشطين، في الوقت الذي إرتفعت أعمدة البخور نحو السماء من مبخرات فضية يرفعها الصبيان الصغار، لتحول ممرات موكب الخليفة إلى عبق معطر يأسر الأنوف، وكان ابنه محمد “المهدى” قد خرج ليشيعه فى رحلة حجه الباذخة، فقد سبق أن أوصاه قبل أيام وهو يدخل للسلام عليه ، بإعطاء الجند والناس حقهم وأرزاقهم ومرتباتهم، وأن يحسن إلى الناس، ويحفظ الثغور، ويسدد دينًا كان عليه مقداره ثلاثمائة ألف درهم.

وكان الخليفة أبو جعفر المنصور قد تركـ لولده وولى عهده محمد المهدي، وصية لدى أمين سر ديوان بلاطه يقول في بعضها :

“يا إبني ،يا محمد ،فــإني ولدت فى ذى الحجة، ووليت الخلافة فى ذى الحجة، وقد هجس فى نفسى أنى أموت فى ذى الحجة من هذه السنة، لدى أقبلتُ على الحج ، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى، يجعل لك فى كربك وحزنك فرجًا ومخرجًا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب، يا بنى: احفظ محمدًا فى أمته، يحفظك الله، ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام، فإني تركت خزانة بيت مال المسلمين مليئةً، فيها ما يكفى عطاء الجند ونفقات الناس لعشر سنوات.

ومهما يكن، فقد كان أبو جعفر حريصا على المال، لمعايشته شظف العيش وهو طفل في منفى عائلته الإختياري بالحميمة، وهو ما تركـ في نفسه الكثير من معرفة حق الدنانير، وقد كناه معاصروه من المؤرخين والأدباء والظرفاء بأبي الدوانيق، ومع كل ذلكــ يعتبر المنصور المؤسس الحقيقى لدولة بنى العباس وإن تولَّى الخلافة بعد أخيه الأصغر منه سنا، أبى العباس الملقب بالسفاح ، سنة 136هـ الموافق لسنة 754م ، ورغم كون أبي جعفر المنصور الخليفة العباسى الثانى من سلسلة خلفاء بني العباس ، فإنه كان المؤسس الأول لدولة بني العباس ، وقد بدل هذا الخليفة أبو جعفر جهودًا عظيمة لتدعيم الأسرة العباسية فى الحكم، وإعلاء شأن الخلافة وهيبة الملكـ ، وإضفاء روح المهابة والإجلال على الدولة فى الداخل والخارج.

فقد بُويع لأبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة بعد عودته من الحج وعلى إثر وفاة أخيه أبى العباس، فبايعه أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام التى كان عمه “عبد الله بن على” أميرًا عليها من قِبل أخيه السفاح ، فقد رفض الأمير عبد الله مبايعته اعتقادًا منه بأنه أولى بالخلافة، فما كان من أبى جعفر إلا أن أرسل إليه القائد “أبا مسلم الخراسانى” عساهُ أن يضرب الحديد بالحديد، ومعه جماعة من أمراء بنى العباس فهزموه هزيمة منكرة، فخضعت بلاد الشام لأبى جعفر، ثم بدأ الجو يصفو لأبى جعفر بعد مقتل عمه “عبد الله” إلا من بعض المتاعب التى كان يُسببها له أبو مسلم الخراسانى؛ بسبب مكانته القوية فى نفوس أتباعه، واستخفافه بالخليفة المنصور، ورفضه المستمر للخضوع له؛ وصار أبو مسلم يشتد يومًا بعد يوم، وصر ساعده يقوى ويتصاعد، وصارت كلمته تعلو وترتقي،  وقد بدأ المنصور يشتم منه رائحة الخيانة ، ثم طفق يفكر ويدبر فيما يوقفه عند حده، والتخلص منه.

وقد حدث أن أرسل أبو جعفر إلى أبى مسلم من يخبره أنه ولاه على مصر والشام، وأن عليه أن يتوجه الشام ؛ ليكون قريبًا من الخليفة وأمام عينيه وبعيدًا عن خراسان ؛ حيث شيعته ومسقط رأسه، إلا أن أبا مسلم أظهر سوء نيته، وخرج على طاعة الخليفة المنصور، وقد نقض البيعة عنه، ولم يستجب لنصيحة أحد، فأغراه المنصور بالرسل وبالوعود وبكل ما يطيق وما لا يطيق حتى قدم إليه وهو فى العراق، فقتله بعد أن حاكمه جهارا في مجلسه  سنة 137هـ/ 756م.

وطبيعيٌّ ، فقد أثار مقتلُ أبى مسلم الخراسانى جدلا كبيرًا، فكان ممن غضب لمقتل أبى مسلم الخراسانى، رجل فارسي من قادته اسمه “سُنباد”، فثار والتف حوله الكثيرون من أهل “خراسان”، فهجموا على ديار المسلمين فى “نيسابور” و”قومس” و”الرى”، فنهبوا الأموال وقتلوا الرجال وسبوا النساء، ثم تبجحوا، فقالوا: إنهم عامدون لهدم الكعبة، فأرسل إليهم المنصور جيشًا بقيادة جمهور ابن مرار العجلى، فهزمهم واستردَّ الأموال والسبايا، ولا يكاد أبو جعفر يتخلص من “سنباد” سنة 137هـ/ 756م، حتى واجه ثائرًا ينادى بخلع المنصور، إنه “جمهور بن مرار العجلي” قائد جيوش المنصور التى هزمت “سنباد”..
وأية ذلكــ ، أنه لما هزم حشدُ سِنْباد، واسترد الأموال، كانت خزائن أبى مسلم الخراسانى من بينها، فطمع “جمهور”، فلم يرسل المال إلى الخليفة المنصور، بل ونقض البيعة ونادى بخلع المنصور، فأرسل المنصور القائد المعروف “محمد بن الأشعث” على رأس جيش عظيم، فهزم “جمهورًا” وفر هاربًا إلى “أذربيجان”، وكانت الموقعة فى سنة 137هـ/ 756م.

