المحقق الباحث محمد العلمي الوالي ذاكـ الغائب ‏الحاضر

هاسبريس : ‏
صدرت مؤخرا، عن “دار أبي رقراق للطباعة والنشر”، الطبعة الأولى لكتابين يحملان عنواني ‏‏”أرج وفاء.. محمد العلمي الوالي الباحث والكتبي المحقق”، و”عاشق الكتب”، الذي وفاته المنية يوم ‏‏28 أكتوبر 2015، وذلك بمناسبة مرور سنة على رحيل هذا المثقف العالم والكتبي الرائد ، الذي لم ‏يأل جهدا طيلة حياته في خدمة الثقافة والكتاب، نشرا وتحقيقا وتدقيقا.‏
ويضم الكتاب الأول، الواقع في 286 صفحة، من القطع المتوسط، شهادات شارك بها ثلة من الأساتذة ‏والأصدقاء والمحبين والمريدين في أمسية التأبين التي نظمتها جمعية رباط الفتح للتنمية المستدامة ‏بتعاون مع أسرة الفقيد، بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاة الأستاذ الباحث محمد العلمي الوالي، بمقر ‏الجمعية، يوم الخميس 10 دجنبر 2015.‏
كما يضم الكتاب، الذي أعده للنشر كل من مصطفى الجوهري والصديق بوعلام، وتم تزيينه بالعديد ‏من الصور التي تعكس انشغال الراحل بالكتب والشأن الثقافي عموما، “شهادات تعذر على أصحابها ‏حضور حفل التأبين، فأبوا إلا أن يوافوا اللجنة المشرفة بكتاباتهم”، فضلا عن دراسات وشهادات ‏ألقيت خلال أشغال اللقاء التأبيني، الذي نظم بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب يوم 22 يناير ‏‏2016، تحت شعار “ذكرى الفقيد الباحث محمد العلمي الوالي”.‏
وجاء في مقدمة الكتاب، الذي خصص  ملحقا ضم “ما تيسر جمعه من قصاصات أخبار ‏ومقالات هامة بمناسبة هذا الحدث الجلل”، تم استقاء نصوصها من بعض الجرائد الوطنية، أن ‏الشهادات في حق الراحل محمد العلمي الوالي “تجمع على أنه كان مثقفا مستنير الفكر متشبثا بمبادئ ‏الإسلام وقيمه، خادما للعلم والعلماء والأدب والأدباء، وطلبة العلم وعشاق الأدب، وعموم الباحثين لم ‏يدخر في سبيل ذلك جهدا، و لا وقتا…”.‏
فالرجل “لم يكن هدفه من فتح المكتبات وبيع الكتب تجارة الدنيا، بل كان هدفه أسمى من ذلك: التجارة ‏الرابحة التي يؤثر صاحبها ما يبقى على ما يفنى”، بحسب ما كشفت عنه العديد من الشهادات في حق ‏الراحل، ومن بينها شهادات لثلة من العلماء الأجلاء والباحثين الأكفاء والأكادميين والإعلاميين ‏المرموقين والشخصيات الفذة، من أمثال عباس الجراري وبنسالم حميش وعلي الصقلي ومحمد ‏مصطفى القباج والصديق معنينو وعبد الرحمن الملحوني وعبد الكريم بناني ومحمد الفران، وغيرهم ‏كثير.‏
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الثقافة والآداب المغربيين، الدكتور عبد الإله لغزاوي، في شهادة ‏شاملة في حق الراحل، إن محمد العلمي الوالي “سعى جاهدا إلى طبع الكتب ونشرها وإنشاء المكتبات ‏وتزويدها بالذخائر والأمهات ومواكبة الأنشطة الثقافية من حوله بقصد الاستفادة من علومه المتدفقة، ‏ومعارفه العميقة، وتوجيهاته الدقيقة…”.‏
فالراحل، يضيف الدكتور لغزاوي، “أبلى البلاء الحسن في خدمة العمل الثقافي والرفع من شأنه ‏والسعي إلى دعمه بكل ما أوتي من قوة وجهد (…) وفي هذا النطاق حول مكتبته إلى ناد ثقافي ‏لمناقشة مختلف القضايا العلمية ، فكان عشاق المعرفة من مختلف الشرائح يهرعون إليه”. ‏
