زهرية مراكش: ريحانة الولي بين عبير الزهر وفنون السماع

مـحـمـد الــقـنــور :

في دورتها الرابعة عشرة، التي نظمتها جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، أثبتت زهرية مراكش مرة أخرى أنها ليست مجرد موسم لتقطير ماء الزهر، بل هي فضاء جامع بين العطر والفكر، بين الطقس الشعبي والروحانية الصوفية العميقة.

فقد استحضرت الزهرية هذه السنة المعنى الرمزي العميق في كون “الولي ريحانة الله في الأرض يتشممه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون إلى ربهم”. فمن هذا البعد الروحي جسدت الصبحية الفنية بتراتيل المحبة والصفاء التي احتضنها ضريح أبي العباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، حيث صدحت خلالها فنون الإنشاد الديني والسماع

هذا، وكان المشهد أشبه بجسر بين الماضي والحاضر: الأطفال والنساء والرجال التفوا حول الضريح، يستمعون إلى أصوات تعيدهم إلى زمن الأولياء، حيث العطر والذكر يتعانقان في لحظة واحدة. إن حضور الإنشاد والسماع في الزهرية يعكس أن هذا الموسم ليس فقط احتفاءً بالزهر، بل أيضًا بالروح التي تسكن المدينة العتيقة، وتجعل من مراكش فضاءً للذاكرة والقداسة والجمال.

وعليه، فإن زهرية مراكش 2026 إذن، هي أكثر من طقس تراثي متوارث؛ إنها دعوة إلى أن نعيد اكتشاف معنى التصوف وأسرار الولاية، ومراتب أهل الله، فقد شكل كل عطر “ماء الزهر” وفن سماع السماع لغةً واحدة ربطت  بين الأرض والسماء، وبين الإنسان وربه، وبين حاضرة مراكش وذاكرتها المتجددة.

ففي صباح مراكشي يضوع بعطر الزهر، ونسائم الربيع المنعشة، حجّت الأرواح قبل الأجساد إلى ضريح الولي الصالح أبي العباس السبتي، حيث اجتمعت الأصوات على السماع والإنشاد، لتعيد إلى جميع أحياء المدينة العتيقة من حي الزاوية العباسية نبضها الروحي العميق، فهناك، بين القباب والدروب، وعلى مداخل الصابات، ومدارج الأزقة الممتدة على مسافات ما بين الزاوية العباسية والقنارية، وسيدي أيوب وبوسكري، وإسبتيين، وأسوال وبن صالح، قاع المشرع وحارة السورة، القصبة وروض الزيتون، إلى ضبشي،وزنيقة الرحبة، ومابين العراصي، عرصة بلبركة وعرصة الملاك، عرصة البردعي وعرصة علي أوصالح، عرصة لغزايل وعرصة سي يوسف،عرصة المعاش وبريمة، حي القصور والمواسين ، زاوية لحضر وقاعة بناهيض، عرصة الحوتة وجنان بنشكرة، قشيش وتابحيرت، الملاح وباب أحمر …   

فقد اتضح جليا  أن زهرية المنية التي تم تسجيلها ضمن قائمة التراث الثقافي الوطني، منذ يوليوز 2022، لدى “الإيسيسكو”منظمة العالم الإسلامي للتربية و العلوم و الثقافة كتراث ثقافي للعالم الإسلامي، بإقتراحات أكاديمية وميدانية وتاريخية من جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته”، التي يترأسها الأستاذ جعفر الكنسوسي الخبير الأكاديمي في قضايا التراث المادي والغير المادي بالمغرب، ليست موسمًا سنويا لتقطير ماء الزهر فحسب، بل هي لحظات تجلٍّ، وعرفان رباني يجسد شعار الصبحية بالضريح العباسي، أن “الولي ريحانة الله في الأرض يتشممه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون إلى ربهم”

في سياق متصل، كان لزوار صبحية الزهرية لقاء فنيا روحيا مع منشدي الجمعية العباسية، برئاسة المنشد الشيخ محمد عز الدين ، والتي أهدت للحضور صبحية من فنون السماع والإنشاد الديني، حيث ارتفعت الأصوات كأجنحة نور، وامتزجت بالعبير المتصاعد من إنبيقات تقطير ماء الزهر، لتصنع مشهدًا يليق بمراكش كحاضرة من حواضر العالم الإسلامي، وكعاصمة للثقافة فيه، وكمدينة تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وتؤكد إنفتاحها على كل الأجيال، وجميع العالم .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.