بعيداً عن الإنتخابات، قريبا من فاطمة الزهراء المنصوري

قررتُ نشر هذا المقال، ليس قصد الدخول في لجة الإنتخابات، لأن أمرها وممارستها والتعامل معها يعود في الأول والأخير، للناخبات والناخبين، ولكن هذا المقال الرائع جدا، رأيتُ أنه يستحق أن يُنشر وأن يُقرأ مرارا وتكرارا، ويستحق أن يقدم بهذه المقدمة التي أكتبها، وللإشارة فقط بأنني لا أعرف هذا الكاتب البارع، وقد يكون قد وضع اسما مستعارا منه، وللموضوعية فإن هذا المقال برصانته وسعته الثقافية و رصيده المعرفي المتنوع، أثرتُ نشره.
وتظل فرضية الاسم المستعار، واردة لأن من يكتب بهذه الطريقة، وعلى هذا المستوى لا يمكن ان يكون غير معروف عند الناس، ومن هنا تأتي – كما أسلفتُ – افتراضية الاسم المستعار.

فهذا الرجل الكاتب حامد الأرجواني ، يبرزُ أديبا ومثقفا، وعارفا بمنطق الأحداث والواقع، فقد جمع بين نباهة العلماء، وظرف الأدباء، واشارات الصوفية، وحذاقة الشطار من أبناء مراكش.

مـحـمـد الـقـنــور

فاطمة الزهراء المنصوري: امرأة تتكلم بلسان ضمير مراكش

حــامــد الارجوانــي : 

تلقى الجمهور والنقاد فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان بإشادة استثنائية واسعة النطاق، ليتحول سريعًا إلى ظاهرة سينمائية وثقافية واقتصادية. وقد تصدّر موسم صيفنا لعام 2026، وحظي باحتفاء جماهيري كبير، ووصفه قطاع واسع من الناس بأنه “تحفة ملحمية أسطورية”.

ومن لطيف الموافقات أن يُستهل الفيلم بمشهد مهيب لامرأة فاضلة، وفية بعهودها، مرابطة بدار إمارتها، وقد أحاط بها رهط من الأدعياء يتربصون بها، بعدما استباحوا حَرَم القصر واحتلوا فناءه. وقد أثارتني صيغة الفيلم الجديدة، وهي تتمثل ملابسات ملحمة عتيقة تغنّت بها العصور. فهذه المرأة الأسطورية، بينيلوب، تمد لنا مرآة ما تزال صالحة لزمننا. وتحضرني امرأة أخرى، تُحلّق هي أيضًا في سماء الملاحم بلا رجعة، وتطوف بأرجاء مراكش منذ عصورها الأولى. تصدت لمائة رجل بالحمى المعظَّم، قصر الحجر، ولا نعرف عنها إلا بطولاتها الملحمية في آخر يوم من حياتها. فانو، الأميرة المرابطية، لم تكن مجرد أميرة تسكن القصور؛ بل تنكرت في زي الرجال، والتحفت بدرع البطولة لدخول المعمعة، ووقفت كالجبل الأشم الذي لا تحركه العواصف، انتصارًا للمبدأ. فالأمم تعيش وتتقوّت بذكرى هذه المُثُل، ومراكش جعلت لرواية الملاحم والسير والبطولات، الهنيئة منها وحتى المأساوية، أعظم رحبة: جامع الفناء. تُعاد فيه قصص الأنبياء، ومناقب الأولياء، وروايات التاريخ، وحكايات «ألف ليلة وليلة»، والملحمات، وبطولات الفرسان، والتعابير الهزلية الساخرة.

فهاهي المدينة تؤلف من جديد حكاية امرأة معاصرة التزمت بقضية الوطن، الكبير منه والصغير، وتدافع عن الحِمى.
فاطمة الزهراء المنصوري مناضلة حقًا؛ تركت رَغد العيش ونعيمه لتتحمل وِزْر الحياة العامة، وتصارع عدم الاعتراف، وأمواج التيئيس، وخطاب التبخيس، وقد أربت على الرجال شجاعةً وعزمًا وإقدامًا.

وكان ظهور شخصيتها العمومية مفاجئًا، فالغالب هو التوجه الذكوري البحت، والتقييمات الكمية تُنبئنا بأن الدراسات الجامعية لا تحتفظ بالكثير من أسماء النساء، لا قديمًا ولا حديثًا، لا في أوساط العلماء، ولا الرؤساء، ولا الأدباء. والغالب كذلك اليوم أن أفراد النخبة يتنافسون في خطاب النقد اللاذع، ويغالون ويتعصبون لمواقفهم السلبية من المشاركة في الشأن العام.

لقد تركت نُخبنا الشأن العام وغابت عنه، وتواريها يعكس هزيمتها التاريخية؛ هزيمة المُثُل الواهية التي تجاوزت حدود الأحزاب السياسية. فلما تجردت من طوباويتها، أدار بعض النخب وجوههم نحو الماضي، وصارت الذاكرة هوسًا ثقافيًا انطبع به المشهد السياسي طوال عقود.
ينبغي لنُخبنا أن تنخرط في معالجة قضايانا المشتركة، وأن تلتزم بشؤون المدينة، وأن تعبّئ تجاربها لربط صلات مجتمع معقد و متَشظٍّ، لقد ولّد تحويل نمط حياتنا إلى سلعة احتياجات غير ضرورية، ورغبات مفرطة لدى الفرد، ترتب عنها شعور بالعجز وانعدام الحرية، وعزوف عن المجال السياسي العام، وانسحاب تدريجي للكفاءات العالية، من مثقفين وتكنوقراط بارزين وأطر القطاع الخاص، من الهياكل الحزبية.