ومع ذلكــ ، فلم يَصْفُ الجو لإبي جعفر، إذ قامت في فترة خلافته الأولى ثورات وثورات تهدد الحياة وتحول دون الاستقرار والأمن. فقد  كانت هناك ثوارت للخوارج ممن أصبحوا مصدر إزعاج للدولة العباسية، فخرج آنذاك “مُلَبّد بن حرملة الشيبانى” فى ألف من أتباعه بالجزيرة من العراق، وانضم إليه الكثيرون، فغلب بلادًا كثيرة، إلى أن تمكنت جيوش المنصور بقيادة خازم بن خزيمة من هزيمته فى سنة 138هـ/ 757م، كما تحرك الخوارج مرة ثانية فى خلافة المنصور سنة 148هـ بالموصل تحت قيادة “حسا بن مجالد الهمدانى”، إلا أن خروجه هو الآخر قد باء بالفشل.
وواجه الخليفة المنصور العباسى ثورات منحرفة لطوائف من شعبه، ففى سنة 141هـ/ 759م.. واجه المنصور ثورة أخرى  من الخوارج يقال لها “الراوندية” ينتسبون إلى قرية “راوند” القريبة من أصفهان في بلاد فارس ، إيران الحالية، حيث كان هؤلاء يؤمنون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى واحد يسمى “عثمان بن نهيك” وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية ، وكان بدوره رجلا من بينهم ، بل لقد خرجوا عن الإسلام زاعمين أن ربهم الذى يطعمهم ويسقيهم هو “أبو جعفر المنصور”نفسه ، فراحوا يطوفون بقصره قائلين : هذا قصر ربنا. وقد رأى أبو جعفر أنه لن ينفع مع هؤلاء إلا القتال والضرب على فتنتهم بقبضة من حديد، فقاتلتهم جنود المنصور حتى قضى عليهم جميعًا بالكوفة.

فمن أخطر الثورات التى واجهت المنصور خروج محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على، وكان من أشراف بنى هاشم علمًا ومكانة، وكان يلقب بـ “النفس الزكية” فاجتمع العلويون والعباسيون معًا وبايعوه أواخر الدولة الأموية، وكان من المبايعين “المنصور” نفسه، فلما تولى الخلافة لم يكن له هم إلا طلب محمد هذا خشية مطالبته بطاعة هؤلاء الذين بايعوه من قبل، وهنا خرج “محمد” النفس الزكية بالمدينة سنة 145هـ/763م، وبويع له فى كثير من الأمصار. وخرج أخوه “إبراهيم” بالبصرة، واجتمع معه كثير من الفقهاء، وغلب أتباعه على “فارس” و”واسط” و”الكوفة”، وشارك فى هذه الثورة كثير من الأتباع من كل الطوائف.

وعلى كل حال، فقد بعث المنصور إلى “محمد النفس الزكية” يعرض عليه الأمن والأمان له ولأولاده وإخوته مع توفير ما يلزم له من المال، ويرد “محمد” بأن على المنصور نفسه أن يدخل فى طاعته هو؛ ليمنحه الأمان، فـكانت المواجهة العسكرية هى الحل بعد فشل لصيغ الديبلوماسية والمكاتبات الهادفة للتسوية مع أبناء عمومته، واستطاعت جيوش أبى جعفر أن تهزم “النفس الزكية” بالمدينة وتقتله، وتقضى على أتباع إبراهيم فى قرية قريبة من الكوفة وتقتله بدوره .

ويظل مسلسل الثورات يتوالى على مر الأيام، ففى سنة 150هـ يخرج أحد الثوار ببلاد خراسان ويستولى على أكثرها، وينضم له أكثر من ثلاثمائة ألف، فيقتلون خلقًا كثيرًا من غوغائية المسلمين، فيهزمون الجيوش فى تلك البلاد، وينشرون الفساد هنا وهناك، ويبعث أبوجعفر المنصور بجيش قوامه أربعون ألفا بقيادة “خازم بن خزيمة”أحد رجال دولته ، فيقضى على هؤلاء الخارجين، وليعود الأمن والاستقرار فى ربوع خراسان.

ومهما يكن ، فقد راح المنصور يواصل ما بدأ به، كما طفق يبنى ويعمر بعد أن خَلا له الجو من البلبلة والفوضى والأدعياء ، فدانت له البلاد وبايعه العباد.

ولقد فكر أبو جعفر -منذ جلوسه على كرسي الملكـ – فى بناء عاصمة للدولة العباسية التي يمكنه أن يضمن من خلالها السيطرة على دولته، وإرساء قواعدَها الراسخة لها،فشرع فى بناء بغداد سنة 145هـ على الضفة الغربية لنهر دجلة عند أقرب نقطة بين دجلة والفرات، لتصبح ملتقى الطرق القادمة من الشام شمالا، ومن الصين شرقًا، ومن طوائف مصر، ومن الحجاز جنوبًا، إلى جانب موقعها العسكرى الخطير، فهى بين نهرى الفرات ودجلة، فلا وصول إليها إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطع الجسر وخربت القنطرة لم يتمكن معتدٍ من الوصول إليها، ولبغداد مزايا أخرى عديدة، أغرت المنصور بالإسراع فى بنائها، فراح أبو جعفر يأمر بإحضار الفعلة والصناع من بلاد العالم؛ ليحققوا نهضة، وليقيموا حضارة، وليصنعوا المستقبل لدولة الإسلام والمسلمين. وكان مِنْ بين مَنْ استعان بهم المنصور فى ضبط العمل ببغداد: الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان.

