الأوديسا : رؤية سينمائية موضوعية حول عقوبة تدمير الحضارات
مـحـمـد الــقـنـــور :
حول أوليس Ulysses البطل الأسطوري اليوناني، وملك جزيرة إيثاكا، وأحد أبرز شخصيات ملحمة الأوديسا للشاعر الشهير هوميروس، جرى حديث بيني وبين صديقي الأستاذ جعفر الكنسوسي الخبير في قضايا التراث المادي والغير المادي بمقهى الأدباء على بوابة حي القصور، بشارع الرميلة في مراكش العريقة، على أن فيلم الأوديسا الجديد، يتناول هذه الملحمة من زاوية موضوعية، لا من زواية المنتصرين على طروادة، ومن مشى على خطاهم من المخرجين الذين سبق لهم أن أخرجوا الفيلم في نسخ سابقة . : والحق، أن الحديث مع الأستاذ جعفر الكنسوسي، يكون ممتعا، وشيقا لما يتوفر عليه من ذاكرة قوية، وشخصية مثقفة ودماثة أخلاق، ونبل سريرة، ومن إطلاع وبحث في التراث وفي التاريخ، والعديد من المعارف، ثم لما يتميز به من أسلوب فريد وسهل ممتنع في الحديث إلى الناس، يجمع بين المتعة المعرفية والعمق التاريخي، والقدرة على ربط الوقائع التاريخية والحضارية، ببعضها البعض بشكل موضوعي وبلمسات لطيفة وإشراقية، وأدلة ملموسة.
ثم، ألح عليَّ الصديق الأستاذ الكنسوسي إلحاحا كريما، في أن أشاهد “الأوديسا” الصادر حسب ملصق ذات الفيلم 17 يوليو 2026 كفيلم سينمائي ضخم وجديد، والمعروض بإحدى صالات الميكاراما السينمائية في مراكش، ودفعني إلى ذلكــ ، دفعا مهذبا وأنيقا .
وبالفعل، فقد توجهت من مساء الغد إلى الصالة السينمائية المعنية، فعرفت من الملصق ومن الجنيريك أن الفيلم للمخرج المميز كريستوفر نولان، رفقة فريق من نجوم التمثيل العالمي من ضمنهم توم هولاند، آن هاثاواي، روبرت باتينسون، لوبيتا نيونغو، والممثلة الشهيرة زندايا، وتيموثي شالاميه، ثم أثناء المشاهدة، أدركتُ أن هذه “الأوديسا” المعروضة سينمائيا ليست فقط من نوع تلكــ الأفلام السينمائية التي دأبت على إستعرض الملحمة الشهيرة، وما فيها من مغامرات، ومن دراما تاريخية، وحبكة وتشويق وخيال، وإنما هو إعادة تناول سينمائي لملحمة الأوديسا للشاعر الكبير هوميروس، وإستحضار لمظهر من مظاهر صراع الحضارات الأبدي، ووقوف على حقيقة ذاكــ الصراع الخفي، الذي ظل دوما حاضرا بين الشرق الروحي والغرب المادي، فرحلة “أوليس” ملكــ مدينة “إيثاكا” الذي اشتهر بدهائه ومكره أكثر من إشتهاره بقوته البدنية، ورغم أن تفاصيل العقاب الذي حل بــ “أوليس” وجنوده التي وردت في أفلام هوليوود السابقة ظلت نفسها في هذا الفيلم، الذي عرف على مستوى الشكل إضافات تقنية سينمائية مثل استخدام مؤثرات كاميرات IMAX بالكامل مما أبرز إبداع و توجه المخرج نولان نحو هذه التجربة البصرية الضخمة ، وسعيه في تحسيس الجمهور كأنه جزء من سردية الفيلم، وتجاوز شكل الأفلام السابقة حول “الأوديسا” التي طغى عليها النمط الفرجوي والتشويقي، وغاب عنها ربط الأسباب بالنتائج .
وعلى كل حال، فمعروف لدى الجميع، أن “أوليس” هذا، كان ملكــا لمدينة “إيثاكا”، وأنه كان ضمن الملوك والفرسان والقادة والجنود الإغريق ممن حاصروا ثم دمروا وأحرقوا مدينة طروادة، بعد حصار وحروب إستمرت عشر سنوات، بل كان هو من إقترح خدعة حصان طروادة في أواخر العام العاشر، وابتكرها، وهي الخدعة التي أسقطت المدنية والحضارة في طروادة، ثم قضى “أوليس” بعدها عشر سنوات أخرى رفقة رجاله في التيه بالبحار والجزر والأحراش والشواطئ المهجورة والغابات بعيدًا عن وطنه عقابا له من الآلهة عن فعلته الشنعاء في حق الحضارة وفي حق طروادة ، فعاش خلالها الويلات بجزيرة “اللوتوفيج”حيث فقد بعض رجاله عقولهم وتركوا الرغبة في العودة بسبب أكلهم لزهرة اللوتس، ثم إلتهم “السيكلوب” ذاكـ المسخ العملاق في مغارة بغابات جزيرة “البوليفيموس” بعضا من رجاله، قبل أن يفقؤوا عينه الوحيدة التي تتوسط جبهته، ثم تعرض الناجون منهم لمكر وشر ساحرة جزيرة سيرس التي حولت في غياب “أوليس” معظمهم إلى خنازير، بعدها أشفقت عنهم وأعادتهم إلى صورتهم الإنسانية، قبل أن ينزل وأياهم إلى العالم السفلي، للقاء الأرواح واستشارة النبي تيريسياس، وقد قدم المخرج كريستوفر نولان، هذا “السيرس” كنبي ، وهو مفهوم شرقي وليس يوناني أو غربي، فالإغريق عرفوا السحرة والكهان والعرافين والشعراء والحكواتيين والشعراء والحكماء ولم يعرفوا الأنبياء كمفهوم شرقي ، وقد ورد مفهوم النبي من الشاعر هوميروس صاحب الأوديسا لكونه شرقي ، فقد ولد في أزمير، ولم يكن إغريقيا.