أما الكتاب الثاني الموسوم ب”عاشق الكتب..مقالات ودراسات الباحث الأستاذ محمد العلمي الوالي ‏رحمه الله”، الواقع في 238 صفحة من القطع المتوسط، فيضم المقالات والدراسات والأبحاث التي ‏أنجزها الراحل في مختلف صنوف المعرفة والآداب، سواء “كانت عبارة عن مقدمات صدر بها ‏مؤلفات قامت “دار أبي رقراق” بنشرها، أو شارك بها في بعض الكتب مع ثلة من الباحثين، أو ‏مقالات وضعها أصلا حول قضية أو شخصية أو عمل من الأعمال الفكرية أو التاريخية”.‏
وهكذا، ضم هذا الكتاب، الذي أعده وقدم له الصديق بن محمد بن قاسم بوعلام، مقالات ودراسات ‏وأبحاث حول أعلام الفكر الإسلامي المعاصر المهدي بن عبود، ورشدي فكار ، والتراث تصدير ‏تحقيق كتاب معراج الراقي لألفية العراقي… وتحقيق “مدخل تاريخي تمهيدي إلى كتاب مفاكهة ذوي ‏النبل والإجادة حضرة مدير جريدة السعادة” و”التاريخ والدراسات الأندلسية من خلال تصدير ‏الطبعة الثانية لكتاب مساهمة في البحث عن زوايا بني يزناسن: القادرية البودشيشية نموذجا…‏
كما يضم الكتاب دراسات ومقالات أخرى في مجالات الاستشراق والحركة الوطنية والأدب ‏المعاصر، بالإضافة إلى مقالين كتبا في حياة الفقيد، بعنوان “السيد العلمي يمسك بالمقص في النهار ‏وبالقلم في الليل… الخياط المثقف ..حالة فريدة في المغرب” للأستاذ حسن الرميد، و”مفاكهة ذوي ‏النبل والإجادة” للأستاذ أحمد بابانا العلوي.‏
وعن إسهامات الراحل في هذا الجانب من النشاط الثقافي والمعرفي، يقول الدكتور لغزاوي، إن محمد ‏العلمي الوالي وضع مقدمات لعدة كتب، وبادر إلى التعريف بأعمال شخصيات مرموقة والتنويه ‏بجهودها والإدلاء بشهادات في حقها، كما انبرى، على هامش التعريف بالإصدارات الجديدة التي ‏كانت تؤثث فضاء المشهد الثقافي المغربي، لانتاج خطاب شمولي يقدم من خلاله قراءة فاحصة ‏ودقيقة لمضمونه ومحتواه وما يستم به من أهمية.‏
كما كان الفقيد الراحل، محمد العلمي الوالي بحسب الدكتور لغزاوي، موضوع السجال والردود ‏والتقويم، ودافع بحماس وحرارة على فكرة بعث التراث الإسلامي وإحيائه بالتعريف والدراسة ‏والتحقيق والنشر، ليخلص إلى القول إن الراحل “جسد شخصية متفردة في أخلاقه ونبوغه وكفاءته ‏العلمية والمهنية، وسيخلد له التاريخ ما بذله من جهود متضاعفة في سبيل خدمة الكتاب والنهوض ‏بالثقافة على المستوى النظري والعملي، فهو كتبي عالم ووراق باحث، وباحث مثقف …”. ‏
و يذكر أن الراحل محمد العلمي الوالي ولد بمدينة فاس سنة 1940، وبها نشأ وترعرع، والتحق ‏بالكتاب حيث حفظ ما تيسر من القرآن الكريم وتعلم مبادئ اللغة العربية، ثم التحق بجامعة القرويين، ‏وبعد ذلك انتقل إلى متابعة دراسته بكلية الحقوق بالرباط، ثم بالمدرسة الوطنية سنة 1964.‏
وعرضت عليه بعد تخرجه عدة وظائف حكومية، وكان يؤمن إيمانا راسخا بأن القصد هو طلب العلم ‏لا الحصول على الوظيفة، لذلك لم يتابع العمل في الوظائف التي عرضت عليه، مفضلا التفرغ ‏للعمل الحر “التجارة الحرة” لكنه ظل شغوفا بالدراسة والقراءة والكتابة والبحث العلمي، مما أتاح له ‏تأسيس مكتبات رائدة في مدينة الرباط.‏
وظل الراحل يواصل البحث والدراسة وخدمة العلم والمعرفة ونشر الكتاب وجمع شمل المثقفين ‏والعلماء في مكتبته “عالم الفكر”، كما كان ينشر مقالاته في الصحف والمجلات إلى أن إنتقل إلى جوار ‏ربه.‏

