لينين زعيم البلاشفة، عاش سنوات برصاصة في رأسه

مـحـمـد الـقـنـور  :

يؤكد بعض المؤرخين أن لينين وفلسفته ونهج حكمه المعروف باللينينية أمورٌ سيئة، وأن لينين قد حكم بطريقة ديكتاتورية في حزبه البولشفي وفي بلده روسيا ، وبعد ذلك حكم بنفس الطريقة الدولة التي أُنشئت بعد أكتوبر 1917 ، سنة الثورة الروسية الدامية، ويتهمونه أنه كان  مسؤلاً عن موت الآلاف وعن التأسيس لمجتمع استبدادي، وأن ستالين ، كان مجرد وحش فظيع ، وأنه لم يكن إلا شخص يتبع خطوات لينين، وأنه لم يختلف عن أشخاص مثل طغاة  “نيرون”و”كالكولا” و”الحاكم بأمر الله” الفاطمي وإيفان الرهيب” و”الحجاج بن يوسف الثقفي” و”هتلر” و”بول بوت” وغيرهم ، إذ  لا يختلف عن أي واحد من أكثر هؤلاء الحكام وحشية في العصور القديمة والحديثة.

ومن أكثر المجلدات رواجاً في العالم ، أن “مارتن آميس” استغرق بعض الوقت للخروج من كتابة الروايات عن الجنس والعنف ليستعرض معلوماته الهائلة عن تاريخ روسيا، مستنتجاً أن لينين وتروتسكي لم يسبقا ستالين  في سياسة الرعب ، عندما أنشئا دولة بوليسية شمولية تعمل من أجل مصالحهم .
فقد إنتقد اليساريون لينين على معارضته الحركة الأناركية المستقلة في أوكرانيا، وتدمير اللجان العمالية التي نشأت في المصانع بعد الثورة!
ومع ذلكــ ، فلاتزال شخصية لينين الحقيقية ، الذي إبتدأ حياته صحافيا ، تُعتبر الأكثر تعقيداً. فبالتأكيد أنه ارتكب بعض الأخطاء، وكان قاسياً بعض الشيء، ولكن من أجل مصالح القضية في نظره وفي نظر تلاميذته ، وليس من أجل أن يملأ جيوبه، وقد ناضل بدون كلل أو ملل من أجل ما آمن به. وفوق كل ذلك لعب دوراً محورياً في ثورة أكتوبر 1917 الروسية. وقد فتحت الثورة الروسية، قبل أن يخمدها ستالين، الباب أمام عالمٍ جديد، عالمٍ يكون فيه الإنتاج من أجل احتياجات البشر وليس من أجل الربح، عالم تُتخذ فيه القرارات عن طريق أولئك الذين يعملون وليس الذين يملكون، عالمٍ يتعاون فيه جميع البشر من جميع الأجناس والجنسيات بدلاً من محاربة بعضهم البعض، عالمٍ لا تعرف فيه الأجيال الجديدة شيئاً عن الفقر والحروب إلا عن طريق دروس التاريخ فقط ، مندهشين من كيفية حدوث تلك الأشياء البشعة من قبل.
ولكن العالم اليوم مختلفٌ تماماً عما عرفه لينين، فقد  كانت منشورات لينين في البداية مكتوبة بخط اليد، ولكن اليوم أصبحت الأفكار تسافر من خلال دفق المطابع والأنترنيت عبر الكرة الأرضية بمجرد الضغط  على زر من أزرار الحاسوب .

فــإذا عاد لينين مرة أخرى إلى الحياة سوف يدرك بعض الأشياء بسرعة وهي أن العولمة قائمة، وأن الليبيرالية تحولت إلى فكرة  متوحشة ، وأن الحروب لاتزال حروبا أبدية، وأن الفجوة تزداد دائماً بين الفقراء والأغنياء، وأن نهب الدول الضخمة للبلدان الفقيرة مستمر، وضعف وفساد معظم السياسيين قائم .

فــالمحور المركزي لحياة لينين كان ضرورة في بناء التنظيم الثوري. وبالنسبة للشكل الذي يجب أن يكون عليه هذا التنظيم، فهذا يختلف من وقت إلى آخر. ولا وجود لمثل هذا الشيء الأسطوري الذي يُسمى بـ”الحزب اللينيني”، فأعمال لينين لم تكن كتباً وصفية، واللينيني الجيد ليس من يقتبس دائماً من لينين، فتحليل تجارب وخبرات لينين يمكن أن يساعدنا في فهم أساليبه لتسهيل مهمة في تطوير الأشكال التنظيمية التي يحتاجها النضال .

كيف أصبح لينين ثورياً ؟

فلاديمير أوليانوف، والذي سيعُرف لاحقا  بلينين، وُلد عام 1870 لأب كان يعمل مفتشاً للمدارس. كانت روسيا في ذلك الوقت إمبراطورية ضخمة عاش فيها الناس وماتوا وهم فلاحين أميين كانوا ينددون بالعمل المضني والمجاعة الدورية، وكانوا يعلمون القليل عن الحياة خارج قراهم الأصلية إلا إذا أُرسلوا للذبح كباقي الجنود. لم تُلغى العبودية، والتي كانت تجعل الفلاحين ملكية خاصة لملاك الأراضي، إلا في عام 1861. وقد حكم القيصر بدون أية مؤسسات برلمانية.
في ذلك الوقت كان الشعبويون يمثلون القوى اليسارية في البلاد، وأُطلق عليهم آنذاكــ “المدمرون”. وقد تكونت مجموعاتهم بالأساس من الطلاب والمثقفين الذين آمنوا بضرورة تحرير الفلاحين المضطهدين. وكانت أساليبهم عبارة عن إلقاء المتفجرات والقيام بالاغتيالات. وقد أظهرو شجاعة هائلة ولكن بدون تأثير كبير. وقد شارك شقيق لينين في هذه الأعمال وأُعدم من طرف القيصر عام 1887.

وهو ما دفع لينين في أن يتحول ثورياً، وقد استغرق لينين بعض الوقت ليجد الاستراتيجية التي تمكنه من تغيير العالم، وفي النهاية وجد كتابات كارل ماركس.

وقد عارض ماركس عالم الإقتصاد والسوسيولوجي والفيلسوف الألماني 1818 / 1883 الرأسمالية ، لكونها  تعمل على استغلال العمال الذين يحصلون على قيمة أقل بكثير من قيمة السلع التي ينتجونها. وتنبأ بأن العمال المستغلينفي بريطانيا سيحفرون مقابر النظام الرأسمالي بالثورة وسيقومون بتأسيس مجتمع يعتمد على الملكية العامة، وكان ماركس يرنو إلى  العمال، وليس الفلاحون.

كان ماركس مع كل ذلكــ ، يؤكد أن للعمال دور محوري في التغيير الاجتماعي. فالفلاحون الذين تخلصوا من ملاك الأراضي استطاعوا أن يتقاسموا الأرض فيما بينهم، ولكن العمال لن يستطيعوا تقسيم مصنع، فالحل الجماعي هنا ممكنٌ.
وعلى كل حال ، فقد آمن لينين بأن على الثوريين أن يتواجدوا في الأماكن التي يتواجد فيها العمال. ففي بداية التسعينات من القرن التاسع عشر بدأت تتكون حلقات صغيرة من العمال المثقفين الذين يبتغون المعرفة، ولكنهم كانوا بعيدين تماماً عن زملائهم الآخرين من العمال. وقد جادل لينين أنه يجب على الاشتراكيين أن يشاركوا بأنفسهم في النضالات الحقيقية حول القضايا الهامة مثل تحسين الأجور وتحسين شروط العمل، ولكن هذه المشاركات كانت محدودة في ذلك الوقت.

والحق، أن لينين بدأ  نشاطه في سان بيطرسبورج في تسعينات القرن التاسع عشر بمجادلته حول ضرورة التحريض داخل المصانع، فكان نشاطه عبارة عن دراسة لظروف العمال داخل المصانع وإصدار المنشورات وتوزيعها عليهم.
وفي عام 1899 أصدر لينين كتابه “تطور الرأسمالية في روسيا”، وكان نتيجة ثلاثة أعوام من الأبحاث التي قام بها أثناء وجوده في السجن والمنفى. واشتمل الكتاب على تفاصيل كاملة وجداول إحصائية، ولكن النقطة الأساسية فيه كانت بسيطة.

كانت روسيا بالأغلبية الساحقة دولة زراعية، فيما كانت الصناعة الحديثة لاتزال في طور النشأة وبالتالي كانت تنشأ طبقة عاملة. والشعبويون كانوا على خطأ؛ فمستقبل روسيا كان يقع بين أيدي الطبقة العاملة.
وقد زاد تأثير هذا التطور كثيراً، فالرجال والنساء كانوا يُستغلون بطرق وحشية، وقد أخذهم تطور الصناعة خارج نطاق الجهل والعزلة اللذين كان يعاني منهما الفلاحون ووضعتهم في المصانع حيث الثورة الشاملة كانت ممكنة.
لا يمكن أن تعود الحياة إلى عصور ما قبل الصناعة: “كيف لأحد أن يصور لنفسه التجزئة المدهشة لصغار المنتجين ليصبحوا مقتنعين بتطور الرأسمالية التي حطمت الهيئات القديمة لأسس الاقتصاد والحياة”.
وفي المصانع، كما جادل لينين، بدأ الوعي الاشتراكي للعمال في التطور، فقد كان لينين يقول ويكتب أن : “كل إضراب يقدم أفكاراً اشتراكية قسراً لعقول العمال”.

البلشفية : ما العمل؟

وفي مؤتمر ضم 9 مندوبين فقط في مدينة مينسك عام 1898، تأسس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. لم يحضر لينين هذا المؤتمر بسبب أنشطته الثورية في سيبيريا.
كانت الأنشطة الاشتراكية في العهد القيصري غير قانونية أو شبه قانونية، فقليل من الثوريين استمتعوا بأكثر من عام من الحرية قبل أن يُلقى القبض عليهم ونفيهم في سيبريا. وما بين عامي 1900 و 1905 كان لينين منفياً بين لندن وميونيخ وجينيف.
في عام 1902 أصدر لينين كتاب “ما العمل؟” Que faire حيث عرض فيه أفكاره حول التنظيم ، رغم أن الكثير من نقاد لينين وأنصاره يستخدمون هذا الكتاب كبيان لوجهات نظر لينين حول ما يجب أن تكون عليه المنظمة الثورية في جميع الأزمنة والبلدان. وهذا محض هراء؛ لأن لينين كان يكتب في ظرف معين، وكتاب “ما العمل؟” هو وثيقة تاريخية وليس وصفة شاملة، ولكنه أيضاً يحتوي على جدالات هامة لا زالت ذات صلة باليوم.
قبل ذلك بسنوات قليلة، شدد لينين على أن النقابات العمالية يجب عليها أن توجه العمال نحو الأفكار الاشتراكية، ولكنه قال العكس بعد ذلك: “إن الحركة النقابية تعني أيديولوجيا استعباد العمال عن طريق البرجوازية”. كانت مبالغة كبيرة من لينين، ولكنه كان يريد أن يوضح أن مسئولية النقابات هي تحسين ظروف العمال داخل النظام الرأسمالي وليس التخلص منه.
أما الحزب فمسئوليته أن يناضل من أجل الاشتراكية، ونضال النقابات هو وسيلة لتحقيق تلك الغاية وليس الغاية نفسها؛ فالأفكار الاشتراكية لا تتطور من تلقاء نفسها، والمفكرين الاشتراكيين الرئيسين من ماركس واينجلز إلى لينين نفسه لم يكونوا عمالاً. عمال المصانع كانوا يكدحون دائماً في العمل لأوقات كثيرة قد تصل إلى 11 ساعة يومياً، فنادراً ما كان عندهم وقت الفراغ للقراءة أو الكتابة. وفي هذا السياق قال لينين أن: “الوعي الطبقي السياسي لا يمكن أن يتحقق للعمال من لا شيء، فهو يتحقق فقط من خارج الصراع الاقتصادي ومن خارج دائرة العلاقات بين العمال والموظفين”.
تسائل لينين حول كيفية سيطرة الأفكار البرجوازية على المجتمع، وقد رد على ذلك قائلاً: “لسببٍ بسيط؛ أن الأفكار البرجوازية أقدم بكثير في الأصل من الأفكار الاشتراكية، ولذلك فهي أكثر تطوراً، ولديها تحت تصرفها أدوات للدعاية بدرجة لا تقاس”. فما الذي كان سيقوله لينين إذا رأى وسائل الإعلام الحديثة؟
كما أوضح لينين أن الأفكار الاشتراكية لن تتطور تلقائياً عند العمال، فالنظام الحالي عنده أساليب قوية يحمي به نفسه، والاشتراكيون بحاجة لنفس الأساليب القوية ليناضلوا من أجل بدائلهم.
والجانب الحيوي لذلك كان التأسيس لجريدة اشتراكية، فالفصل النهائي من كتاب “ما العمل؟” نادى بضرورة إصدار جريدة اشتراكية تغطي جميع أنحاء روسيا. وبالنسبة للينين فإن الجريدة عمل جماعي منظم، ومثل هذه الجريدة ستحتاج إلى شبكة من العملاء يعملون كفريق منضبط ومنظم، ومثل هذه الأنشطة “سوف تقوّي اتصالاتنا بشرائح أوسع من الكتل العمالية”.
وكان لينين يكتب قي صحيفة  إيسكرا (الشرارة)، الافتتاحيات، كانت تُطبع في الخارج ويتم تهريبها إلى روسيا، أو يتم طباعتها سراً في مطابع داخل الأقبية بروسيا .
وقد لفت لينين الانتباه إلى أمثلة تاريخية كثيرة، وبالأخص في إشاراته إلى كوميونة باريس عام 1871، عندما استولت الطبقة العاملة على المدينة وحكموها لمدة 10 أسابيع قبل تعرضهم للذبح على أيدي قوات من الخارج. في الكوميونة كان كل أعضاء الحكومة العمالية يتقاضون متوسط أجر العامل، بل ويمكن استدعاؤهم في أي وقت من قبل أولئك الذين انتخبوهم – نفس شكل الديمقراطية داخل السوفييتات. قبل عام 1917 كان ذلك هو المثال الوحيد لسيطرة العمال على المجتمع. وبرغم قِصر عُمر الكوميونة، كان لابد من التعلم من هذه التجربة.

بعد وفاة لينين في سنة 1924 ، إجتهدت آلة الإعلام الستالينية في إبرازه كقائد جماهيري، لدى العمال والفلاحين .

نضال لينين الأخير

بحلول عام 1922 كان لينين مريضاً جداً، حيث كان يعاني من الإرهاق الشديد ومن إصابته برصاصة في رأسه إثر محاولة اغتياله التي تركته في حالة يُرثى لها. وقد أيقن أنه لن يعيش ليرشد الثورة في خلال مراحلها الصعبة.
فقد كان لينين قلقاً حول كيفية تطوير الثورة، في ظل انكماش الطبقة العاملة، وتمدد البيروقراطية داخل وخارج الحزب، وتبنيها طرقاً من طرف تروتسكي وستالين وغيرهما ، كانت غريبة عن ديمقراطية الطبقة العاملة، في ظل التطور الخطير للتوجهات القومية.
وقد كرس لينين ما تبقى له من قدرة على النضال ضد البيروقراطية المتنامية. وفي مقالة “من الأفضل أقل شرط أن يكون أفضل”، اعترف أن، بعد مرور خمسة أعوام على الثورة، جهاز الدولة صار بائساً للغاية وفي حالة يرثى لها. لم يكن هناك علاج سريع، بل الصبر في النضال من أجل ديمقراطية عمالية حقيقية، مع تقديم المزيد من العمال في أجهزة الدولة .
وقد إتفق معظم كتاب السير والمؤرخين على إن روح لينين الأمينة والجدالية كانت على النقيض تماماً من الرضا الذاتي والغطرسة اللذين ميزا الدولة الروسية تحت حكم جوزيف ستالين ، ونيكتا خروتشوف وليونيد بريجنيف وخلفائه.
فقد أُجبر لينين على التفكير فيمن سيخلفه في الحكم. وقد كتب وثيقة صغيرة توضح حجم القادة البلاشفة الآخرين. وكان ينقدهم جميعاً، وخصَّ ستالين بالنقد اللاذع، مؤيداً طرده من السكرتارية العامة للحزب.
منذ منتصف عام 1922 كان لينين يعاني سلسلة من السكتات الدماغية. وبحلول عام 1923 أصبح غير قادر على المشاركة في نقاشات الحزب الذي بناه. وعندما توفى في عام 1924 تم تحنيط جثته، وتحويله نوعاً ما إلى قديس، وكان هذا ما يروّعه قبل وفاته. وقد حثت أرملته، كروبسكايا، على عدم تحنيطه ، لكن ستالين لم يكن ليسمع كلامها .

ثمود، حضارةٌ إعْتَدَت ثم بَادَتْ ‏

حكاية المدينة التي مر عليها الرسول”ص” فغطى رأسه بردائه

 

محمد الـقـنــور : ‏

 

ثمود هي ليست مجرد قصة لمدينة وشعب كانا ولم يَعُدا، هي في الواقع حكاية حضارة سادت ثم بادت ، إنقرض سكانها، ولكن بقيت معالمها شاهدة ، وقائمة تحيط بها مئات الألغاز والأسرار ، وتنصبُّ حولها العشرات من التحليلات التاريخية والتنقيبات العلمية ، التي تحاول جاهدة تقصي ماضي هذا الشعب وكيفيات عيشه ، ومعالم هذه الحضارة من خلال ما خلفته من  قصور وقلاع، من منازل وطرقات ، من أبار وحظائر مواشي ، من أسوار وأسرار، من نمط عيش لاتزال  تشهد عليه الحفريات المرتبطة بها، ،كدلائل تترجم هول ما تعرضوا له ‏من كارثة عقابية إلهية ، تؤكدها كل الكتب السماوية، وتكشف صدقها  الدراسات الحفرية العلمية .

إنها قصة شعب ثمود الذي أسس مدائن صالح والتي  تعرف حاليا بمدينة الحِجْر، على مستوى تراب المملكة العربية السعودية هي موقع أثري يقع في شمال غرب المملكة العربية ‏السعودية وتحديداً في محافظة العُلا التابعة لمنطقة المدينة المنورة.

تحتل مدينة المدائن أو مدائن الحجر، أو ثمود  موقعاً إستراتيجياً على الطريق الذي ‏يربط جنوب شبه الجزيرة العربية بالعراق بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر، مما يعني أن شعب ثمود كان شعبا قويا على المستوى الحضاري والثقافي، كما حظي بشهرة تاريخية استمدّها من موقعه على طريق التجارة القديم الذي يربط جنوب شبه الجزيرة العربية ‏بالشام من جهة، وبمصر وبلاد الحبشة واليمن من جهة ثانية  .
فمدينة الحجر هو الاسم الذي لايزال يطلق على ديار شعب ثمود بوادي القرى بين المدينة المنورة ومدينة تبوك في المملكة العربية السعودية حاليا.

وقد ورد ذكر الحجر ‏في القرآن على أنها موطن قوم ثمود، الذين لم يستجيبوا  لدعوة نبي الله صالح عليه السلام ،وكان صالحا نبيا عربيا قبل الرسول ‏الأعظم بمئات السنين، ثم  وقتلوا الناقة التي أرسلها الله لهم آية فأهلكهم تعالى بالصيحة.‏
والآن، تعد مدائن صالح من أهم حواضر الأنباط بعد عاصمتهم البتراء،على أساس أن شعب ثمود هو شعب نبطي، إذ ‏تحتوي على أكبر مستوطنة جنوبية لمملكة الأنباط بعد البتراء في الأردن، والتي تفصلها عنها مسافة 500 كم، ويعود ‏أبرز أدوارها الحضارية إلى القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي، وذلك خلال فترة ازدهار الدولة النبطية وقبل ‏سقوطها على يد الإمبراطورية الرومانية عام 106م، ويُعتقد أن مدينة الحِجْر استمرت في حضارتها حتى القرن الرابع ‏الميلادي، وكانت عاصمة مملكة لحيان في شمال شبه الجزيرة العربية.‏

وتضم آثار مدائن صالح 153 واجهة صخرية عملاقة منحوتة، كما تضم عدداً من الآثار الحديثة الإسلامية والتي تتمثل في ‏عدد من القلاع وبقايا خط سكة حديد الحجاز والتي تمتد لمسافة 13 كليومتر، وبقايا المحطة والقاطرات. لدرجة أنه في سنة 2008 تم تسجيل الموقع ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، ليصبح بذلك أول موقع يتم تسجيله في العربية السعودية. كما يوجد ‏موقع أثري آخر يعرف بمدائن شعيب وهي “مدين” الوارد  ، نسبة إلى النبي شعيب عليه السلام ، وهو بدوره نبيا عربيا ورد ذكره في القرآن ‏الكريم ،أرسله الله إلى شعب مدين الوارد ذكرهم في القرآن الكريم وفي الكتب القديمة ، تحت إشارة “أصحاب الأيكة” وتقع مدين شمال غرب مدائن ‏صالح بمنطقة  تبوكـ ، حيث لاتزال تحتوي  على مواقع أثرية تشبه تلك الآثار المتواجدة بمدينة البتراء في بادية الأردن .

 

وكان  الباحث التاريخي بريدجر فيلبي Bridgger Philippy، قد تطرق في مقال كتبه قبل سبعين سنة ، في المجلة التاريخية الإمريكية ‏، إلى مكونات موقع ثمود الأثرية أثر زيارة له قام بها عام 1951م .‏
بعد زيارة له لموقع مدينة ثمود ، ولم يكتف بالحديث عنه ‏حسب المرويات كما فعل معظم الرحالة من قبله ، ممن ذكروا وكتبوا عنه إستنادا إلى الروايات الشفاهية التي ظل يتناقلها الأعراب بجزيرة العرب .

ولكن  فيلبي زار موقع “حضارة ثمود” البائدة ، سيراً على الأقدام. فتحدث عن غرابته، وعن تضاريسه الصخرية الناتئة من الرمال، فذكر معالمه الآثرية ووصف خصوصياته المعمارية ، و وصف ‏الحقول الزراعية، والقنوات، والسواقي، والسدود، والحواجز، والسواتر المائية. وأشار إلى مغارتين خارج سور المدينة ‏في السلسلة الجبلية فوصفهما وصفاً مفصلاً، وأفاض في وصف كل  هذه المظاهر المعمارية من  الدوائر الحجرية ‏الضخمة، والرجوم، والمقبرات والطرقات، إلى الأواني الفخارية التي إستخرجت من أشغال الحفريات ، أو التي بقيت ‏في المنازل بعد أن أبيد أصحابها .
ومهما يكن ، فقد أنهى الباحث التاريخي بريدجر فيلبي، Bridgger Philippy بقوله : “أن معاول الآثاريين هي الكفيلة بإبراز ‏ما تحتويه مدينة “ثمود” أو “مدائن صالح” من كنوز تاريخية تراكمت عليها المخلفات الترابية عبر الأزمنة والعصور .‏
وبعد زيارة فيلبي قامت بعثة من جامعة لندن مكونة من كل من علمء الآثار  بيتر بار ‏Peter Parr، وجون دايتون ‏Jhon Daytoon، ولنكستر ‏هاردنج ‏Lankestr Hprding، في سنة  1968م بزيارة “مدينة ثمود”، وأقامت البعثة العلمية المذكورة فيه ثلاثة أيام حيث قامت بمسح طوبوغرافي ‏لمآثرها السطحية، كما وجدت هذه البعثة شيئا من الأواني الفخارية التي استطاعت أن تؤرخ جزءًا من تاريخ شعب ثمود ، لتؤكد أن الحصيلة المستخرجة من هذه الأواني ‏تعود للعصر البرونزي، أي الألف الثانية قبل ميلاد المسيح ، مع وجود أنواع تؤرخ بفترات لاحقة ، مما يعني ‏أن حضارة “ثمود” إستمرت قرونا متتالية، إلى أن حاق بهم عذاب الله .‏

ولأن العلم يعضِّدُ الدين ، فقد يمكن تقريب ما وقع لشعب ثمود، الذي أبيد عن آخره ، وكأنهم حسب مفكرين إسلاميين ‏من ضمنهم الدكتور الراحل عبد الصبور شاهين، قد تعرضوا لكارثة شبيهة بالقنبلة الــ “نيثروجينية” أو الـ”هيدروجينية” ، كانت قد أبادت النسل والحرث ‏والضرع، وتركت العمران ومعالمه شاهدة عنهم .‏
‏ ويُخبر القرآن الكريم عنهم : “كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ(18)إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ ‏مُسْتَمِرٍّ(19)تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ(20)فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ(21)وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ ‏مُدَّكِرٍ(22)”.‏
وقد ورد ذكر ثمود في القرآن مقرونا بقوم عاد غالبا وأخبر القرآن عنهم “أنهم كانوا ينحتون الجبال ليصنعوا لهم بيوتا” كما ورد ‏ذكر ثمود في نصوص الآشوريين من خلال أحد معارك سرجون الثاني،الملك الأشوري والتي انتهت بانتصار مملكة ‏آشور على الثموديين .‏
وفي سنة  1981م زار الموقع فريق من وكالة الآثار والمتاحف السعودية التابع لوزارة المعارف “وزارة التربية والتعليم ‏حالياً”، وكان موقع مدينة ثمود من ضمن المواقع الممسوحة طوبوغرافيا ومجهريا ، فتحدث تقرير الوكالة المعنية عن المظاهر الأثرية على سطح الموقع، وخص ‏مادة الأواني الفخارية من بين المواد الأثرية المنقولة بحديثٍ مفصل نوعاً ما، ولكنه لم يتجاوز كثيراً الاستنتاجات التي ‏سبق أن طرحتها بعثة جامعة لندن . ‏

بعد ذلكــ  أفرد “بيتر بار” Peter Barr  مقالا إستطلاعيا عن موقع مدينة شعب ثمود نشره عام 1992م في الموسوعة الثوراتية ، حيث ارتكزت استنتاجاته على ‏دراسته لمادة الأواني الفخارية القديمة ، التي عُثر عليها أثناء عمليات التنقيب والحفْر،  وقدم العديد من المقارنات ‏والاستنتاجات التي خلُصتْ أن تاريخ الأواني الفخارية التي وُجِدت بالموقع يعود إلى بداية الألف الثاني قبل الميلاد ، وأثبتَ بالأدلة الإستقرائية أن هذه الأواني والأدوات الفخارية مصنوعة  محلياً، ولم تكن مجلوبة من طرف القوافل، من حضارات مجاورة، مما يفيد وجود أنشطة صناعية لدى شعب ثمود .