بعدها وخلال رحلة تيه “أوليس” هذه، أغلق آذان رجاله بالشمع وربط نفسه إلى صاري سفينته ليتجنب سحر أصوات حوريات البحر اللواتي لا يمكن مقاومة إغراءاتهن الشبقية القاتلة، ونداءاتهن له ولرجاله من أعماق البحر، قبل مواجهته للوحش البحري “سكولا” والمارد “كاريبديس” وتجاوز الدوامة البحرية القاتلة، والوصول إلى جزيرة الشمس، حيث تمردت عليه البقية الباقية من رجاله، فعصوا أوامره وذبحوا ماشية الإله “هيليوس” ، فنالهم من جراء ذلكــ ، عقابا شديدا، وسخطا كبيرا، وعذابا ما بعده عذاب ، وعرضوا أنفسهم للموت، فيقي وحده محتجزا من طرف “كاليبسو” تلكـ الحورية الحسناء التي أغوته لسنوات أخرى طويلة بلوعة العشق ودافع الحب، وهو الحب نفسه، والعشق عينه، اللذان دفعاها إلى السماح له بالعودة إلى مدينته “إيثاكا”، حيث عاد وحيدا شريدا منهكا، ومتنكّرًا في ثياب شحاذ، ليقتل الخطّاب المئة والثمانية الذين طلبوا الزواج من زوجته “بينيلوب” والتي بقيت تنتظره لعشرين سنة.
وطبيعي، فقد أحسن المخرج كريستوفر نولان، وطاقمه الفني وزمرته من الممثلات والممثلين العالميين، فهم حقيقة ما رمى له الشاعر الشرقي الكبير هوميروس بملحمته الأوديسا من إنتصار لحضارة طروادة تلكــ المدينة الشرقية الخالدة في التاريخ، وفي الأساطير وفي الوجدان الجماعي للبشرية، ثم، وضع يده عن مغزى الأوديسا عندما كشف أسباب عقاب “أوليس” الجحيمي الذي إستير لعشر سنين، وهو ما لم تذكره الأفلام ولا المسلسلات السابقة التي تناولت هذه الملحمة “الأوديسا”.
هذا، ويجمع العديد من المؤرخين، والأستاذ الكنسوسي أشار إلى هذا، أثناء حديثه إليَّ ، أن السلطان محمد الفاتح يرحمه الله غداة سقوط القسطنطينية سنة 1453 ميلادية، ذكر في خطابه أمام جيشه وساكنة القسطنطينية التي ستتحول لاحقا إلى ” اسلام بول” “مدينة الإسلام ” ثم إستانبول” أو “الأسِتانة”، أن فتحه لهذه المدينة التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنعم في حديثه على الجيش جيشها وعلى الأمير أميرها وفاتحها، ماهو إلا ثأر لطروادة ، وهي عبارة شهيرة تداولتها وحققتها الكثير من المصادر العثمانية الأصلية وأكدتها المصادر التاريخية الأوروبية الحديثة.
وعلى كل حال، فقد ربط السلطان الفاتح إنجازه العسكري المؤيد بالحديث النبوي، برؤية أوسع تتجاوز حدود الإسلام وإنجازات العثمانيين، ليضعه خلال القرن الخامس عشر الميلادي في إطار تاريخي حضاري عالمي.
ثم، أن مدينة طروادة لم تكن مدينة يونانية، وإنما كانت مدينة شرقية تقع في الأناضول ، في تركيا الحالية، وكانت ملمحا من أبرز ملامح الحضارات الشرقية، قبل أن يتكالب عليها الإغريق ليدمروها، ويستولوا على تراثها وخيراتها ، فقد دُمّرت عمرانيا و وحوديا على يد الإغريق في الملحمة الهوميرية، كما أن تأكيد الثأر في خطبة السلطان ربط بين الأتراك المسلمين الذين استقروا في الأناضول، وبين أحفاد الطرواديين من الناجين ، الذين تعرضوا للغزو الإغريقي، وهذا ما وقف عليه المخرج “كريستوفر نولان” بالكثير من الفرادة والموضوعية والتميز .