من قوائم الطعام الفاخر والمتنوع إلى سندويتشات أولاد الحومة ‏

عالم المطاعم في مراكــــــش …‏

: محمـــد القــنــور :

عدسة: مــحــمــد أيــت يـحـــي  :

تتوزع المطاعم مابين الفاخر والشعبي بمدينة مراكش،مثل واحات ظليلة ووارفة، تحتضن المتعبين من ‏صخب المدينة، ولوعة الجوع الحارة،وحتى الباحثين عن لقمة لسد رمق الجوع، وفي سياق تتحكم فيه ‏العديد من المواصفات التاريخية والجغرافية والشعبية التي تنعكس ضمنيا على جودة الأطعمة وأثمنتها ‏ومدى تنوعاتها، فمراكش كمدينة السياحية،وثقافية هي مدينة المطاعم بامتياز، في تراتبية تلامس كافة ‏الأطياف والفئات الإجتماعية، وترتبط بكل أصناف القدرات الشرائية من الثرية إلى تلك التي تستحوذ ‏على دريهمات.‏

ففي مراكش يصدق المثل الشائع دوما، مراكش “حوانيت حوانيت ، أكري تْبات، إشْري تندغ” في ‏إشارة ، إلى أن التحرك والحياة بين أرجاء المدينة الحمراء، يقتضي دائما التسلح بمصاريف مالية ‏تفاديا للطوارئ، ومن ضمنها نوبات الجوع المفاجئة،وإغراءات المطاعم التي لا تنتهي كما أن ‏إغراءات نكهات المطاعم التي تباغت الزائر على حين غفلة منه، تدفعه إلى أن يجد نفسه وسط أحد ‏هذه المطاعم .‏
فعشاق المطاعم من الزبناء المغاربة والأجانب ، ومحبو نكهات الأطعمة لايهمهم أحيانا أوقات الأكل ‏ومضامين الحمية ، أكثر مما يسكنهم إكتشافهم لسحر الأطعمة المغربية الأصيلة التي تحفل بها مطاعم ‏المدينة من مختلف تصنيفاتها، وإطلاعهم على مذاقاتها الرفيعة والمغرية، فمن البيصارة إلى الكسكس، ‏ومن المشوي إلى السمك، مرورا بأكلات القطاني وسفافيد الكباب والكبدة ومشاوي الطحال المعبأ بالرز ‏والتوابل والبهارات، يبقى لكل وجبة في مراكش ثمنها، تبعا لطبيعة وموقع وتصنيف المطعم.‏
وتبقى أسعار المأكولات، التي تقترحها المطاعم الشعبية في متناول الجميع، على عكس المطاعم ‏الفاخرة الممتدة على طول شوارع الحرية ويوغوسلافيا وشارع الحسن الثاني وشارع علال الفاسي، ‏وشارع محمد الخامس وأزقة الحي الشتوي،ومنطقة الشريفية وزنقة محمد البقال وجادة محمد السادس، ‏وهي مطاعم عادة ماتكون تابعة للفنادق، أو مستقلة لذاتها، إكتسبت شهرتها من قوائم الطعام المصنفة ‏التي تقدمها، ومن أعداد نجوم السينما والفن ومشاهير الحكام والسياسيين ورجالات ونساء المال ‏والأعمال المغاربة والأجانب ممن تعودوا التموقع على كراسيها الوثيرة والتلذذ بسكينة أرجائها ، ‏مطاعم ملونة تشترط أن يكون في جيب الزبون ما يكفي من مال لتغطية تكاليف الأكل والشرب، وحتى ‏إكراميات الخدمة‎.‎