الزجال عمر الزواق : أبهة العبارات وصدق الكلمة

محمـد القـنــور :

عدسة : محمد أيت يحي :

إحتفاءا باليوم العالمي للشعر، وفي سياق برنامجها الثقافي والإشعاعي السنوي ، نظمت جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد بمراكش أمسية فنية، نشط فعالياتها الزميل الإذاعي أنس الملحوني، وتضمنت مقطوعات من فن الملحون، قدمتها جوق جمعية الشيخ الجيلالي أمثيرد لفن الملحون برئاسة الشيخ الحاج أمحمد بن عمر الملحوني، بالإضافة فقرات من الدقة المراكشية، برئاسة لمعلم بوجمعة الحديوي، وحضرها مجموعة من الفنانين والإعلاميين والنقاد والفعاليات الجمعوية ، وأسماء شعرية من عالم الزجل ، على غرار الزجالة الشاعرة رشيدة الشانك، والزجال الدكتور محمد نجيب المنصوري، والزجال عبد الرحيم إيزيكي، حيث قدموا مقطوعات من شعرهم الزجلي ، أمام جمهور عريض غصت به جنبات مسرح المركز الثقافي بالداوديات ، وتكللت فعاليات الحفل بتوقيع ديوان “كلام منسوم من البارح واليوم ” للزجال المغربي الأستاذ عمر الزواق، حيث شكلت قراءاته الشعرية ، أكثر فقرات الحفل تفاعلا وإستماعا من طرف الجمهور، من خلال قراءته لبعض قصائده الزجلية “برق ما تقشع” و”الفهامة” ولاتسولني” و”الراس والمرايا” ، وهي القصائد التي عكست مدى التنوع الفني والعمق الإبداعي الذي تميز به الشاعر الزجال عمر الزواق، زاد من تألقها تفاعل الشاعر الزجال مع مضامينها ، على المستوى الفونيتيكي الإصاتي ، في لغة دارجة فصيحة وبينة ، والتي كانت تقاطعها التصفيقات والهتافات.

وحسب مجموعة من النقاد فقد إكتست التجربة الزجلية الإبداعية للشاعر الزجال عمر الزواق عمقها وبريقها المتميز،من إلمام صاحبها الزجال الزواق ، بأليات الكتابة الزجلية ، لكونه كاتبا وباحثا ومثقفا يعرف كيف يتعامل مع الطرق الشعرية في العودة إلى الأصول والآصالة، والانطلاق من الذات والآخر والوطن، لتتحول في ديوانه ” كلام منسوم من البارح واليوم “إلى حنين للذكريات، وتصوير لمختلف المستجدات والفضاءات اليومية المعيشة،في سيمفونية تكشف روعة الحياة التلقائية البسيطة، والإنطلاق من أرض وطنه.
وليترجم الزجال الزواق ، إبداعاته من خلال الديوان إلى حنين صادر عن رقة القلب، وإلى رقة قلب صادرة عن الرعاية، وإلى رعاية منبعثة من الرحمة، وإلى رحمة منطلقة من كرم الفطرة المغربية، وإلى كرم فطرة منطلق من طهارة راشدة ، وهذه الطهارة الرشيدة ليست سوى خيوط من نور صادرة عن الشوق لتربة الصبا، وذكريات الدراسة والعمل، والناس والمدن والمواقف.

ذكريات غرست في التجربه الشعرية للزجال عمر الزواق  حُرمة وحلاوة العبارة الزجلية، وأُبهة الصورة الشعرية، في صدق للدلالات تكشف أن الزجال عمر الزواق ظاهرة زجلية مغربية مميزة تنطلق من الواقع، والحلم معا،وتتأسس على الحفاوة بالإنسان والتعبير عن سكناته وخوالجه، عن إستشرافاته وشجونه .
والواقع، أن تجربة الزجال الأستاذ عمر الزواق من خلال ديوانه “كلام منسوم من البارح واليوم “تشكل ينبوعا سلسبيلا من صور عادية وواخزة ، ضاحكة وأليمة، نمت في كلمات تحمل انة عميقة ، تصقل الروح وتنبه الفكر ، وتلمس العاطفة في أن واحد، كلمات تمس شفاف قلوبنا كقراء وكمستمعين، وتثير ما بطن في نفوسنا من عواطف إنسانية عميقة و” وطنية ” مجتاحة ، ومشاعر قوية مستغرقة في الذكريات وفي مسارات الأزمنة ، لتتجاوز المألوف وتستهين بالعوائق ، خصوصا في قصائده بالديوان، حيث يقول في قصيدته “الراس والمرايا” :
لقيت راسي عاجبو راسو
كيدخل ويخرج فـ الهضـرا
حتى شي ماراسي
تعجبت .. واش راسي
ماعندو ثقة فــ راسو