ولقد وضع المنصور بنفسه أول حجرة في البناء وهو يقول : باسم الله، والحمد لله، وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله، وكان الإمام أبو حنيفة النعمان صاحب المذهب الفقهي المعروف هو القائم على حسابات بناء المدينة والمتولى لنحث الحجارة وصناعة الأجور. وأصبحت بغداد عاصمة لها شأنها بين عواصم العالم.
وكانت بغداد تتمتع بالطرق الواسعة النظيفة التى تمتد إليها المياه من فروع نهر دجلة فى قنوات مخصوصة تمتد بالشوارع صيفًا وشتاءً، وكانت شوارعها تكنس كل يوم، ويحمل ترابها خارجها، وعيَّن المنصور على أبوابها جندًا يحفظون الأمن بها، فصانها وحفظ لها نظامها ونظافتها من الداخل، وقد فرغ من بناء بغداد وسورها وأسواقها وخندقها بعد 4 سنوات أى سنة 149هـ الموافق  766م، وأمام كثرة النازحين إلى عاصمة الخلافة أجمل مدن العالم آنذاك، كان لابد أن يهتمَّ المنصور ببناء سوق يضم أصحاب الصناعات والتجار والباعة. وفعلا بنيت “الكرخ” سنة 157هـ/ 774م لتظل عاصمة الخلافة محتفظة بجمالها وسحرها وتألقها.

ومهما يكن فقد كانت الكرخ سوقًا نموذجية، فلكل تجارة سوق خاصة بها، ولم يبقَ إلا أن يبنى المنصور مسجدًا جامعًا يجتمعون فيه حتى لايدخلوا بغداد، فبنى للعامة جامعًا، وهو غير جامع المنصور الذى كان يلى القصر، وفى سنة 151هـ/ 768م كما بنى المنصور مدينة أخرى لابنه المهدى على الضفة الشرقية لنهر دجلة وهى مدينة “الرصافة” ثم بنى “الرافقة” فكانت هاتان المدينتان صورة مصغرة من بغداد.

وإلى جانب هذه النهضة العمرانية راح المنصور يسهر على تنفيذ طائفة من الإصلاحات الداخلية على مستوى الدولة العباسية كلها، وإذا كان العدل أساس الملك، فإن الذين يقومون على العدل ينبغى أن يتم اختيارهم بعيدًا عن الهوى والمصالح. فقد رُوى أن “الربيع ابن يونس” وزير “أبى جعفر” قال له ذات يوم: إن لفلان حقّا علينا؛ فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقضى حقه وتوليه ناحية. فقال المنصور: يا ربيع، إن لاتصاله بنا حقّا فى أموالنا لا فى أعراض الناس وأموالهم. ثم بين للربيع أن لا يولى إلا الأكفاء، ولا يتأثر بأصحاب النسب والقرابة. وكان يقول: ما أحوجنى أن يكون على بابى أربعة نفر، لا يكون على بابى أعف منهم، فـَـهُمُ أركان الدولة، ولا يصلح الملك إلا بهم: أما أحدهم: فقاض لا تأخذه فى الله لومة لائم.والآخر: صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى، والثالث: صاحب خراج، يستقضى ولا يظلم الرعية، فإنى عن ظلمها غنى.

ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول فى كل مرة: آه. آه، كأنه يتذكر، فقال الربيع  ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال المنصور : صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصّحَّة، فيكون رجلا يُخبرنى بما يفعل هؤلاء لا يزيد عليه ولا ينقص.

فهكذا كان المنصور حريصًا على إقامة العدل، ووضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، وإلى جانب هذا، فقد كان يراقب عماله وولاته على الأقاليم، ويتتبع أخبارهم أولا بأول، ويتلقَّى يوميّا الكتب التى تتضمن الأحداث والوقائع والأسعار ويبدى رأيه فيها، ويبعث فى استقدام من ظُلم ويعمل على إنصافه متأسيًا فى ذلك بما كان يفعل الخليفة الثانى عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-!
ولقد أعطى المنصور كل العناية للمساجد، خاصة للمسجد الحرام في مكة ، فعمل على توسعته سنة 140هـ، وسار إلى بيت المقدس بعد أن أثر فيه ذلك الزلزال الذى حدث بالشام، فأمر بإعادة بنائه مرة أخرى، وبنى المنصور مسجدًا بمنى وجعله واسعًا، يسع الذين يقفون فى منى من حجاج بيت الله، وشهدت مدن الدولة الكبرى نهضة إنشائية وعمرانية، روعى فيها بناء العديد من المساجد فى البصرة والكوفة وبغداد وبلاد الشام وغيرها من أقاليم الدولة.
ويذكر التاريخ للمنصور- إلى جانب هذه النهضة الإصلاحية العمرانية- اهتمامه بالزراعة والصناعة وتشجيعه أصحاب المهن والصناعات، وتأمينه خطوط التجارة والملاحة فى الخليج العربى والبحر الأبيض المتوسط وبحر عمان حتى الصين من خطر القراصنة الهنود الذين كانوا يقطعون طرق التجارة، ويقتلون التجار، ويستولون على الأموال، وراح قُواده يؤدبون هؤلاء اللصوص. وكثيرًا ما يعود قواد البحر بالغنائم والأسرى حتى انقطعت القرصنة بعد سنة 153هـ/ 770م، ولقد تم فى عهده إعادة فتح “طبرستان” سنة 141هـ/ 759م، في بلاد ما وراء النهر.
فقد أعطى المنصور اهتمامًا بالغًا بجهة الشمال؛ فراح يأمر بإقامة التحصينات والرباطات على حدود بلاد الروم الأعداء التقليديين للدولة الإسلامية، فكانت الغزوات المتتابعة سببًا فى أن ملك الروم راح يطلب الصلح، ويقدم الجزية صاغرًا سنة 155هـ. ولا ننسى للمنصور حملته التأديبية على قبرص لقيام أهلها بمساعدة الروم، ونقضهم العهد الذى أخذوه على أنفسهم يوم أن فتح المسلمون قبرص.
وعليه، فــهذا هو “المنصور”فحل بني العباس ، وهذه هى إصلاحاته فى الداخل والخارج رحمه الله رحمة واسعة، لقد كان يعرف لنفسه حقها، وللناس حقهم، ولربه حقه، إذ أراد أن يحج سنة 158هـ  الموافق لـ 775م، فمرض فى الطريق، رحمه الله، فقد كان مُقبلا على الحياة والبناء والفكر والثقافات  .