وثمة اعتقاد لدى كثير من السياح أن أفضل ما في مراكش، إضافة طبعا إلى ألوانها المتماوجة، وعطور ‏وروائح توابل أسواقها اليانعة، وطقسها الساحر وبناياتها الأثرية الغنية بمقوماتها الحضارية، وحكايات ‏السلالات الحاكمة هي أنواع الأكل التي تقترحها على زوارها، لذلك فإن أكثر ما يغري زوار المدينة ‏الحمراء هي المطاعم، سواء كانت فاخرة أم شعبية‎.‎
تشترك المطاعم الشعبية في تقديم مختلف المأكولات المغربية الشهيرة، بداية من المشويات، وانتهاء ‏بالطاجين والطنجية وأكلة “الكرعين”. وإذا كانت المطاعم الفاخرة يؤمها الأغنياء والميسورين من ‏ساكنة مراكش وزوارها ، فإن المطاعم الشعبية تفتح أبوابها أمام الفقراء والأغنياء، على حد سواء. بل ‏أن حتى المقيمين الأجانب بالمدينة صاروا يميلون أكثر إلى المطاعم الشعبية، خاصة بعد أن اقتنعوا ‏بجودة خدماتها ورخص وجباتها،وجدة أطعمتها، وفي ظل سهر المسؤولين على مراقبتها،وإنتظام باعة ‏الأكل ضمن جمعيات مهنية، لدرجة أن بعض هؤلاء المقيمين باتوا يعتقدون أن المطاعم الشعبية هي ‏أكثر رحمة وإنسانية وعدالة ومساواة بين البشر من المطاعم الفاخرة‎.‎
حيث تقترح مطاعم ساحة جامع الفنا مأكولاتها من العصر حتى ساعات الصباح الأولى، أشهرها جلسة ‏الطباخ عبد السلام بوستيت، التي سيق أن إستضافت الأميرة للا سلمى، ونجليها ولي العهد مولاي ‏الحسن، والأميرة للا خديجة.‏

وتشتهر مطاعم ساحة جامع الفنا، بمراكش بكون قوائم المشويات والمقليات والمعجنات والبقوليات لا ‏تخضع لسقف محدد يضبط مسار الوجبات، بل هي مجرد سوق بديع ومتنوع للأكل يعج بكل أصناف ‏المأكولات المغربية. بعضها مألوف وبعضها غرائبي مبصوم بإحترافية صاحبه، يثير دهشة الزوار ‏والسياح ممن يزورون الساحة لأول مرة، أو لألف مرة على حد سواء ، حيث يمكن لمعدات الزبناء أن ‏تمتلئ عن آخرها بثمن يتراوح بين عشرة دراهم وخمسين درهما، فالأكلات متنوعة، وأرباب المطاعم ‏يستعملون كل الوسائل لتحريك جيب السائح وإغراء معدته، ابتداء من ترتيب المأكولات، وانتهاء ‏بدعوته، عبرابتسامة تم التعود على رسمها بتلقائية وروح دعابة تحبب العناق مع متعة الأكل‎.‎
تبدو الأثمان، التي ترفعها المطاعم الشعبية، في متناول جميع زوار الساحة، فكل مطعم يحمل رقما ‏ويرفع لوحة أسعار، تبرز اسم الأكلة وسعرها، كما أن بعض الأكلات وأسعارها تثير التفكه بين “قراء” ‏قوائم الأكل، كأن نقرأ مثلا أن “الدنجال والخل” بثلاثة دراهم، و”المخ”‏‎ ‎بعشرة دراهم و”الرأس ‏الصغير” بثلاثين درهما و”الرأس الكبير” بأربعين درهما، في إشارة إلى رؤوس الأغنام المشوية، ‏الموضوعة على الطاولات، مرفوقة بالملح والكمون .‏
وسواء إستوطن السياح في الفنادق الباذخة، أو بالرياضات الفارهة في مراكش، فإن زيارة مطاعم جامع ‏الفنا ، ولو لليلة واحدة، يبدو كفرض عين لايمكن الإستغناء عليه، خصوصا وأن التموقع على كراسي ‏هذه المطاعم الخشبية يتيح للبعض التفرج على مسارح بعض الحلقات المحتضنة للغناء وألاعيب كناوة ‏ومروضي الأفاعي والقرود والملاكمة، ووصفات العشابة وسرديات الحكواتيين.‏

في ذات السياق، تحتل مطاعم أخرى قمة زنقة إبن عائشة، الدبلوماسي المغربي الشهير على عهد ‏السلطان العلوي المولى إسماعيل، في منطقة جليز،أو لدى باعة الأسماك بشارع مولاي رشيد، لتفتح ‏أبوابها أمام زبنائه، على امتداد ساعات النهار وحتى أوقات متأخرة من الليل، بقائمة أطعمة مختلفة من ‏الأطعمة، وبأثمان شبه “شعبية” مقارنة بأثمنة مطاعم الحي الشتوي. ‏
من جهة أخرى، وأمام الفتور والإخفاق في الحفاظ على الزبائن وأفول النجومية التي كانت تعيشها ‏جلسة الراحل “الحاج باولو” بساحة جامع الفنا وعدم تمكن ورثته من الحفاظ على نجوميته ، أخذ “ماك ‏عمر” بزنقة مولاي رشيد في جليز اسمه من صاحبه السابق “السي عمر” الذي دخل عالم الإنتخابات ‏الجماعية بإحدى الجماعات القروية القريبة من مدينة الرجال السبعة، من سلسلة مطاعم الــ ‏‏”ماكدونالدز” الإمريكية المتواجدة على بعد مئات الأمتار منه بكل من شارع محمد الخامس، وشارع ‏عبد الكريم الخطابي، ورغم أن المقهى يتخذ إسم نهر كبير من أنهار العالم العربي، فإن خفة الظل ‏المراكشية والنكث والفكاهة البهجاوية هي التي منحت لهذا المطعم إسما آخر غير إسمه الرسمي ‏المدرج في أوراقه الرسمية.‏