فالزجال عمر الزواق، من خلال هذا الجناس الجميل ، إستطاع أن يستحضر ضمن تجربته الزجلية الشعرية مختلف فنون البلاغة العربية وضروب البيان والتركيب اللغوي ، ويوظفها في إحترافية خلاقة في تجربته الزجلية الإبداعية ، وعبر بوثقة فنية تستفز النفس والعقل والروح ، وتنبيه شفيف إلي ما للوطن وللإنسان وللحياة والعادات المغربية والوجدان الجمعي للأمة من قيم ومن تراث وعادات وملامح وحقوق تتمثل في حميتنا عن الذات التراث وعن الماضي والحاضر وعن تطلعاتنا الإنسانية والوطنية ، ودفاعنا عنها .

وداعـــا الحاج حامد أزريكم

مـحــمــد الـقــنــور  :

نِمتُ البارحة ، 14 دجنبر الحالي متأخرا كعادتي، وفي روحي حزن شفيف، وفي عقلي عَزْمٌ على توديعِ الصديق المحترم، الحاج حامد أزريكم إلى مثواه الأخير بمقبرة باب دكالة في مراكش،وقد وضعتُ في ترتيباتي تلبية دعوة الزميل الإذاعي الأستاذ حسن بنمنصور، رفقة الزميل القيدوم محمد العمراني أمين لحضور حوار مع الأستاذ محمد العربي بلقايد عمدة مراكش،حول “مراكش بعد مؤتمر الكوب 22” ضمن برنامجه الساخن “بعد الفبراير” الذي يبث على أمواج الإذاعة الوطنية من مراكش .

وقد كان الصديق المحترم، الحاج حامد أزريكم ممن إنفتحت وجيلي من الإعلاميين والحقوقيين والكتاب والمبدعين والمثقفين على نضالاته وآفاقه السياسية والحقوقية، وقد تعرفت عليه عن كثب في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وفي الجمعية المغربية لمساندة كفاح الشعب الفلسطيني، وكان شيخا وقورا، ورجلا صادقا في أرائه ومبادئه، ومغربيا حريصا على شكله الأنيق من غير تكلف أومبالغة، وعلى مضمون جمال فكره، وفي رأيي المتواضع فإن أسباب قوته تجسدت في كونه لم يدخل رحمه الله في الحسابات الضيقة التي تفرضها السياسة، وفي المزايدات التي تدفع بالحياة أن تُملأَ بالتجارب التافهة ، ورغم سنين تجاربه المتراكمة، فقد ظل الفقيد الحاج حامد أزريكم من دعاة التجديد بين حينٍ وآخرفي الرؤية والمنهج النضالي والحقوقي وفي المعرفة، كما ظل راسخ القدم على أرضية دواعي التطور والتحديث والمعاصرة .

وأشهد أن حامد أزريكم يرحمه الله ، شيخ مناضلي مراكش، وأحد معالم المقاومة والنضال الوطني، إذ ماكان بإمكانه إلا أن يكون مناضلا ، وقد رأيت كيف كان يفيض به الحزن من بعض ملامح تردي الوضع الحزبي والسياسي في مراكش، وكيف كان يجرفه تيار اليأس ويغرقه في لجة من انعدام التوازن الذي قد يفقد معه الإنسان كل شيء ، بما في ذلكـ منطقيته واتزانه، وكيف كان يستعرض كلما إلتقيته إختلالات هذا المشهد، بحنكة وروية ولكنة طرية، يُوطدها صوته الرفيع، ويُسعفها بريق عينيه.

وقد ظل الفقيد الصديق الحاج حامد أزريكم معززاً مكرّماً، وقد ظل تأخذه العزة للوطن ولهُوية الوطن، ولم يضق يوما ذرعاً بالرأي الآخر كما يفعل غيره.