 

أروى عجوز فوق المئة تهاجم الخليفة معاوية

هاسبريس :

كانت أروى ابنة الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، عمة رسول الله “ص” فريدة زمانها وبليغة عصرها وأوانها إذا خطبت أعجزت، وإن تكلمت أوجزت، ولا غرو ابنة البلاغة ومعدن الفصاحة والحصافة.
فقد أجمع معظم المؤرخين أنها وفدت على معاوية بن أبي سفيان لما ولي الخلافة وكانت عجوزا طاعنة في السن، قد جاوزت المئة سنة من عمرها، فلما رآها معاوية ، نهض لإستقبالها وقال : مرحبا بك وأهلا يا خالة فكيف كنت بعدنا.

فقالت له أروى : يا ابن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، – تقصد علي بن أبي طالب-وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام ، بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وسلم فأتعس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا صلى الله عليه وسلم هو المنصور فوليتم علينا من بعده وتحتجون بقرابتكم من رسولٍ لله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر منكم ، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار.

فقاطعها عمرو بن العاص، وكان حاضرا في مجلس الخليفة معاوية، وكان من دهاة العرب ، وبمثابة وزير له، فقال : “كفى أيتها العجوز الضالة وأقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدكـ فأنت في حضرة أمير المؤمنين وخليفة المسلمين .

فإشتاطت أروى غضبا ، وقالت لعمرو : وأنتَ يا ابن الباغية، تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بغي بمكة وأشهرهن دعارةً وقد ادعاكـَ خمسة رجال من قريش كل إبنا لأحدهم، فسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به ، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به.

فنهض مروان بن الحكم، إبن عم الخليفة معاوية ، وكان حاضرا فقال : كُفى أيتها العجوز وأقصري لما جئت له. فقالت له: حتى أنت يا ابن الزرقاء تتكلم، ثم التفتت إلى معاوية فقالت: والله ما جرأ عليَّ هؤلاء غيرك فإن أمك هند بنت عُتبة ، يامعاوية القائلة في قتل عمي حمزة بن عبد المطلب :

نحن جـزينـاكـُم بـيوم بـدر والحرب بعد الحرب

ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبـر

 وشكر وحشي علـي دهـري حتى ترم أعظمي في قبري

قبل أن يتدخل الخليفة معاوية، مستعملا ذكاءه وما إشتهر به من حِلمٍ ومن إبتعادٍ عن الغضب، ليوقف الملاسنة بينهم ، قائلا عفا الله عما سلف يا خالة أروى ، فقولي  حاجتك. فقالت: ما لي إليك حاجة، ثم خرجت من مجلسه، وبعد خروجها التفت معاوية إلى أصحابه وقال لهم: والله لئن كلمها كل من في مجلسي لأجابت كل واحد منهم بجواب خلاف الآخر بدون توقف، فهكذا هن نساء بني هاشم أصعب في الكلام من رجال غيرهن وأمر لها بركب يعيدها للمدينة المنورة، وأتيعها بجائزة تليق بمقامها مع خدمه وبعض من جنوده، فبقيت أروى ابنة الحارث بن عبد المطلب بن هاشم مُكرمة بين قومها إلى أن توفيت بالمدينة في نفس فترة خلافة معاوية.

الايام الكبرى التاريخية الفرنسية المغربية ضمن ندوة بباريس

هاسبريس :

نظمت جمعية السفيرة ودائرة ابن خلدون ، مساء أمس الخميس 14 دجنبر بباريس ندوة تحت شعار “الايام الكبرى التاريخية الفرنسية المغربية .. من نداء الجنرال دوغول الى دور سلطان المغرب محمد الخامس من اجل التحرير” بحضور كل من جاك غودفراين وزير سابق ورئيس مؤسسة شارل دغول، وكلود سورنا المراقب العام للجيوش ، وعدد من الدبلوماسيين الافارقة ومسؤولي جمعيات فرنسية ومغربية.

.وشكل هذا اللقاء مناسبة لابراز روابط الصداقة بين المغرب وفرنسا عبر التاريخ، والتذكير بالمسار المثالي لرجلي الدولة الجنرل شارل دوغول والمغفور له محمد الخامس طيب لله ثراه، حيث استحضر المشاركون في الندوة التي نظمت في اطار تخليد ذكرى استقلال المملكة والمسيرة الخضراء ، الروح الطاهرة للمغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه الذي وشحه الجنرال دوغول بوسام ” رفيق التحرير “كأعلى وسام فرنسي.

في ذات السياق، كرم المشاركون قدماء المحاربين المغاربة ممن ساهموا في تحرير فرنسامن ربقة الإحتلال النازي ، مشددين على ضرورة نقل قيم الشجاعة والتضحية والاحترام والتضامن التي برهن عنها هؤلاء المحاربون المغاربة ، الى الاجيال الجديدة.

واكد شارل سان برو المدير العام لمرصد الدراسات الجيوسياسية بباريس ، مؤلف كتاب “محمد الخامس أو الملكية الشعبية” ان الجنود المغاربة قاوموا ببسالة الجنود الالمان مساهمين بذلك في تحرير فرنسا، حيث أشار أنه بعد استسلام ألمانيا في الثامن من ماي 1945 ، قرر الجنرال دغول الذي كان حينها رئيسا مؤقتا للحكومة ، دعوة المغفور له محمد الخامس للمشاركة في احتفالات نداء 18 يونيو، مشيرا الى ان شارل دغول وشح بطل التحرير السلطان محمد بن يوسف بوسام رفيق التحرير حيث كان المغفور له محمد الخامس هو قائد الدولة الوحيد الذي تم توشيحه بوسام من هذه الدرجة .

