أربعينية الحاجة زوبيدة العتابي، والدة الزميل الإعلامي عبد الصادق مشموم

 إستحضار لسيرة أم مغربية أصيلة

مـحـمـد الـقـنــور :  

في الرابع من يونيو الجاري، تحل الذكرى الأربعينية لرحيل الحاجة زوبيدة العتابي يرحمها الله،والدة الزميل الإعلامي عبد الصادق مشموم، وهي ذكرى تحضر فيها بالكثير من الإعتزاز والتميز، سيرة سيدة كانت تنسج من الصبر ثوبًا، ومن الحنان ظلًا، ومن الحكمة نورًا.، ومن الدود على التربية الحسنة فضاءا رحبا فسيحا لأبنائها وبناتها.

فقد ولدت الفقيدة الحاجة زوبيدة العتابي سنة 1936 بحي الزاوية العباسية في درب الجديد بمراكش المدينة، من أسرة عالمة أنجبت الفقهاء والمثقفين، فكانت هي بدورها شاهدة على زمنٍ جميل من العلم والكرم والخير والفضيلة.

ثم نشأت الفقيدة العتابي في بيتٍ يفيض بالعلم والورع، حيث كان والدها العلامة الفقيه الحافظ المرحوم محمد العتابي عَلَمًا في أصول الدين والفقه واللغة، وكان عالما متنورا ألحقها بمدرسة سيدي عبد العزيز، بحي أمصفح العريق داخل مدينة الرجال السبعة،  فكانت رحمها الله من الرعيل الأول للتلميذات الفتيات المتعلمات بمراكش، في زمن كان التعليم للفتيات يعتبر مغامرةً وإرادة قوية وشجاعةً، فكانت تجربتها التعليمية رائعة، ومثمرة،  فتحت أمامها أبوابًا من المعرفة ومسارات من الوعي، والوطتية.

وطبيعيٌّ، فقد تلقت الفقيدة الحاجة زوبيدة على يد والدتها المرحومة عائشة الحيمر، المنحدرة من قبيلة الرحامنة، فنون الطرز والخياطة وفنون الطبخ المغربي الأصيل، واطلعت منها على مسلكيات تدبير العيش والإحسان بالزوج، فكانت رحمها الله مبدعة في الصنائع المغربية العريقة، تجمع بين أصالة البيت المراكشي وذوق المرأة المغربية التي تحفظ أسرار التراث، وأصالة فنون العيش.

عاشت الفقيدة الحاجة زوبيدة العتابي حياتها إلى جانب زوجها الفقيد الحاج عبد القادر مشموم، الذي وافته المنية سنة 1989، قيدوم سائقي مركبات وسيارات الوقاية المدنية بمراكش، الرجل الرائد الذي شكّل مدرسة في الشهامة ونكران الذات، وقدوة في تدبير المهام التقنية والإنسانية لأعوانه ومتعلميه، حيث تخرّج على يديه العديد من عناصر الوقاية المدنية بالمدينة، وترك أثرًا طيبًا في الأوساط المهنية وبصمات إنسانية مشهودة، وزرع في أبنائه الثلاثة وبناته الأربع روح الوطنية وقوة الوفاء، وصدق السريرة،  فكان عمله مدرسةً في التضحية، وإحترام المسؤولية، وكان  بيته ولايزال مدرسةً في القيم الوطنية والمكارم الإنسانية.

ومهما يكن، فقد ترك رحيل الحاجة زوبيدة العتابي حزنًا عميقًا في قلوب أبنائها وأحفادها، وفي قلوب من عاشرها وصادقها وتعامل معها، وتعرف إليها عن قرب، وفي قلب ابنها الزميل الإعلامي عبد الصادق مشموم الذي حمل مشعل الكلمة والإعلام، مستلهمًا من والدته قوة الصبر ونور الإلتزام، وتوقد الذهن، وروح المثابرة ، وصدق الكلمة، ومن والده روح والده واولوية المسؤولية، وطبعت الفقيدة أسمى عبارات السلوى في قلوب وضمائر أبنائها، وبناتها، بعد إحتسابها لله وصبرها القوي في وفاة زوجها وإبنها الفقيد عبد الإله والفقيدة نعيمة.

واليوم، ونحن نجدد تذكارها في ذكراها الأربعينية، لا نودّع جسدًا فقط، بل نودّع زمنًا من الأصالة، وامرأةً جسّدت معنى الأم المغربية التي جمعت بين العلم والصنائع، ومزجت بين التربية والحنان، وأمنت أن الوفاء للأسرة جزء أساسي من  الوفاء للوطن، وظل قلبها واسعا كالأفق، يضمّ الكبير والصغير، ويغفر الزلات كما يغفر البحر للرمال، وبقيت نبرات حديثها في مسامع الأخرين لا تُنسى، لا تعرف الالتواء، وكانت كلماتها تدخل القلوب بلا استئذان ، حيث تنبع من صفاء الروح، فقد كانت يرحمها الله تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى يكون الصبر أجمل من الرد، ومتى يكون الحزم أصدق من اللين، كانت تحفظ العهد، وظلت على الوصل حتى آخر العمر، لا تغيّرها الأيام ولا تبدّلها الظروف.

فسلامٌ على روح  الحاجة زوبيدة العتابي الطاهرة، وسلامٌ على ذكراها التي ستظل منقوشة في ذاكرة أرحامها وأبنائها وبناتها وأرحامها وجيرانها ومحيطها الخارجي بمراكش، وسلامٌ على سيرتها التي ستبقى نبراسًا لأحفادها وللأجيال القادمة .

فاللهم اجعل قبر الحاجة زوبيدة العتابي روضةً من رياض الجنة، واغمرها برحمتك التي وسعت كل شيء، واجعل عملها الصالح شفيعًا لها، وذكراها الطيبة نورًا يضيء طريقها إلى جناتك، في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعلنا نلقاها في مقام كريم حيث لا فراق ولا حزن، وارزق أبناءها وبناتها وأحفادها الصبر والسلوان، وامنحهم القوة ليظلوا أوفياء لسيرتها العطرة،  وإنا لله وإنا إليه راجعون..

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.