فتحية إعجاب ووقار للفقيد حامد أزريكم، فقد كان مفجِّرا لكل طاقاته ومواقفه الوطنية، بأقوى العبارات وأصدق الإشارات، وتحية محبة وحنين لتلك اللقاءات التي جمعتني به، في متجره، وفي لقاءاته، وفي مراكش وفي غير مراكش ، والله يرحمه وتعازي لإبنه صديقي خالد ولكل عائلته ومن هم من أرحامه ورفاقه ومحيطه،ولكل محبيه ، والله يرحمه ويجعل مثواه الجنة، وأن يحشر هذه النفس الكريمة ، وروحه الطاهرة في مغفرته الواسعة،الفيحاء وأن يبعثه اللهم أحسن مقام مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا .

ولله ما أعطى ولله ما أخـــذ،وإنا لله وإنا اليه راجعون.

بيني وبين الفقيد أحمد أقداد، مناقشات ولقاءاتُ عُمرٍ

محمــد القـنــور ‏:

هاهي أربعون يوما مرت على رحيل الصديق العزيز، الفقيد الأستاذ أحمد أقداد ، وقد عرفته قبل ‏سنوات ماضلا شريفا، وأستاذا كريما، وأخا شهما، ورجلا وطنيا محبا للوطن ، وعاشقا لكل تفاصيل ‏الحياة الثقافية والإعلامية،ومتابعا رفيعا للمستجدات الوطنية والمحلية ، وقارئا ذكيا لما يكتب في ‏الجرائد ولما يُصنف من مؤلفات أدبية وفكرية وسياسية، وأذكر أنني عرفت الفقيد أحمد أقداد قبل نيف ‏من خمسة وعشرين سنة في أعقاب أصبوحة شعرية أقيمت في مدرج بكلية اللغة الآداب في مراكش ، ‏من خلال مداخلة نقاش له حول مفهوم الإلتزام في الآدب، وكنت سامعا مع السامعين، ومتابعا من ‏المتابعين، فشدني إليه قوة ملاحظاته ، ومدى تمكنه من معارفه وثقافته .‏

وأذكر أني كنت قد أعربت له عن سروري بالتعرف إليه، وعن إعجابي بمداخلته التي فاقت برأيي ‏المتواضع في جودتها جميع ماأُلقي في تلك الأمسية الشعرية من قصائد ومن محاضرات مختلفة ‏المشارب والأفكار والمرامي الأدبية والشعرية ….‏

منذ ذلك الحين توثقت العلاقة بيني وبينه،فقد كنت ألتقيه عند “أكشاكــ الصحف والمجلات” في جامع ‏الفنا بمراكش وفي غير جامع الفنا، …‏

والطريف أن الفقيد الأستاذ أحمد أقداد يرحمه الله ، كان يقرأُ ما أكتب من قبل في الجرائد والمجلات ‏مغربية وعربية، فيعرف إسمي ، ولكن لا يعرف أنني الشخص الذي تحدث له في تلك الأمسية ‏الشعرية ، وكم كان باسما ومحتفيا عندما عاتبني في عدم ذكر إسمي ساعة لقائنا الأول بتلكـ الأمسية ‏الشعرية، وإستعرض بقوة ذاكرته عناوين مواضيع ومقالات لي كان قد قرأها لي .

وقد لمستُ في الفقيد الأستاذ أحمد أقداد حبه الصادق للوطن وللمواطنين، ودفاعه المستميت عن ‏النزاهة في الثقافة والسياسة والإدارة والمؤسسات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والرياضية، وحبه ‏الصادق للهوية المغربية على نحو نادر لم ألمسه سوى في الأبرار والصالحين والشرفاء والمغاربة ‏الغيورين.

وقد كان الفقيد الصديق الأستاذ أحمد أقداد يرحمه الله، يرتاد الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية ‏والأدبية والعلمية والسياسية والمحاضرات المتنوعة التي تقام في مراكش والتي تضفي قاشات ‏مستمرة على كل منتدياتها وروابطها ونواديها وجمعياتها ومختلف تلكـ الفضاءات الملائمة للمذاكرة ‏والمطالعة والنقاش المتسامح الجميل والفياض بأسمى درى المحبة والإختلاف .‏

وقد جالست الأستاذ الفقيد والصديق أحمد أقداد في مقهى “الأيسبيرغ” بساحة جامعة الفنا، وهو مقهى ‏على بساطته وتلقائية توزيع كراسيه داخل فضائه، كان يجمع العديد من الرموز الأدبية والفكرية، ‏والمثقفين والمبدعين، في الآداب والفن، وتؤمه الكثير من الأسماء والقامات المغربية من مختلف ‏المدن المغربية، فكنتُ أسرح بحديثي معه إلى مختارات البارودي والسياب والمفضليّات والمعلقات ‏وديوان الحماسة ونقائض جرير والفرزدق، وكيف دخل الأخطل في هذه النقائض فجر عليه شرا ‏كثيرا ووابلا من هجاءا جرير ، وغير ذلك من عيون قديم الشعر والمسرح والفكر وحديثه.‏

