هاهي أربعون يوما مرت على رحيل الصديق العزيز، الفقيد الأستاذ أحمد أقداد ، وقد عرفته قبل سنوات ماضلا شريفا، وأستاذا كريما، وأخا شهما، ورجلا وطنيا محبا للوطن ، وعاشقا لكل تفاصيل الحياة الثقافية والإعلامية،ومتابعا رفيعا للمستجدات الوطنية والمحلية ، وقارئا ذكيا لما يكتب في الجرائد ولما يُصنف من مؤلفات أدبية وفكرية وسياسية، وأذكر أنني عرفت الفقيد أحمد أقداد قبل نيف من خمسة وعشرين سنة في أعقاب أصبوحة شعرية أقيمت في مدرج بكلية اللغة الآداب في مراكش ، من خلال مداخلة نقاش له حول مفهوم الإلتزام في الآدب، وكنت سامعا مع السامعين، ومتابعا من المتابعين، فشدني إليه قوة ملاحظاته ، ومدى تمكنه من معارفه وثقافته .
وأذكر أني كنت قد أعربت له عن سروري بالتعرف إليه، وعن إعجابي بمداخلته التي فاقت برأيي المتواضع في جودتها جميع ماأُلقي في تلك الأمسية الشعرية من قصائد ومن محاضرات مختلفة المشارب والأفكار والمرامي الأدبية والشعرية ….
منذ ذلك الحين توثقت العلاقة بيني وبينه،فقد كنت ألتقيه عند “أكشاكــ الصحف والمجلات” في جامع الفنا بمراكش وفي غير جامع الفنا، …
والطريف أن الفقيد الأستاذ أحمد أقداد يرحمه الله ، كان يقرأُ ما أكتب من قبل في الجرائد والمجلات مغربية وعربية، فيعرف إسمي ، ولكن لا يعرف أنني الشخص الذي تحدث له في تلك الأمسية الشعرية ، وكم كان باسما ومحتفيا عندما عاتبني في عدم ذكر إسمي ساعة لقائنا الأول بتلكـ الأمسية الشعرية، وإستعرض بقوة ذاكرته عناوين مواضيع ومقالات لي كان قد قرأها لي .
وقد لمستُ في الفقيد الأستاذ أحمد أقداد حبه الصادق للوطن وللمواطنين، ودفاعه المستميت عن النزاهة في الثقافة والسياسة والإدارة والمؤسسات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والرياضية، وحبه الصادق للهوية المغربية على نحو نادر لم ألمسه سوى في الأبرار والصالحين والشرفاء والمغاربة الغيورين.
وقد كان الفقيد الصديق الأستاذ أحمد أقداد يرحمه الله، يرتاد الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية والأدبية والعلمية والسياسية والمحاضرات المتنوعة التي تقام في مراكش والتي تضفي قاشات مستمرة على كل منتدياتها وروابطها ونواديها وجمعياتها ومختلف تلكـ الفضاءات الملائمة للمذاكرة والمطالعة والنقاش المتسامح الجميل والفياض بأسمى درى المحبة والإختلاف .
وقد جالست الأستاذ الفقيد والصديق أحمد أقداد في مقهى “الأيسبيرغ” بساحة جامعة الفنا، وهو مقهى على بساطته وتلقائية توزيع كراسيه داخل فضائه، كان يجمع العديد من الرموز الأدبية والفكرية، والمثقفين والمبدعين، في الآداب والفن، وتؤمه الكثير من الأسماء والقامات المغربية من مختلف المدن المغربية، فكنتُ أسرح بحديثي معه إلى مختارات البارودي والسياب والمفضليّات والمعلقات وديوان الحماسة ونقائض جرير والفرزدق، وكيف دخل الأخطل في هذه النقائض فجر عليه شرا كثيرا ووابلا من هجاءا جرير ، وغير ذلك من عيون قديم الشعر والمسرح والفكر وحديثه.
ومع كل هذا، فقد كان الأستاذ الفقيد أحمد أقداد رجلا مقبلا أشد مايكون الإقبال بنهم على ينابيع العلم والمعرفة ، فاعلا في كل الأمسيات والندوات والمحاضرات، وقد مكنته ثقافته الشاسعة، وسريرته النبيلة وإلتزامه بمبادئه من التعرف إلى عدد كبير من الناس، ومن كسب إحترامهم وتقديرهم .
وقد شاءت الأقدار، ونَسَجَتِ الظروف أن أتشرف بمعرفة شقيقته المحترمة الأستاذة نعيمة أقداد، بحكم عملي الإعلامي، وأن أطلع عما تقوم به من نضالات في الدفاع عن حقوق النساء وفي تمينهن من المشاركة في الحياة العامة،وأعرف حجم الحزن الذي ألم بها بسبب غياب شقيقها الأستاذ الفقيد أحمد أقداد، حيث لا يسعني إلا أجدد لها ولكل العائلة أسمى عبارات المواساة، وأرفع صادق التعازي. ولاحول ولا قوّة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وعلى كل حال، فقد توقف قلب الأستاذ الفقيد أحمد أقداد ، ومات ذاكـ الصديق الباسم والمتابع المبدع، والإنسان المرهف الإحساس، المفعم بالمحبة والوطنية.حيث لم تكن أمانيه شخصيّة ذاتية، بقدر ماكانت إنسانيةً عامةً، ولكن ستظل ذكراه عالقة في أدهان كل من تعرف عليه، وما لمس فيه كيف كان الأستاذ الفقيد أحمد أقداد يهدي رعشاته إلى الطموح المجنّح بالخير والفضيلة ، وكيف كان روحا مثل تلك الأرواح التي نحبها ، روحا ظامئة إلى حنين الليالي ، ومتوحدة مع الفجر السعيد، وإلى الحياة في ظلال الحرية والإخاء ونعيم العدالة والسلام.
رحم الله أحمد أقداد ،أستاذا ومناضلا، إنسانا وصديقا .