يا حسن حظ جريدة، كتب فيها محمد العمراني أمين ما كتب
مـحــــمـــد القــــنـــــور :
عدسة : محمد أيت يحي :
كلما قرأت مقالا أو جنسا صحفيا في “البيان” و”البيان الثقافي”سابقا ، أو “بيان اليوم” حاليا لصديقي العزيز ، الزميل الأستاذ القيدوم محمد العمراني أمين أتمتم منتشياً، أي نبع من الجمال والظرف والحكمة وحدّة الذهن، وأية قدرة سحرية على التعبير، وأية ثقافة واسعة يرتشف منها هذا الرجل !
فـــ محمد العمراني أمين بستاني ماهر لايكتفي في عمله الصحفي بقطف الأزاهير والورود ، وتنقية التربة من الشوك بل يعمل على اقتلاع الأشواك من جذورها ،إيمانا منه بدور الصحافة في الإخبار والتأطير والإقتراح والبناء، يرعى الغراس الواعدة بالفيء الفكري والزهر الأسلوبي والثمر الدلالي اليانع المورق بحقائق الجمال والفضيلة والروعة والصدق ، يشذب الأغصان الشاردة، ويفتح لها نوافذ الفضاء لتسبح في النور وتعانق الزرقة.
فلقد أطلع الزميل العمراني أمين على التراث الثقافي العربي والعالمي وأحبه وأغتني منه، وأحب الحياة حباً شاملاً إنسانياً موحداً، فالحب لايتجزأ عنده، من حومته بــ “روض الزيتون القديم” في مراكش ، حتى أقاصي كل البقاع والدشور والقرى والمدن، إنه الحب المعافى للحياة والأرض الذي لايحمله سوى قلب كبير نبيل، مثل ذاك القلب الذي يخفق مودة وإشراقا في صدر الزميل .
لقد خيل إليَّ طيلة معرفتي بالزميل محمد العمراني أمين ، أن هذا الرجل قد ولد وفي يده كتاب، وأنه ظل يقرأ ويكتب منذ ولادته وحتى أيامنا هذه، فعلاقته بالصحافة والكتابة الصحفية تعود إلى بداية الستينيات من القرن المنصرم، من خلال جريدة “المكافح” والمثقفين المغربة وزملاء دربه في مهنة المتاعب لايزالون يذكرون مقالته المنشورة بجريدة المكافح، سنة 1964 في تأبين الأديب المفكر المصري عباس محمود العقاد، وحول سلسلة مقالاته بذات الجريدة ، والتي شاء أن تكون مساهمة منه في نقاش وطني بالمغرب آنذاك، حول مفهوم الثقافة الوطنية ومبدأ الإلتزام، وهو نقاش إحتدم وقتئد في سياق حوار كانت قد أجرته جريدة “الليبيراسيون الفرنسية” مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، لينضم الزميل الأستاذ العمراني في سنة 1966 بشكل منتظم ، إلى جريدة الكفاح الوطني.
والواقع، أن الزميل محمد العمراني أمين كلما رأى جمالاً في لوحة تشكيلية، أو مقطوعة موسيقية، أو فصولا مسرحية، أو لقطة سينمائية، أو قصيدة شعرية، أو ركنا معماريا، أو حديقة يانعة، أو موقفا فكريا،إلا وتصير أفكاره جماعة من النحل ترتشف الرحيق فتعطينا عسلاً شهياً، وحين يرى قبحاً تصير النحلات زنابير تنتقد فتوضح وتلسع فتوجع.
والواقع، كذلكــ أن الزميل العمراني في حالة الرضى أو عدمه ينبوع عميق يسرك منه الصفاء ويطربك فيه الخرير، أمّا إذا غضب فبحر متلاطم يُدهش ويرهب. ولكنه، حتى في ذروة غضبه، لا يتخلى عن ظرفه ولايجافي الموضوعية. شعاره الأول بل هدفه الأول أن يكشف الجمال ويرعاه ويدعو إليه، وأن يكشف الزيف ويشير إليه ويدعو إلى تجنبه، وهو يرى “أن الضحك فن، ورب ضحكة أغنت عن فطور، فالفكاهات والملح ربيع القلوب لديه “.
وأفطن إلى أنني لن أقول فيه إلا قليلا، فقد قيل فيه الكثير طوال مايناهز نصف قرن، من طرف رفاقه وزملائه في الحياة والفكر والنضال والثقافة والإعلام، وقد شغل الساحة الإعلامية والسياسية والثقافية المراكشية في فترات حساسة من فترات نهضتنا الصحفية والثقافية والاجتماعية والسياسية بالمدينة الحمراء. وكانت لديه ، كمربي للأجيال ، كل الأشياء التي يراها ضرورية للصحافي من إحاطة، وخبرة، وذوق، وأبحاث وإجتهاد وإبداع ، إذ ليست فضفاضة ولا رجراجة.