ومع كل هذا، فقد كان الأستاذ الفقيد أحمد أقداد رجلا مقبلا أشد مايكون الإقبال بنهم على ينابيع العلم ‏والمعرفة ، فاعلا في كل الأمسيات والندوات والمحاضرات، وقد مكنته ثقافته الشاسعة، وسريرته ‏النبيلة وإلتزامه بمبادئه من التعرف إلى عدد كبير من الناس، ومن كسب إحترامهم وتقديرهم .‏

وقد شاءت الأقدار، ونَسَجَتِ الظروف أن أتشرف بمعرفة شقيقته المحترمة الأستاذة نعيمة أقداد، بحكم ‏عملي الإعلامي، وأن أطلع عما تقوم به من نضالات في الدفاع عن حقوق النساء وفي تمينهن من ‏المشاركة في الحياة العامة،وأعرف حجم الحزن الذي ألم بها بسبب غياب شقيقها الأستاذ الفقيد أحمد ‏أقداد، حيث لا يسعني إلا أجدد لها ولكل العائلة أسمى عبارات المواساة، وأرفع صادق التعازي. ‏ولاحول ولا قوّة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.‏

وعلى كل حال، فقد توقف قلب الأستاذ الفقيد أحمد أقداد ، ومات ذاكـ الصديق الباسم والمتابع ‏المبدع، والإنسان المرهف الإحساس، المفعم بالمحبة والوطنية.حيث لم تكن أمانيه شخصيّة ذاتية، ‏بقدر ماكانت إنسانيةً عامةً، ولكن ستظل ذكراه عالقة في أدهان كل من تعرف عليه، وما لمس فيه ‏كيف كان الأستاذ الفقيد أحمد أقداد يهدي رعشاته إلى الطموح المجنّح بالخير والفضيلة ، وكيف كان ‏روحا مثل تلك الأرواح التي نحبها ، روحا ظامئة إلى حنين الليالي ، ومتوحدة مع الفجر السعيد، ‏وإلى الحياة في ظلال الحرية والإخاء ونعيم العدالة والسلام.‏

رحم الله أحمد أقداد ،أستاذا ومناضلا، إنسانا وصديقا .‏

يا حسن حظ جريدة، كتب فيها محمد العمراني أمين ما كتب

مـحــــمـــد القــــنـــــور :

عدسة : محمد أيت يحي :

كلما قرأت مقالا أو جنسا صحفيا في “البيان” و”البيان الثقافي”سابقا ، أو “بيان اليوم” حاليا لصديقي العزيز ‏، الزميل الأستاذ القيدوم محمد العمراني أمين أتمتم منتشياً، أي نبع من الجمال والظرف والحكمة وحدّة الذهن، ‏وأية قدرة سحرية على التعبير، وأية ثقافة واسعة يرتشف منها هذا الرجل !‏

فـــ محمد العمراني أمين بستاني ماهر لايكتفي في عمله الصحفي بقطف الأزاهير والورود ، وتنقية التربة من ‏الشوك بل يعمل على اقتلاع الأشواك من جذورها ،إيمانا منه بدور الصحافة في الإخبار والتأطير والإقتراح ‏والبناء، يرعى الغراس الواعدة بالفيء الفكري والزهر الأسلوبي والثمر الدلالي اليانع المورق بحقائق الجمال ‏والفضيلة والروعة والصدق ، يشذب الأغصان الشاردة، ويفتح لها نوافذ الفضاء لتسبح في النور وتعانق ‏الزرقة.‏

فلقد أطلع الزميل العمراني أمين على التراث الثقافي العربي والعالمي وأحبه وأغتني منه، وأحب الحياة حباً ‏شاملاً إنسانياً موحداً، فالحب لايتجزأ عنده، من حومته بــ “روض الزيتون القديم” في مراكش ، حتى أقاصي ‏كل البقاع والدشور والقرى والمدن، إنه الحب المعافى للحياة والأرض الذي لايحمله سوى قلب كبير نبيل، مثل ‏ذاك القلب الذي يخفق مودة وإشراقا في صدر الزميل .‏