 

أرشيفات أمنية ساعدت هيئة الإنصاف والمصالحة في كشف الحقائق

هاسبريس :

كشف النقيب مصطفى الريسوني، العضو السابق بهيئة الإنصاف والمصالحة، أن بعض الوثائق والأبحاث لدى الإدارة العامة للأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المسلحة الملكية، ساعدت على اكتشاف وتوضيح الحقيقة في كثير من الملفات التي عالجتها هيئة الإنصاف والمصالحة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث تم استجلاء الحقيقة عن مصير 742 من حالات الاختفاء القسري، وتم الكشف عن أماكن الدفن في العديد من الحالات الصعبة، وتم تسليم الرفات إلى ذويها.

وجاءت تصريحات النقيب مصطفى الريسوني، خلال عرض ألقاه في ندوة موضوعاتية حول الأرشيف، تلت تسليم المجلس الوطني لحقوق الإنسان لمؤسسة أرشيف المغرب الدفعة الثانية من أرشيف هيئة الإنصاف والمصالحة.

عمر بن الخطاب شهيد المؤمراة وضحية الإرهاب

مـحـمـد الـقـنـور :

أبو حفص عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين، و واحد من أعظم الشخصيات الحاكمة التي مرت في تاريخ الإسلام والإنسانية، وإعتبرته كل المصادر التاريخية العربية الإسلامية والأجنبية كأحد من كبار المجددين ، وأعدل الحكام في التاريخ ومن أكثرهم بصيرة وعقلانية في تسيير شؤون الدولة الإسلامية الحديثة ، والتي بدأت تتوسع بشكل متسارع في عصره، جغرافيا وديموغرافيا، فرعى حكمها بأسلوب آخر وطرق جديدة ليضمن تحسين أحوال المواطنين والمواطنات ، وليطورها على أساس العدل و الحرية و الرفاه الاقتصادي .

فقد تميز الخليفة الثاني في تاريخ الإسلام عمر بن الخطاب برجاحة عقله و سعة صدره وقوة شخصيته ووبتلكـ العاطفة الجياشة المختبئة وراء الصرامة والشدة والحزم إضافة إلى العدل والقوة في الحق والوقوف ضد الباطل مهما كلفه ذلك.

وتظل مواقف عمر بن الخطاب قبل الإسلام معروفة،وهو الذي كان معروفاً بعدائه للإسلام قبل أن يهديه الله وينور بصيرته، أما بعد إسلامه فقد كان شديد الالتصاق برسول الله محمد  صلى الله عليه وسلم  حتى لا يضيع فرصة للتعلم والعلم والمعرفة من هديه المستقيم ، وقد ظل عمر على العهد في زمن أبي بكر الصديق حيث كان ناصحاً له ومكملاً له، ومستشاراً له في كل الأمور التي تستجد عليه.

هذا، وبعد وفاة أبي بكر، استلم عمر بن الخطاب زمام الأمور وأصبح امير المؤمنين ورئيس الدولة الإسلامية، ففتح الشام و القدس و مصر و أكمل قتح العراق، و أضاف القوانين وأنشأ الدواوين .

أما بالنسبة لواقعة استشهاده، فقد أصبحت “يثرب” المدينة المنورة، وعاصمة الدولة الإسلامية الحديثة تعج بمختلف الأجناس من فرس وروم وأحباش وديلم وهنود وأقباط وتركـ وغيرهم ممن كانوا يفيدون عليها لأمور التجارة، أو ممن دخلوا الإسلام وإستقروا بها، وكان من ضمن هؤلاء عدد من الفرس المجوس المتطرفين ضد الدولة الإسلامية التي أزالت سلطانهم وعزلتهم، حيث تشير معظم المراجع التاريخية إلى أن الخليفة عمر بن الخطاب سمع في موسم الحج الأخير قبيل استشهاده عمر، أصوات تآمر عند جبل الرحمة جبل عرفة في ضواحي مكة، حيث كان هذا الصوت يقول ان هذا الموسم هو الموسم الأخير والذي سيحج فيه هذا الخليفة العظيم، في إشارة إلى قتله، فإتفقَ أن كان  للمغيرة بن شعبة، وهو من أعيان العرب وتجارهم الكبار، خادم إسمه “فيروز” وكنيته أبي لؤلؤة، مجوسي الديانة ، وكان  عمر قد سمح بإقامته في المدينة المنورة، حيث كان المجوس ممنوعين، من حتى دخول المدينة المنورة في زمن أبي بكر، و كان أبو لؤلؤة قد تربص بالخليفة عمر بن الخطاب في صلاة الفجر و طعنه بخنجر له نصلان عدة طعنات في جسده، ثم انتحر بعد أن رأى أن لا مفر من الموت، ليسجل بذلكـ، توقيع أول العمليات الإرهابية في تاريخ الإسلام، وعلى بعد زمن قصير من وفاة الرسول”ص”، وليكون عمر بن الخطاب أول شهداء الحقد والكراهية والمؤمرات، حيث بقي الخليفة عمر عدّة أيّام بعد تعرضه للطعنة الغادرة على الفراش، وكان أثناء إحتضاره قد اختار عشرةً من خيرة الصّحابة ليختاروا أصلحهم لتولّي الخلافة من بعده، قبل أن تفيض روحه  في شهر المحرّم من السّنة الرّابعة والعشرين للهجرة الموافق لسنة 644 ميلادي .

وكان قد أرسل إبته عبد الله قبيل وفاته بساعات، فيما يورده الطبري وإبن كثير والسيوطي ، وغيرهم من المؤرخين ، ليطلب من زوج النبي عائشة السماح له في أن يُدفن رضي الله عنه في الحجرة الشّريفة في بيتها إلى جانب صاحبيه النّبي عليه الصّلاة والسّلام وأبو بكر الصّديق رضي الله عنه.

وقال له”إذهب يا عبد الله، لبيت أم المؤمنين عائشة، وأخبرها أن عمر يطلب في أن يدفن إلى جنب صاحبيه، ولاتقل لها أمير المؤمنين، فلم أعد كذلكــ “.