في سياق مماثل ، نشر عالم الحفريات  دايتون Daytoon مقالاً ناقش فيه مجموعة من قطع  الأواني الفخارية التي تم العثور عليها بموقع مدينة ثمود أثناء عمل بعثة علمية من جامعة ‏لندن ، بناء على المسح السابق لسنة  1968م  .‏
‏ وبالإضافة إلى ما ذكر توجد العديد من الأبحاث التي تطرقت للأواني والأدوات الفخارية التي عُثر عليها بمدينة ثمود ومع وجود كل هذه الأعمال العلمية المذكورة يبقى بحث ‏فيلبي Philipy و دايتون  يمثلان القاعدة الأساسية لدراسة هذا الموقع السحيق في القدم ، خصوصا وأن هذا المقال كان قد كتبه فيلبي  كان الموقع الأثري لشعب ثمود لا يزال يحتفظ بكثير ‏من مظاهره السطحية، إضافة إلى مختلف التفاصيل التي أتصف بها المقال في كل النقاط ، وبخاصة مناقشته للمظاهر الأثرية ‏المعمارية الظاهرة على سطح الموقع ، وتطرقه إلى طبوغرافية موقع مدينة شعب ثمود وما حولها. وهو ما جعل  ترجمته ونشره خلال السبعينيات من القرن الماضي ، تحظى بالأهمية البالغة .

موقع أثري ورحالون

هذا، وكان  العالم قد عرف وجود الآثار القديمة في مدائن صالح ، أو مدينة شعب “ثمود” الواقعة على بعد حوالي 45 ميلاً شمال غرب تبوك ‏على الجزء السعودي من خطة سكة حديد الحجاز التاريخي ، لأكثر من قرن.

فقد ذكر الموقع لأول مرة سنة 1848 من طرف الرحالة السويدي ‏ج. أ. والين، J A VALLIN الذي وصفه د.  هوكارث Hukkart “كواحد من أوائل الأوروبيين ممن وطأت أقدامهم أرض الجزيرة العربية على ‏الأطلاق.” ولكن، بالرغم من قدرة ج. أ. والين، J A VALLIN على عبور الجزيرة العربية بسهولة جداً ذهاباً وأيابا، دون أن يعترض طريقه قطاع الطرق ، أو تعرقله صراعات القبائل العربية، فإنه ظل  يحظى بتقدير مختلف المجامع الأكاديمية في أوروبا، وقد سار على منواله خلفه  في المنطقة، العالم الرحالة البريطاني “دوجلاس كروثرز”، D  Crothzeer رغم كون هذا الأخير عبر في مذكراته عن خيبة أمله أثناء وصوله ‏إلى تبوكــ بسبب تخوف سكانها منه إلى درجة أنه خلال عشرين يوماً ، لم يستطع مطلقاً أن يقنع أي بدوي عربي بإصطحابه كدليل ‏إلى مدينة ثمود أو حتى إلى أطلال موقع بلدة “القصير” القديمة الأثرية الواقعة في طريق ثمود، ومن المرجح أن بلدة “القصير” كانت هي الأخرى مستوطنة ثانوية من شعب ثمود .‏

ثم جاء “تشارلز داوتي” رحالة أوربي آخر الذي سمع عن آثار مدينة ثمود، وسافر متخفيا مع قافلة للحجاج في شهر نوفمبر ‏عام 1876 وإستطاع أن يدخل في طريقه إلى “مدائن صالح” أو مدينة “ثمود” مما جعله يصنع مجداً أثرياً باكتشافه ‏ووصفه لآثارها النبطية. ‏

وقد روى الرحالة “تشارلز داوتي”Charles Dawtty قصة مدينة ثمود ، التي هي على بعد مسيرة إلى الشمال من تبوك، ووصف أثارها بكونها مدينة ‏عملاقة وسط الصحراء ممتدة في التلال الجرداء، وأورد أن البدو الأعراب يتناقلون عنها حكايات متواثرة وعن الثروات والكنوز الموجودة بها، وعن ما يسكنها من أرواح وأشباح، وسجل حكاية شفوية سمعها منهم، في كون قطع عملة ذهبية تحرج من الأرض في كل جمعة ، وأن البدو الأعراب من رجال القبائل المتاخمة، يقتحمونها مسرعين ، وأنهم لا يدخلونها أثاء الليل . ‏
وذكر “تشارلز داوتي” أن رجلا عربيا من قبائل بني عطية ، ذكر له أنه يوجد كهف من الحجر الرملي ،بــ “مدائن صالح” مدينة شعب ثمود لم يسبق أن ‏زاره أحد، وله بوابة وبعدها بهو منحوت في الصخر، وفي جدرانه غرف جانبية، أقسم أنها مثل الحوانيت في السوق، ‏توجد بها كنوز وثروات عظيمة ، من خلف باب لا يدخل منه أحد، وأن الباب يحرسه رجل أسود بسيفه المسلول، أشار أنه مارد من الجن .‏
وفيما بعد بأقل من سنتين، في الرابع والعشرين من فبراير عام 1878م استمر الإيرلندي ريتشارد بورتن وهو رحالة ‏مستكشف آخر من ساحل البحر الأحمر فوصل إلى رأس الخورياتة عبر الحافة الغربية لهضبة حسمى من أجل نظرة ‏سريعة للأرض الواعدة التي من على عتبتها أجبرته عدوانية وفوضى بدوها على الرجوع. ‏
وأفاد “ريتشارد بورتن” في مذكراته أنه في طريقه مع البدو في الصحراء ، رأى كسرة من نقش نبطي نحت ببراعة في ‏حجر رملي أبيض ليّن، قد تم تكسيره بوحشية ، وكانت كل قطعة منه تصل إلى مترين، تضمنت بالكامل لكتابات نبطية ‏ذكر أنها يمكن أن يُحصل منها على معلومات مفصلة حول “حضارة ثمود”.


وفي سنة 1878م نشر” جال روان” كتابه الممتع “مناجم الذهب في مدين” والذي تضمن حديثا عن شعب “ثمود” و عن مدائن ‏صالح ، مؤكدا ” أن هذه المدينة لم يزرها أي رحالة أوروبي “.‏
وفي سنة عام 1884م زار تبوك الرحالان المشهوران الفرنسي “جيل أويتنج” والألماني “تشارلز هوبير” وهما في ‏طريقهما لاكتشاف مسلة تيماء المشهورة، والمتواجدة الآن بمتحف “اللوفر”، ولكنهما لم يصلا إلى آثار مدينة ثمود التي ‏من المؤكد أنهما سمعا. بعد ذلك يبدو أن إقليم تبوك بقي في النسيان لمدة ربع قرن، وفي عام 1910م ظهرت في الأفق مرة ‏أخرى كنتيجة لزيارات ما لا يقل عن أربعة مستكشفين أوروبيين من ذوي القدرات العالية.‏

إعادة اكتشاف ثمود

كان أول من إكتشف مدينة ثمود من الغربيين هو العالم الرحالة “دوكلاس كروثرز” الذي كان هدفه الأول الكتابة عن ‏‏”حيوانات الغزلان” المعروفة بالريم العربي، والتي طالما تغنى بجمالها وخفة ظلها الشعراء العرب عبر العصور ، والتي كانت حتى أواسط القرن 19  وبداية القرن العشرينالميلاديين وفيرة في صحراء الجزيزة ‏العربية الشمالية ولكنها انقرضت الآن من المنطقة ذاتها، لتقتصر فقط على المحميات في تهامة وبعض مناطق الحجاز، علماً أنها لا تزال توجد في صحراء الربع الخالي وعلى أطرافها، وكذا ‏طيور النعام التي كانت حينها منقرضة في الجنوب، ولا تزال منذ جيل أو أكثر ترعى بمناطق الشمال الحجازي وعلى مستوى أراضي نجد في أعداد كبيرة، مع أنها ‏اختفت تماماً خلال القرن المنصرم نتيجة الصيد الجائر وتعقبها بالسيارات. ‏

هذا،ولم يُنشر تقرير “كروثرز” عن رحلته الذي احتوى على تيماء حتى عام 1935م، ويحتوي فقط على إشارة عابرة إلى ‏مدينة ثمود كموقع مهجور بين التلال شمال تبوك، مؤكدا آنذاك أنه موقع لم يكتشف بعد.‏
وبعده مباشرة جاء القسيسان “جوسين” و”سافنياك” بالقطار الجديد يومذاك إلى تبوك من المدرسة التوراتية في القدس. ‏وقد استطاعا أن يزورا قُصير تمرة ، وضواحيه المباشرة في سبيل البحث عن النقوش الثمودية وعن مدائن صالح والعلا ‏وتيماء وقد جمعوا سبعمائة نقش أثري .‏
ومهما يكن ، فقد جاء بعدهما العالمان الأثريان “تشارلز هوبر” و”يوليوس أويتنج” في الثمانينات. كانت تحركاتهم في تبوك محدودة، ‏فلم يزورا مدينة ثمود ولا أي مواقع أثرية قديمة أخرى في تلك الضواحي ماعدا منطقة “قُصير تمرة” .‏
كان في صيف السنة 1935نفسها عندما سافر المستكشف النمساوي الويس موزل, الذي كان يعرف جيدا شمالي الجزيرة ‏العربية, من مدينة العقبة الأردنية إلى منطقة مدين، فدخل أرض ثمود من الغرب: ليصبح أول مستكشف لجزئها الجنوبي، ‏حيث عبر من منطقة الساق إلى منطقة تبوك، وأعاد اجتيازها في اتجاه جنوب غربي ليكتشف معبد “روافه الصحراوي” ‏ويطلع على نقوشه اليونانية و النبطية، ويكتشف عود رخامي طويل كُتب عليه تكريما لأمبراطورين الرومانيين ‏‏”ماركوس اورليوس انطنيوس” و”لوكس اورليوس فايروس”. ‏
وكان  النمساوي “الويس موزل” قد إنطلق في اتجاه الجنوب ليعبر حقل “اللافا البركانية” الفسيح من مدينة “الرها” بالقطار، ومن ‏هناك رجع إلى مدينة معان .‏
وقد قام النمساوي موزل برحلته هذه، متجشما المخاطر، وما وصفه في مذكراته بفوضى قبائل بني عطية ، وهي ‏الفوضى – حسب تعبيره – التي كانت تلعب فيها نساء البدو دوراً بارزاً، غير أنه لم يكن قادراً أن يزور مدينة ثمود التي ‏ذكرها عرضاً في نص كتاب رحلته الضخم المنشور في أمريكا بعد ستة عشر سنة من قيامه بالرحلة التي إكتفى فيها ‏بزيارة البتراء، عاصمة الأنباط .

هذا، وبرحيل موزل أسدل الستار مرة ثانية على أسرار ثمود ، التي يبدو أن جيش الأمير ‏فيصل مرّ من جانبها، لتظل مدينة ثمود بكراً عصيت عن الإستكشاف، وليبقى سحرها غير مدروس، ومتوارية عن ‏الأنظار لقرون متتالية .‏

هـــــلاكـ  ثـمـود

ومن الوجهة الدينية ، وكما هو معروف ، فقد أرسل الله نبيه العربي صالحاً عليه السلام إلى شعب ثمود الذين آتاهم الله من التمدن والقدرة على التغلب ‏على جفاوة الصحراء ، والقوة والبأس ما كانوا به يقطعون الصخر وينحتون الجبال ويتخذونها بيوتًا, وأرسل معه الناقة ‏آية بينة مبصرة على صدق نبوته، فكذبوه واستهزئوا بعذاب الله وقتلوا الناقة, فعاقبهم الله بما أخبر في كتابه, فأمهلهم ‏صالح عليه السلام ثلاثة أيام أصابهم بعدها عذاب الله وانتقامه مصداقا لقوله تعالى : “إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا ‏كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِر”. وقال تعالى: “فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين” “وإنما عَنَى بـ (الرجفة) ها هنا الصيحة ، ‏التي زعزعتهم وحركتهم وما نجم عنها من هلاكــ  ، وقد يفهم منها وباءا وليس زلزالا، وإشعاعا وليس دمارا ، لأن البيوت والآثار ظلت ‏قائمة ، وقد قال الإمام الطبري : أن ثمودا هلكت بالصيحة، ولم يزد على ذلكـ .‏

وقد قال تعالى: “فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة” أي بالصيحة التي طغت وفاقت كل الصيحات ، كما رجح ابن جرير، فكان ‏عذابهم بالصيحة “فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين” أي صرعى لا أرواح فيهم .‏
في حين تورد مصادر إسلامية أخرى عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: “لا ‏تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين” ثم غطى رأسه بثوبه، وأسرع في السير حتى تجاوز منطقة ديار ثمود و الوادي المجاور لها . ‏
ولكن الصحابي ابن عمر رضي الله عنهما يورد “أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ‏ثمود, فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين, فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل ‏العجين, وأمرهم أن يستقوا من البئر فقط التي كانت تَرِدُها الناقة”، ويبدو أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ‏زيارتها مطلقاً بل أباحه بشرط التفكر والخوف والاعتبار فقال: “لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين”، وهو ما عبر عنه الإمام الفقيه ‏ابن الجوزي  في معنى البكاء الوارد في الحديث: “إنما ينشأ البكاء عن التأمل في المكان والتفكر في المصير .‏
وهذا هو معنى النظر في عاقبة الظالمين المكذبين كما ورد في الآيات القرآنية ، وأكمل الاعتبار والتفكر يكون بالبكاء من ‏خشية الله.‏
من جهة أخرى،  ذهب فقهاء متشددون آخرون أن هذا النهي للتحريم خلافاً لمن قال بالكراهة؛ فقد نهى الرسول الصحابة وهم في ‏الجهاد عن الدخول لهذه المدينة إلا على هذه الصفة، فكيف لمن كان قصده النزهة لا غير، وأشار هؤلاء أن الأصل في ‏النهي هو التحريم .‏

ثمود في التاريخ

تقع ديار ثمود في مدينة الحجر على بعد 22 كيلومتر, شمال شرق مدينة العلا, وهو المكان المعروف عند الناس بمدائن ‏صالح, وما زال اسم الحجر منتشراً بين أهل تلك المنطقة إلى اليوم, وقد ذكر الحجر في القرآن ، مصداقا لقوله تعالى “وَلَقَدْ ‏كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِين”, ومذكور في السنة كما في صحيح البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله ‏عنهما أخبره: “أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به ‏فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر ‏التي كانت تردها ناقة صالح صلى الله عليه وسلم ” .‏
وهذه هي المنطقة المعروفة المشهورة منذ قرون إلى يومنا, وهي أظهر وأشهر ما يراه المسافر من الشام للحجاز, وقد قال ‏ابن كثير في تفسيره : “وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجر قريباً من وادي القرى, وكانت كل العرب تعرف مساكنهم ‏جيداً, وتمر عليها القوافل كثيراً “، أما المؤرخ والمحدث البلقيني فقد أكد أن معرفة بئر ناقة صالح  معلوم بالتواتر.‏

وتبقى مدينة الحجر مدينة معروفة في طريق الحجاج, حيث يعرف الناس بئر الناقة ويردون عليها ويستقون ويشربون ‏منها, إلى أن طمر بئر الناقة في الأزمنة المتأخرة, فصاروا يمرون على ديار ثمود ولا يعلمون أين توجد بئر الناقة.‏
كما أورد  الإسفرياني في جامع البيان : “جزم علماؤنا أنه لا يباح من آبار ثمود إلا بئر الناقة, وقد قال ابن تيمية هي البئر ‏الكبيرة التي يردها الحجاج في هذه الأزمنة، يعني عصره .‏
وقد أشار  ياقوت الحموي العالم الجغرافي المعروف في التراث الإسلامي والعالمي  في كتابه الشهير “معجم البلدان” : أن الحِجْر اسم ‏ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام, كما أورد الجغرافي الإصطخري أن الحجر قرية صغيرة قليلة السكان, في وادي ‏القرى على مسافة يوم بين الجبال الضخرية الشاهقة ، وذكر أن بها كانت منازل ثمود.

ولقد إستدل كل من ياقوت الحموي والإصطخري ‏بقوله تعالى : “وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ” وقد زارها ياقوت الحموي فوصفها في كتابه “معجم البلدان” كاتبا : ‏إني رأيتها بيوتا مثل بيوتنا في أضعاف “واجهات”جبال, وتسمى تلك الجبال الأثالث، وهي جبال إذا رآها الرائي من بعد ظنها ‏متصلة، فإذا توسطها رأى كل قطعة منها منفردة بنفسها، يطوف بكل قطعة منها الطائف وحواليها الرمل، لا تكاد ترتقى ‏كل قطعة منها قائمة بنفسها، ولا يصعدها أحد إلا بمشقة شديدة، وبها بئــــر ثمــــود التي قال الله فيهــا وفي الناقة “لَهَا ‏شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ” .‏

لغز الإبـــادة

في حين يؤكد العلم ، قول القرآن الكريم بكارثة الصيحة فقط ، أو ما يعرف الآن بالإشعاع القريب من الهيدروجيني ، وأن ‏عذاب الله لثمود قوم صالح كان الصيحة وليست الزلزلة، كما في الآيات الصريحة الدالة على ذلك، حيث لا توجد آثار ‏زلزال في المباني بالمدينة كلها، في حين يؤكد علماء جيولوجيين وعلماء آثار وجود آثار لزلزال في منطقة أخرى قريبة ‏من مدينه ثمود على ساحل البحر الأحمر، وقد تنبه المؤرخ الإسلامي  الشهير ابن جرير الطبري لقوله تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ ‏جَاثِمِين”، مما يدل على أن عقاب الله لحق بشعب ثمود وليس بديارهم .‏
يشكل على البعض وجود عدد من أمارات التواجد والحراك السكاني في الحجر, كوجود سكة الحديد والقلعة، إضافة إلى ‏أن فيها محطة لقوافل الحجيج واستراحاتهم, فكيف تكون هي المنطقة المنهي عن دخولها من طرف الرسول إلا على حال ‏البكاء، مما يدعو إلى الشك في صحة الحديث الذي أورده البخاري وغيره من بعض المحدثين ؟
وأن الرسول عليه السلام لايمكن أن يمنع مصلحة راجحة, كالمحافظة على ماء بئر الناقة, أو حماية قوافل الحجاج من ‏العطش.‏

مــرور النبــي

هذا، فإن وصْفَ المؤرخين وعلماء الجغرافيا لثمود المدينة وبنائها كله يشير إلى قطعا إلى المنطقة التي تعرف اليوم بمدائن صالح, فثبت ‏للجميع من القدماء والجدد أنها بنايات في الجبال في مدينة الحجر في طريق المسافر من الحجاز للشام.‏
وفي المراجع التاريخية وكتب السيرة النبوية ، أن  الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, قد مر بها وأنها هي ديار ثمود قوم النبي صالح عليه السلام, وما زال ‏الناس يتناقلون الخبر عنها جيلاً بعد جيل من قبل الإسلام، على الظن الجازم الذي تحول إلى القطع بعد مرور النبي صلى ‏الله عليه وسلم منها، حيث غطر رأسه في ثوبه ولم ينظر إليها .‏
ومع ذلكــ ، يستشكل بعض الناس ما يقوله بعض علماء الآثار من معلومات ، حيث قد يظن لأول وهلة أنها مدينة الحجر أو ‏ما يسمى اليوم بمدائن صالح، التي ليست سوى ديار ثمود وقوم نبي الله صالح عليه السلام.‏

ويستشكل آخرون من علماء الآثار والحفريات كون الرسوم والكتابات في الحجر من صنع الأنباط في القرن الثاني قبل الميلاد فكيف تكون هي ‏ديار ثمود؟

في حين يرى علماء آخرون إمكانية سكن هذه المدينة من طرف اللحيانيون قبل ميلاد المسيح عليه السلام ‏بتسعة قرون, بعد فناء دولة وشعب ثمود ، ثم إحتلالها من طرف الأنباط في القرن الثاني قبل الميلاد عندما  وجدوا مدينة جاهزة، ‏واتخذوا من بيوت الحجر معابد ومقابر لهم، وأعادوا زخرفتها ونسبوها لأنفسهم ، كما تدل على ذلكــ نقوشهم وكتاباتهم, بل وجعلوها ‏عاصمتهم الجنوبية, بعدما كانت البتراء عاصمتهم الشمالية.‏
ومع ذلك يبقى لها أحكامها الدينية في كون النبي محمد صلى الله عليه وسلم مر مع الناس بها فقال:لا تدخلوا بيوت الذين ‏ظلموا أنفسهم” حسب ما رواه البخاري في صحيحه..‏


مــــراجـــــع : 

^ تفسير الطبري 30/ 113
^ M. Th. Houtsma et al., eds., E.J. Brill’s first encyclopaedia of Islam, 1913-1936
^ Rawllnson, Cunal Form Inscriptions, Vol., I, PI., 36, Lyon, Sargon, P., 4, Musil, Deserta, P., 291
^ هوتسما et al., eds., E.J. Brill’s first encyclopaedia of Islam, 1913-1936
^ Phillip Hitti, A History of the Arabs, London: Macmillan, 1970, p. 37.

^ “Al-Hijr Archaeological Site (Madâin Sâlih)”. اليونسكو – مواقع التراث العالمي. اطلع عليه بتاريخ 22 أكتوبر 2014.
^ “«مدائن شعيب»..عبقرية تضوع بعبق التاريخ”. صحيفة عكاظ. 29 يناير 2013. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2014.
^ Dedan and Its Santuary
^ Alexander Sima: The ancient name of Dedan. in: Biblical Notes 104 (2000), pp. 42-47.
^ المفصل ج 2 ص 201
^ المفصل ج 2 ص 202
^ Grimme – H. Grimme, Neubearbeitung der wichtigeren Dedanischen und Lihjanischen Inschriften, Le Muséon, vol. L, Louvain 1937 p.271
^ Werner Caskel,Die Bedeutung der Beduinen in der Geschichte der Araber Köln & Opladen : Westdeutscher Verl., (1953) p.94
^ جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 2 ص 244
^ Ancient Arabs – قدماء العرب: تماثيل لحيانية – Lihyanite Statues
^ تعدى إلى الأعلى ل: أ ب P.K. HITTI, OP. CIT., P.72
^ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 2/ 244
^ F. ALTHEIM AND R. STIEHL, OP. CIT., P.93
^ F. ALTHEIM AND R. STIEHL, OP. CIT., P.94 وكذا A. MUSIL, THE NORTHERN HEGAS, P.29
^ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 2/ 243
^ عبد الرحمن الأنصاري: لمحات عن بعض المدن القديمة في شمال غربي الجزيرة العربية 1/ 79
^ W. CASKEL, LIHYAN UND LIHYANISCH, P.44
^ F.V. WINNET AND W. REED, OP. CIT., P.116F
^ عبد الرحمن الأنصاري: لمحات عن بعض المدن القديمة في شمال غربي الجزيرة العربية ص80.
^ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 2/ 24
^ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 2/ 247
^ F. ALTHEIM AND R. STIEHL, OP. CIT., P.95
^ تعدى إلى الأعلى ل: أ ب جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 2/ 246
^ W. CASKEL, OP. CIT., P.35
^ ديتلف نلسن: التاريخ العربي القديم ص43.
^ W. CASKEL, OP. CIT., P.42
^ The New Encyclopædia Britannica: Macropædia Volume 13. USA: Encyclopædia Britannica, Inc. 1995. صفحة 818. ISBN 0-85229-605-3.
^ “HISTORY: Creation of Al-Hijr”. Historical Madain Saleh. اطلع عليه بتاريخ 2014-04-07.
^ The New Encyclopædia Britannica: Micropædia Volume 5. USA: Encyclopædia Britannica, Inc. 1995. صفحة 809. ISBN 0-85229-605-3.
^ The New Encyclopædia Britannica: Macropædia Volume 13. USA: Encyclopædia Britannica, Inc. 1995. صفحة 840. ISBN 0-85229-605-3.