فإذا كان الــ”ماكدونالدز” يقدم أكلاته ضمن طوابير طويلة للزبناء، ويلزمك بضرورة “العوم في ‏بحرك” من أجل إيجاد طاولة، وتنظيفها بمجرد الإنتهاء من الأكل،ووضع مخلفات الأكل في صناديق ‏القمامة، فإن مطعم “ماك عمر” يمكنك من إختيار طاولتك،في ديمقراطية تلقائية من دون أن تجد نفسك ‏مجبرا على تقمص دور النادل،وكأن الزبون عند “ماك عمر” ضيف وليس زبون. ‏
إلى ذلك، تحفل مراكش، كمدينة ملونة لاتنام، بالكثير من المطاعم الشعبية التي تمتلئ عن آخرها ‏بالباحثين عن لقمة لسد رمق الجوع، وبعشاق القمار ممن يقضون الساعات الطوال في تفحص أسماء ‏ومميزات الخيول وفرسانها، التي تجري كل يوم بفرنسا في سباق محموم نحو الملايين، إلى جانب ‏مطاعم أخرى باذخة تعرف كيف تقدم أجود الأطباق المغربية الاصيلة والشرقية والفرنسية والإيطالية ‏والإسبانية تحت ضوء الشموع المعطرة وباقات الورود اليانعة، وبروتوكولات الخدمة الأنيقة ‏‎.‎
وفي الوقت الذي تعلق فيه المطاعم الباذخة لوحات إلكترونية تعرف بقائمة الأطعمة اليومية ،وتحدد ‏أثمنتها، فإن المطاعم الشعبية في سوق الجديد بجامع الفنا، وفي منطقة الطالعة وزنقة بوطويل في باب ‏دكالة، وحي القصبة، لا تعلق شيئا من هذه الكماليات ، لكون الزبناء يعرفون مسبقا أنهم سيحظون ‏بشتى الوجبات الشعبية، من الطاجين إلى الطنجية ومن الكسكس، إلى “الكرعين” والمرق بالعدس ‏والفاصوليا والبيصارة، من دون أن يتجاوز ثمن الوجبة سقف 20 درهما .‏
من جهة أخرى، عملت مطاعم “الشواء” التي كانت تتموقع بسوق القصابين ، أو في ساحة جامع الفنا، ‏على غزو مناطق جليز، وأحيائها العصرية ، والتماهي مع متطلبات الزخم السياحي الذي تعرفه ‏مراكش ، وإقبال المغاربة والسياح الأجانب على المأكولات المغربية الخالصة، التي يأتي “المشوي” ‏على رأس قائمتها. إذ يبدأ ثمن الكيلوغرام من الشواء من حدود الــ 100 درهما .‏

وإذا كانت مطاعم “الأكلات الجاهزة الإمريكية” ومطاعم “البيتزا” الإيطالية الشهيرة تشتغل بنبرة ‏تواصلية وعملاقة في مراكش وعبر كل ربوع العالم ،وفي ظل حملات إشهارية مكثفة، في الجرائد ‏والمجلات الوطنية والدولية، أو في الإذاعة والتلفزيون، فإن مطاعم” ستة بسمينة” أي ستة قضبان من ‏الكفتة ممزوجة بالسمن البلدي لا تعلق ولو مجرد لافتة صغيرة ،ومع ذلك، فهي تعرف دائما كيف ‏تستقطب زبنائها، رغم كونها لم توزع يوما ملصقات أو قامت بشراء مساحات إعلانية بالجرائد الوطنية ‏تعرّف بها، حيث أن مجموعة من المقاولين الشباب المراكشيين،في أحياء باب تاغزوت والقصبة ‏وأسيف والموقف وإسيل وأحياء الرميلة والمسيرة والقنارية وضباشي وأزلي كانوا قد ارتموا في أحضان أكلة “ستة بسْمِينة” بعد أن إكتشفوا ‏ما تدره هذه الأخيرة من أرباح يومية محترمة، خدمة لسندويتشات “أولاد الحومة”.‏

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.