 

وليام هاريسون : الرئيس الذي حكم إمريكا لــ 31 يوماً فقط

هاسـبريـس :

عن مـجـلـة إيستوريا HISTORIA  :

في 4 مارس 1841 أعلن فوز الرئيس الأميركي التاسع منذ تأسيس الاتحاد الفيدرالي، وليام هنري هاريسون، والذي كان يبلغ 68 عاماً من عمره آنذاك.

وجهزت أميركا الحصان الأبيض، الذي سيركبه الرئيس الجديد خلال موكبه إلى بنسلفانيا للتنصيب، في حشد يقدر بـ 50 ألف مواطن أميركي، وهو أكبر حضور منذ الرئيس المؤسس جورج واشنطن، ولم يكن الرئيس الجديد يعلم أنه يبدأ فترة حكمه ويختتم رحلة حياته.

ويتقاسم أكثر من مرجع تاريخي قصة الرئيس هاريسون المأساوية، والذي لم يستغرق بقاؤه في البيت الأبيض أكثر من 31 يوماً قبل أن يموت فتقول: “استغرق خطاب هاريسون ساعة واحدة و40 دقيقة تحت المطر وبرد أميركا القارس حيث رفض هاريسون ارتداء سترة أو قبعة قبل أن يستكمل إجراءات تنصيبه ويعود من بنسلفانيا إلى البيت الأبيض وهو يشعر بتعب شديد”.

ثم صعد هاريسون إلى الطابق العلوي للبيت الأبيض، حيث قام معاونوه بتدليك جبهته بالكحول قصد تدفئته، ولم يتمكن من تقديم الشكر لضيوفه الذين حضروا لتهنئته بمنصب الرئيس أو حضور الحفل، الذي أقيم في البيت الأبيض بمناسبة توليه الرئاسة .

وتور ذات المصادر، نقلا عن المؤرخ الأميركي دانيال والكر هوي للفترة بين عام 1815 و 1848 أن هاريسون تعرض في البداية على ما يبدو لنزلة برد، تحولت بعد ذلك إلى التهاب رئوي حاد، لم تفلح معه العلاجات الكثيرة التي حاول إنقاذه بها فريق من الأطباء الأكفاء.

وتم استدعاء أطباء من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، لمحاولة إنقاذه كما تم استخدام طرق بدائية لعلاجه من وصفات الهنود الحمر من السكان الأصليين، الذين طالما قضى حياته لمحاربتهم، مثل استخدام ثعابين حية، ولكن الأمر لم يفلح وبدأ يحتضر بعد ثلاثة أسابيع من دخوله البيت الأبيض، ليموت بعد 31 يوما وليكون بذلك حاكم أميركا الذي قضى أقصر مدة في البيت الأبيض حتى الآن .

وللإشارة، فقد ولد هاريسون في مقاطعة تشارلز، فيرجينيا، في عام 1773، وعمل في الجيش الأميركي في إقليم شمال غرب القديم، وفي عام 1800 أصبح حاكم الإقليم الهندي وفي عام 1811 قاد القوات الأميركية ضد الاتحاد الهندي والانتصار في معركة تيبكانو.

وفي حرب عام 1812، اكتسب هاريسون أكبر شهرته كقائد عسكري. وعام 1816، انتخب كعضو في مجلس النواب وفي 1825 انتخب عضوا بمجلس الشيوخ.

وكسب الترشيح للرئاسة عن الحزب الجمهوري في عام 1840 ليدخل البيت الأبيض في 4 مارس 1841 وليموت في 4 أبريل بعد 31 يوما في الحكم فقط.

 

“كوسم” جارية تزوجها السلطان العثماني فقتلت ابنها وحكمت 37 عاماً

هاسبريس :

 

 

تحدث عنها المؤرخ التركي، يلماز أوزتونا، فقال كانت إمرأة ذكية إلى درجة استثنائية، ماكرة ومراوغة، أستاذة في صنع خطط سياسية ومؤامرات متعددة الوجوه، مؤثرة ومقنعة في كلامها، كانت تُعنى بإرضاء الشعب، لذا تركت خلفها مؤسسات خيرية كثيرة العدد إلى درجة لا يستوعبها العقل، ثروتها الضخمة جداً انتقلت إلى الخزينة العامة للدولة فأنعشتها».

إنها «كوسم سلطان».. أشهر سلطانات الدولة العثمانية التي حكمتها فعليا في عام 1617، مارست نفوذها بصورة غير مسبوقة أو متبوعة، ووصلت إلى قمة المجد والسلطة في الدولة العثمانية في مشهد استثنائي، وهي أكثر سيدة عثمانية احتكرت منصب «السلطانة الأم» خلال مدة سلطنة ابنيها «مراد الرابع، وإبراهيم الأول»، لفترة امتدت لربع قرن، فقد كانت نائبة السلطان لابنها «مراد الرابع» ثم حفيدها «محمد الرابع» لما يقارب 12 عاما، فتجمع بين يديها سلطات واسعة مكّنتها من أن تكون ضلعا أساسيًا في السياسة العثمانية في النصف الأول من القرن الـ17 الميلادي.

ووفقا لكتاب «الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث» للكاتب إسماعيل أحمد ياغي، 1996، اسمها العثماني “خاصكي كوسِم ماه بيكر سلطان” أو “كوسم مهيبكر”، أو «كوسم سلطان»، في حين أن اسمها الحقيقي الأول «أناستاسيا»، فقد ولدت في عام 1590، وهي ابنة قسيس أرثودوكسي يوناني من جزيرة تينوس، وقعت في أسر بكلربيك البوسنة، وأرسلها ضمن مجموعة هدايا إلى قصر الباب العالي في إسطنبول، وحضرت كفتاة صغيرة في قافلة للأسرى إلى إسطنبول.

دخلت «أناستاسيا» إلى القصر العثماني «توبكابي»، وبمجرد أن رآها السلطان العثماني الرابع عشر «أحمد الأول»، وقع في غرامها من النظرة الأولى وقرر ضمها للحريم المخصصات لخدمته.