لقد خيل إليَّ طيلة معرفتي بالزميل محمد العمراني أمين ، أن هذا الرجل قد ولد وفي يده كتاب، وأنه ظل يقرأ ‏ويكتب منذ ولادته وحتى أيامنا هذه، فعلاقته بالصحافة والكتابة الصحفية تعود إلى بداية الستينيات من القرن ‏المنصرم، من خلال جريدة “المكافح” والمثقفين المغربة وزملاء دربه في مهنة المتاعب لايزالون يذكرون ‏مقالته المنشورة بجريدة المكافح، سنة 1964 في تأبين الأديب المفكر المصري عباس محمود العقاد، وحول ‏سلسلة مقالاته بذات الجريدة ، والتي شاء أن تكون مساهمة منه في نقاش وطني بالمغرب آنذاك، حول مفهوم ‏الثقافة الوطنية ومبدأ الإلتزام، وهو نقاش إحتدم وقتئد في سياق حوار كانت قد أجرته جريدة “الليبيراسيون ‏الفرنسية” مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، لينضم الزميل الأستاذ العمراني في سنة 1966 ‏بشكل منتظم ، إلى جريدة الكفاح الوطني.‏

والواقع، أن الزميل محمد العمراني أمين كلما رأى جمالاً في لوحة تشكيلية، أو مقطوعة موسيقية، أو فصولا ‏مسرحية، أو لقطة سينمائية، أو قصيدة شعرية، أو ركنا معماريا، أو حديقة يانعة، أو موقفا فكريا،إلا وتصير ‏أفكاره جماعة من النحل ترتشف الرحيق فتعطينا عسلاً شهياً، وحين يرى قبحاً تصير النحلات زنابير تنتقد ‏فتوضح وتلسع فتوجع.‏

والواقع، كذلكــ أن الزميل العمراني في حالة الرضى أو عدمه ينبوع عميق يسرك منه الصفاء ويطربك فيه ‏الخرير، أمّا إذا غضب فبحر متلاطم يُدهش ويرهب. ولكنه، حتى في ذروة غضبه، لا يتخلى عن ظرفه ‏ولايجافي الموضوعية. شعاره الأول بل هدفه الأول أن يكشف الجمال ويرعاه ويدعو إليه، وأن يكشف الزيف ‏ويشير إليه ويدعو إلى تجنبه، وهو يرى “أن الضحك فن، ورب ضحكة أغنت عن فطور، فالفكاهات والملح ‏ربيع القلوب لديه “.‏

وأفطن إلى أنني لن أقول فيه إلا قليلا، فقد قيل فيه الكثير طوال مايناهز نصف قرن، من طرف رفاقه وزملائه ‏في الحياة والفكر والنضال والثقافة والإعلام، وقد شغل الساحة الإعلامية والسياسية والثقافية المراكشية في ‏فترات حساسة من فترات نهضتنا الصحفية والثقافية والاجتماعية والسياسية بالمدينة الحمراء. وكانت لديه ، ‏كمربي للأجيال ، كل الأشياء التي يراها ضرورية للصحافي من إحاطة، وخبرة، وذوق، وأبحاث وإجتهاد ‏وإبداع ، إذ ليست فضفاضة ولا رجراجة.‏

وتتميز ثقافة محمد العمراني أمين الواسعة والعميقة من كل مايكتبه ويتجلى موقفه الإنساني في كل موضوع ‏صحافي يعالجه،سواء كان سياسيا أو اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا أو رياضيا، بالموضوعية، وبمنتهى الجدية ، ‏فإن ماكتبه العمراني من أجناس صحفية ، وما لامسه من مواضيع منذ أن عرفته قبل عقود، كانت كلها مواضيع ‏إلى جانب تمتعها بالوحدة والدقة والرحابة في كبيرها وصغيرها، تتحرى الموضوعية والحقيقة، فكل ماعالجه ‏ويعالجه محمد العمراني أمين يصير كبيراً، ومكتشفا “بضم الميم” من جديد .‏

فقد أبدع محمد العمراني أمين عبر مسيرته الطويلة في “البيان” و”بيان اليوم” عالماً صحفيا وأدبياً كاملاً اسمه ‏عالم محمد العمراني أمين .