سقايات مراكش : ثرات معماري وحضاري يحْتضِرُ بسبب الإهمال

محـمد القـنور ‏:
عدسة : محمد أيت يحي ‏:

 

تبدو السقايات المتبقية بمدينة مراكش، وكأنها تخوض حربا صامتة ، من أجل البقاء وتجنب الاندثار ‏والانقراض، بعد أن كانت في الزمن الماضي ، وعبر الحقب الحضارية المغربية، “أسْبِلةً” مفتوحة ‏لإمداد العباد والبلاد والدواب بالماء، من خلال ماكانت تضطلع به من دور إجتماعي أساسي وبيئي و ‏خدماتي يكمُنُ في تزويد المدينة بالماء كمادة حيوية أساسية ،وتوطيد عناوين الحياة والآمان في ‏أسواقها وأزقتها ، مما يعكس مدى إهتمام المغاربة بالماء كنعمة من نعم الله، شاء لها الخالق أن تكون ‏مصدر حياة في كل شيء. ‏
والواقع، فإن كانت بعض السقايات على قِلَّتِها الآن في مراكش وندرتها ، تقوم بدور اجتماعي ، فإنها ‏لاتحظى حتى بالتعريف الجيد عن كونها من المعالم الحضارية المُؤثرة على الحياة المجتمعية ، ومن ‏مآثر المدينة، نتيجة عدم إستثمارها في إنعاش القطاع السياحي بالمدينة، كمعالم ومواقع آثرية تكشف ‏عن عمق حضارة الماء بمدينة الرجال السبعة،حيث تفتقر حتى لليافطات الرخامية التي تكشف عن ‏تاريخها ومصادر مياهها، وسعة صبيبها الذي كان ، متدفقا سلسبيلا عبر مختلف العصور، وعن ‏دورها في الحفاظ على الأمن المائي ، عبر التاريخ كنقطة حياة ظلت تلتقي عندها القوافل والأحياء ، ‏ويتغذى من مياهها الإنسان والدواب على حد سواء‎.‎‏ .‏

إلى ذلكـ ، تشكل معظم ما تبقى من سقايات مدينة مراكش، مواقعَ مهددة بالاندثار ، تحت إرتفاع حمى ‏تحويلها لمعارض خدماتية أو “بازارات”، في إنكار يصفه بعض المتتبعين والمثقفين وحتى بعض ‏المنعشين السياحيين بالفظيع إتجاه دورها التاريخي والسوسيو ثقافي والخدماتي ، ولأهميتها كثرات ‏معماري يعكس عمق حضارة الماء المغربية.‏
في حين تم إغلاق سقايات أخرى في مراكش، وتسويتها بالجدارات المجاورة على غرار سقاية حي ‏أسوال وحي البارديين، وسقايات أخرى، إو إقتلاعها من أمكنتها ، بينما تحولت سقايات مماثلة لمجرد ‏فضاءات لرمي القمامات ، حيث بات يسودها الإهمال ويكتنفها النسيان كسقاية حي القصور بمراكش، ‏في حين بقيت سقايات أخرى صامدة، تصارع عوادي النسيان تنتظر الاهتمام والعناية الكفيلين ‏بالمحافظة على هذه البنايات، كسقاية “أشرب وشوف” التي تشكل جزءا من ذاكرة المدينة الحمراء.‏
هذا، ولقد شكلت السقايات المائية ، منذ عهد المرابطين والموحدين، نظاما ناجعا ومستديما لتزويد ‏الساكنة المراكشية بهذه المادة الحيوية، إذ كانت تقوم باستقبال وجمع وتخزين وإعادة توزيع المياه ‏التي تأتيها من مواردها الطبيعية الأصلية، من خلال استخدام سلسلة الخطارات وتقنية الآبار وإعداد ‏الصهاريج كآليات وتقنيات التي تقوم بتدبير الماء من مرحلة منبعه إلى توزيعه .‏
وطبيعي، أنه كان لكل حي من أحياء المدينة العتيقة سقايته الخاصة به، فضلا عن السقايات الكبيرة ‏التي تتموقع في الساحات، وبقرب المزارات والقباب والجوامع ، والتي كانت تتكون من صهاريج ‏مخصصة لشرب الدواب، إضافة إلى صنبور يُعرف بــ “البزبوز” للماء الشروب، يغلق بقطعة خشب ‏كانت تسمى “اللزاز” وكانت مثل هذه السقايات الكبيرة ، على غرار سقاية “سيدي لحسن أو علي” ‏في حي باب دكالة، وسقاية القصور ، وسقاية المواسين،وسقاية حي رياض الزيتون وسقاية باب الخميس بحي الحدادين وغيرها ‏من السقايات الكبيرة التي تتمركز بين الأسواق أو قرب الفنادق العتيقة لتسهيل عملية إستفادة الساكنة ‏والمارة والقوافل من الماء.‏

كما ظلت مراكش تتوفر على شبكة هامة من السقايات الصغيرة مقارنة بالسقايات المذكورة، والتي ‏كانت تتغذى من الخطارات ومن السواقي والعيون المحيطة بمراكش مثل “عين قاو قاو” وعين ‏سيدي مسعود و”عين إيطي” و”عين مزوار” وعين “ماء فوق ماء” وغيرها ..‏

‏ كما كانت الكثير من الصهاريج العمومية كصهريج “البقر” و”المنارة” وصهريج “الغرسية” ‏و”دار لهنـــا” في حدائق أڭدال، أو الصهاريج والمطفيات الخاصة التي كانت تتواجد داخل العراصي ‏وبعض الرياضات والمدارس العتيقة والزوايا والمراحيض العمومية، والتي كانت تمون بالماء عبر ‏المساريب الباطنية المرتبطة بالسواقي، والمَعْدَات ، كنِقَاطِ إلتقاءٍ مائية باطنية تعيد توزيع الماء على ‏الدروب وأجنحة الدروب المشهورة بإسم “الصَابَات”، حتى أن بعض الدروب داخل مراكش العتيقة ‏لاتزال تحمل إسم “المَعْدة”..‏
وقد ذكر المؤرخ المراكشي القاضي عباس بن إبراهيم التعارجي، في مؤلفه ‏‎”‎الإعلام بمن حل ‏بمراكش وأغمات من الأعلام ” أن سقايات مراكش بلغت ما ينيف عن مئة سقاية خلال فترة الحماية، ‏كان قد أحصى منها بالمدينة المذكورة 89 سقاية، مشيرا أن هذا العدد من السقايات كان مضاعفا قبل ‏هذه الفترة، في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي ‏‎.‎

ومهما يكن، فإن السقاية ظلت تشكل جزءا أساسيا ومحورا داخل الأحياء التقليدية بمراكش، وبؤرة ‏تؤثث المكان لتؤكد مدى عمق سيمفونية الماء، كملحمة إيكولوجية وثقافية طبعت مسار التمدن ‏المغربي، لدرجة أن مجموعة من الدروب بمراكش حملت بدروها إسم “درب السقاية” من حومة بن ‏صالح، إلى الزاوية العباسية ومن القنارية إلى إسبتييـــــن، تأكيدا لمكانة السقايات في جغرافية ‏المدينة، ولدورها الرئيسي في الحفاظ على الأمن المائي، ونشر قسمات الحياة والبركات والثقافة ‏التشاركية ، ‏
‏ وتبقى سقاية “اشرب وشوف‎” ‎‏ التي بنيت في فترة السعديين ، والمتواجدة بحــي أمصفح المرابطي، ‏أشهر سقايات مراكش، نتيجة ماتتميز به من فرادة في هيكلها المعماري ، ومن زخرفة راقية غنية ‏وأصيلة، تبرز خصوصية الهندسة المغربية، من خلال الآيات القرآنية والكتابات والزخارف ‏الموضوعة على خشب النخيل، والتي تطلبت حسب الخبراء زمنا طويلا، ودربة خاصة ، حيث تم ‏وضع أخشاب جدوع النخل المستعصية على النحت، زمنا طويلا في صهاريج من الخل البلدي، ‏لتتماسك أليافها ويسهل نحتها ووضع النقوش عليه ، كما تستمد سقاية “اشرب وشوف” رونقها ‏وصيتها من إسمها الذي إنبثق من التوحد بين عذوبة الماء الزلال ، وروعة المعمار الخالد.. مما ألهم ‏الكثير من المعماريين والمهندسين والفنانين ودفع بالعديد من الأثرياء العالميين والمغاربة في ‏مراكش،إلى إستنساخها وإستحضار أبعادها المعمارية، ورونقها الأصيل.‏


‏ ولاتنافس غرائبية وجمالية وشهرة “سقاية أشرب وشوف” في مراكش، سوى سقاية الضريح ‏العباسي بحي الزاوية، والتي يعود تاريخ بنائها إلى فترة السلطان المولاي إسماعيل ، والتي لاتزال ‏تقف في أبهتها الكاملة ، المرصعة بالزليج والزخارف الجبصية، خصوصا بعد عملية ترميمها وإعادة ‏لمسات الحياة إليها، كتراث يشكل جزء من هويتنا ثقافتنا.‏
وتجدر الإشارة، أن المركز المتوسطي للبيئة لمراكش كان قد قام بعمليتين لترميم سقاية باب دكالة ‏سنة 2009، وسقاية ” سيدي عبد العزيز” سنة ‏‎2010‎، وذلك في إطار البرنامج الأورو-متوسطي ‏‏”أوروميد إيريتاج 4″ الممول من طرف الاتحاد الأوروبي‎.‎
وقد ساهم عدد من الشباب المراكشي المثقف بتعاون مع مفتشية الآثار بالمدينة،في هاتين العمليتين ‏اللتان تمتا وفق منهجية بنائية مضبوطة اعتمدت على تاريخ تشييد كل سقاية على حدى، ‏وإستحضرت سياقات وميكنيزمات تطبيق تقنيات خاصة بعملية ترميم الآثار، والبحث عن الشكل ‏المعماري الذي كان يميزها في زمن بنائها.‏

ذكرى استرجاع طرفاية ، ملحمة خالدة في سجلات الكفاح الوطني

 

هاسبريس :

 

تشكل ذكرى استرجاع طرفاية إلى حظيرة الوطن، التي يخلد الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، يوم غد السبت 15 أبريل ، ذكراها ال59، في أجواء التعبئة الوطنية الشاملة والمستمرة، واليقظة التامة تحت القيادة الرشيدة للعرش العلوي المجيد، محطة بارزة لاستحضار مسار الكفاح الوطني من أجل استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية.
فقد قدم المغرب، ملكا وشعبا، تضحيات جسام، لمواجهة الاستعمار الذي جثم بثقله على التراب الوطني قرابة نصف قرن، وقسم البلاد إلى مناطق نفوذ موزعة بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب والحماية الإسبانية بشماله وجنوبه٬ فيما خضعت منطقة طنجة لنظام دولي٬ ما جعل مهمة تحرير التراب الوطني صعبة وعسيرة بذل العرش والشعب في سبيلها تضحيات جسام في غمرة كفاح وطني متواصل الحلقات طويل النفس ومتعدد الأشكال والصيغ لتحقيق الحرية والاستقلال والوحدة والخلاص من الاستعمار إلى أن تحقق النصر المبين والهدف المنشود بعودة الشرعية ورجوع بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، والأسرة الملكية الشريفة من المنفى إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955 حاملا لواء الحرية والانعتاق من ربقة الاحتلال.
ولم يكن انتهاء عهد الحجر والحماية إلا بداية لملحمة الجهاد الأكبر لبناء المغرب الجديد الذي كان من أولى قضاياه تحرير ما تبقى من تراب المملكة من نير الاحتلال. وفي هذا المضمار٬ كان انطلاق جيش التحرير بالجنوب سنة 1956 لاستكمال الاستقلال في باقي الأجزاء المحتلة من التراب الوطني٬ واستمرت مسيرة التحرير بقيادة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس بعزم قوي وإرادة صلبة.
لقد كان الخطاب التاريخي لجلالته رحمه الله، بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، بحضور وفود وممثلي قبائل الصحراء المغربية موقفا حاسما لتأكيد إصرار المغرب على استعادة حقوقه الثابتة في صحرائه السليبة.
إلى ذلكــ ،  تحقق بفضل حنكة وحكمة جلالة المغفور له محمد الخامس  وبالتحام مع شعبه الوفي استرجاع إقليم طرفاية سنة 1958 والذي جسد محطة بارزة على درب النضال الوطني من أجل استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية.

 


وقد واصلت البلاد في عهد جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، ملاحمها النضالية٬ حيث تم استرجاع مدينة سيدي إفني سنة 1969 وتكللت بالمسيرة التاريخية الكبرى مسيرة فتح المظفرة في 6 نونبر 1975 التي جسدت عبقرية الملك الموحد الذي استطاع بأسلوب حضاري سلمي فريد يصدر عن قوة الإيمان بالحق٬ استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى حظيرة الوطن٬ وكان النصر حليف المغاربة٬ وارتفعت راية الوطن خفاقة في سماء مدينة العيون في 28 فبراير 1976 مؤذنة بنهاية الوجود الاستعماري في الصحراء المغربية. وتم في 14 غشت 1979 استرجاع إقليم وادي الذهب إلى حظيرة الوطن.
واستمرت ملحمة صيانة الوحدة الترابية بكل قوة وإصرار لإحباط مناورات الخصوم٬ وها هو المغرب اليوم بقيادة رائده باعث النهضة المغربية صاحب الجلالة الملك محمد السادس يقف صامدا في الدفاع عن حقوقه الراسخة، مبرزا بإجماعه التام استماتته في صيانة وحدته الثابتة، ومؤكدا للعالم أجمع٬ من خلال مواقفه الحكيمة والمتبصرة٬ إرادته القوية وتجنده التام دفاعا عن مغربية صحرائه وعمله الجاد لإنهاء كل أسباب النزاعات المفتعلة وسعيه إلى تقوية أواصر الإخاء بالمنطقة وخدمة لشعوبها وتعزيزا لاتحادها واستشرافا لآفاق مستقبلها المنشود.

رمسيس الثاني ليس هو فرعون النبي موسى

مـحـمــد الـقــنـــور :

 

أختلف علماء التاريخ والباحثون الأكاديميون المختصون في “علم المصريات القديمة ‏Egyptologie ‎‏ من خلفيات ثقافية وفكرية ومنهجية متباينة في تحديد اسم الفرعون الذي عاصر وحارب ‏نبي الله موسى وورد ذكره في كل من القرآن و التوراة ‏
وقد قرر الباحث الأمريكي بول ف بورك في كتابه ( ‏the world of Moses‏ ): أن الكتابات ‏المصرية القديمة ليس فيها أية إشارة للنبي موسى ، كما أن التوراة والقرآن لم يذكرا أسم ‏الفرعون المعاصر لموسى ولم يشيرا إلى التاريخ الزمني لهما ، وأكد “بروكـ” أنه ليس على ‏الباحث إلا أن يقارن بين الأحداث التاريخية التي ترجح على أن موسى قد ولد حوالي 1525 قبل ‏الميلاد ، أي قبل الخروج الإسرائيلي من مصر بثمانين عاما . ‏
وقارن العالم المختص في التاريخ “بوركـ” بين ما استقاه من التاريخ الزمني لعصر موسى وبين ‏التاريخ المصري القديم ، مرجحا أن تلك هي الفترة التي حكمت فيها الملكة”حِـتْشِبْسُوت” ، ويرى ‏أنها هي التي قالت عنها التوراة أنها بنت الفرعون التي ذهبت لتغتسل في النهر فعثرت على ‏تابوت موسى واتخذته ابنا لها .‏
وأكد الباحث “بوركــ” خلال هذه نظريته حول أحداث قصة موسى وقصة “حِـتْشِبْسُوت” وكيف ‏انتهت المرحلة الأولى بهرب موسى من مصر، مشيرا إلى أن “حِـتْشِبسُوت” كانت ابنة لــ ‏‏”تُحْتُمِّس” الأول حين عثرت على تابوت موسى وتبنته ، ثم تزوجت من أخيها غير الشقيق ‏‏”تُحْتُمِّس” الثاني الذي أصبح فرعونا وجلس على عرش مصر خمس سنوات فقط ، ومات دون ‏أن ينجب منها أي ولد ، وكان لتحتمس الثاني ابن من زوجة أخرى تولى الحكم اسميا مع ‏‏”حِـتْشِبْسُوت” بعد موت والده ، وهو تحتمس الثالث ، إلا أن”حِـتْشِبْسُوت” اغتصبت منه النفوذ ‏فظل في عهدها خامل الذكر ، وعملت على أن يتولى الحكم من بعدها موسى الذي تربى في ‏البلاط الفرعوني وأصبح قائدا مهابا ، ولكن واجهتها ثورة فلم يكن موسى مصريا ولم يهتم بتأدية ‏الشعائر المصرية ، ونجحت المؤامرة في قتل “حِـتْشِبْسُوت” وأنصارها ، فاضطر موسى للهرب ‏إلى مدين ، وقد اختفت “حِـتْشِبْسُوت” من التاريخ المصري سنة 1442 قبل الميلاد، وكان عمر ‏موسى وقتها أربعين عاما ، وتذكر التوراة أنه رفض أن يكون ابن الفرعون . ‏
وبعدها يضيف “بوركـ” أن تحتمس الثالث تولى كافة سلطاته، بعد مقتل “حِـتْشِبْسُوت” وحاول ‏طمس تاريخها واضطهد أنصارها وانتقم لنفسه منها .. ‏
ويخلص “بوركـ” إلى أن فرعون موسى أكثر من شخص ، “تُحْتُمِّس” الأول الذي اضطهد بني ‏إسرائيل ، و”تُحْتُمِّس” الثاني الذي قام بتربية موسى ، ثم”تُحْتُمِّس” الثالث الذي جاء له موسى ‏فيما بعد نبيا مرسلا .. ‏
ورغم أن العالم الأمريكي “بوركـ” لم يأت بأدلة على ما قالته التوراة عن اضطهاد فرعون لبني ‏إسرائيل وتسخيره لهم، خصوصا وأنه يعتمد على التوراة في تحديد عصر موسى من وجهة ‏نظره وهو أنه في عصر “تُحْتُمِّس” وحتشبسوت .. ‏
في حين يربط الباحث الدكتور محمد عزة دروزه في كتابه ” تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ” ‏بين ما جاء في التوراة من اضطهاد الفرعون لبني إسرائيل وبين ما ورد في أوراق البردي ‏المصرية من حديث عن اضطهاد رمسيس الثاني للعبرانيين ، وكان رمسيس الثاني أعظم ملوك ‏الآسرة التاسعة عشرة التي حكمت ما بين ( 1462 : 1288 ) في فترات ما قبل الميلاد . ‏

مرتكزا على ما جاء في كتاب ” تاريخ مصر من أقدم العصور ” لــ ” بريستد ” الذي تحدث عن ‏تسخير رمسيس الثاني للعبرانيين في جنوب بلاد الشام نتيجة لما كان بينه وبين الحيثيين من ‏اتفاقيات ، وقد ذكر ” بريستد ” خروج بني إسرائيل من مصر في عهد الفرعون “مُنِفْتاح” الثاني ‏في ظروف الارتباك الذي حدث في مصر وقتها ، وأن السحرة والمنجمين نصحوا”مُنِفْتاح” ‏بتعذيب بني إسرائيل ، وظهر فيهم موسى وانتهي الأمر بخروجهم وطاردهم “مُنِفْتاح” وقتل منهم ‏حشودا كثيرة .‏
وقد اعتمد بريستد في معلوماته على المدونات اليونانية القديمة والمؤرخ المصري القديم ‏‏”ماثنيون” الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد. ‏
ويقول بريستد أنه قرأ نصوصا مكتوبة في طيبة بمنطقة الأقصر الأثرية ، وأنه وقف على ‏نصوص منقوشة باللغة “الهيروغليفية “يفتخر فيها “مُنِفْتاح” الأول بتنكيله ببني إسرائيل وباقي ‏قبائل كنعان من سكان فلسطين حين ثاروا عليه .‏
وقد إستنتج الدكتور دروزة ، خلال قراءته لما تضمنته النقوش الفرعونية الصخرية، وتحليله ‏للروايات ، أن بني إسرائيل خرجوا من مصر على دفعتين ، دفعة صغري في عهد رمسيس ‏الثاني أو أبنه ودفعة كبرى في عهد منفتاح الأول أو الثاني ، وكانت الدفعة الأخيرة هي التي ‏قادها النبي موسى ، مما يؤكد أن فرعون موسى هو “مُنِفْتاح” الأول أو “مُنِفْتاح”الثاني ، أو هما ‏معا .. ‏

 


من جهة أخرى، تناول والباحث المصري فؤاد باسيلي في كتابه ” حياة موسى” إشكالية تضارب ‏ألآراء في فرعون موسى بين الفرعون تحتمس الأول والفرعون أموسيس الأول والفرعون سيتي ‏الأول والفرعون الشهير تاريخيا “رمسيس الثاني” ، مؤكدا أن فرعون موسى، هو رمسيس الثاني ‏على أساس أنه هو من بني مدينة ” رعمسيس” ومدينة “نافي” وسخَّر في بنائهما عمال وحرفيي ‏بني إسرائيل .‏
ومهما يكن، فقد اختلف الباحثون والمؤرخون النقديون في تحديد إسم فرعون موسى ، ما بين ‏الفترة الملكية الفاصلة بين حكم الفرعون تحتمس الأول إلى حكم الفرعون منفتاح الثاني ، وهي ‏فترة زمنية طويلة تصل إلى حوالي ثلاثة قرون ، ما بين ( 1539 : 1213 ) قبل الميلاد ، ولم ‏يستطع أحدهم الوصول إلى تحديد دقيق لفرعون موسى يحظى بتأييد العلم وقبول أغلبية الباحثين ‏، رغم أن هؤلاء الباحثين المختصين ، اعتمدوا في أدلتهم على المقارنة بين أحداث قصة موسى ‏في التوراة والقرآن وما يأتي متفقا مع بعض تلك الأحداث في التاريخ المصري القديم، سواء ‏قصة الاضطهاد ، أو إيجاد صلة بين حديث التوراة عن “بنت فرعون” التي أنقذت موسى وفترة ‏حكم الملكة وحتشبسوت .. ‏
ومع ذلكـ ، فقد كان الفراعنة معروفين بعدم تسجيل النكسات والهزائم وإغفالها ، في نفس الوقت ‏الذي يحرص فيه كل فرعون على تسجيل أمجاده والمغالاة فيها ، ثم نسبة أمجاد السابقين من آبائه ‏وأسلافه ، وذلك في حد ذاته يمثل عامل شك كبير في صدق المصادر التاريخية الفرعونية ‏خصوصا عندما نحاول أن نتعرف منها على حقيقة الكارثة التي حدثت في عصر موسى ونتج ‏عنها غرق الفرعون رأس الدولة المصرية القديمة وقاداته وفيالق عساكره في البحر . ‏
والأكثر من ذلك أن القرآن الكريم يثبت حقيقة تاريخية لم ترد في كتابات المؤرخين ، وهي أن ‏بني إسرائيل قد ورثوا فرعون في مصر بعد انهيار النظام الفرعوني وغرق فرعون وقومه أو ‏جنده: يقول تعالى في سورة الأعراف 137 ” فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ‏وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا ‏فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ ‏وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ” ويقول تعالى في سورة الشعراء الآيتين من 57 إلى 59: ‏‏”فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ “‏

والواضح من الآيات الكريمة أن بني إسرائيل لم يحكموا مصر بالمعني السياسي وإنما ورثوا ‏خيراتها وثروتها بعد غرق النظام الفرعوني، وتعويضه بنظام فرعوني آخر .‏
فقد كان فرعون وحكومته وقاداته وكهنته يتحكمون في الأرض الزراعية والفلاحين المصرين ، ‏وذهب فرعون ونظامه ، وبقي الشعب الكادح الذي اعتاد تسليم ثمرة عرقه للحاكم . ولأن فرعون ‏قد غرق بنظامه فأن بني إسرائيل هم الذين ورثوه في ثروته الذهبية والاقتصادية، حيث أستمرت ‏هذه الفترة مدة من الزمان ، قبل أن يستعيد النظام المصري الفرعوني هيبته وإستقراره.‏
وعلى كل حال، فلم تذكر الكتابات الحائطية الهيروغلفية هذه الفترة، لأنه كما سبق ، فالفراعنة لم ‏يكونو ليسجلوا المآسي، وإنما كانوا يسجلون الإنتصارات، وربما يتزيدون فيها، من باب سجود ‏الشمس للفرعون، ونزول السماء بين يديه، في صور دلالية أكثر منها واقعية ، مما يعني أن ‏الكتبة والنقاشين المصريين القدماء تجاهلوا هذه النكسة ، لتكون طي النسيان ، ولولا القرآن ‏الكريم لما عرفنا عنها شيئا .. ‏

شخصية فرعون موسى من خلال القصص القرآني

لا شك، أن المنهج القرآني المعتاد في القصص هو عدم تحديد الأشخاص وذلك للتأكيد على جانب ‏العبرة والعظة بأن تتحول الحادثة التاريخية المحددة بالأسماء والزمان والمكان إلى قضية عامة ‏قابلة للاستشهاد بها والاتعاظ بها في كل زمان ومكان ، وبذلك يتحول الشخص من ” اسم ” إلى ” ‏رمز “، بل أن القرآن الكريم حين يذكر اسم شخص فأنه يحوله إلى رمز لفكرة معينة ، ولذلك ‏تحول ” أبو لهب ” و” آزر “إلى رمز للسقوط والتردي حتى لو كان ذلك الخاسر من أقرب ‏أقارب الرسل عليهم صلوات الله وسلامه .‏
‏ فطبيعي من هذا المنطلق، أن يُسقط القرآن دعاوى النسب التي تعطي حصانة لأصحابها فخاتم ‏النبيين محمد عليه السلام كان عمه ” أبو لهب ” كافرا ، وخليل الله إبراهيم كان أبوه ” آزر ” ‏كافرا .. ولم يُغنِ عنهما نسبهما من الله شيئا لذلك تحول اسم ” أبو لهب “و ” آزر ” إلى رمزين ‏لقيمة أساسية من قيم الإيمان والكفر.‏