ودخلت «أناستاسيا» الإسلام وغيّرت اسمها لـ«كوسِم»، وأطلق عليها اسم «ماه بيكر» أي «وجه القمر» لجمالها الأخاذ، وأصر السلطان «أحمد الأول» على الزواج بها رغم معارضة والدته السلطانة «هاندان» ورفض السلطانة الكبرى «صفية» التي تتحكم بأمور الحرملك بإرادة مطلقة لأي ارتباط بين السلطان وهذه الجارية، لكن السلطان خالف برغبته قواعد الحرملك وأصوله، ومضى في تنفيذ قراره وتزوجها وأطلق عليها اسم «السلطانة القائدة»، وأنجبت منه السلطان «مراد الرابع» والسلطان «إبراهيم الأول»، وهكذا بدأت حياتها الجديدة في قصر «توبكابي».

و«كوسِم سلطان» كانت من أشهر وأقوى السلطانات في تاريخ الدولة العثمانية، وعندما وصلت إلى سن 15 عاما من عمرها، أصبحت من أهم الشخصيات المفضلة عند زوجها أحمد الأول وأثرت عليه بذكائها، لكن حياتها تغيرت عندما فارق زوجها السلطان «أحمد الأول» الحياة قبل بلوغه سن الـ30، لأنها لم تهتم بالتدخل المباشر في أمور السياسة للدولة العثمانية، أيام سلطنة زوجها «أحمد الأول»، إلا أنها بعد وفاته لم تكف عن لعب أدوار سياسية شديدة التعقيد في ظل واحدة من الفترات السيئة في تاريخ الدولة العثمانية، فأظهرت عشقها للسلطة الذي لم يقل يوما بعد أن رفضت أن يلي السلطنة الأمير «عثمان» ابن ضرتها وعدوتها «خديجة ماه فيروز»، خوفا من ضياع فرصة ابنها الأمير «مراد الرابع» في الحكم، الذي كان وقتها لا يزال طفلا صغيرا.

فضلت «كوسم سلطان» أن تستعين بشقيق زوجها الأمير «مصطفى» الذي لم يكن راغبا في ارتقاء العرش، بل كان يريد الهرب بعيدا، خاصة أن معظم رجال الدولة لم يقتنعوا بشخصية الأمير «مصطفى»، المعروف بخفة عقله وطيشه، ولم يكن الأمر إلا مجرد اتفاق بين السلطانة «كوسم سلطان» ورجال الدولة على تصعيد الأمير «مصطفى»، لإتاحة الوقت أمام السلطانة لتحسم أمرها مع كبار قادة الجيش المنقسمين حول أيّ من أبناء السلطان «أحمد» أحق بولاية العرش، هكذا وصل السلطان «مصطفى» إلى سدة الحكم، كأول أخ يلي السلطنة بعد أخيه في التاريخ العثماني.

ولم تكن «كوسم سلطان» وحدها في هذا التدبير، بل شاركها فيه قادة فرق الانكشارية أصحاب الكلمة العليا في إسطنبول آنذاك، الذين أقروا تقاسم السلطة بانفرادهم بإدارة الدولة والحجر على السلطان الجديد، فيما تطلق يد السلطانة «كوسم سلطان» داخل الحرملك لتصبح سيدته الأولى بلا منازع، لتدشن بذلك سيادتها في الحرملك، وعند بلوغها عمر 28 عاما، كانت «كوسم سلطان» قد أوجدت لنفسها مكانا في السلطنة العثمانية، فكانت تدير جلسات الديوان وكان لها دور خاص في الحكم العثماني، لتصبح أحد واضعي السياسية العليا للدولة العثمانية على مدار نصف قرن تقريبا.

لم تدم سلطنة «مصطفى الأول» إلا 3 أشهر، هي مدة المشاورات حول تصعيد الأمير «عثمان الثاني» الابن الأكبر للسلطان «أحمد» سلطانا للبلاد، ما يعني أن «خديجة ماه فيروز» انتصرت في معركتها ضد ضرتها «كوسم سلطان»، وأصبح السلطان «عثمان الثاني» السلطان الجديد للبلاد، لكن زوجة أبيه «كوسم سلطان» لم تستسلم للواقع الجديد.

ولم تجد السلطانة مفراً من التحالف مع الانكشارية للتخلص من ابن ضرتها، خاصة أن السلطان الشاب اتبع سياسة والده الراحل السلطان «أحمد» وقرر تقليص نفوذ الحرملكـ ووضع رؤية إصلاحية لأحوال الدولة العثمانية المتدهورة، رغم صغر سنه تولى الحكم وهو في الـ13 من عمره، وهو ما لم ترض به السلطانة «كوسم سلطان»، وعملت على شراء ذمم قادة الجيش، وتخلصت من والدته التي كانت سنده في الحرملكـ في عام 1621، وبعدها عقدت تحالفا مع قيادات الانكشارية بهدف التخلص من السلطان عثمان الثاني ودبروا مؤامرة لاغتياله.

عاد السلطان «مصطفى الأول» للحكم مرة ثانية كفترة انتقالية حتى يستطيع «مراد» أن يدير شؤون الدولة العثمانية، لكن «مصطفى الأول» لم يستطع إدارة شؤون البلاد وعمت الاضطرابات والانقسامات، واتفقت «كوسم سلطان» مع الصدر الأعظم وبقية الوزراء على تدارك الموقف وعزل «مصطفى»، وتولية ابنها «مراد» الحكم، وكان وقتها يبلغ من العمر 11 عاما، وحصلت «كوسم سلطان» على لقب «السلطانة الأم» وأدارت البلاد بصفتها نائبة السلطان.

في عام 1632، انتهت فترة نيابة السلطانة «كوسم سلطان»، التي دامت نحو 9 أعوام، وأقصاها ابنها من المشهد السياسي سريعا، بعد أن قرر ألا يسمح لأية قوة كانت بالتدخل في إدارته للبلاد، وأمر والدته بأن تقطع اتصالاتها برجال دولته، وهددها بالإقصاء والنفي بعيدا عن العاصمة إذا لم تستجب لأوامره.