ووجدتني عندما عمدت في أن أكتب شيئاً عن الزميل القيدوم محمد العمراني أمين كنت واثقاً من أن جل مقالاته ‏الإعلامية ، كانت كلها في مكتبتي لكنني اكتشفت أن العمراني كان يكتب منذ ولادتي، ومن خلال هذه السطور، ‏لا أزعم أن ما أكتبه عن العمراني أمين هو دراسة لإعماله الصحفية، فالأمر يتطلب وقتا كافيا ، ومنهجا في ‏البحث والتصنيف وتحديدات للمضامين والمصطلحات ، للمسارات وأسباب نزول الكتابة وظرفياتها التاريخية ‏والسوسيو إقتصادية والثقافية والسياسية.‏

ولن أزعم أنني فوجئت بروعة ما قرأت… فأنا ممن أدمنوا قراءة محمد العمراني أمين .. لكن مثل هذه ‏اللحظات القرائية الرائعة، والتي بدأت تكاد تكون محرمة، بفعل التراكمات اليومية التي لا تنقضي، تظل ‏لحظات هي في الحقيقة مغرية. فطوبى لمدمنيها.. فما أكبر سعادتهم، إذ يطالعون، ويسافرون في المكان والزمن ‏من خلال المقروءات .. ‏

ومن لا يصدّق … فــليجرب!‏

والحق، أن محمد العمراني أمين أحد الأقلام الكبيرة المعاصرة، في الصحافة المراكشية خصوصا والمغربية ‏عموما، وأحد المرموقين ممن وضعوا الأسس لنهضتنا الإعلامية والثقافية وأخذوا بأيدينا على دروب ‏الموضوعية والأصالة والتجديد والتفرد ، حتى لا تكون الصحافة مجرد لغو يعاد، وثرثرة لا فائدة من ورائها.‏

ويلح السؤال أبداً: كيف نبدأ، ومن أين؟.. وكل الأماكن خصبة في عالم هذا الإعلامي الفذ، فهو لا يقسو ليدمر، ‏ولا يسخر متشفياً منكلاً، بل ينتقد ليؤدب، وإذا جرح فليفقأ فقط دملاً خبيثاً ويبرئ الجسم المصاب. ‏\r\nفبورك قلمه الرائع من قلم ، وبوركت جرأته الصحافية التي خدمت الصحافة أكثر من بعض الدورات التكوينية ‏أحيانا، ليس النقد مزحاً لدى العمراني، إنه عين الجد، وإن ألبسه حيناً ثوب الفكاهة.

لقد ظل الرجل طوال سنوات كثيرة يبدع إعلاماً حياً، ويلقي الأضواء على دروب الصحافة المعاصرة في جهة ‏مراكش تانسيفت الحوز، فصار منارة لكتاب تلك الأزمنة وسيبقى منارة تستنير بها الأجيال القادمة.‏

كان العمراني ولايزال صحافيا بارعا وحرفيا ، وكاتباً أصيلاً يفخر بوطنيته المغربية فلا يشتط ، ويفخر بلغته ‏العربية ويتصدى لمن يتطاولون عليها ويعشق على الأدب المغربي والثقافة الوطنية ، فهو يؤمن أن المغاربة قد ‏هضموا ثقافات الحضارات القديمة واستفادوا منها فأبدعوا ثقافة غنية وباهرة أفادت العالم كله، وهو يدعو ‏زملاء زمنه إلى فتح النوافذ على العالم وعدم الانحباس في قلاع الحصون القديمة.

والحق، أن محمد العمراني أمين ساهم في أحياء وجوهاً من الكتابة الصحفية في مراكش وجهة مراكش تانسيفت ‏الحوز والوطن عموما لا يمكن أن تنسى، فقد تطرق عبر عقود من الزمن ، للتاريخ العريق القديم والتاريخ ‏الحديث والمعاصر ، وتناول للحياة السياسية والإجتماعية بمراكش وبالوطن، وإنكب على فن المسرح، وعلى ‏تتبع التقاليد الشعبية المغربية من مخزون فلكلوري وعادات تليدة، وتناول للفنون التشكيلية والتعبيرية على حد ‏سواء، فنجح في إنطاق أشخاص وبلورة أماكن وتوضيح أفكار، إذ منحهم المكان اللائق الملائم في مقالاته ‏واستطلاعاته وتحقيقاته وأجناسه الصحفية المتنوعة، فكان صورة إعلامية للزمن المراكشي تحديدا ، والمغربي ‏عموما ، ومكان متميزا بالفرادة، فقد أنار العمراني أمين و لايزال بملحوظاته الصحافية والنقدية والإخبارية ‏فترة زاخرة بالعطاء.‏كان في كل ذلك وفي غيره علماً مفرداً.‏

فيا حسن حظ جريدة، كتب فيها محمد العمراني أمين ما كتب.‏