كما أن ” فرعون” في حد ذاته لقب سياسي للملك المصري ، فالفرعون في اللغة الهيلوغروفية تعني ‏الملكـ سواءا كان ذكرا أو أنثى ، وليس اسما شخصيا، لدرجة أن المصريين القدماء في الصعيد ‏وكهنتهم إعتبروا الإسكندر المقدوني فرعونا لهم، وتم تأليهه، ولذلك اكتفي به القرآن رمزا لكل ‏حاكم ظالم مدع للألوهية يسير إلى نهاية الشوط فى حربه مع الله تعالى ليلقى جزاءه في نهاية ‏المطاف.‏

ومع ذلك ، يجمع معظم الباحثين في كون الإشارات القرآنية تبقى عامل توضيح وترجيح في ‏تحديد من كان فرعون موسى .. ‏
ففي القرآن ما يرجح أن فرعون موسى شخص واحد ، وأنه اضطهد بني إسرائيل وأنه طاردهم ‏إلى أن غرق بجنوده في البحر . ‏

تفهم ذلك من قول تعالى حاكيا عن تلك الفترة، في سورة الأعراف الآية 127 (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ ‏فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَـ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي ‏نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن ‏يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن ‏يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) ، فالقرآن يفيد أن الاضطهاد استمر ‏متصلا من “فرعون” ملكــ واحد ، سواءا قبل نبوة موسى وبعدها، والعدو الذي يمارس ‏الاضطهاد شخص واحد ، وأن هذا الفرعون الواحد هو من سيلقي الهلاك وهو من سيخلفه بنو ‏إسرائيل في الأرض .. ‏
وفي سورة القصص تفصيلات أكثر يتضح منها أن فرعون موسى شخص واحد وملك واحد . ‏لقوله عز وجل من الآية 4 إلى الآية 8 : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ‏يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ‏الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي ‏فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ ‏عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ ‏فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) ‏
أى أن الفرعون الذي اضطهد بني إسرائيل هو نفسه الذي كفل موسى وهو نفس الفرعون الذي ‏كان موسى سببا في ضياع ملكه ، بل أن الملأ هو نفس الملأ ، وهامان هو نفسه هامان في سنوات ‏الاضطهاد وفي نكبة الغرق أيضا . ‏
وفي سورة الشعراء توضيح طريف يُتأكد منه أن الفرعون الذي تربي موسى في كنفه هو نفسه ‏الفرعون الذي جاءه موسى فيما بعد نبيا مرسلا يطلب منه الخروج بقومه ، وقد تعرف عليه ‏فرعون بعد تلك فترة غيابه الطويلة وقال له كما في سورة الشعراء، الآيتين 18 و 19: “قَالَ أَلَمْ ‏نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ؟ ” . ‏

فرعون موسى في القرآن الكريم شخصين ‏

في حين تؤكد دراسات تاريخية ، وباحثون مختصون من ضمنهم ، علماء مسلمين، أن فرعون ‏موسى في القرآن الكريم، حسب التحليل التاريخي ، هو شخصان وليس شخص واحد .. كما يجزم ‏هؤلاء الباحثون أن الفرعون الشهير رمسيس الثاني ، معروف في التاريخ أنه هزم الحيثيين في ‏قادش بالشام وأرغمهم على عقد أول معاهدة في التاريخ ، وأحكم سيطرته على الشام خصوصا ‏في جنوبها . ‏
ويحجون في كون فرعون النبي موسى ليس هو رمسيس الثاني لسبب بسيط ، مستشهدين، أن ‏موسى حين قتل المصري ، كما ورد في القرآن الكريم هرب من قضاء الفرعون وأتجه إلى مدين ‏بالشام ، فكيف يهرب موسى من فرعون إلى فرعون ؟ كيف يهرب من يد فرعون اليمنى إلى يد ‏فرعون اليسرى، فقد كانت “مدين” وعيلام” وجبل لبنان” وكنعان تخضع لحكم رمسيس الثاني.‏
مما يؤكد أن فرار موسى، ولجوئه لمدين، لم يكن في فترة حكم رمسيس الثاني، بل في فترة حكم ‏فرعون آخر، وأضعف إمتداد جغرافيا من دولة الفرعون رمسيس الثاني، ولا يمكن للنبي موسى ‏عليه السلام، والفطنة من سمات الأنبياء، أن يلجأ لمدين، في بلاد الشام ،وهي تحت حكم رمسيس ‏الثاني، ويظل بها راعي غنم، و مختفيا عن الأعين، كما أن في ترة الفرعون “رمسيس” لم تكن ‏هناكـ فيما تؤكده كل الدراسات التاريخية ، أية ثورات دينية، أو مناوشات إنفصالية، كما أن ‏الفرعون رمسيس الثاني، كان نشغلا بالحروب الخارجية، وشن الهجومات على من يجاوره من ‏الدول والقبائل شرقا وغربا تارة، وتوطيد السلام وبعث السفراء والهدايا لحكام أخرين تارة. .‏
والقرآن الكريم نفسه، يفيد أن “فرعون موسى” لم يكن هو رمسيس الثاني ، إنطلاقا مما دونه ‏التاريخ القديم والحديث، وتقفى أثره علماء المصريات القديمة، والقرآن الكريم يفيد أن “فرعون ‏موسى” كان قد عمد إلى تطبيق سياسة تحديد النسل ، إتجاه قومية “بني إسرائيل” وأنه كان ‏يمنعهم من الإنجاب، لتقزيم أعدادهم ، وأنه كان يُذَبِّحُ أبنائهم.‏
‏ والقرآن الكريم نفسه، يفيد أن “فرعون موسى” كان كثير الشكـ في قوته وفي إستقرار حكمه، ‏فكان يعقد المؤتمرات واللقاءات الجماهيرية مع شعبه، لتقوية مكانته الداخلية ضد دعوة النبي ‏موسى، فعلى نحو ما تردد في القرآن الكريم الآية 23 من سورة النازعات : (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي ‏قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ ‏هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ) ثم في سورة الزخرف الآية 51: قوله تعالى “فَحَشَرَ فَنَادَى ‏فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى “.‏
ويتفق معظم الباحثين والمؤرخين ، على أن “فرعون موسى”لو كان منشغلا بالحروب الخارجية، ‏مثل الفرعون رمسيس الثاني، ما التفت إلى الداخل بهذه السياسة المنهجية وهذه الدعاية الضخمة، ‏فضلا عن كون القرآن الكريم يؤكد أن فرعون موسى قد أنشغل بدعوة موسى، وبالدعاية ضده، ‏وبحشر الناس وتحشيد الحشود لمحاربته.‏
كما أن القرآن الكريم تحدث عن رفض بني إسرائيل في عصر موسى دعوته لدخول فلسطين ‏‏”أرض كنعان” لأن فيها ” قوما جبارين ” وأولئك القوم الجبارون من سكان فلسطين كانت لهم ‏دولة ذات حدود وأبواب، أى دولة مستقلة و لم تكن تابعة لمصر وقتها ، بل كانت دولة مهابة ، ‏ففي الحوار الذى دار بين النبي موسى عليه السلام وقومه، يظهر أن الزمن ليس زمن الفرعون ‏‏”رمسيس الثاني”،فقد قال له رجال من قومه بني إسرائيل، فيما أورده الله عز وجل بسورة ‏المائدة، الآية 22 : ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن ‏يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا ‏دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )..‏
والمعنى المستفاد من القرآن الكريم أنه بعد سقوط فرعون موسى بنظامه في البحر الأحمر قامت ‏دولة مستقلة في فلسطين أرهبت بني إسرائيل فقالوا لموسى : ( قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا ‏مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ‏فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة 22 ،24 ). ‏
ومهما يكن ،فإن تلك الدولة الكنعانية التي أرهبت بني إسرائيل لم تقم في زمن الفرعون رمسيس ‏الثاني، ولم تتأسس فجأة بين يوم وليلة وإنما بدأت تتكون على مهل أثناء انشغال “فرعون ‏موسى” باضطهاد بني إسرائيل واستغراقه بشئون مصر الداخلية ، وأثناء ذلك اتسعت تلك ‏الكيانات والدويلات السياسية في الشام وتحررت من السيطرة المصرية فلما سقط فرعون وجنوه ‏في البحر كانوا هم القوة الكبرى في المنطقة، ولم يستطع بني إسرائيل الدخول إلى أراضيهم ، إلا ‏بعد إلتحاق النبي موسى عليه السلام بالرفيق الأعلى .. ‏
كما أن بني إسرائيل في عصر موسى عرفوا الكسل التام ، إذ كانت عصا موسى هي التي تجلب ‏لهم المن والسلوى وتفجر لهم عيون الأرض أثنتا عشره عينا للاثنتى عشرة قبيلة ، والشيء ‏الوحيد الذي نشطوا إليه هو أنهم صاغوا العجل الذهبي من الذهب المصري، الذي كان في حوزة ‏بعض نسائهم وقاموا على عبادته ..‏
الطريف فيما يخبر به القرآن الكريم ، أنه حين طلب منهم موسى أن يدخلوا فلسطين طلبوا هم في ‏المقابل أن يخرج منها “الكنعانيون” أي الفلسطينيون بلغة العصر أولا ، أو أن يذهب موسى ‏وربه ليقاتلا الفلسطينيين بالنيابة عنهم.. ‏
وبسبب تقاعس بني إسرائيل في عصر موسى عن الجهاد فإن الله تعالى حكم عليهم بأن يظلوا في ‏الصحراء تائهين حتى ينقرض ذلك الجيل الكسول والمتهالك ويأتي جيل آخر أشد وأقوى .‏
والحق، فيما تخبر به كتابات التاريخ اليهودية والمسيحية والإسلامية، أن النبي موسى عليه ‏السلام، مات في فترة التيه ، وبعده جاء نبيٌّ وتم في عهده تعيين طالوت ملكا، وهو الذي هزم ‏جالوت الفلسطيني وتم تأسيس دولة لبني إسرائيل، من طرف الجيل الجديد الذي كان من أكبر ‏رموزه النبي الملكـ داوود عليه السلام، وهو ما يُفهمُ منه أن الإمبراطورية الفرعونية المصرية ‏كانت قد تقلصت إلى حدود مصر الطبيعية الآن، بعد عصر فرعون موسى إلى درجة أنه قامت ‏لبني إسرائيل دولة على حدودها الشرقية، فيما بين سيناء وجبل لبنان . ‏

 

حقيقة الفرعون الغارق في زمن نبوة موسى

وبناءا على هذه الإستشهادات التاريخية والمعطيات الموضوعية، لا يستبعدُ الباحثون والمؤرخون ‏والمؤرخون الدينيون في أن يكون فرعون موسى ، أحد فراعنة العصر الذي أعقب حكم رمسيس ‏الثاني .. فقد تعاقب على حكم مصر ، بعد وفاته ثمانية من الملوك كل منهم فرعون يحمل لقب ‏رمسيس ، ولا يُسمع عنهم كثيرا ، ولم يكتب المؤرخون من معاصريهم أم من الجدد شيئا عنهم، ‏ويعزز ذلك أن مصر دخلت مع هؤلاء “الرماسسة” إن صح القول، في دور الضعف والانقسام ‏والانهيار، فقد تولي عرش مصر فراعنة من الليبيين ومن النوبيين ثم احتل الآشوريون مصر ثم ‏خضعت لحكم الفرس .‏
ولايستبعد هؤلاء المؤرخون في أن يكون “فرعون موسى” هو ‏
‏ ومعناه أن فرعون مصر في عصر موسى ، كان هو الفرعون “مُنِفْتاح” أو “أمي مِنْهاتاح” وأنه ‏كان آخر الفراعنة الكبار ، وأنه كان قد لقي مصيره بالغرق في البحر، فحَقْتْ اللعنة الإلهية على ‏خلفائه ممن ساروا على منواله.. ‏
القرآن يذكر أن موسى دعا الله أن ينتقم من فرعون ويهلكه ويطمس على أمواله ..وأن الله تعالى ‏قال لموسى وهارون “: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ‏رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ ‏الأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (يونس 88 ،89 ). ‏

وقد لحقت الدعوة ليس بفرعون موسى وحده بل بالنظام الفرعوني بأكمله فلم تر مصر بعدها ‏فرعونا عظيما مهابا، حازما وقويا، إلى جاء الإسكندر المقدوني وإعتبر نفسه فرعونا مصريا، ‏وقضى على حكم الفراعنة، وعلى ديانة أمون رع، كما يؤكد النقد التاريخي والدراسات المختصة ‏في مجال حضارة الفراعنة .‏

أسرار سجون ستالين،مخافر جحيم تم إفتتاحها بإسم العمال والفلاحين

ترجـــمــــة : محمــــد القـــنـــور : ‏
عن مجلة : Historia :

إنه جوزيف ستالين، الزعيم السوفياتي الشهير، والرجل الذي حول “روسيا” والجمهوريات الأربعة عشر المتوحدة معها ، فيما كان يسمى  بالإتحاد السوفياتي ، من دولة إقطاعية ،إلى دولة تحتل المرتبة الثالثة في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي ، بعد الولايات المتحدة الإمريكية وألمانيا الهتليرية، يظل  ينافس الزعيم النازي أدولف هتلر والقائد المغولي هولاكو، على لقب أخطر جزار في تاريخ البشرية، فهؤلاء بالنسبة له ليسوا سوى هواة مبتدئين، إذ تجمع معظم الكتابات التاريخية أن “جوزيف ستالين” تسبب في مقتل أكثر من 50 مليون إنسان، بين عامي 1927و 1953 سنة وفاته، وإستخلاف نيكيتا خروتشوف بعده، على عرش السوفيات .

فضحايا ستالين يزيدون  بخمس عشرة مرة، على ضحايا هتلر في أوروبا وبأربع مرات على خسائر روسيا في الحرب العالمية الثانية، وأربعين مرة على خسائرها في الحرب العالمية الأولى!!

ولد جوزيف ستالين، في 21 ديسمبر1879، والقائد الثاني للإتحاد السوفييتي، بعد فلاديمير لينين ،  ففي فترة توليه السلطة، قام بقمع وتصفية خصومه السياسيين، بل وشمل القمع والتصفية، كل من كانت تحوم حوله الشكوك. قام بنقل الاتحاد السوفييتي كما سبقت الإشارة ، من مجتمع فلاحي، إلى مجتمع صناعي، مما مكن الاتحاد السوفييتي من الانتصار على دول المحور، في الحرب العالمية الثانية.

طفـــولة قــاسـية

رأى النور ستالين في مدينة “جوري” في جمهورية جورجيا، لإسكافي يدعى “بيسو”، وأم فلاحة تدعى “إيكاترينا”. وكان “بيسو” يعاقر الخمر، ويضرب ستالين بقسوة في طفولته، ما ترك أثرا كبيرا على شخصية الطفل، وقد ترك “بيسو” عائلته ورحل، وأصبحت أم ستالين بلا معيل.. وعندما بلغ ستالين 11 عاماً، أرسلته أمّه إلى المدرسة الروسية للمسيحية الأرثودوكسية، ودرس فيها .

فبعد وفاة لينين في يناير 1924، تألّفت الحكومة من الثلاثي ستالين، و كامينيف، و زينوفيف. وفي فترة الحكومة الثلاثية، نبذ ستالين فكرة الثورة العالمية الشيوعية، لصالح الاشتراكية المحلية، مما ناقض بفعلته مباديء “تروتسكي”، المنادية بالشيوعية العالمية. تغلب ستالين على الثنائي كامينيف و زينوفيف، وأصبح القائد الأوحد بعدما كانت الحكومة ثلاثية الأقطاب، وتم ذلك في عام 1928. تزوج ستالين مرتين, الأولى ماتت بالسل عام 1907، أي قبل قيام الثورة بعشر سنوات، ويقال إنه لم يكن لديه المال الكافي لعلاجها، بعد أن أنفق كل ما لديه على الحزب، كان قد أنجب منها ياكوف الابن الأكبر الذي حاول الانتحار مرة ونجا، ثم التحق بالجيش، وتم أسره على يد القوات الألمانيه أثناء الحرب العالمية الثانيه، ورفض ستالين أن يميزه في تبادل الأسرى، وقتل أثناء محاولته للهرب. زوجته الثانية (ناديا)، تزوجها وهي ابنة السابعة عشر عام1917، هي شيوعية متحمسة، ابنة أحد أصدقائه المقربين..

كانت “ناديا” تدرس الهندسة، أنجبت له طفلين، وكانت لقسوة ستالين وتسببه في المجاعات، التي ضربت روسيا ومعاناة الشعب، سببا في انتحارها بعد مشاجرة معه في إحدى الحفلات. كان ستالين معروفاً بنهمه وتعدد نزواته عدة مرات، ولعل أبرزها كانت ” روزا مويسيفينا”، التي عرفت بحبها للأدب والموسيقى.

استبدل ستالين الانتماء الديني للشعب الروسي بالانتماء الشيوعي،رغم كونه درس بمدرسة كاثوليكية،فقد أمر بحرق جميع الأيقونات المسيحية في البيوت،وهدم الكنائس ودور العبادة.

ومع وصول ستالين للسلطة المطلقة في 1930، عمل على إبادة أعضاء اللجنة المركزية البلشفية، وأعقبها بإبادة كل من يعتنق فكر مغاير لفكر ستالين، أو من يشك ستالين بمعارضته. تفاوتت الأحكام الصادرة لمعارضي فكر ستالين، فتارة ينفي معارضيه إلى معسكرات الأعمال الشاقة، وتارة يزجّ بهم في السجون السرية،والمعتقلات المنسية، وتارة يتم إعدامهم بعد تلفيق تهمة لهم، في محاكمات هزلية، بل كان ستالين يلجأ للاغتيالات السياسية، لمجرد الشك في معارضتهم له أو لمبادئه الأيديولوجية!

ولم يسلم حتى “تروتسكي”، رفيق درب ستالين، من سلسلة هذه الاغتيالات الستالينية، إذ طالته في منفاه بالمكسيك عام 1940، بعد أن عاش هناك منذ عام 1936، ولم يتبق من الحزب البلشفي غير ستالين ووزير خارجيته “مولوتوف”، بعد أن أباد ستالين جميع أعضاء اللجنة الأصلية.

معتقلات بطعم الحقارة

كانت رائحة الغرفة عطنة،تشمئز منها الأنوف، جدرانها مقشرة الصباغة، ومتقادمة وجنباتها قذرة، ‏وخاوية على عروشها، تخلو من أي أثاث،وكان مصباح وحيد خافت بضوء شاحب تنساب أشعته مثل ‏‏إنسياب لصوص آخر الليل، كان المصباح بغطاء مقعر متآكل يتدلى من السقف، فتنتشر أشعته فقط ‏لتغطي نصف الحجرة بحيث تبقى الزوايا والأركان معتمة،ووقفت تحت المصباح مباشرة  مجموعة من ‏الرجال بمعاطف سميكة داكنة وقبعات من فرو الدببة السيبيرية،كانوا يشكلون بوقوفهم حلقة مغلقة، وفي وسط ‏تلك الحلقة وقف رجل خمسيني يرتدي بزة عسكرية،كان رجلا ذو بنية قوية وملامح قاسية وشارب ‏كث وغير مرتب ،لكنه بدا منهكا ومتهالكا،ومن حين لآخر كان يتطلع إلى الوجوه المحيطة به،وقد علت ‏محياه نظرة يائسة مستعطفة ..

أجزم بأن من رأى ذلك الرجل في تلك الساعة لم يكن ليصدق بأنه أمام ‏الرجل الذي تخشاه روسيا بأسرها،الرفيق جينريك ياغودا،رئيس شرطة ستالين السرية الذي كان يتلذذ ‏بتعذيب واغتصاب وإعدام ضحاياه بنفسه في أقبية المؤسسة الرهيبة التي يديرها،والذي أرسل ملايين ‏الناس إلى معتقلات الكولاكـ المخيفة ليعلموا هناك بلا هوادة في شق طرقات وحفر قنوات ‏تسمى بــ “ستالين” أسم سيده‎ .‎

جينريكــ ياغــــودا

بين ليلة وضحاها جردوا ياغودا من جميع مناصبه،لفقوا له تهمة الخيانة العظمى،وحكموا عليه بالموت،فوقف ‏يستمع إلى تلاوة الحكم وهو غير مصدق،رفع رأسه نحو ستارة حمراء تغطي شرفة عالية داخل قاعة ‏المحكمة، صرخ بيأس قائلا : “أناشدك أنت وحدك! .. أنت الذي من أجلك بنيت قناتين عظيمتين ” .. لكن ‏زعيمه الجالس خلف الستارة يدخن الغليون بصمت لم يأبه لتوسلات كلبه المطيع .. لقد انتهى دوره .. بعد ‏أن حصل على “نيكولاي يازوف” كلب جديد،أكثر إخلاصا وتفانيا‎ .‎
وها هو الآن يقف وسط تلك الحجرة القذرة المعتمة،منكس الرأس،متقطع الأنفاس،ينتظر المثول في ‏منصة الإعدام التي كثيرا ما أرسل إليها ضحاياه‎ .‎

إنبعث صوت أجش من ركن الحجرة المعتم، صوت رئيس جلادي الكثيبة  : ‏”هيا، جردوه من كل ثيابه” … ،فأنقض الرجال كالذئاب الشرسة ‏الجائعة على “ياغودا”، مزقوا ثيابه وتركوه عاريا على الأرض وهو يجهش بالبكاء‎ .‎

‎- “‎أضربوه” .. أتى الصوت مجددا فانهال الرجال على “ياغودا” العاري بالضرب المبرح ولم يتركوه إلا ‏وهو لحم مفرومة، وبدن مشوه من الضمور والجراحات …..‏
أخيرا ترك الرجل الواقف في العتمة مكانه وأقترب ببطء من وسط الحجرة فبانت ملامحه بالتدريج،إنه ‏الرئيس الجديد للشرطة السرية , الرفيق نيكولاي يازوف .

كان “نيكولاي يازوف”قزما شرسا ونحيفا،لكن سحنته السيبيرية ‏وملامحه الشيطانية،كانت كفيلة ببث كل أنواع الهلع وجميع تفاصيل الرعب في الأرواح وبأعماق القلوب،‏وقف لبرهة يتأمل الجسد الدامي ويتلذذ بسماع تأوهاته، ثم أومأ برأسه للجلاد الشهير فاسيلي بولخين, ‏فأخرج الرجل مسدسه الصغير الذي تكاد تبتلعه يده، وأطلق رصاصة الإعدام على مؤخرة جمجمة ‏ياغودا.‏

 ‎والجدير بالذكر، القارئات والقراء الأعزاء ،أن”نيكولاي يازوف”إلى جانب “ياغودا” سجل كأعظم جلاد في تاريخ ‏البشرية،فقد قتل بيده عشرات الآلاف من البشر، ومن السوفيات أنفسهم، ومن أسرى الحرب العالمية الثانية ‏خصوصا من الألمان،ثم أصيب بالجنون في أواخر حياته، وإنتحر في مصحة للأمراض العقلية،بأن ‏غرس في كليته سكين مطبخ ‏‎ .‎

أحلام تفترس أبنائها

إعتبرت ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 ، المعروفة بالثورة البولشوفية، من الأحداث الكبيرة في القرن ‏العشرين،وهي الثورة التي تزعمها البلاشفة بقيادة فلاديمير أوليافيتش لينين ، كما أن النتائج التي ترتبت عنها ‏لم تؤثر على روسيا فقط، بل امتد تأثيرها ليشمل العالم بأسره، ولينقسم إلى معسكرين ، شرقي شيوعي ‏أو إشتراكي، وغربي رأسمالي ليبيرالي في سياق حرب باردة،مريرة وصراع مخابراتي كبير، وحروب صغرى ومتوسطة، وإنقلابات هنا وهناك، في بلدان كلا المعسكرين .

وعلى غرار أغلب الثورات، فإن الثورة البولشوفية،سرعان ما فقدت زخمها،ودبت الخلافات بين قادتها، كأي أمر تكرر عبر التاريخ في الكثير ‏من الثورات‎ .‎

وتعني كلمة بلشفية باللغة الروسية الأكثرية،وهي الجناح اليساري التابع لــ “فلاديمير ‏لينين” داخل حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذي عرف لاحقا باسم الحزب الشيوعي الروسي، ونقيضه الأقلية،المينشفيك أو المناشفة بقيادة يوليوس مارتوف . الفرق بين الجناحين هو أن البلاشفة ‏كانوا يسعون للتغير في روسيا القيصرية عن طريق العمل الثوري والكفاح المسلح فيما المناشفة كانوا ‏يريدون إحداث التغيير بالطرق الديمقراطية السلمية.‏

وأية ذلكــ ، أن التنظير أمر سهل وممتع ورائع .. فما أحلى شعارات العدالة ‏والمساواة الاجتماعية، تصدح في الساحات العمومية والشوارع، ولكنها كالأفيون، تجعل الإنسان يسافر بخياله بعيدا نحو عالم وردي لا وجود له،‏فيظن بأن تغيير السلطة الحاكمة سيعني تغيير كل شيء بين ليلة وضحاها .. ويعتقد أن الفساد والظلم سيختفيان  .. ‏ وأن العدالة ستتحقق،و أن حقوق الإنسان ستحترم ، وأن الواسطة والمحسوبية والرشوة ستنقرض  .. وأن الاقتصاد سيتحسن  ‏والرخاء سيعم .. وأن ثروات البلاد سيتم تقسيمها بين جميع السكان بالتساوي .. وأن جميع الإكراهات ‏والمشاكل ‎ستتلاشى .