وعند استلام «مراد الرابع» عرش السلطانة، أدخل الكثير من الإصلاحات وضرب بيد من حديد مواطن الفوضى، وكان يقتل ويعدم كل من يخالف أوامره، وقرر استعادة أمجاد الدولة في الخارج، وقاد جيوشه في حربه الواسعة ضد الدولة الصفوية في الجبهة العراقية، وأظهر أثناء قيادته للجيوش العثمانية حزما ومقدرة أعادت إلى الأذهان عصر سليمان القانوني، وفتح فصلا جديدا من فصول الظلم والقمع والخوف، وحاول التخلص من أقرب الناس إليه وهو شقيقه «إبراهيم»، طمعا بالعرش والثروة، ويرجع لـ«كوسم سلطان» الفضل في إنقاذ السلالة العثمانية من الانقراض بعد أن منعت ابنها «مراد» من قتل أخيه، وتوفي «مراد» في عام 1640، عن عمر ناهز الـ27، ولم ينجب ولدا.

رأت «كوسم سلطان»، التي لم تترد يوما في عمل أيّ شيء في سبيل السياسة والسلطة، في وفاة ولدها المستبد فرصة لتعود إلى صدارة المشهد من جديد بإحياء تحالفها مع قادة الجيش الذين يطلق عليهم «آغوات أوجاق أغالري» لتقاسم إدارة الدولة في ظل سلطنة الحاكم الجديد السلطان «إبراهيم الأول» ضعيف الشخصية، وهكذا عادت السلطانة الأم إلى نفوذها السابق مرة أخرى.

تولى أخوه «إبراهيم» الحكم، لكنه لم يكن قادرًا على إدارة الدولة نظرا لمعاناته من اضطرابات نفسية لازمته طوال حياته بسبب مشاهد الدماء وإعدام أخوته الكبار وكان يطلق عليه اسم «المجنون»، ففرضت «كوسم سلطان» سيطرتها على شؤون الدولة وحكمت بدلا عنه وبعيدًا عن قصر «توبكابي».

مع مرور الوقت، أدرك «إبراهيم» ألاعيب أمه وهددها بالنفي في حال لم تتوقف عن التدخل في الحكم، ما أغضبها كثيرا وقررت ألا تتنازل عن نفوذها وسلطاتها، وكانت ترى أن إزاحة ابنها السلطان الذي هددها صراحة بالنفي، ستعود عليها بالفائدة لأن حفيدها ولي العهد الأمير محمد شاه زاده طفل لم يتجاوز عمره السادسة بعد، وفي حال توليه السلطنة فستعين السلطانة «كوسم سلطان» في منصب نائبة السلطان وتصبح من جديد على قمة هرم السلطة العثمانية بلا منازع.

وتحققت رغبة السلطانة الأم ونجحت المؤامرة في إزاحة ابنها السلطان «إبراهيم» من فوق العرش، وأعدم بعد عزله بـ10 أيام في 18 غشت 1648م، ولم تكتف بخلع ولدها بل سلمته إلى الجلاد ليقتله، عرفت كيف تنتقم من ابنها الذي هددها يوما بالنفي في حالة استمرارها في التدخل في شؤون الدولة.

 

وتحقق حلمها بالحصول مجددا على منصب نائب السلطان بصلاحيات غير مسبوقة، بعدما تم تعيين ابن السلطان القتيل، الطفل «محمد الرابع» الذي لم يبلغ بعد الـ7 من عمره، سلطانا على أقوى دولة في شرق العالم، وحصلت والدته «خديجة تارخان»، التي كانت تكره «كوسم سلطان»، على لقب «السلطانة الأم».

اشتد العداء بين «خديجة تارخان» والدة السلطان «محمد الرابع»، الذي بدأ نفوذها يزداد، وبين جدته «كوسم سلطان»، واستمرت هذه العداوة لمدة 3 سنوات، حتى قررت «كوسم سلطان» قتل حفيدها «محمد الرابع» ذي العشر سنوات ويتولى أخوه الطفل «سليمان» السلطنة، كانت تفضله لأنه من أم أخرى واقعة تحت نفوذها، إلا أنّ السلطانة «خديجة تارخان» كشفت مخطط «كوسم سلطان»، فأمرت باغتيالها بمساعدة رئيس آغوات الحرملك، وفي ليلة ظلماء يوم 3 سبتمبر 1651، دخل العبيد جناح نائبة السلطانة «كوسم سلطان» ونفذوا فيها حكم الإعدام خنقا، لتلقى حتفها وهي في الـ62 من عمرها، ودُفِنت «كوسم سلطان» بجانب قبر زوجها السلطان أحمد الأول في منطقة «سلطان أحمد».

كان خروج السلطانة «كوسم سلطان» من المشهد السياسي حدثا جللا، ورغم السمعة السيئة التي حصلت عليها «كوسم سلطان» كامرأة لا تعرف الرحمة ولا الشفقة في سبيل الحكم والسلطة، فعرفت «كوسم سلطان» كيف تكسب ودّ رعايا الدولة العثمانية من خلال أعمالها الخيرية، فكانت تؤدى ديون المعسرين، وفي كل عام من شهر شعبان كانت تزور السجن وتدفع الديون عن المحكومين الذين حكم عليهم بالسجن بسبب ديونهم وتطلق سراحهم من السجن، وأنفقت على زواج كثير من الفتيات الفقيرات وجواري الحرملك، ولها جامع في حي «أسكودار» مشهور باسم «الجامع ذو الخزف»، مزين بأفخر أنواع البورسلين والخزف ويعتبر تحفة فنية رائعة، ولها خان كبير معروف باسم «خان الوالدة» أوقفته على مسجدها، وبنت أيضا حماما ومدرسة للصبيان وسبيلا وعين ماء، ولها وقفية مؤرخة بعام 1640م، أوقفت خلالها أموالا كثيرة للإنفاق على الفقراء الذين يقيمون على الطريق إلى مكة المكرمة.