وتتميز ثقافة محمد العمراني أمين الواسعة والعميقة من كل مايكتبه ويتجلى موقفه الإنساني في كل موضوع صحافي يعالجه،سواء كان سياسيا أو اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا أو رياضيا، بالموضوعية، وبمنتهى الجدية ، فإن ماكتبه العمراني من أجناس صحفية ، وما لامسه من مواضيع منذ أن عرفته قبل عقود، كانت كلها مواضيع إلى جانب تمتعها بالوحدة والدقة والرحابة في كبيرها وصغيرها، تتحرى الموضوعية والحقيقة، فكل ماعالجه ويعالجه محمد العمراني أمين يصير كبيراً، ومكتشفا “بضم الميم” من جديد .
فقد أبدع محمد العمراني أمين عبر مسيرته الطويلة في “البيان” و”بيان اليوم” عالماً صحفيا وأدبياً كاملاً اسمه عالم محمد العمراني أمين .
ووجدتني عندما عمدت في أن أكتب شيئاً عن الزميل القيدوم محمد العمراني أمين كنت واثقاً من أن جل مقالاته الإعلامية ، كانت كلها في مكتبتي لكنني اكتشفت أن العمراني كان يكتب منذ ولادتي، ومن خلال هذه السطور، لا أزعم أن ما أكتبه عن العمراني أمين هو دراسة لإعماله الصحفية، فالأمر يتطلب وقتا كافيا ، ومنهجا في البحث والتصنيف وتحديدات للمضامين والمصطلحات ، للمسارات وأسباب نزول الكتابة وظرفياتها التاريخية والسوسيو إقتصادية والثقافية والسياسية.
ولن أزعم أنني فوجئت بروعة ما قرأت… فأنا ممن أدمنوا قراءة محمد العمراني أمين .. لكن مثل هذه اللحظات القرائية الرائعة، والتي بدأت تكاد تكون محرمة، بفعل التراكمات اليومية التي لا تنقضي، تظل لحظات هي في الحقيقة مغرية. فطوبى لمدمنيها.. فما أكبر سعادتهم، إذ يطالعون، ويسافرون في المكان والزمن من خلال المقروءات ..
ومن لا يصدّق … فــليجرب!
والحق، أن محمد العمراني أمين أحد الأقلام الكبيرة المعاصرة، في الصحافة المراكشية خصوصا والمغربية عموما، وأحد المرموقين ممن وضعوا الأسس لنهضتنا الإعلامية والثقافية وأخذوا بأيدينا على دروب الموضوعية والأصالة والتجديد والتفرد ، حتى لا تكون الصحافة مجرد لغو يعاد، وثرثرة لا فائدة من ورائها.
ويلح السؤال أبداً: كيف نبدأ، ومن أين؟.. وكل الأماكن خصبة في عالم هذا الإعلامي الفذ، فهو لا يقسو ليدمر، ولا يسخر متشفياً منكلاً، بل ينتقد ليؤدب، وإذا جرح فليفقأ فقط دملاً خبيثاً ويبرئ الجسم المصاب. \r\nفبورك قلمه الرائع من قلم ، وبوركت جرأته الصحافية التي خدمت الصحافة أكثر من بعض الدورات التكوينية أحيانا، ليس النقد مزحاً لدى العمراني، إنه عين الجد، وإن ألبسه حيناً ثوب الفكاهة.
لقد ظل الرجل طوال سنوات كثيرة يبدع إعلاماً حياً، ويلقي الأضواء على دروب الصحافة المعاصرة في جهة مراكش تانسيفت الحوز، فصار منارة لكتاب تلك الأزمنة وسيبقى منارة تستنير بها الأجيال القادمة.
كان العمراني ولايزال صحافيا بارعا وحرفيا ، وكاتباً أصيلاً يفخر بوطنيته المغربية فلا يشتط ، ويفخر بلغته العربية ويتصدى لمن يتطاولون عليها ويعشق على الأدب المغربي والثقافة الوطنية ، فهو يؤمن أن المغاربة قد هضموا ثقافات الحضارات القديمة واستفادوا منها فأبدعوا ثقافة غنية وباهرة أفادت العالم كله، وهو يدعو زملاء زمنه إلى فتح النوافذ على العالم وعدم الانحباس في قلاع الحصون القديمة.
والحق، أن محمد العمراني أمين ساهم في أحياء وجوهاً من الكتابة الصحفية في مراكش وجهة مراكش تانسيفت الحوز والوطن عموما لا يمكن أن تنسى، فقد تطرق عبر عقود من الزمن ، للتاريخ العريق القديم والتاريخ الحديث والمعاصر ، وتناول للحياة السياسية والإجتماعية بمراكش وبالوطن، وإنكب على فن المسرح، وعلى تتبع التقاليد الشعبية المغربية من مخزون فلكلوري وعادات تليدة، وتناول للفنون التشكيلية والتعبيرية على حد سواء، فنجح في إنطاق أشخاص وبلورة أماكن وتوضيح أفكار، إذ منحهم المكان اللائق الملائم في مقالاته واستطلاعاته وتحقيقاته وأجناسه الصحفية المتنوعة، فكان صورة إعلامية للزمن المراكشي تحديدا ، والمغربي عموما ، ومكان متميزا بالفرادة، فقد أنار العمراني أمين و لايزال بملحوظاته الصحافية والنقدية والإخبارية فترة زاخرة بالعطاء.كان في كل ذلك وفي غيره علماً مفرداً.
فيا حسن حظ جريدة، كتب فيها محمد العمراني أمين ما كتب.