لكن الزعماء الجدد المدججين بالشعارات الثورية والكلام النظري سرعان ما يكتشفون بأن عملية إدارة ‏دولة ليست بالأمر السهل كما قد تبدو في أحلام اليقظة .. فالجميع يحلم أحيانا بأن يشارك في الحكم ‏والتدبير،وقد يحدث نفسه بأنه سيفعل كذا وكذا وسيصلح ويعدل ويقر الديمقراطية والمساواة ويساوي بين الجنسين والفئات وما إلى ذالك من القيم المثالية ‏الطوباوية .. لكنه سرعان ما يكتشف أن ذالكـــ ، كان مجرد شعارات وأوهام أو أضغاث أحلام .. ‏
مثلا، جرب أن تدير فصلا من ثلاثين تلميذا لساعة واحدة وسترى كم هو أمر صعب ومرهق أن تفرض ‏رأيك واحترامك على مجموعة صغيرة فقط من الأطفال .. أو أن ترأس ودادية سكنية في حي من أحياء المدينة، أو ‏تعاونية فلاحية بإحدى الجماعات القروية ، فما بالك بإدارة أمة من ملايين الناس، خصوصا في دول تفتقر إلى ‏الثوابت التي تطبع مسار وحياة أفرادها، ويغيب عنها العمل المؤسساتي، والفصل بين السلط ، والبنى ‏التحتية والكفاءات والأطر اللازمة للنهوض بها . ‏

وعليه فإن معظم التجارب الثورية بما فيها مستجدات الربيع العربي الأخير، لم تأت بالثمار التي توقعها ‏الناس منها،في مصر وتونس وفي ليبيا، في سوريا وبالعراق، فإعادة الأمن والنظام والخدمات وتدوير الاقتصاد من جديد ، مهمة في غاية الصعوبة .. ‏غالبا ما يفشل فيها الثوار بامتياز لانعدام الخبرة،ولتبرير الفشل في تحسين حياة المواطن وتحقيق الوعود ‏العسلية.

ثم، إن القادة الثوريين غالبا ما يعمدون إلى إلقاء اللوم على الخيانات والمؤامرات والأعداء الذين ‏يضعون العصي في دولاب الثورة لإجهاضها،بل أحيانا يمضون أبعد من ذلك إلى درجة اختراع أعداء ‏ومتآمرين . فتبدأ الاعتقالات والتصفيات والاغتيالات وتمتد بسرعة لتشمل الأبرياء،وهكذا فأن النظام ‏الجديد سرعان ما يعود فيستنسخ نفس أساليب النظام القديم، ويعمل على إعادة ذات الأساليب التي ثار عليها بالمقام الأول‎ ‎‎! .‎

نعم، لقد حدث مثل هذا في الثورة الفرنسية،فنابليون سيطر على الثورة بعد أن أرسل روبسبير وأغلب رجالاتها ‏وقادتها إلى شفرة المقصلة في طوابير طويلة،والطريف أن الثورة الفرنسية التي قامت أساسا ضد الملكية ‏عادت بعد سنوات قليلة لتتوج نابليون إمبراطورا ، وكذلك، فعلت ثورة الخميني وثورة القذافي وثورة عبد الكريم قاسم ومن بعده حزب البعث في العراق ! ..

والأمر ذاته، كان قد تكرر مع الثورة الروسية،صحيح أن ‏النظام الجديد لم يعد إلى القيصرية، لكن بعد موت لينين عام 1924 سرعان ما بدأت الثورة تأكل أبنائها،وبنهاية عقد الثلاثينات فأن أغلب رفاق لينين في اللجنة المركزية للحزب،من الرجال الذين فجروا الثورة ‏وقادوها معه،كانوا قد لقوا حتفهم إما اغتيالا أو إعداما بتهم شتى .. أولها الخيانة .. وهكذا عادت ‏الدكتاتورية للبلاد بثوب جديد .. وأصبح ستالين القائد الأوحد، والإله الأوحد،والقيصر الروسي الأحمر والجديد الـ‏غير المتوج، وكانت إذ لا حركة ولا سكون إلا بإذنه، ولاصوت يعلو فوق صوت الزعيم جوزيف ستالين ‏‎ .‎

شكوك و جنون عظمة

هذا، فحتى الرفاق القدامى و المنحدرين من ثورة أكتوبر 1917، جميعهم اعدموا او اغتيلوا‎ ..‎‏ بأستثناء لينين وستالين ‏
فستالين المتعطش للسلطة كان مصابا بجنون العظمة، وكان يرتاب ويشك في كل من حوله، في أبنائه،في ‏زوجته في سائقه الشخصي ، حتى في حلاقه، فقد كان يضع فوهة مسدسه على بطن هذا الحلاق، أثناء ‏حلاقته لذقنه، مخافة أن يدبحه بشفرة الحلاقة، وكان يشك ويرتاب في كاتبته الخاصة التي سيعدمها لاحقا ‏بيده ،بعد أن لاحظ أنها أخلطت السكر بالملعقة في فنجان قهوته، على غير عادتها، فلم يرسل ما في ‏فنجان القهوة إلى بطنه، وإنما أرسل الفنجان إلى المختبر، ليكتشف أن القهوة مخلوطة بسم الزرنيخ، قبل ‏أن يستل مسدسه من قمطر مكتبه، ليقتلها على التو،برصاصة إخترقت جمجمتها.‏

هذا، وقد تعمق لدى ستالين الشعور بالريبة، خصوصا بعد أن منيت خططه في إدارة الدولة بالفشل في ‏بداية عهده،وخصوصا مشروع المزارع التعاونية،ولهذا شرع بتصفية وإزاحة جميع خصومه في ‏الحزب والجيش وكل من يشك في ولاءه إليه، وشمل ذلك معظم الرفاق القدامى من أعضاء اللجنة ‏المركزية للحزب، مثل نيكولاي بوخارين،وليف كامنف،وأليكسي ريكوف،وميخائيل تومسكي،وجريجوري ‏زينوفايف وغيرهم .. إذ تم تجريدهم من مناصبهم ثم طردوا من الحزب وأدينوا في محاكمات صورية ‏بثتها الإذاعة السوفياتية على الهواء،وأعدموا جميعا رميا بالرصاص ،بل حتى عائلاتهم لم تسلم من التنكيل، فتم إعدام أبناءهم وأرسلت زوجاتهم إلى معتقلات الكولاكـ الرهيبة‎ .‎
وحتى ليون تروتسكي،أعظم منظري الحزب الشيوعي ومؤسس الجيش الأحمر والرجل الذي كان مرشحا ‏لخلافة لينين،لم ينج من المجزرة، فقد لحقت به شرطة ستالين السرية إلى منفاه في المكسيك فاغتالوه ‏هناك عام 1940 ،عندما أغروا فلاحا مكسيكيا فقيرا، فغرس فأسا في ظهره .‏

مارشال وراء قضبان الإهانة .. ‏

ولم يقتصر الأمر في عهد ستالين، على السياسيين،فالكثير من الضباط الكبار لاقوا نفس المصير،المارشال “ميخائيل ‏توخاجفسكي”،قائد الجيش الأحمر جرى اعتقاله بإشراف رئيس الشرطة السرية “نيكولاي يازوف”،وقاموا ‏بتعذيبه بشدة لإجباره على توقيع اعترافات كاذبة،لدرجة، أن ورقة اعترافاته كانت ملطخة بالدماء،وحين ‏وقف لاحقا أمام المحكمة العسكرية المكونة من ضباط تحت أمرته قال : ” اشعر كأني احلم” .. ولم يكتفوا ‏بإعدامه،إذ أرسلوا شقيقاته وزوجته وابنته إلى معتقلات الكولاكـ ،وأعدموا أشقاءه.‎ 

والمفارقة أنه بعد مدة قصيرة على إعدام “توخاجفسكي” تم إعدام خمسة من الضباط الكبار الذين كانوا قضاة ‏محاكمته‎ ! ‎
ومهما يكن، فقد رأى بعض المؤرخين، أن تلك الإعدامات التي طالت آلاف الضباط أضعفت الجيش الأحمر وأوهنت عزيمته ‏وكانت سببا في الهزائم المنكرة التي تلقاها من الرايخ الثالث في بداية الاجتياح الألماني بقيادة الفيلد ‏مارشال “باولوس ” للاتحاد السوفياتي حتى عام 1941‏‎ .‎

الجولاڭــ : عبيد الخدمة المجانية‎ ..‎

لقد كان التطهير الأعظم الذي ابتدعه ستالين للتخلص من خصومه، وإبتدأ بواسطة مفوضية الشعب للأمور الداخلية،وكانت مؤسسة أمنية تضم أجهزة الشرطة والدفاع المدني والإطفاء وشرطة المرور وأرشيف الشرطة،وكانت مسؤولة عن حفظ الأمن الداخلي ومطاردة من كانوا يوصفون بــ”أعداء” الثورة في الداخل‎ .‎
كما امتد هذا تالتطهير لاحقا ليشمل الملايين من المواطنين العاديين،في مدن وقرى كاملة أجبر سكانها على الرحيل ‏إلى أماكن نائية وفقيرة وباردة وموحشة، حيث غطى هذا التهجير المرير والقسري ستة ملايين إنسان من قوميات وفئات ‏متباينة، كان يُنظر إليها على أنها معادية للحكم السوفياتي، مثل ألمان الفولغا،والقوزاق ، والكولاكـ ‏والتتار والابخاز والشيشانيين واليونانيين والكوريين وغيرهم من الأقليات،وقد مات نصفهم بعد سنوات ‏قليلة جراء المرض والإهمال والتعذيب والجوع،أما أعظم المحن التي عرفتها الشعوب السوفياتية فقد تمثلت في الـ جولاك‎ ‎‏”‏Gulag‏”‏‎،أي معسكرات العمل الإجباري، فحوالي 18 مليون إنسان دخلوا تلك المعسكرات الرهيبة بين عامي ‏‏1918 – 1960،والملايين منهم كذلك،لم يغادروها أبدا‎ ، وإنما ظلت قبورهم الجماعية بها.‎

وكان نزلاء هذه المعتقلات ينحدرون من خلفيات ومشارب متنوعة، ضمنه لصوص وقتلة، ومنهم مختلسين ومقامرين، ومنهم أسرى حرب،ورهبان ورجال دين،ودجالين ومثليين جنسيين، بل منهم مزارعين وعمال ، وفنانين وكتاب وسياسيين .

وعلى كل حال، فإن فئة السياسيين، لم تكن تشمل بالضرورة أناس ذوي نشاط سياسي، أو إنتماء حزبي أو نقابي، ولكن مصطلح ‏معتقل سياسي في عهد ستالين القيصر الأحمر، كان فضفاضا جدا ،وكان يشمل كل من له علاقة بحرية الرأي أو بتتبع النشاط السياسي من ‏قريب أو بعيد .

فمثلا أي انتقاد للدولة،حتى لو كان مجرد مزحة بريئة،يمكن أن يؤدي للاعتقال،كما ‏أن أقرباء السياسيين الذي جرى اعتقالهم أو إعدامهم، كانوا يعتبرون من أعداء للدولة، حتى لو لم يكن ‏لهم أي علاقة بهؤلاء السياسيين،فقد أرسلت زوجة نيكولاي بوخارين القيادي في الحزب إلى معتقلات الكولاكـ ‏بعد إعدامه .

أما القيادي ليف كامنف فقد أعدمت زوجته مع 160 شخص آخر رميا بالرصاص في غابة ‏ميديفيدف، وجرى إعدام اثنان من أبناءه وأرسل الثالث إلى معتقلات الكولاكـ ، في حين، أُرْسِلت زوجة تروتسكي الأولى ‏الكساندرا سوكولوفسكي هي الأخرى إلى معتقلات الكولاكـ ولم يرها أحد بعد ذلك،أما ابنه فقد ‏اعدم،وتم إرسال زوجة الإبن وعائلتها إلى معتقلات الكولاكـ ‏‎ .‎

سجون نائية وأعمال قاسية‎ ..‎

كان العمل في المعتقل قسريا،طوال أيام السنة،لأكثر من 12 ساعة يوميا،وفي أعمال شتى،كقطع ‏الخشب والتعدين والحفر والبناء والنقل وغيره .

وكان على جميع المعتقلين أن يعملوا بغض النظر عن جنسهم ‏وعمرهم،ولياقتهم البدنية والظروف الجوية القاسية المحيطة بهم، وعند حلول  المساء كانوا يحشرون في أكواخ وثكنات ‏قذرة، وينامون على رفوف خشبية، حيث يظل معظمهم جائعا يرتجف من شدة البرد‎ السيبيري.‎

كما كان مدراء هذه المعتقلات يتنافسون في تقديم أفضل إنتاجية بأقل كلفة،إذ، يجري هذا طبعا على حساب ‏المعتقلين،فكانت تقدم لهم الثياب الخفيفة التي لا تقي من البرد لكي يجبروا على تدفئة أنفسهم بالعمل، رغم، أن ‏الطعام كان رديئا ضئيلا لا يغني عن جوع،إذ يقتصرُ غالبا على خبز الشعير الأسود مع القليل من الحساء، ولا ‏تُقدم لهم سوى قطعة صغيرة من الصابون كل شهر ولا يُسمح لهم بالاغتسال إلا نادرا .

كما كانت الظروف ‏الصحية فظيعة،لم يكن هناك صرف صحي،مما تسبب بالكثير من الأمراض، وكانت نسبة الجريمة ‏مرتفعة وآفات الرذيلة عالية، فالكثير من المعتقلين السياسيين والناس الأبرياء كانوا يتعرضون للابتزاز،ومنهم من يتعرض أحيانا ‏للاغتصاب والقتل،من قبل عتاة السفاحين من ذوي السوابق الإجرامية،وكم من معتقل سياسي تعرض للقتل لأنه ‏لم يتنازل عن حصته من الطعام لأحد هؤلاء المجرمين.
كما شكلت النساء قرابة 10 %  من مجموع نزلاء معتقلات الكولاكـ ، إذ، كن يتعرضن لشتى صنوف ‏الإذلال والمهانة،والإستغلال الجنسي أحيانا، وبمجرد ما تطأ أقدامهن ارض المعتقل،ويجبرن على التجرد من ملابسهن والاستحمام أمام الحرس .

‏وكانت هؤلاء النساء يرخين شعورهن على وجوههن من شدة الخجل،أمهات وربات منازل ومعلمات ‏وطالبات جامعيات وراهبات وغيرهن،رغم، أن اغلبهن لم يقدمن على أي جرم،اعتقلن بسبب نشاط أزواجهن أو أقاربهن السياسي .

‏وكان يجري اغتصاب هؤلاء النساء بشكل دوري،وأحيانا بشكل جماعي حتى الموت،والبعض منهن حملن وأنجبن ‏داخل المعتقل،وكان اغلب الأطفال يموتون بسن مبكرة جراء ظروف المعتقل السيئة،أما أولئك الذين ‏تكتب لهم النجاة،فكانوا يأخذون من أمهاتهم بعمر عامين وينقلون إلى ملاجئ خاصة،كانوا يحرصون ‏على تغيير اسم الطفل بحيث لا تعثر عليه أمه أبدا حتى لو تم إطلاق سراحها من المعتقل، وتتم تهيئتهم من أجل العمل في فرق الإغتيال ‎ .‎

شهادات من قلب الجحيم

قد تكون شهادات الناس الذين مروا وعاشوا في معتقلات الكولاكـ هي الوسيلة الأفضل لفهم طبيعة ما ‏جرى هناك من فظائع‎ إنسانية …‎

فقد كان “ليف رازغون” متزوجا من ابنة ضابط في الشرطة السرية،كانت حياته رغيدة، ومطمئنة،لكن فجأة تبدل كل ‏شيء بعد إعدام والد زوجته أثناء التطهير الأعظم لسنة 1937، حيث تم اعتقال ليف وزوجته،ومن حسن الحظ ‏ماتت الزوجة قبل أن يتم إرسالها إلى المعتقل،أما ليف فقد امضي 18 عاما من عمره هناك، إذ يصف “ليف”‏جانبا من تجربته قائلا‎ :‎
‎”‎كنا 517 معتقلا ضمن وجبة موسكو عندما وصلنا إلى المعتقل في غشت 1938،بحلول الربيع السيبيري، ولم ‏يكن قد تبقى منا سوى 27، أما الآخرون جميعهم ماتوا، وفي نونبر عام 1938 تم جلب 270 بدوي صيني،كانوا قد ضلوا طريقهم فعبروا الحدود الروسية من دون قصد،وقد جعلهم مدير المعتقل يعملون في نقل ‏جذوع الأخشاب بأيديهم العارية فقط،وهو عمل لم نكن نحن لنستطيع الصمود فيه لأكثر من أسبوع،لكن ‏الصينيين عملوا بثبات وبهدوء،وبعد كل يوم عمل كانوا يعودون إلى ثكناتهم التي حافظوا على نظافتها ‏وكانوا يقضون المساء في ترقيع ملابسهم،وبحلول فبراير، من سنة 1939 أي بعد ثلاثة أشهر فقط من وصولهم،لم ‏يكن قد بقي حيا منهم سوى رجل واحد، تم تحويله للعمل في المطبخ‎ ” .‎

أما  أيلينا جلينكا،البالغة من العمر 29 عاما، فقد كانت تدرس الهندسة في الجامعة عندما لفقت لها تهمة الخيانة العظمى، ‏والقي القبض عليها، حيث أمضت ستة أعوام في معتقل رهيب يقع في قرية صيادين نائية في شبه جزيرة ‏كوليما إلى أقصى الشرق الروسي، بمنطقة تصل درجة الحرارة أحيانا فيها إلى 38 درجة تحت الصفر، وكانت ‏شاهدة حية على عملية اغتصاب جماعي رهيبة،غير أنه من حسن حظها تم اختيارها لتكون من حصة مدير ‏المعتقل لأنها كانت أكثر النساء شبابا،ولهذا نجت من تلك التجربة المميتة التي تصفها قائلة ‎ :‎

نساء في المعتقل .. ! ‏

كنا‎” ‎نساء في المعتقل ! .. فقد انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم حول تواجدنا، فتقاطر الرجال من كل صوب وحدب نحو بهو ‏القرية الكبير، بعضهم أتوا سيرا على الأقدام،بعضهم بالدراجات النارية،كان فيهم صيادو سمك ‏وجيولوجيين وتجار فراء وعمال مناجم وحتى مجرمون مدانون‎ .‎
تم رمي التبغ والخبز وسمك السلمون النيئ للنساء المنهكات جراء رحلة يومين في عرض البحر،فابتلعن الطعام حتى من دون مضغ من شدة جوعهن،ثم فتح الرجال زجاجات الفودكا،وبتنسيق دقيق،‏كأنما ينفذون خطة،تراجعوا جميعهم وراحوا يقدمون كؤوس الفودكا للحراس،أخذوا يغنون ويعربدون ‏وتبادلوا الأنخاب،أستمر ذلك حتى سقط الحراس واحدا بعد الآخر من شدة السكر‎ .‎
وما إن سقط الحراس حتى أخذ الرجال يهتفون ويهلهلون كالمجانين ،دخلوا على النساء،قيدوا أيديهن ثم ‏سحلوهن فوق العشب إلى داخل المبنى،وانهالوا بالضرب المبرح على أي واحدة منهن تبدي مقاومة،كانوا يعرفون جيدا ماذا يفعلون , الكراسي نحيت جانبا،النوافذ أغلقت بالمسامير،تم إدخال براميل من ‏المياه،وعندما انتهوا من التحضيرات فرشوا الأرض بجميع ما تحت أيديهم من خرق وبطانيات وسترات،ثم ألقوا النساء فوقها،وفي الحال تشكل صف من 12 رجل أمام كل امرأة وبدأ الاغتصاب الجماعي ..

‏كانوا يسمون هذه العملية في الإغتصاب”ترام كوليما”،أخيرا عندما وصل الصف إلى نهايته جرى سحب النساء الميتات من أقدامهن وألقين في الخارج، مثل القمامات،أما من ‏بقين على قيد الحياة فجرى إنعاشهن مجددا برمي الماء عليهن من البراميل،وما أن استعدن وعيهن حتى ‏تشكل صف الرجال أمامهن من جديد‎ ” .‎
لم تكن النساء وحدهن هن من يتعرض للاغتصاب داخل المعتقل،فالمثلية الجنسية كانت متفشية بين ‏الرجال،حتى أولئك الرجال ذوي الميول الجنسية الطبيعية كانوا يتحولون إلى مثليين أحيانا في هذه البيئة ‏القاسية التي يتحول فيها الناس تدرجيا من بشر إلى حيوانات مفترسة، كان الاغتصاب أمرا عاديا،يمكن أن يتعرض ‏له رجل بمجرد خسارته لعبة ورق،أو إذا سرق قطعة خبز، أو إذا لم يتنازل عن حصته من الطعام لعصابات المعتقل الإجرامية‎ .‎

كما يروي المعتقل فاليري كليموف جانبا من تلك الفظائع قائلا‎ :‎

‎” ‎كنت قادرا على حماية نفسي،لكني شاهدت بأم عيني عشرة حوادث قتل لرجال مثليين،كان هناك ‏‏100 معتقل في “ثكنتنا”،وكان هناك رجل يتعرض للاغتصاب ثلاثة إلى أربعة مرات يوميا،وبعد أن ‏ينتهون منه كانوا يركلونه ويجبروه على النوم تحت الأسرة،كان أمرا فظيعا،كابوسا مهولا .

وفي إحدى ‏الليالي تناوب على اغتصابه عشرة رجال ثم اخذوا يركلونَهُ على رأسه،لقد كدت أن أجن هناك،امتلأ ‏رأسي بالشيب،كان الناس يفقدون سلامتهم العقلية،وبعضهم لا يستعيدونها أبدا حتى بعد مغادرتهم ‏للمعتقل . ‏

هذا، فقد كانت المثلية الجنسية متفشية على جميع المستويات في معتقلات أب الشعب،الزعيم جوزيف ستالين، ليس ‏لأن المعتقلين هم الذين يمارسونها فقط، بل حتى الحراس وموظفي السجن يميلون لممارستها‎.‎

وأحيانا تكون نتائج الاغتصاب،بالنسبة للنساء , أكثر ألما من الاغتصاب نفسه، فـــ “هافا فولوفيتش”،كانت محررة صحيفة،اعتقلت عام 1937 وأرسلت إلى معتقلات الكولاكـ بسبب ‏انتقادها لمشروع المزارع التعاونية في أوكرانيا، وهناكــ ، عاشت في المعتقل لمدة 16 عاما وأصبحت واحدة من ‏آلاف النساء اللواتي حملن سفاحا داخل المعتقل،أنجبت طفلة جميلة أسمتها إلينور، تقول عن تجربتها‎ زميلتها الصحفية هافا فولوفيتش :

لقد فقدت “هافا” ابنتها في المعتقل،وألفت عدة كتب عن تجربتها في معتقلات الكولاكـ ‏لاحقا في الستينات‎ ..‎

وتضيف “هافا”:  ‎كان هناك ثلاث أمهات في ثكنتنا،وتم إعطائنا غرفة صغيرة خاصة بنا، وكنا نسهر الليل نبعد البق ‏المتساقط من السقف كالرمل عن أطفالنا،وفي النهار كنا نذهب للعمل فنتركهم مع امرأة عجوز مُقعدة‎ .‎
في كل ليلة لمدة عام كنت أقف فوق مهد طفلتي ابعد البق عنها واصلي،أتوسل إلى الله أن يطيل عذابي ‏هذا لألف عام إذا كان معناه أن لا افترق عن طفلتي‎ .‎
لكن الله لم يستجب لصلواتي،فما كادت “الينور” تمشي أول خطواتها وتنطق أول كلمتها .. ماما .. حتى ‏ألبسونا خرقا من الثياب رغم برودة الجو ثم وضعونا في سيارة شحن ونقلنا إلى المعتقل الرئيسي . ‏
هناك كان متوقعا أن اعمل في قطع الأشجار في الغابة بينما كنت أترك ملاكي الصغير ذات الخُصلات الذهبية ‏في ملجأ أطفال المعتقل،وسرعان ما تحولت طفلتي إلى شبح شاحب مع خيال ازرق يظلل عينيها وبثور ‏مؤلمة تغطي شفتيها‎ .‎
لم أفهم سبب شحوب وذبول أبنتي حتى أصبت ذات يوم بالتهاب في المثانة، وألم رهيب في الظهر، ‏فأعفوني من العمل ذلك اليوم،ومقابل حزمة من الحطب قدمتها للحراس كرشوة، ثم سمحوا لي أن أختلس ‏النظر إلى طفلتي من نافذة الملجأ .. وليتني لم أفعل‎ ! .‎
وتضيف كاتبة في مذكراتها : “لقد رأيت الممرضات يدفعن ويركلن الأطفال من أسرتهم ثم يقمن بغسلهم ‏بالماء المثلج،ورأيت ممرضة تمسك بأٌقرب طفل أليها،تلوي ذراعه،ثم تدفع ملعقة بعد أخرى من ‏العصيدة الملتهبة إلى داخل في فمه، ففهمت أنهن كانوا يقتلنهم بالتدريج‎ ..‎‏”‏
‏”صغيرتي “الينور” بدأت تذبل بسرعة .. “ماما , أريد العودة للمنزل” .. قالت وهي تبكي في إحدى ‏الليالي،جسدها الصغير كان مغطى بكدمات غامضة،وفي اليوم الأخير من حياتها،عندما وضعتها على ‏صدري لإرضاعها،نظرت بعينيها الواسعتين بعيدا،أشاحت بفمها عن صدري،وتوسلت أن أضعها ‏أرضا‎ .‎‏”‏
‏”في المساء التالي , عندما عدت من عملي مع حزمة صغيرة من الحطب،كان سريرها فارغا، عثرت ‏على جثتها العارية في المشرحة مع جثث السجناء البالغين . لقد أمضت سنة وأربعة أشهر في هذا العالم ‏البئيس ،والمشتعل بالحروب ورحلت في 3 مارس 1944‏‎ ” .‎

من الحضيض إلى القمة

كانت لدى ستالين أدواته الخاصة التي أستعملها في أنشاء إمبراطورية الرعب التي تربع على عرشها،‏والتي كانت تبلغ مساحتها 22 مليون كيلومتر مربع،رجال لا يحكمهم أي ضمير أو وازع ديني أو ‏أخلاقي،كانوا هم المسئولين عن التعذيب والإعدامات والاغتيالات وإدارة المعتقلات، وكانوا يتنافسون ‏فيما بينهم في القسوة والنذالة .

