استعيد كلمة سرك.
A password will be e-mailed to you.
إنه جوزيف ستالين، الزعيم السوفياتي الشهير، والرجل الذي حول “روسيا” والجمهوريات الأربعة عشر المتوحدة معها ، فيما كان يسمى بالإتحاد السوفياتي ، من دولة إقطاعية ،إلى دولة تحتل المرتبة الثالثة في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي ، بعد الولايات المتحدة الإمريكية وألمانيا الهتليرية، يظل ينافس الزعيم النازي أدولف هتلر والقائد المغولي هولاكو، على لقب أخطر جزار في تاريخ البشرية، فهؤلاء بالنسبة له ليسوا سوى هواة مبتدئين، إذ تجمع معظم الكتابات التاريخية أن “جوزيف ستالين” تسبب في مقتل أكثر من 50 مليون إنسان، بين عامي 1927و 1953 سنة وفاته، وإستخلاف نيكيتا خروتشوف بعده، على عرش السوفيات .
رأى النور ستالين في مدينة “جوري” في جمهورية جورجيا، لإسكافي يدعى “بيسو”، وأم فلاحة تدعى “إيكاترينا”. وكان “بيسو” يعاقر الخمر، ويضرب ستالين بقسوة في طفولته، ما ترك أثرا كبيرا على شخصية الطفل، وقد ترك “بيسو” عائلته ورحل، وأصبحت أم ستالين بلا معيل.. وعندما بلغ ستالين 11 عاماً، أرسلته أمّه إلى المدرسة الروسية للمسيحية الأرثودوكسية، ودرس فيها .
ومع وصول ستالين للسلطة المطلقة في 1930، عمل على إبادة أعضاء اللجنة المركزية البلشفية، وأعقبها بإبادة كل من يعتنق فكر مغاير لفكر ستالين، أو من يشك ستالين بمعارضته. تفاوتت الأحكام الصادرة لمعارضي فكر ستالين، فتارة ينفي معارضيه إلى معسكرات الأعمال الشاقة، وتارة يزجّ بهم في السجون السرية،والمعتقلات المنسية، وتارة يتم إعدامهم بعد تلفيق تهمة لهم، في محاكمات هزلية، بل كان ستالين يلجأ للاغتيالات السياسية، لمجرد الشك في معارضتهم له أو لمبادئه الأيديولوجية!
كانت رائحة الغرفة عطنة،تشمئز منها الأنوف، جدرانها مقشرة الصباغة، ومتقادمة وجنباتها قذرة، وخاوية على عروشها، تخلو من أي أثاث،وكان مصباح وحيد خافت بضوء شاحب تنساب أشعته مثل إنسياب لصوص آخر الليل، كان المصباح بغطاء مقعر متآكل يتدلى من السقف، فتنتشر أشعته فقط لتغطي نصف الحجرة بحيث تبقى الزوايا والأركان معتمة،ووقفت تحت المصباح مباشرة مجموعة من الرجال بمعاطف سميكة داكنة وقبعات من فرو الدببة السيبيرية،كانوا يشكلون بوقوفهم حلقة مغلقة، وفي وسط تلك الحلقة وقف رجل خمسيني يرتدي بزة عسكرية،كان رجلا ذو بنية قوية وملامح قاسية وشارب كث وغير مرتب ،لكنه بدا منهكا ومتهالكا،ومن حين لآخر كان يتطلع إلى الوجوه المحيطة به،وقد علت محياه نظرة يائسة مستعطفة ..
إعتبرت ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 ، المعروفة بالثورة البولشوفية، من الأحداث الكبيرة في القرن العشرين،وهي الثورة التي تزعمها البلاشفة بقيادة فلاديمير أوليافيتش لينين ، كما أن النتائج التي ترتبت عنها لم تؤثر على روسيا فقط، بل امتد تأثيرها ليشمل العالم بأسره، ولينقسم إلى معسكرين ، شرقي شيوعي أو إشتراكي، وغربي رأسمالي ليبيرالي في سياق حرب باردة،مريرة وصراع مخابراتي كبير، وحروب صغرى ومتوسطة، وإنقلابات هنا وهناك، في بلدان كلا المعسكرين .
ولم يقتصر الأمر في عهد ستالين، على السياسيين،فالكثير من الضباط الكبار لاقوا نفس المصير،المارشال “ميخائيل توخاجفسكي”،قائد الجيش الأحمر جرى اعتقاله بإشراف رئيس الشرطة السرية “نيكولاي يازوف”،وقاموا بتعذيبه بشدة لإجباره على توقيع اعترافات كاذبة،لدرجة، أن ورقة اعترافاته كانت ملطخة بالدماء،وحين وقف لاحقا أمام المحكمة العسكرية المكونة من ضباط تحت أمرته قال : ” اشعر كأني احلم” .. ولم يكتفوا بإعدامه،إذ أرسلوا شقيقاته وزوجته وابنته إلى معتقلات الكولاكـ ،وأعدموا أشقاءه.
كان العمل في المعتقل قسريا،طوال أيام السنة،لأكثر من 12 ساعة يوميا،وفي أعمال شتى،كقطع الخشب والتعدين والحفر والبناء والنقل وغيره .
قد تكون شهادات الناس الذين مروا وعاشوا في معتقلات الكولاكـ هي الوسيلة الأفضل لفهم طبيعة ما جرى هناك من فظائع إنسانية …
نساء في المعتقل ! .. فقد انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم حول تواجدنا، فتقاطر الرجال من كل صوب وحدب نحو بهو القرية الكبير، بعضهم أتوا سيرا على الأقدام،بعضهم بالدراجات النارية،كان فيهم صيادو سمك وجيولوجيين وتجار فراء وعمال مناجم وحتى مجرمون مدانون .

بعد أن انتهى ستالين من تطهيره الأعظم وتخلص من جميع أعداءه ومنافسيه في الحزب والجيش ونشر الرهبة والخوف في عموم الاتحاد السوفياتي،لم تعد هناك حاجة لقسوة يازوف المفرطة،فقرر التخلص منه،وبهذه الطريقة كان سيضرب عصفورين بحجر واحد،فمن جهة سيصبح بإمكانه أن يزعم بأن جميع الجرائم التي اقترفها يازوف كانت من دون علمه،وبأن “أب الشعب” ما كان ليفعل مثل هذه الأمور الفظيعة بأبنائه،ومن جهة أخرى كان سيتخلص من الرجل الذي أصبح يعرف أسرارا أكثر من اللازم ..
تحت التعذيب اعترف “يازوف” سريعا بكل ما أردوا منه أن يوقع عليه، فإعترف بالخيانةوبالاختلاس، وبالتآمر ضد ستالين،وحتى بمثليته الجنسية.
انتهى عصر “يازوف” .. مسحوا إسمه ومحو ذكره من جميع السجلات،رفعوا صورته من معظم الصور الفوتوغرافية التي تجمعه بكالينين و ستالين،كأنه لم يكن يوما ذلك الرجل الذي فضله القائد على جميع الرجال ..