أحدهم “نيكولاي يازوف”رئيس شرطة ستالين السرية،السابق الذكر،والذي كان يعرف بأسم “القزم الدموي” لكونه الأفظع والأقسى والأكثر ‏تفانيا في تحقيق أغراض سيده الحديدي ‎ ..‎

فمن يكون يا ترى ؟ .. وكيف وصل رجل بضآلته إلى هذا المنصب الخطير ؟‎ .‎

كان”نيكولاي يازوف” مساعد خياط ، وفي غمضة عين في ظل المزاجية الستالينية،اصبح رئيس الشرطة السرية‎، وبحسب الوثائق الرسمية السوفياتية فأن نيكولاي ايفانوفيتش يازوف ولد عام 1895 في سانت بطرسبرغ، ‏العاصمة الباذخة للقياصرة من آل رومانوف، لكن هناك مصادر تاريخية أخرى تشير إلى أنه ولد في بلدة صغيرة في ليتوانيا التي ‏يعتنق أغلب ساكناتها الديانة اليهودية، وكان ينحدر من عائلة فقيرة،لدرجة أنه لم يكمل سوى تعليمه الابتدائي،عمل مساعد خياط ،ثم عاملا في مصنع،ثم تطوع في الجيش القيصري الروسي عام 1915 ، قبل أن ينضم  ‏للبلاشفة عام 1917 قبل نشوب ثورة أكتوبر بستة أشهر‎ .‎

وكان نيكولاي يازوف ,أنسانا وصوليا،داهية وماكرا، فقد وصفه عضو سابق في الحزب قائلا : “‎في كل حياتي الطويلة،لم يسبق أن التقيت بشخصية أكثر بغضا من يازوف،كان يذكرني بشكل لا ‏يقاوم بالأولاد الأشرار الذين يلعبون على ناصية الشوارع،والذين كانت هوايتهم المفضلة هي ربط قطعة ‏من الورق المنقوع بالكيروسين إلى ذيل قطة وإشعال النار فيه،ثم كانوا يقفون يراقبون بفرح كيف يتخبط ‏الحيوان المسكين محاولا بيأس ومن دون جدوى أن يهرب من النار المقتربة من جسده. 

ويضيف نفس ‏العضو أنا لا أشك في يازوف كان في طفولته يسلي نفسه على نفس تلك الشاكلة، وهو مستمر في فعل ‏ذلك الآن بطرق مختلفة‎ ” .‎
وفي الحقيقة فقد كان يازوف مجرما بامتياز،وكان ستالين بحاجة إلى رجل مثله في تلك الحقبة، فرئيس ‏الشرطة السرية آنذاك،”جينريك ياغودا”كان بطيئا في تنفيذ أوامر ستالين الدموية‎ ..‎
قال نيكولاي يازوف , لبعض أصحابه المقربين إن “ياغودا” قتل ربع مليون إنسان .. ياله من رقم تافه ! ‏‏.. أنا سأحصد الملايين ..‏‎..‎

رجل ستالين المفضل‎ ..‎

وفي طليعة هؤلاء الملايين كان “ياغودا” نفسه،إذ قام يازوف بمساعدة بعض عملاءه في الشرطة السرية ‏بدس كمية من الزئبق في مكتب “ياغودا” , ثم زعم بأن هذا الزئبق كان سيستعمل في مؤامرة من اجل ‏تسميم الزعيم جوزيف ستالين،وتحت التعذيب جرى إجبار “ياغودا” على الاعتراف بأنه يعمل لصالح ‏الألمان،فحوكم واعدم بسرعة بأشراف من يازوف نفسه‎ .‎

والواقع، أن “ياغودا” لم يكن أنسانا شريفا،بل كان نذلا،وكان يستمتع باغتصاب النساء والفتيات ‏الصغيرات، وقد عثروا في بيته على 14 فيلم يصور اغتصابه لضحاياه،إضافة لآلاف الصور الإباحية التي ‏التقطها بنفسه،لكنه مع كل هذا، لم يكن يوازي “يازوف” في القسوة والمكر .

كان يازوف فنانا في تعذيب الناس وفي ‏قطف الرؤوس بالجملة،وبلغ أعداد المعدومين والمعتقلين في عهده رقما قياسيا لن يبزه فيه أي رئيس ‏شرطة آخر في تاريخ العالم وتاريخ الإتحاد السوفياتي .

وفي عهده انتشرت وراجت الوشايات والتقارير ‏الكيدية،وأصبح الناس يخافون التحدث في السياسبة حتى في منازلهم .. “فالحيطان لها أذان‎” ..‎
وفي عهده جرى تنظيف الحزب والجيش من جميع من يشك في ولاءهم للزعيم ستالين،وبلغ عدد ضحاياه ‏مليون وربع إنسان،نصفهم قضوا رميا بالرصاص، فيما النصف الآخر لقي حتفه في المعتقلات‎ .‎
لكن يازوف لم يكن سوى أداة،فالمجرم الحقيقي كان جوزيف ستالين نفسه، والذي يظن بأن يازوف ‏وياغودا وغيرهم من زبانية ستالين كانوا يتصرفون من تلقاء أنفسهم هو مخطئ أو واهم.‏

فالحقيقة هي أن كل ما حدث كان بعلم ستالين،فمثلا بين عامي 1937 – 1938 وقع ستالين 357 ‏مرسوما بإعدام قرابة 40 ألف إنسان،وفي إحدى المرات نظر إلى قائمة طويلة بأسماء المحكومين وقال‎ :‎
‎”‎من سيذكر جميع هؤلاء الحثالات بعد عشرة أو عشرين عاما .. لا أحد .. وأضاف ستالين قائلا: من يتذكر ‏الآن،أسماء البويار الذين تخلص منهم ايفان الرهيب .. لا احد ‎  .‎
وللأسف كان غالبية من اعدموا أو أرسلوا إلى المعتقلات أبرياء،يازوف نفسه اعترف بذلك في اجتماع ‏للحزب فقال ‎ :‎
‎”‎من الأفضل أن يتعذب عشرة أبرياء،على أن يفلت جاسوس واحد،فعندما تقطع الخشب،ستتطاير بعض ‏الرقائق حتما‎” .‎
يا له من منطق ! .. ولكن ، ومن غريب المصادفات، فإن الوقت لم يطل حتى تطاير يازوف نفسه مع المتطايرين‎ ..‎

السقوط إلى الهاوية

بعد أن انتهى ستالين من تطهيره الأعظم وتخلص من جميع أعداءه ومنافسيه في الحزب والجيش ونشر ‏الرهبة والخوف في عموم الاتحاد السوفياتي،لم تعد هناك حاجة لقسوة يازوف المفرطة،فقرر التخلص ‏منه،وبهذه الطريقة كان سيضرب عصفورين بحجر واحد،فمن جهة سيصبح بإمكانه أن يزعم بأن جميع ‏الجرائم التي اقترفها يازوف كانت من دون علمه،وبأن “أب الشعب” ما كان ليفعل مثل هذه الأمور الفظيعة ‏بأبنائه،ومن جهة أخرى كان سيتخلص من الرجل الذي أصبح يعرف أسرارا أكثر من اللازم ..

نعم، كان “يازوف” يعرف أسرار ‏يجب كتمها إلى الأبد، وفوق كل هذا فإن ستالين،مثل جميع الطغاة،كان يكره أن يبرز شخص آخر ‏غيره في البلاد،حتى ولو على مستوى القسوة والنذالة‎ .‎

في أواخر عام 1938 شرع ستالين بتجريد يازوف من قوته،في البداية سلمه منصب جديد، وعينه، رئيسا ‏لمفوضية الشعب للنقل المائي،وكان ستالين يهدف من ذلك إلى إشغال يازوف بأمور أخرى فترتخي قبضته ‏الحديدية على الشرطة السرية، مما يسهل القضاء عليه،ولعب القدر دورا كبيرا في تسريع نهاية “يازوف” ‏واختيار خليفته.

إذ كان يازوف قد أصدر أمرا باعتقال “لافرينتي بيريا” عضو اللجنة المركزية للحزب ‏الشيوعي عن جورجيا،لكن قبل إلقاء القبض عليه تلقى بيريا تحذيرا من رئيس فرع الشرطة السرية في ‏جورجيا،فهرب إلى موسكو حيث قابل ستالين،وطلب حمايته مذكرا إياه بمساهمته في تصفية أعداء الحزب ‏في جورجيا، ويبدو بأن الرجل قد نال إعجاب ستالين،وهكذا فإنه بدل أن يرسله ستالين إلى الموت عينه ‏كنائب ليازوف،وشرع بيريا حال تعيينه بأبعاد وإقصاء جميع الموالين ليازوف داخل الشرطة السرية‎ .‎

ولم يكن”يازوف” نفسه،الخبير بأساليب ستالين،غافلا عما يحاك له،وكان يعلم جيدا بأن نهايته قد دنت،‏فأهمل عمله وراح يقضي أغلب أوقاته بمعاقرة الخمر،الأمر الذي أعطى “بيريا”حجة إضافية لتدميره .

ومما ‏زاد الطين بلة، هو انتحار “يوفيغينيا”زوجة “يازوف”  في 19 نونبر1939 , ويقال بأنها قتلت على يد يازوف ‏نفسه،بعد أن ضاق ذرعا بعشاقها الكثيرين ممن كانوا يترددون عليها،وبعد أسبوع على مقتلها طلب ‏يازوف إعفاءه من رئاسة الشرطة السرية،وهو أجراء شكلي،فعمليا لم تكن له أي سلطة،وتم تعيين ‏السفاح الأشهر “بيريا” مكانه على الفور‎ .‎

وفي 13 مارس عام 1939 تم إعفاء”يازوف” من منصبه في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ولاحقا من ذلك ‏العام أصبح عاطلا عن العمل بعد إلغاء مفوضية الشعب للنقل المائي بأمر من ستالين‎ .‎
وفي 10 ابريل عام 1939 تم إلقاء القبض على يازوف أخيرا،واخفي خبر اعتقاله عن اغلب ضباط ‏الشرطة السرية،فقد أراد ستالين أن تتم عملية التخلص منه بهدوء وسرية تامة‎ .‎

بيريا‎ ‎الأب الروحي للكاجي بي‎ ..‎

تحت التعذيب اعترف “يازوف” سريعا بكل ما أردوا منه أن يوقع عليه، فإعترف بالخيانةوبالاختلاس، وبالتآمر ضد ستالين،وحتى ‏بمثليته الجنسية.

وبيني وبينكم فإن المثلية الجنسية كتهمة كانت حقيقية، حسب الوثائق التي إطلعت عليها “هاسبريس” ، ‏المهم، باختصار فإن جميع ما يكفل إعلانه “عدوا للشعب ” كان متوفرا.

ومثل سلفه “ياغودا”وقف “يازوف” أمام محكمة ‏الشعب مترنما ومعلن ومادحا ومتبجحا بمحبة الزعيم ستالين، ثم صرخ في قاعة المحكمة بأعلى صوته، بأن إسم ‏ستالين ” سيبقى على شفتي حتى أخر لحظة من حياتي ” … لكن هذا التملق كان قد أصبح من دون جدوى ‏‏.. فالحكم عليه كان قد صدر حتى قبل أن ينطق به قضاة المحكمة، من طرف ستالين نفسه ..

وهكذا حكموا ‏على “يازوف” بالإعدام،وما أن سمع الحكم حتى خارت قواه وكاد يسقط أرضا لولا أن تلقفه الحراس وحملوه إلى ‏زنزانته‎ .‎

وفي يوم تنفيذ الحكم كان يازوف مرعوبا وخائر القوى، متبولا ومتغوطا في سرواله،ولربما تذكر كل أولئك ‏الذين أرسلهم إلى ذات المصير ؟‎ ..‎

أخذه ضباط الشرطة السرية، الشداد الغلاظ إلى نفس تلك الحجرة الكريهة، التي تكلمت عنها، والتي طالما أشرف هو فيها على إعدام “ياغودا” وآخرون يعدون بالمئات قبل ‏عامين،لكنه كان أقل شكيمة وصمودا من ياغودا،راح يصرخ ويتوسل،وطفق يذكر الرجال المحيطين ‏به وبجميله بأياديه البيضاء عليهم حين كان رئيسهم‎ .. ‎
لكن كل ذلك كان بلا فائدة‎ .. ‎
وجاء صوت من أقصى الحجرة .. ” انزعوا عنه ثيابه ” .. فجردوه من ثيابه .. ثم جاء الصوت ثانية .. ” ‏اضربوه ” .. فانهالوا عليه بالضرب المبرح حتى تركوه بين الحياة والموت ممددا على الأرض يبصق ‏الدم من فمه ويبكي كالنساء .. ثم اقترب الرجل الواقف في ركن الحجرة المعتم وبانت ملامحه .. انه بيريا ‏‏.. الرئيس الجديد للشرطة السرية،الذي كان يضمر ليازوف كرها شديدا،أومأ إلى الجلاد المخضرم ،”فاسيلي بولخين” فاخرج هذا الأخير مسدسه وأجهز على القزم الدموي برصاصة في رأسه‎ .‎

لعنة التاريخ وتعديل الصور‎ ..‎

انتهى عصر “يازوف” .. مسحوا إسمه ومحو ذكره من جميع السجلات،رفعوا صورته من معظم الصور ‏الفوتوغرافية التي تجمعه بكالينين و ستالين،كأنه لم يكن يوما ذلك الرجل الذي فضله القائد على جميع ‏الرجال‎ ..‎

فسطع فجر بيريا الدموي، أفل عصر “يازوف” ، وقام “بيريا”في بداية عهده،بأمر من ستالين، بإطلاق سراح عشرة آلاف معتقل،كأنه ‏يريد أن يقول بأن ما حدث في زمان “يازوف” لم يكن بعلم وقبول القيادة السوفياتية . لكن رقة “بيريا” لم ‏تدوم طويلا،فالحرب على الأبواب،وهتلر الفوهررالنازي يستعد لاجتياح روسيا،وقريبا سيرسل بيريا الملايين إلى ‏المعتقلات من جديد بتهمة الخيانة،وستهجر شعوب كاملة من موطنها بتهمة تعاطفها مع الألمان،وسيعدم ‏عشرات الآلاف ويدفنون في مقابر جماعية في الغابات والأماكن النائية‎ في سيبيريا.‎
كما أن “بيريا” سيصبح نسخة جديدة أكثر فظاعة، من “ياغودا” و”يازوف”وسيدور مع زبانيته في شوارع موسكو،سيشير بيده إلى ‏أي فتاة أو امرأة تعجبه،سيأخذها بالقوة إلى قصره فيغتصبها، وستحصل كل امرأة مغتصبة على وردة ‏بيضاء يقدمها لها حرس بيريا عند مغادرتها لمنزله،أما من تقاوم فسينتهي بها المطاف إلى معتقلات ‏الكولاكـ ولن يسمع عنها أحد مجددا‎ .‎

وأخيرا .. مات ستالين .. ‏

في 1 مارس 1953 عثر الحراس على ستالين في غرفته  ممددا على الأرض فاقدا وعيه وغارقا في ‏جمود مهيب،مثل غول أسطوري، فقد أصيب بسكتة دماغية،وفارق الحياة بعدها بأربعة أيام، ولن يطول ‏الأمر حتى تبرأت اللجنة المركزية للحزب والسوفيات من دكتاتورية وأساليب ستالين، حيث أن الحاكم الجديد للاتحاد السوفياتي، الذي ليس سوى رجل كان يرعى حيوانات الرنة في سهوب أوكرانيا ، إسمه “نيكيتا خروتشوف”، سيشن هجوما لاذعا ‏على سياسات ستالين ودكتاتوريته،وسيعاد الاعتبار لمعظم الضحايا الذين لاقوا حتفهم على يده،وبنهاية ‏عقد الخمسينات سيتم إغلاق معظم معتقلات الكولاكـ ‏‎ .‎

ثم سرعان ما سيلاقي”لافرينتي بيريا”رئيس شرطة ستالين السرية، نفس مصير سلفيه “ياغودا” و”يازوف”وسيحاكمونه بتهمة الخيانة، وسيقف في قاعة المحكمة متوسلا الرحمة بلا جدوى،ثم سيعدم بنفس طريقة ‏سلفيه،لكنه سيكون أقل شكيمة وشجاعة في مواجهة الموت،سيصرخ وينوح حتى يضطر جلاديه إلى ‏وضع خرقة من قماش في فمه لإسكاته،ثم سيسكتونه للأبد برصاصة في رأسه‎ .‎
هكذا هي الدنيا .. كما تدين تدان‎ ..‎

لكن برغم كل تلك الجرائم هناك من يشيد بستالين،لا بل أن شعبيته مرتفعة في روسيا اليوم،فهو بنظر ‏البعض الرجل الذي حمل روسيا من دولة فيودالية إقطاعية غارقة في الجهل والفقر والتخلف إلى مصاف ‏الدول العظمى،رجل طور الزراعة والصناعة والتعليم ، ورجل دحر الألمان،وقضى على هتلر،ورجل ‏صنع القنبلة النووية السوفياتية،ووقف بوجه أمريكا والغرب وأحكم قبضته على شرق أوربا‎ كلها. ‏
في حين يؤكد البعض الآخر أن ستالين كان أعظم حكام الاتحاد السوفياتي السابق،أما خروتشوف ‏وبريجنيف وتشيرنينكو وأندروبوف وصولا إلى ميخائيل كورباتشيف فقد كانوا في نظرهم صنيعة الغرب، ‏وهم في رأيهم من مهدوا لسقوط الشيوعية‎ .‎

عندما زار محي الدين بن عربي منطقة الشاوية في ‏طريقه إلى شيخه القطب إبن العريف في مراكش ‏

محمــد القــنــور : ‏

 
نظمت المديرية الإقليمية لوزارة الثقافة بسطات، السبت الفارط 18 مارس الحالي لقاء ثقافيا احتفى ‏من خلاله ثلة من الجامعيين والمثقفين والمهتمين، بحدث مرور الشيخ محي الدين بن عربي من ‏منطقة الشاوية في اتجاه مراكش، قادما من الأندلس، قبل حوالي 841 سنة.‏
وشكل هذا اللقاء، الذي نظم بشراكة مع جامعة الحسن الأول بسطات حول موضوع “أعلام وتراث ‏الشاوية”، والمجلس الجماعي لبني خلوق دائرة البروج بسطات، فرصة أكد خلالها الباحث ‏والمسرحي المسكيني الصغير، على دور الثقافة الشعبية في خلق الانتماء، والوجود، مشيرا إلى أنه ‏لم يعد ينظر إلى الثقافة الشعبية بصفة قدحية، ولكنها أصبحت تقوم بمهمة الكشف عن هذا الإنسان ‏وتبيان حقيقته من خلال حكاياته وأحاجيه ورموزه وعاداته وتقاليده وعمرانه.‏
ويعتبر محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي ،من أب موريسكي ‏وأم أمازيغية ويعرف عند الصوفية بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، وهو أحد أشهر المتصوفين ‏المسلمين ، إذ لقبه أتباعه وغيرهم من الصوفية “بالشيخ الأكبر” ولذا تنسب إليه الطريقة الأكبرية في ‏الصوفية. ‏
هذا، فقد ولد بن عربي في مرسية في الأندلس في شهر رمضان الكريم عام 558 هجرية الموافق لــ ‏‏1164ميلادية قبل عامين من وفاة الشيخ عبد القادر الجيلاني وتوفي في دمشق عام 638هـجرية ‏الموافق 1240م. ودفن في سفح جبل قاسيون.‏
ويظل محي الدين بن عربي من كبار المتصوفة والفلاسفة المسلمين على مر العصور، فقد كان أبوه ‏علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف. وكان جده أحد قضاة ‏الأندلس وعلمائها، فنشأ نشأة تقية ورعة نقية ومتحضرة، خالية من جميع الشوائب والمثالب ودرج ‏في جو عامر بنور التقوى، والإنفتاح الفكري ، مفعم بالفضل والنورانية ، يرنو نحو الشرفات العليا ‏للإيمان.‏
وكان والده قد انتقل إلى إشبيلية وحاكمها أن ذاك السلطان محمد بن سعد، وهي عاصمة من عواصم ‏الحضارة والعلم في الأندلس، والعالم الإسلامي، وما كاد لسانه يبين حتى دفع به والده إلى أبي بكر ‏بن خلف عميد الفقهاء، فقرأ عليه القرآن الكريم بقراءاته السبع من كتاب الكافي، فما أتم العاشرة من ‏عمره حتى كان مبرزاً في القراءات ملهماً في المعاني والإشارات، ثم أسلمه والده إلى طائفة من ‏رجال الحديث والفقه أثناء تنقلاته بين البلاد ، ليستقر أخيراً في دمشق طوال حياته ، حيث كان واحداً ‏من أعلامها حتى وفاته عام 1240 م.‏
‏ وذكر أنه مرض في شبابه مرضاً شديداً وفي أثناء شدة الحمي رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم ‏من قوى الشر، مسلحين يريدون الفتك به، ثم ما لبث أن رأى في ذات الرؤيا شخصاً جميلاً قوياً ‏مشرق الوجه، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرقها شذر مذر ولم يبق منها أي أثر فسأله محيي ‏الدين عن إسمه، فقال له أنا سورة يس، وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالساً إلى وسادته يتلو عند ‏رأسه سورة يس، ثم ما لبث أن شُفِي من مرضه، وألقي في روعه أنه معد للحياة الروحية وآمن ‏بوجوب سيره فيها إلى نهايتها، فكان له ذلكــ .‏
وقد تزوج محي الدين بن عربي في مطلع شبابه بفتاة في ذروة الكمال الروحي والجمال الظاهري ‏وحسن الخَلق والخــُلق، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية وتهذيبها وإنضاج معالمها،و كانت ‏أحد دوافعه إلى الإمعان في كينونته ووجوده. وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس ‏التي تعلم فيها سراً مذهب الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات والموروثة عن فلسفة ‏فيثاغورس وعن الاورفيوسية وعن الفطرية الهندية، وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ‏القطب الصوفي ابن العريف المتوفى سنة536 هجرية الموافق لــ  1141ميلادية ، ودفين مدينة مراكش، حيث له مزار شهير ‏بسوق الحدادين داخل أسوار المدينة العريقة .‏
ومما لاشك فيه فإن استعداد بن عربي الفطري ونشأته في هذه البيئة واختلافه إلى تلك المدرسة ‏الرمزية كان له بالغ الأثر على مساره الفكري والروحي منذ سنه المبكرة فلم يكد يختم الحلقة الثانية ‏من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام ولم يشارف العشرين سنة من عمره ، فكانت ‏بداية طريقه الروحاني، وفاتحة إطلاعه على أسرار الحياة الصوفية. وملامسته للخفايا الكونية التي ‏تكشفت أمامه لاحقا، في حياة أفعمها البحث المتواصل عما يحقق الكمال لتلك الاستعدادات الفطرية. ‏ولم يزل محي الدين بن عربي عاكفاً على ذلكــ حتى ظفر بأكبر قدر ممكن من الأسرار. وأكثر من ‏ذلك أنه حين كان لا يزال في قرطبة قد تكشف له من أقطاب العصور البائدة من حكماء فارس ‏والإغريق كفيثاغورس وأمبيذوقليس وأفلاطون وهذا هو سبب شغفه بالاطلاع على جميع الدرجات ‏النُسكية في كل الأديان والمذاهب عن طريق أرواح رجالها الحقيقين بهئية مباشرة. ‏
كما في هذه المرحلة من حياته رأى في حالة اليقظة أنه أمام العرش الالهي المحمول على أعمدة من ‏لهب متفجر ورأى طائرا بديع الصنع يحلق حول العرش ويصدر إليه الأمر بأن يرتحل إلى الشرق ‏وينبئه بأنه سيكون هو مرشده السماوي وبأن رفيقاً من البشر ينتظره في مدينة فاس 594هـ.‏
وقد تتلمذ محي الدين بن عربي في السنة 595هـجرية في غرناطة على يد شيخه أبي محمد عبد الله ‏الشكاز، وفيما بين سنتي 597هـ، 620هـ الموافق سنة 1200، 1223 بدأ رحلاته الطويلة المتعددة ‏الي بلاد الشرق فيتجه إلى الشرق ويستقر خلال رحلته في دمشق.‏
وفي سنة 1201 ميلادية رحل بن عربي إلى مكة فإستقبله فيها شيخ فارسي وقور جليل عريق المحتد ‏ممتاز في العقل والعلم والخلق والصلاح. وفى هذه الأسرة التقية يلتقي بفتاة تدعي نظاما وهي ابنة ‏ذلك الشيخ وقد حباها الله بنصيب موفور من المحاسن الجسمية والميزات الروحية الفائقة، واتخذ منها ‏محيي الدين بن عربي رمزا ظاهريا للحكمة الخالدة وأنشأ في تصوير هذا الرمز قصائد سجلها في ‏ديوان ترجمان الأشواق ألفه في ذلك الحين.‏
وقد دون محي الدين بن عربي نفسه، في احدى تأملاته أنه رأى مرشده السماوي مرة أخرى يأمره ‏بتأليف كتابه الجامع الخالد الفتوحات المكية الذي ضمنه أهم أرائه الصوفية والعقلية ومبادئه ‏الروحية، ووفي سنة 599هـجرية زار الطائف وفي زيارته بيت عبد الله بن العباس ابن عم رسول ‏الإسلام صلى الله عليه وسلم استخار الله وكتب رسالة حلية الأبدال لصاحبيه أبي محمد عبد الله بن ‏بدر بن عبد الله الحبشي وأبي عبد الله محمد بن خالد الصدفي التلمساني.‏
وفي سنة 601 هـجرية ، الموافق لسنة 1204ميلادية إرتحل بن عربي الي الموصل حيث إجتدبته ‏تعاليم الصوفي الكبير علي بن عبد الله بن جامع الذي تلقي لبس الخرقة عن الخضر مباشرة، ثم ألبس ‏محيي الدين اياها بدوره. وفي نفس السنة زار قبر رسول الإسلام وكما قال “وقد ظلمت نفسي وجئت ‏إلى قبره صلى الله عليه وسلم فرأيت الأمر على ما ذكرته وقضى الله حاجتي وانصرفت ولم يكن ‏قصدي في ذلك المجيء إلى الرسول إلا هذا الهجير”‏
وفي سنه 1206م في طريقه رحل بن عربي إلى القاهرة مع فريق من الصوفية وفي سنة 1207م ‏عاد الي مكة الي اصدقائهم القدماء الأوفياء وقام في مكة ثلاثة أعوام تم عاد إلى دمشق وزار قونية ‏بتركيا حيث يتلقاه أميرها السلجوقي باحتفال بهيج. وتزوج هناك بوالدة صدر الدين القونوي. ثم لم ‏يلبث أن يرتحل الي أرمينيا
وفي سنة 1211م رحل الي بغداد ولقي هناك شهاب الدين عمر السهروردي الصوفي المشهور.وفي ‏سنة 1214م زار مكة ووجد عدد من فقهائها الدساسين قد جعلوا يشوهون سمعته لسبب القصائد التي ‏نشرها في ديوانه الرمزي منذ ثلاثة عشر عاما ومر إلى دمشق عائدا، وبعد ذلك رحل الي حلب واقام ‏فيها ردحا من الزمن معززا مكرما من أميرها.‏


وأخيرا أقام في دمشق الفترة 1223م ـ 1240م حيث كان أميرها أحد تلاميذه ومن المؤمنين بعلمه ‏ونقائه وعاش حياته في دمشق يؤلف ويعلم وكان واحدا من كبار العلماء بين اهل العلم والفقه في ‏دمشق، وألتقى به عدد كبير من العلماء والطلاب من جميع أنحاء المعمورة ومن أبرزهم الشيخ جلال ‏الدين الرومي صاحب المثنوي، وفي دمشق دون وكتب مراجعات لكتاباته ومؤلفاته وكان له مجلس ‏العلم والتصوف في رحاب مجالس دمشق وبين علماء الفقه والعلم بدمشق ومدارسها.‏‎ ‎
ويعتبر كتاب الفتوحات المكية، المكوُن من 37 سفر و560 باب، من أشهر مؤلفاته فقد وُصف بأنه ‏من النصوص الصوفية الموغلة في التعمق و ان لغته رمزية وبها اشارات الهية ، وله كتاب فصوص ‏الحكم، الذي أثار جدلاً كبيرا في وقته ولازال مصدراً للجدل، كما له ديوان “ترجمان الأشواق”، ‏الذي خصصه لمدح نظام بنت الشيخ أبي شجاع بن رستم الأصفهاني التي عرفها في مكة سنة 598 ‏عندما قدم إليها لأول مرة قادما من مراكش في المغرب، وكتاب “شجرة الكون”، يتحدث فيه عن ‏الكون مشبها اياه بشجرة اصلها كلمة “كٌن”، ثم كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام، وكتاب اليقين، ‏الذي تناول موضوع اليقين الذي حير عديد من فلاسفة ذلك العصر، وكتاب “مواقع النجوم ومطالع ‏الأهلة الأسرار والعلوم”بالإضافة إلى رسائله ومخطوطات لا تزال لم تطبع .‏

نجيب الرفايف يستَجْمِعُ 15 سنة من معطيات”زمن مغربي” ‏

هاسبريس : ‏
‏ عن دار “فيرغول للنشر”، صدر للزميل الصحافي نجيب الرفايف، مؤخرا، كتابا بعنوان “زمن ‏مغربي”، في 255 صفحة من القطع المتوسط، عبارة عن مجموعة تضم مقالات مختارة كان قد ‏نشرها، بشكل منتظم، على صفحات كل من أسبوعية “لافي إيكو” و المجلة الشهرية “لوكوريي دو ‏أطلس” التي تصدر بباريس.‏
وأوضح المؤلف الرفايف ، في مقدمة هذا الكتاب أن المقالات الواردة فيه تغطي فترة تزيد عن 15 ‏سنة، مبرزا أن كتاباته تعتبر في نظره، “أعمدة غالبا ما تكون بمثابة رد فعل على الزمن الذي يمر، ‏ويمكن اعتبارها نوعا من القصص الأسبوعية لصحافي يحكي ما يحس به، ما يراه وما يفهمه عن ‏بلاده والعالم وعن الناس وعن أشياء تتعلق بالحياة وعن حياة تتعلق بالأشياء”.‏
وأضاف أن هذه النصوص ” كانت تكتب على عجل، وكاتبها كان ملتزما بآجال إرسال الصحيفة إلى ‏المطبعة، وخصوصا بوعد إعدادها أيا كانت الظروف”.‏
إلى ذلكـ لم يخف القيدوم عبد الله ستوكي، في معرض تقديمه للكتاب،شعوره بالاطمئنان والسعادة ، ‏بعد قراءة الصفحة الأخيرة من الكتاب.‏
وبروح المتأمل النابه ، ودقة المتتبع المحترف ، يبدو الرفايف من خلال هذه المقالات المختارة، ‏ملاحظا دقيقا لمفارقات المجتمع، حيث عرف ببراعة كيف يرصد جوانبها الأنثروبولوجية وتردد ‏الحداثيين، والمفارقات الثقافية والدينية المتعلقة بالعبادة.‏
يشار إلى أن ازميل نجيب الرفايف ، مؤلف كتاب “أبي الجعد، فضاء وذاكرة” سنة 1996 الذي ‏يحصر فيه تلابيب الذاكرة والتاريخ والمناحي السوسيو ثقافية للمنطقة ، ظل يساهم بالكثير من ‏الأعمدة في العديد من المنابر الإعلامية. كما شغل العديد من المناصب من بينها مدير الإنتاج ‏الدرامي بالقناة الثانية (دوزيم)،ووقع سيناريو الفيلم القصير “نظرات مسروقة” للمخرج محمد عبد ‏الرحمان التازي، بالإضافة إلى كونه ينشط المجلة الأدبية “ديوان” على راديو “دوزيم” .‏

قصر الباهية بمراكش : عن المرأة الرحمانية التي ملكت قلب رجل السلطان

حكاية عشق وأسطورة معمار وعنوان سلطة‏

مـحـمـد القـنــور ‏:

هي حكاية لتلك السيدة الرحمانية التي ملكت قلب “باحماد” الصدر الأعظم والوزير القوي في مغرب آواخر القرن 19 ‏وبداية القرن العشرين، فبنى قصر الباهية، تحفة معمارية لتخليد إسمها.‏
ولقد إرتبط قصر الباهية باسم زوجة الحاجب القوي في مغرب القرن التاسع عشرعلى عهد السلطان مولاي الحسن ‏الأول،(1873 – 1894) والوزير الأول على عهد إبنه السلطان العلوي مولاي عبد العزيز،(1894 – ‏‏1908) إنه أحمد بن موسى بن أحمد السملالي المتوفى سنة 1900 بمراكش،والشهير بــ “باحمـــاد” الذي ‏بنى قصر الباهية تمجيدا لذكرى زوجته، وعرفانا بمودتها وحبها، في سمفونية إمتزجت ضمنها الحكايات ‏بالهندسة، وتوحدت عبرها المشاعر بالزخارف فأعطت صورة واضحة مميزة عن عمق الحضارة المغربية ‏في بداية القرن العشرين.‏
هذا، وينتمي “باحمـــاد” أحمد بن موسى بن أحمد السملالي إلى أسرة مغربية عريقة، إشتهرت بخدماتها مع المخزن ‏المغربي على عهد الدولة العلوية، ويكاد يكون الشخصية الوحيدة من بين رجالات الدولة الغير المنتمين ‏للشرفاء العلويين، فقد قال عنه المؤرخ الأديب مولاي عبد الرحمان بن زيدان، في مصنفه التاريخي الشهير، ‏‏”….كان أحمد بن موسى، “باحمـــاد” شعلة ذكاء ونباهة، فقيها حازما، ضابطا عفيف الإزار، طاهر الذيل، أية ‏في الدهاء وحسن التدبير، ذا حزم وثبات ومجالسه لاتخلو من العلماء ومذكراتهم” في حين يؤكد الفقيه العلامة ‏المختار السوسي أن “باحمـــاد” كان أشبه الناس بالسلطان المولى الحسن الأول في تنظيمه وفي إشتغاله ‏بالجد، فلم يكن يعرف سوى الخدمة والعمل.‏
‏ فمباشرة بعد وفاة الوزير “باحمـــاد” سنة 1900 ، تم ضم قصر الباهية إلى حظيرة القصور الملكية، وقد قام ‏بعدها الوزير الصدر الأعظم المدني الڭـلاوي، شقيق باشا مدينة مراكش، الحاج التهامي الڭـلاوي،بتشييد ‏طابق علوي به،كما أن المقيم العام الفرنسي الماريشال لويس إيبير ليوطي ، ( 1854 – 1934) إتخذ قصر ‏الباهية مقرا له، وأدخل عليه بعض الكماليات المنزلية الملائمة في بداية العصر للعقلية الفرنسية كالمدفئة، ‏ومروحات التهوية، والأسلاك التلغرافية والهاتف، كما وضع قصر الباهية بعد وفاة الماريشال ليوطي سنة ‏‏1934 كمقر للضيافة،حيث تم وضعه تحت تصرف الضباط العسكريين الفرنسيين، وفي سعيها لإنشاء ‏الدواليب الإدارية للحماية، قامت السلطات الفرنسية بتخصيص جناح منه، لما كان يعرف بمندوبية الشؤون ‏الحضرية.‏
ومع بزوغ فجر الإستقلال، نزل بقصر الباهية الملك المؤسس للمغرب الحديث، محمد الخامس طيب الله ثراه، ‏قبل أن يتخذ مقرا لمؤسسة التعاون الوطني، كما إتخذه سمو الأمير مولاي عبد الله رحمه الله، نزلا له، حيث ‏كان لقصر الباهية منذ بنائه، محافظا مخزنيا يقوم على تسييره، إلى أن عهد به جلالة المغفور له الحسن الثاني ‏لوزارة الثقافة .‏
وتجدر الإشارة، أن قصر الباهية ، كان قد صدر بشأنه ظهير شريف بتاريخ 21 يناير 1924، نشر بالجريدة ‏الرسمية عدد 592 صنفه ضمن المباني التاريخية والتحف الفنية التي يتعين حمايتها وفق مقتضيات الظهير ‏الصادر بتاريخ 4 يوليوز 1922 والخاص بالمحافظة على الآثار.‏
وفي سنة 1922 تم‎ ‎تصنيفه كمعلمة تاريخية يفد إليها الزوار والسياح الأجانب للتملي بفنون العمارة‎ ‎المغربية ‏خصوصا النقش على الخشب، وقد أشرف على بناء القصر المهندس محمد بن المكي‎ ‎المسيوي الذي تلقى ‏فنون صناعة الخشب بمكناس وتعلم النقوش الجبصية بفاس على يد‎ ‎الضابط الفرنسي “اركمان” رئيس البعثة ‏الفرنسية قبل الحماية، وتبلغ المساحة‎ ‎الإجمالية للقصر حوالي 22 ألف متر مربع إلا أنها تقلصت بعد تشييد ‏عدة مؤسسات ومرافق‎ ‎في الحديقة الكبرى التي تم فصلها عن القصر كما تغير مدخله الأصلي الذي يوجد ‏بحي‎ ‎رياض الزيتون الجديد إلى بوابة قرب حي الملاح، وفي نهاية حي عرصة المعاش‎.‎
ويجهل عند أغلب الدارسين والمؤرخين، تحديد تاريخ ولادة “للا الباهية الرحمانية” زوجة الوزير باحماد، ‏خلافا لما نسبه البعض لكونها من عائلة بنداوود ذات الأصول الموريسكية الأندلسية، فأغلب الظن أن زوجات ‏كثيرات كن لبا أحماد، كما لاتعرف نشأتها الأولى، وذلك لأسباب موضوعية، تتعلق بغياب التأريخ للنساء ‏الفاعلات في الحقل الإجتماعي أو الثقافي أو المخزني في مغرب القرن التاسع عشر، كما رأت الباحثة ‏المغربية المميزة فاطمة المرنيسي.‏
غير أن الرواة يتفقون أن “الباهية” التي يحمل إسمها أحد أهم القصور بمراكش، وفي المغرب وبالعالم ‏الإسلامي قاطبة تنحدر من قبيلة الرحامنة المتاخمة لمدينة مراكش، وأنها بدورها تربت في أسرة اشتهرت ‏بالعلم والمجد والقوة، وأنها دأبت على التحرك من قلعة والدها في الرحامنة إلى رياض العائلة في حي ‏القنارية بمراكش حيث رآها الوزير القوي وهو لايزال في ريعان شبابه، تحت رعاية والده الحاج موسى ‏الحاجب، فخطبها لتكون شريكة حياته وسيدة قصوره، وريحانة زوجاته وزعيمة جواريه وخدمه…وحشمه.‏
وتعود بدايات تأسيس قصر الباهية الذي يخلد إسم الزوجة المحبوبة لـ “باأحماد” إلى عهد والد هذا الأخير، ‏الوزير أحمد بن موسى‎ ‎على عهد السلطان عبد العزيز والذي كان يلقب بــ” البخاري” لكونه ينحدر من عبيد ‏البخاري جيوش السلطان العلوي الذائع الصيت مولاي إسماعيل، أولائك العساكر الذين أقسموا على الطاعة والولاء أمام كتاب صحيح البخاري، ثان أقدس كتاب عند المسلمين .‏
‏ فقد جلب الوزير أحمد بن موسى‎ ‎‏ أمهر‎ ‎الصناع والحرفيين من مراكش وفاس وسلا وأزمور وصفرو ‏للإشتغال بالقصر لمدة سنوات متتالية إلا أن القدر المحتوم حل دون رؤيته للقصر حيث وافته المنية سنة ‏‏1890 والأشغال لم تنته بعد وكانت النواة الأولى‎ ‎لقصر الباهية على يد الحاجب الملكي موسى بن احمد ‏البخاري، والد الوزير القوي الذي سيتحكم في الرقاب لاحقا وسيتحول إلى أسطورة وهو الذي شيد الرياض ‏الكبير‎ ‎والساحة الشمالية تولى ابنـه‎ ‎المعروف بـــ”باحماد” استكمال بنــاء القصــر فجمـــع في البدايــة حوالي ‏‏60 للقصـر لتتوقف الأشغــــال بهـــذا الجــــزء سنة 1886 وبعد وفاته منزلا لتشكيل قصر‎ ‎كبير يعد رائعة ‏الفن المعماري المغربي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين‎.‎

ويضم قصر‎ ‎الباهية عدة أجنحة وقاعات وملحقات وأحواض وحدائق بالإضافة إلى المتنزه والحديقة التي‎ ‎يتوسطها صهريج معروف باسم “أڭدال باحماد”، حيث أن معظم أرجائه غير مفتوح في وجه العموم من ‏الزوار المغاربة والسياح الأجانب، ومن بين الأجنحة‎ ‎المفتوحة حاليا في وجه الزوار الرياض الصغير الذي ‏يعد من الأجنحة المتميزة داخل‎ ‎القصر ببنائه بهيئة المدارس العتيقة من حيث الأروقة التي تعلوها أفاريز ‏خشية مزدحمة‎ ‎بألوان زاهية بمواد طبيعية حيث كان يشكل ديوان “باأحماد‎”‎‏ من الساحة الشرقية تلج‎ ‎الرياض ‏الكبير بواسطة ردهة منقوشة ومزخرفة، كما أن الباهية كانت قد عرفت عدة تغييرات في عهد “باحماد” ‏إنصبت على القاعة الكبرى الشمالية التي تؤرخ أعوام بنائها أبياتا شعرية منقوشة على الجبص، ثم على ‏أجنحة أخرى تتفرع عن الصحن الشهير المغطى بالسقائف الخشبية، والمتضمن لقاعتين وبهوين‎ .‎ليتحول بعد ‏ذلك، قصر الباهية في عهد “باأحماد‎”‎‏ إلى تحفة معمارية من خلال زخرفة‎ ‎أبوابه ونوافذه المزينة “بالتوريق” ‏و”التشجير” لباقات الأزهار والنباتات، وتؤكد المؤرخة المغربية الأستاذة بهيجة سيمو: “أن الباهية تعد قصرا ‏من قصور مراكش ، أنشئت في القرن التاسع عشر من قبل الحاجب السلطاني با أحماد بن موسى، وهي وإن ‏كانت قطعة فنية بهية المنظر، وتحفة معمارية تفيض بتجلياتها الحضارية، فهي كذلك وثيقة تاريخية تطوي ‏في مضامينها تقاليد أهل مراكش وأنماط عيشهم، كما تسمح بإعادة تركيبة صورة المرأة المغربية آنذاك، ‏ودورها في شغل مجال من مجالات القصور”‏‎.‎


لقد كان الصدر الأعظم “باأحماد” شخصية كاريزمية لكونه كبير وزراء السلطان المولى الحسن الأول ‏وحاجب خلفه السلطان المولى عبد العزيز يلخص لب سياسة الشأن العام كما كانت تدبر من طرف أقوياء ‏المملكة الشريفة بدهائهم وذكائهم ، ودواليب تسييرهم للعباد والبلاد، لذلك لم يكن استثناء أن يبقى الصدر ‏الأعظم أحمد بن موسى “با احماد” في منصبه المحوري آمرا ناهيا،خصوصا في فترة عرفت سطوع نجم ‏بعض الخارجين عن سلطة الدولة، فكان “استبداده العادل” على حد تعبير السلفيين المتنورين كالأفغاني ‏ومحمد عبده وعلال الفاسي والمختار السوسي هو الذي قلم أظافر بعض الرجال الكبار المشرئبين للحكم في دولة ‏السلطان المولى عبد العزيز، حتى بات لا يذكر مع “باحماد” أحد، فكان وحده المبدئ المعيد، والمصدر المورد، لا ‏تكون كبيرة ولا صغيرة إلا بإذنه، في كل الإدارات، والأجهزة السلطانية، ولكنه وحسب معظم المصادر ‏التاريخية التي تناولت شخصه ، فقد كان “باأحماد” لا يظهر إلا بمظهر المنفذ للسياسات السلطانية، يرتبط في ‏الحل والعقد بلازمة يقولها دائما : “حتى نستشير سيدنا”، ولا يمكن أن يتخطى ذلك ولو عن طريق السهو أو ‏خطأ.‏
وذكر أن رجلا كان قد أفرط يوما في طلب شيئا من “با أحماد” فأجابه هذا الأخير باللازمة المعهودة، فقال له: ‏‏”بل أنت سيدنا”، فاستشاط “باأحماد” غضبا عليه، وعاقب صاحب القول عقابا، يستحقه لبلبلته وإعوجاجه كما ‏تؤكد المصادر التاريخية.‏
وتتفق كل المصادر التاريخية أن “باأحمـــاد” أحمد بن موسى بن أحمد السملالي كان شخصا صموتا لا يحب ‏الكلام حوله، لدرجة أن دار المخزن مهما كانت مكتظة إلى أرجائها، كان لا يسمع فيها صوت ولا ولا يحس ‏بها صخب أو لغو، فقط إشارات، وقليل من الهمسات، وكان”باأحمـــاد” يجلس دائما أمام مكتبته وهي منضدة ‏كتابته في بنيقة “مكتب” الوزير الكبرى، فكان بينما هو مكب على الكتابة أو على التوقيعات أو على قراءة ما ‏يقدم له، يجيل عينيه بين الفينة والأخرى ، كعيني الصقر في الفضاء فيرى الداخل والخارج، وقد أطل عليه ‏مرة إنسان غريب، فصاح به ألم ترني قط ، فقال له : أرى الذي وراءك، وإشتهر في الأوساط بكونه لا ينسى ‏أبدا، وأنه يذكر كل ما قيل له أو ما قاله.‏
‏ وقدم مرة رجل من أعيان الدولة برسائل من المولى عبد الحفيظ وهو خليفة للسلطان على أحواز تادلة إلى ‏الوزير “با أحماد”، فذكره بعد أيام بها، فقال له “با أحماد” : “إنك لا تحتاج إلى تذكيري فأنا لا أنسى عملي” ‏، وأفاد المؤرخ الأديب محمد غريط في كتابه “فواصل الجمان” أن “با أحماد” كان شديدا بطاشا على العصاة ‏والمارقين والآفاقين واللصوص لا يهدأ إلا عند الفتك بهم أوسجنهم، حتى قيل عنه أن أمر مسجون أحب إليه ‏من تحصيل المال لخزينة الدولة.‏
هذا، وقد تمهد لــ “باحمـــاد” بذلك البطش ما أراد، وارتجفت منه أفئدة عتاة الجانحين عن طاعة الدولة، ‏والمغتنين من نهب أموال التجار،والفلاحين والصناع.. وكان في كل مساء يلاقي الواردين إلى أن يمضي ما ‏شاء الله من ساعات الليل المتأخرة ، وكان ممعنا في مراقبة أموال ولاة الأقاليم وخلفاء السلطان بكل ما أمكن ‏من تتبع ومراقبة علنية وسرية. ‏
أما خصوم “با أحماد” فيعيبون عليه قيامه بنقل كل ثروة البلاد التي كانت في دار المخزن على أيام السلطان ‏المولى الحسن الأول إلى قصر الباهيــة عقب تولي المولى عبد العزيز الحكم!..‏
والواقع، إن “با أحماد” لم يكن استثناء بأن يظل في منصبه الكبير حتى وفاته،وأن تبقى الباهية تلك الجميلة ‏الرحمانية مثالا عن الجمال والأنوثة المغربية،ترسل أكثر من دلالة من مراكش إلى كل بقاع العالم حول مدى ‏تأثير الحب على المعمار، وإرتباطه بثنائية قوة العشق ودواليب السلطة.‏

إكتشافات جديدة عن بصمات مغربية في ثقافات شعوب الهنود ‏الحُمْرِ الأمريكيين

محمــد القـنـــور : ‏

خلافا لما روجته وعملت على ترسيخه الكثير من أفلام هوليوود ، من خلال الصور النمطية التي رسمها عن ‏شعوب الهنود الحمر في أمريكا ، بأفلام الكاوبوي القديمة، والتي تقتصر غالبا على ماضيهم دون حاضرهم. ‏فإن الشعوب الأولى التي سكنت فيما يعرف الآن بالولايات المتحدة هي في الواقع أمم متنوّعة، ويعيشون اليوم ‏حياة معاصرة، ورغم قلة عددهم والتحديات التي ما زالوا يواجهونها، إلا أنهم يمثلون وضعا فريدا بين ‏المجموعات العرقية في أميركا.‏
إذ يطلق عليهم أسماء مختلفة مثل: الأميركيين الأصليين ‏Native Americans‏ والهنود الأميركيين ‏American Indians‏ أو ‏Amerindians‏ والشعوب الأولى ‏Indigenous peoples‏ والأمم الأولى ‏First ‎Nations‏ والشعوب الأصلية ‏Aboriginal‏ والأميركيون الأوائل ‏First Americans‏. وهناك بعض الناس ‏الذين يرغبون بأن يشار إليهم نسبة لقبيلتهم فقط. ومع أن “الهنود” هي تسمية أطلقها خطأ كريستوفر ‏كولومبوس حين ظن أنه قد وصل الهند بعد أن اجتاز المحيط الأطلسي من إسبانيا إلا أن الاسم علق بهم عبر ‏القرون، ولا يرى كثير منهم به بأسا. أما تسمية الأميركيين الأصليين فهي تعبير قانوني أطلقته الحكومة ‏الفيدرالية للتمييز بينهم وبين المهاجرين من الهند، وهو أيضا تعبير عام يشمل الهنود الأميركيين والسكان ‏الأصليين في ألاسكا وهاواي وغوام وساموا، ويعتبر كثير من الأكاديميين تعبير “الأميركيين الأصليين” ‏الأصح سياسيا. غير أن فيل كونستانتين وهو صحافي وكاتب وعضو في “أمة تشيروكي” ‏Cherokee ‎Nation‏ يقول “أنا أستخدم دائما تعبير الهنود الأميركيين بدلا من الأميركيين الأصليين” في حين يعتبر إسم ‏‏”الهنود الحمر” ‏Red Indians‏ الآن تعبيرا مسيئا.‏

ومهما يكن ، فإن للهنود الأميركيين حكم ذاتي وسيادة على أراضيهم ومجتمعاتهم، وثرات وحضارة، عملت ‏الحضارة الغربية الدخيلة، والمنتصرة، على طمس معظم معالمها وإقتلاع أهم تفاصيلها وفلكلورها، رغم أن ‏الحكومة الفيدرالية الأميركية تعترف بقبائل السكان الأصليين كـ”أمم محلية تابعة” ‏domestic dependent ‎nations، مما يعني أن القبائل هي مجتمعات مستقلة سياسيا، ولها أنظمتها وقوانينها الخاصة بما في ذلك ‏أنظمة المحاكم والأمن. وقد تم سن قوانين لإيضاح العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات القبائل، كما أن ‏هناك قوانين ترسم العلاقة بين حكومات الولايات وحكومات القبائل. ومع أن ما يسمى بـ”السيادة القبلية” ‏tribal sovereignty‏ مسنونة بالدستور الأميركي إلا أنها ليست سيادة كاملة تعادل تلك الممنوحة للدول ‏الأجنبية. ويصل عدد قبائل الهنود الأميركيين الذين تعترف بهم الحكومة الفيدرالية إلى 566 قبيلة.‏
ومع أن السيادة القبلية تعطي للهنود الأميركيين نوعا من حق تقرير المصير، إلا أن هناك مشكلات يعانون ‏منها، منها تضارب المصالح وعدم وضوح العلاقات بين الحكومات، وفقا لـ”جين ماري ثيل” سيدة الأعمال ‏وعضوة مجلس إدارة غرفة التجارة الهندية الأميركية لولاية ويسكونسن والعضوة في قبيلة “باد ريفر باند ‏في بحيرة سوبيريور” ‏Bad River Band of the Lake Superior Tribe، وتضيف لـ”راديو سوا” أن ‏تحسين العلاقات بين القبائل والحكومة الفيدرالية ما زال يشكل تحديا، إضافة إلى المحافظة على حريات ‏الهنود الأميركيين ضمن الاتفاقات القائمة، وأن لا يتم نسياننا في السياسات التي تطرح والبرامج التي تؤثر ‏علينا”.‏
ويؤكد “أدوارد نوسلن”الباحث في العلوم الأنثروبولوجية أن جميع السكان الأصليين في أميركا الشمالية ‏وأميركا الجنوبية يعيشون ضمن حدود دول تأسست في معظمها على يد مستعمرين أوروبيون، وهناك تحد ‏دائم بأن يكونوا قادرين على صنع قراراتهم بأنفسهم بشأن القضايا التي تؤثر عليهم وحدهم ضمن أراضيهم”.‏
مضيفا أن الحفاظ على الهوية القومية يعتبر من الصعوبات التي يواجهها الهنود الأميركيون، “فطبيعة ‏الانتشار الواسع للاتصالات ووسائل الإعلام تجعل من الصعب على أمة أن تحافظ على هويتها الثقافة ‏الخاصة، مثلاً هناك شباب في الشرق الأوسط يستمعون إلى موسيقى الراب، وهذا ينسحب علينا الآن أيضا، ‏فقد أضحى من الصعب المحافظة على طريقة حياتنا”.‏

شعوب مختلفة وثقافات متباينة

ومما يفيد أن شعوب مختلفة وثقافات متباينة، كون الأميركيون الأصليون لا يتحدثون لغة واحدة ولا يدينون ‏بالديانات واحدة، وليس لديهم العادات والتقاليد ذاتها، “فقد عاش السكان الأصليون في أميركا الشمالية في ‏طيف واسع من المناخات والتضاريس والظروف”، وفقا للعديد من الدراسات التاريخية والإثنية التي تناولت ‏شعوب الهنود الحمر، فإن ما يعتبر مناسبا لبيئة ألاسكا القطبية لن يكون مناسبا لبيئة صحراء “كولورادو” أو ‏نيفادا” جنوب غرب الولايات المتحدة أو في غابات جبال الروكي “.‏
فالهنود الأميركيين ليسوا جميعا ذوي بشرة سمراء أو شعر غامق أو عيون عسلية، “فهناك شيوخ قبائل ذوو ‏عيون زرق، وهناك أعضاء في بعض القبائل شعرهم أشقر، هناك تقاطيع مختلفة متأثرة بالاختلافات ‏الجغرافية وملامح تشمل ثقافات الهنود المتنوعة التي تمتد عبر آلاف الكيلومترات في الأميركيتين الشمالية ‏والجنوبية .‏

محميات مهجورة وإحصائيات ناطقة ‏

وفقا للإحصاء الرسمي للسكان لعام 2010 فإن هناك 334 محمية خاصة بالأميركيين الأصليين ‏reservations‏ في الولايات المتحدة، غير أن 78 في المئة منهم أضحوا يعيشون خارج المحميات. إذ يعيش ‏الهنود الذين لم يختلط نسبهم في المحميات بشكل أكبر ممن اختلط نسبهم بالأعراق الأخرى.‏
حيث لم يبقو داخل خيامهم المخروطية ‏tipis‏”، بل أن معظمهم من الهنود الأميركيون يعيشون اليوم حياة ‏معاصرة في بيوت عادية. رغم أن “جين ماري ثيل”العالمة النخصصة في حضارات الهنود الحمر، تؤكد ‏أن الفقر وتوفر الإسكانات الجيدة ما زالت مشاكل كبيرة في محميات الهنود الأميركيين، في ظل معاناة الهنود ‏في المحميات من ارتفاع معدلات الجريمة والمشاكل الصحية ، الناتجة عن أمراض إدمان الكحول والتدخين، ‏وتغيرات نظام التغذية .‏
ولقد أبرز تقرير فيدرالي في 2008 أن 12 في المئة من وفيات الهنود الأميركيين مرتبطة بالكحول وفي ‏مقدمتها حوادث السير وأمراض الكبد وحوادث القتل والانتحار والإصابات الناتجة عن السقوط.‏

أقلية بشرية مهددة بالإنقراض

يشكل الهنود الحُمر الأميركيون نسبة 1.7 في المئة من سكان الولايات المتحدة، ويشير الإحصاء الرسمي ‏للسكان لعام 2010 إلى أن مجموع الأميركيين الذين لديهم نسب إلى السكان الأصليين يبلغ 5.2 مليونا أي ما ‏يعادل 1.7 من سكان أميركا، من ضمنهم 2.9 مليونا يدّعون نسبا صافيا إلى الأميركيين الأصليين، و2.3 ‏مليون يدّعون نسبا مخلوطا مع عرق آخر على الأقل. ويتمركز الأميركيون الأصليون في ولايات كاليفورنيا ‏وأوكلاهوما وأريزونا ونيويورك ونيومكسيكو وولاية واشنطن ونورث كارولاينا وفلوريدا.‏
وتعد قبيلة تشيروكي أكبر القبائل الهندية الأميركية إذ يبلغ عدد أعضائها 819,105 عضوا، تتلوها قبيلة ‏نافاهو بـ332,129 عضوا، ثم قبيلة تشوكتاو بـ 195,764 عضوا ثم الهنود الأميركيين المكسيكيين ‏بـ175,494 عضوا، و”سو” (170,110 عضوا) وأباتشي حوالي 111,810 عضوا)، وبلاكفوت بــ ‏‏105,304 عضوا وقبيلة تشيبيوا (170,742 عضوا) .‏
مع العلم أن يتزاوج الهنود الحُمر الأميركيين باتوا يتزاوجون بنسب عالية مع كل من البيض والسود ‏واللاتينيين.‏

أصول الهنود الحمر الإمريكيين

تؤكد معظم الدراسات والنظريات والفرضيات العلمية ، أن الهنود الحمر الأميركيين الأوائل إستوطنوا القارة ‏الإمريكية ، بعدما رحلوا من سيبريا إلى ألاسكا عبر جسر بري
وحول أصول السكان الأصليون لما يعرف الآن بأميركا الشمالية والجنوبية، فإن النظرية الأكثر شيوعا هي ‏أنهم أتوا من شرق آسيا عبر مضيق بيرينغ الذي كان جسرا بريا خلال العصر الجليدي حين انخفض مستوى ‏البحر، ويبلغ عرض المضيق الآن 18 ميلا. وتشير أدلة أنثروبولوجية وجينية وأثرية إلى أنهم هاجروا قبل ‏عشرات آلاف السنين وتحديدا فيما بين 30 ألف عام و13 ألف عام، ثم هاجر هؤلاء عبر آلاف السنين جنوبا ‏مرورا من كندا وانتشروا في أنحاء أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية.‏
وأورد العالم كلوفس ، إلى أن هناك أدلة أثرية تشير إلى أنهم كانوا يرافقون هجرة الحيوانات الكبيرة التي ‏كانوا يصطادونها مثل حيوان الماموث الذي يشبه الفيل والذي انقرض قبل نحو 11 ألف عام.‏

 

كازينوهات في محميات قبائل الهنود الحمر

لأن للهنود الأميركيين سيادة على محمياتهم، فلا تستطيع الولايات أن تمنع القمار فيها، لذا فقد انتشرت المئات ‏من الكازينوهات في المحميات حتى إنها أصبحت عائدا اقتصاديا رئيسيا في بعض المجتمعات الفقيرة، وإن ‏كانت المسائل الأخلاقية ما زالت موضع جدل.‏
وبحلول عام 2011 كان هناك 460 صالون قمار تشغلها 240 قبيلة في أنحاء الولايات المتحدة، وتدر في ‏مجموعها إيرادات سنوية تقدر بنحو 27 مليار دولار، وفقا لمفوضية القمار الهندية الوطنية.‏
ورغم نمو العائدات والتحسن في البنية التحتية لبعض المحميات نتيجة الكازينوهات، إلا أن هناك إشارات إلى ‏أنها لم تحسن ظروف الهنود الأميركيين بشكل عام، فقد أظهر تحليل أعدته وكالة أسوشييتد برس لمستويات ‏الفقر والبطالة والمعونات الحكومية أن مستوى البطالة بين قبائل الهنود الأميركيين التي تشغل الكازينوهات ‏استقر على 54 في المئة بين عامي 1991 و1997، إذ إن كثيرا من الوظائف استحوذ عليها غير الهنود، ‏وفقا لبيانات قدمتها القبائل لمكتب الشؤون الهندية، في حين فضلت أكثر من نصف القبائل أن لا يقيموا ‏كازينوهات على أراضيهم.‏

مذابح وأوبئة وتهجير قسري

في عام 1835 وقّع البعض من قبيلة تشيروكي معاهدة مع الحكومة الأميركية لمبادلة أراضيهم في الشرق ‏الأميركي في مقابل أراض في ولاية أوكلاهوما إضافة إلى خمسة ملايين دولار. ورغم أن معظم أعضاء أمة ‏التشيروكي لم يكونوا يريدون الهجرة إلا أنهم لم يكن لهم خيار. وفي عام 1838 أجبر الجيش الأميركي أمة ‏التشيروكي على الرحيل من بيوتهم إلى غرب نهر المسيسيبي. وقد تم تهجير نحو 100 ألف من الهنود ‏الأميركيين من خمس قبائل مختلفة من أراضي أجدادهم فيما أضحى يطلق عليه “درب الدموع” ‏Trail of ‎Tears، وقد مات ما بين 4 آلاف إلى 15 ألفا منهم على الطريق جراء الجوع والبرد والأمراض.‏
وفي عام 2008 أصدر الكونغرس الأميركي قرارا اعتذر فيه للأميركيين الأصليين عن تلك “السياسات غير ‏المدروسة”.‏
وقد توفي أعداد كبيرة من الهنود الأميركيين جراء الأوبئة التي لم يكن لهم مناعة ضدها بعد احتكاكهم ‏بالأوروبيين، لا سيما الجدري والحصبة والحمى القرمزية والتيفوئيد والأنفلونزا. وكان ذلك من أسباب ‏تناقص أعدادهم.‏
كما أدت الصراعات على أراضي الأميركيين الأصليين إلى مذابح منها مذبحة “ساند كريك” ومذبحة “ووندد ‏ني” ومذبحة “كامب غرانت”.‏

أثر الهنود الحُمـْر على الثقافة الأميركية ‏

ومع ذلكــ ، فإن للهنود الحُمر الأميركيين مساهمات وتأثير على الثقافة الأميركية والعالمية في مجالات شتى. ‏فهناك العديد من الأطعمة التي يتناولها الناس حول العالم والتي لم تكن معروفة قبل اكتشاف العالم الجديد، ‏منها البطاطا والطماطم والفول والذرة والفول السوداني والقرع والتبغ والكوسى. وقد تعلم الأوروبيون العديد ‏من أساليب الزراعة من الهنود الأميركيين.‏
وقد بني النظام الفيدرالي الأميركي على نظام الحكم الذي تبناه اتحاد أمم الأيروكيان ‏Iroquoian League ‎of Nations‏.‏
كما يعتبر الهنود الأميركيون هم أول من استخدم الزورق الطويل (الكانو) ‏canoe‏ ومن أوائل من استخدم لغة ‏الإشارة للتخاطب بين القبائل المختلفة وبين التجار، وهناك 28 ولاية والمئات من المدن التي اشتقت أسماؤها ‏من لغات الهنود الأميركيين، من “المسيسيسيبي” ، إلى “داكوتا”، ومن “أبالاش”، إلى “ميسوري” ‏و”أريزونا” و”مونتانا” وغيرها .‏
ومع ذلكــ، فمعظم الهنود الحمر الآن في أمريكا مسيحيون لكنهم يمزجون المسيحية بدياناتهم القديمة ‏ومعتقداتهم المتوارثة.‏
هذا، وقبل مجيء الأوروبيين للعالم الجديد، أمريكا كما يطلق عليه، من قبل جغرافيو عصر النهضة ‏الأوروبية، فقد كان للهنود الأميركيين ديانات متنوعة تتراوح بين الوثنية والتوحيد وعبادة الطبيعة ‏والحيوانات، غير أن الحكومة الأميركية وحركات التبشير المسيحية سعت إلى تحويلهم إلى المسيحية باعتماد ‏سياسات تجبر أطفالهم على الانخراط في مدارس داخلية تفرض عليهم اللغة الإنكليزية والثقافة الأميركية ‏الشائعة والديانة المسيحية. ‏
وقد رافقت ذلك قوانين فيدرالية تمنع ممارسة طقوس ديانات الهنود الأميركيين مثل “رقصة الشمس” و”كوخ ‏التعرق”. وقد رأى المستعمرون في المسيحية أداة “لترقية” الهنود الأميركيين وتسهيل انخراطهم في المجتمع ‏الأميركي، وقد استمرت هذه السياسات حتى السبعينيات مع إصدار “قانون حرية تدين الهنود الأميركيين”.‏
ومع أن معظم الهنود الأميركيين الآن يعتبرون أنفسهم مسيحيين، إلا أن بعضهم يمارس تركيبة توليفية تمزج ‏بين المسيحية وطقوس الديانات القديمة.‏
مثلاً القديس ديفيد بيندلتون أوكرهيتر من قبيلة “شايان” الذي تم تطويبه كقديس في الكنيسة الأسقفية كان ‏يتعبَّدُ بـ “رقصة الشمس”.‏
وعلى كل حال، فقد شهدت الديانات التقليدية مؤخرا اهتماما متجددا حتى من قبل غير الهنود الأميركيين، لا ‏سيما في مجال المداواة الروحانية وإجلال الطبيعة.‏
كما أكتشف علماء كنديون وأمريكيون أن هناك مخطوطات في قرى الهنود الحمر وحفريات على الجدران ‏بخط عندما بحثوا عن أصل الخط وجدوا أنه خط مغربي .‏
كما لاحظوا أن الوجهاء من الهنود الحمر يلبسون العمامة ونسائهم تلبس السروايل التي تشبه “القندريسي” أو ‏السراويل المغربية ، وأن طقوس الرقص عند الهنود الحمر لا تختلف عن طقوس “الجدبة” لدى المتصوفة ‏المغاربة !‏
والأعجب من ذلك أنه لازالت في لغة الهنود الحمر الكثير من الكلمات المغربية على غرار”واخا” و”دروﯖا” ‏و”كاينا” و”دابا” ، ولا تستبعد مجموعة من الدراسات إمكانية وصول مغاربة من المدن الأطلسية كآسفي ‏وإفني وطنجة وسلا وأزمور إلى أمريكا عن طريق الصدفة، قبيل وزمن الكشوفات الجغرافية الكبرى، وخلال ‏فترات الجهاد البحري.‏

الأزموري أول مغربي إستوطن بلاد الهنود الحُمر

كما أن حكاية الأزموري ذاكــ الشاب الدكالي الذي تزعم أحد قبائل الهنود الحمر ، وهي حكاية باتت معروفة ‏ومدروسة ومتداولة، فقد كان الأزموري أول رجل، من خارج قبائل الهنود، يكتشف المكسيك الجديدة ‏وأريزونا بعد عبوره صحراء سونورا القاحلة. وعلى إثر ذلك، بدا أن ما عُرف بــ «مدن الذهب السبع» في ‏‏«سيبولا» ثم لا حقا بــ “الإلدو رادو”فقد فضل المصطفى الأزموري الإقامة إلى جانب هنود “زوني” ، ‏محترما وجيها من قِبلهم، ومتمتعا بأرفع درجات التقدير والإحترام من لدنهم؛ وهو الوضع الذي احتفظ به حتى ‏وفاته في قرية «هاويكوه» القديمة، التي تقع اليوم بــ “نيو ميكسيكو” أو المكسيك الجديدة. وهو ما يؤكد أن ‏المغاربة والأندلسيين من قبل سنة 1492 ، سنة سقوط غرناطة وإبحار كريستوف كولمب وطاقمه من البحارة ‏الباحثين عن ثروات العالم، قد وصلوا إلى البر الإمريكي منذ أقل من 100 سنة.‏
كما أن معظم علماء الحضارات والباحثين في الثقافات من الإمريكيين والأوروبيين ممن تطرقوا إلى حضارة ‏الهنود الحمر في أمريكا، أكدوا أن كثير من كلمات الهنود الحمر هي مغربية اللكنة، وقد ظن معظم هؤلاء ‏الباحثين بكونها عربية فصحى، لعدم درايتهم باللهجة المغربية.‏
كما تم إكتشاف، مجموعة من نقوش الخط العربي، والزخارف المغربية في الكثير من أطلال قرى الهنود ‏الحمر ثم بعد البحث أكثر وأكثر وجدوا أن هناك عدة مدن تابعة للهنود الحمر أسمها “فوس” كمدينة “فاس” ‏و”ياسفي” من مدينة آسفي، و”زامورا” التي ليست سوى أزمور المغربية .‏
وعلى هذا النحو، فقد أوردت مجموعة من المصادر التاريخية الإمريكية ، أن تاجرا عربيا لبنانيا مسيحيا منذ ‏‏100 سنة تقريباً كتب في مذكراته أنه عند زيارته لمناطق الهنود الحمر في “المسيسيبي” وصل الى قرية ‏هنود حمر كانت لديهم طقوس عبادة مثل المسلمين ، من سجود وركوع وإغتسال قبل الصلاة، وأن في لهجتهم ‏كلمات ذات إيقاع ورنات فونيتيكية مغربية ، أمازيغية وعروبية.‏
ثم بعد عدة بحوث ودراسات توصلوا أن العرب وصلوا لليابسة خلف بحر الظلمات، وهو الإسم الشائع للمحيط ‏الأطلسي خلال العصر الوسيط، وذلكـ قبل رحلة كريستوفر كولومبس ب 180 سنة وأقاموا هناك حيث ‏وجدوا أناس يقيمون في تلك الديار فتاجروا معهم وترددوا ذهاباً وأياباً وهناك من استوطن منهم في البرازيل ‏وفي أمريكا الوسطى وبأمريكا الشمالية ..‏

ومهما يكن فلم تكن أوروبا تعلم بتلك الرحلات لأنها كانت غارقة بالجهل، زمن تطورات الأندلس ولكن عندما ‏سقطت الأندلس وعاد للاسبان حكمهم علموا بتلك الرحلات فأخذ كريستوف كولومبس خرائط علماء الأندلس ‏من المسلمين واليهود وصاحب البحارة العرب من الذين يعرفون الطريق ليصل إلى اليابسة بالقارة الإمريكية ‏أو لما يعرف ببلاد ما وراء بحر الظلمات.‏
ولقد زور الأسبان التاريخ وذكروا أن كولومبوس أخذ الرحالة العرب معه لأن الاسبان رفضوا الذهاب فأخذ ‏المسلمين الأندلسيين بالقوة الجبرية والحقيقة أنه إعتمد على البحارة الأندلسيين لأنه كان يعرف أنهم يعرفون ‏الطريق جيداً، وأنه كان يقصد الهند ولم يكن يخطر في باله ولا في بال ملكيه ممن موالا حملته البحرية، ‏إيزابيلا الكاثوليكية والملك فرديناند أنه سيكتشف البر الإمريكي ، بل كان قصده الوصول إلى الهند، وتتبع ‏خطوات سلفه وزميله البحار البرتغالي فاسكودي كاما، عندما إلتجأ إلى الجغرافي والرحالة إبن ماجد . ‏
وبطبيعة الحال،ففي فترة غرق العالم الإسلامي في التطرف وموجات التكفير والجهل حصلت إبادة للمسلمين ‏المقيمين هناك دون أن يُذكر أنهم عرب ومسلمون ودفنت هذه المعلومات الى يومنا هذا ، وأنه بعد ضغط ‏النصارى على المسلمين واليهود بالاندلس هاموا على وجوههم لايدرون لهم وجهه وركبوا سفنهم حيثما ‏توجهت بها الريح فرست بهم على سواحل الامريكتين . ‏
فقد كان الأسبان الكاثوليكـ يحقدون على كل ماهو أندلسي، بفعل الإشاعات التي دأبت على نشرها محاكم ‏التفتيش الكاثوليكية، فبدأت إبادة الأندلسيين الذين كانوا جزء من النسيج السكاني ، فكانت هجرتهم الى تلك ‏الديار قبل كولومبس بـ 180 عام تقريباً
من الأمور الطريفة المبكية أن الأسبان بعد أن بدأت هجرة المغاربة للعمل في اسبانيا إكتشفوا أن المغاربة ‏يعملون معجنات على غرار “حلويات الفقاص” و”القريشلات” لا توجد الا في الكنائس فهذه المعجنات كانت ‏من إختصاص الراهبات ، فبحثوا عن أصل تلك الأكلات فوجدوها مغربية ولا تمت لأسبانيا ولا للكنيسة ‏الكاثوليكية بأية صلة !!! ‏
فكيف دخلت هذه المعجنات المغربية للكنائس الكاثوليكية ؟.‏

حلويات مغربية غزت الكنائس

لقد تبين لمعظم الباحثين في هذا الصدد، من خلال بعض الرسائل التي تركتها الراهبات الاسبانيات بعد ‏وفاتهن أنهن يعترفن أنهن لسن إسبانيات الأصل وأنهن مغربيات أو أندلسيات وأنهن موريسكيات أو عربيات ‏مسلمات وقد أدخلهن آبائهن الى الكنيسة وإدعاء الرهبانية لأن الراهبة يسمونها النصارى أخت، ‏Sister ‎ وتكون حـُـرمةً فلا يعتدي عليها أحد، ولا أحد يتزوجها أو يزني بها ، وقد كان أبان محاكم التفتيش يُقتل رجال ‏المسلمين وتغتصب نسائهم فآباء هؤلاء النسوة أدخلوهن الكنائس حتى يحافظوا على أعراضهم، لدرجة أن ‏اللاشعور الجمعي المغربي، لا يزال يحتفظ بذكريات قساوة ومرارة التحكيم، من خلال ترنيمة معرفة ، تردد ‏مآسي الطريق إلى إشبيلية وطليطلة، وما كان المسلمين واليهود الأندلسيين يجدونه من عناء وبأس من طرف ‏قضاة وعساكر محاكم التفتيش عن حقيقة الإيمان بالكاثوليكية، وكيف كان هؤلاء لا يقتلونهم ولا يحيونهم، ‏وإنما يتركونهم با أملاك ولا أموال بعد أن تتم مصادرتها، ويخضعونهم للتجربة الإيمانية في دفعهم لإحتساء ‏كؤوس النبيذ . ‏
وهي الترنيمة الشعبية المغربية التي تردد : تيكــ شبيلا ، تيــو ليولا
ماحياوني ما قتلوني …. غير الكاس اللي عطاوني …..‏
والحق، أن هؤلاء المسلمات الأندلسيات والمغربيات الموريسكيات كن يجلسن مع صديقاتهن الراهبات وأحياناً ‏يقمن حفلات وطبخات فأعجبت هذه المعجنات الراهبات الأسبانيات وأصبحن يطبِخْنَها حتى اصبحت هذه ‏المعجنات من تخصص الكنيسة .‏