إن الهروب من العمل السياسي غير مفهوم، والنخبة مفرِّطة في مسؤوليتها؛ تتبنى موقفًا مخاصمًا، وتطالب بتحقيق طموحاتها حتى على حساب تعايش المجتمع. وعن وعي، ذهب الجَمُّ الغفير لقضاء مصالحه، قائلين: «إن السياسة غير مربحة». فمن دخل لُجَجَ «السياسة» غَرِق، وتراجع رصيد أمواله بالمقارنة مع أترابه الذين تفرغوا لمصالحهم وقضاء أغراضهم. فالنخبة مفرِّطة، تتنصل من المسؤولية، وتضعف حظوظ المدينة. وإلا، فهل لديها، مثلًا، مشروع لأبنائها المتعلمين؟ وكيف السبيل إلى استمالتهم من أجل العودة إلى الوطن والاستقرار بالمغرب، بدل أن تهديهم لأمم أجنبية؟ إن استقالة النخبة ونفورها من كل ما يهم المدينة ينتج عنهما اختلالات تستنزف طاقات المسؤولين الإداريين والسياسيين على حد سواء.

عــــالَمْ كْــحَلْ
كُلشي فيه كْــحَلْ
مَصْبوغ بظْلامْ
وفي طَيُّ عَلْقَمْ !…

هكذا استهل الكاتب المسرحي محمد شهرمان يرحمه الله، ببراعة، مسرحيته «الضفادع الكَحلا»، وهكذا يصف بعض «المتنورين» أحوال البلاد! ولسان حالهم يقول: “أيها الداخلون إلى ميدان الشأن العام، تخلّوا عن كل أمل! فلا خلاص لكم؛ الوضع مسدود، والمكان موحش”. هذا هو السعير بعينه! أشد من جحيم المنامات عند الوهراني، الأديب الساخر. لو صدقوا أنفسهم، لأقروا بفضل هذه الرئيسة التي تقدم مهجة النفس وسلامة البدن قربانًا باسم ضمير أهل مراكش، وتأسّيًا باستماتة الحرائر اللواتي تجري في عروقهن دماء الأمهات والجدات، العربيات والأمازيغيات.

نعم، ويحق لها أن تتحدث باسم ضمير مراكش؛ فنخبة المدينة تتبنى شخص فاطمة الزهراء ممثلةً عضويةً متشرّبةً بثقافة أهل مراكش. فلا أحد من النخبة نفع مراكش، واستفادت المدينة من نتاج عمله، كما فعلت هذه السيدة، وعلى وجه الخصوص منذ أن صارت وزيرة وزعيمة لحزبها. فقد أنقذت الموقف حين تخلفت النخبة. والصراحة تقتضي ألا نغض الطرف عن تعداد ما يُنعى على النخبة المكتفية بمصالحها الخاصة؛ تأمر الناس بالمعروف وتنسى نفسها، والواقع أنها بحاجة إلى هذه السيدة، وليس العكس.

وقد استطاعت عمدة مراكش أن تفرض نفسها في العاصمة، وأن تكون هي الجواب عن ضعف النخبة وعدم مشاركتها في تدبير مصالح المدينة المشتركة، رغم شنشنة المنافس ومخاتلة المغافص.
أما المنصف، فقد ذكرها في مقدمة الشخصيات وزعماء مراكش منذ فجر الاستقلال، من بين الآحاد الذين يتصدرون المشهد.

لقد عرّف الحكيم العمل السياسي بأنه عبارة عن المصالح والمنافع المستجلبة والضرورات، والتدافع الناتج عنه يقومه القانون ويؤطره. فبهذا الاعتبار، لقد أفلحت فاطمة الزهراء المنصوري في تحقيق إنجازات كثيرة ماثلة للعيان خلال مدة استوزارها. ونفعت البلاد كافة بالإنجازات القانونية، وصار الدعم للمواطن وليس للمقاول. فاستفادت المدن والبوادي من وثائق التعمير وشفافية المساطر القانونية. فتخليق الاقتصاد من أجل تخليق الحياة السياسية له علامة كهذه المبادرة الملموسة.
ومن أجل ذلك، صارت رئيسة مراكش عرضة للتشهير من قِبل أصحاب المشاريع الضخمة المتغولة؛ أشخاص يودون تجاوز القانون، لو وجدوا له سبيلًا، طمعًا في المزيد من حطام الدنيا، وتجميعًا لـ«الذهب الرمادي» وما يُدرّه من أرباح مذهلة في التقسيم العقاري والبناء بالخرسانة، مع التزيّي برياء ديني يغضب الله.

ولهذه الرئيسة اليد البيضاء بمنطقة تسلطانت، التي تُنعت اليوم عند العارفين بـ”طفرة تسلطانت.”
فهذا البساط الكبير من سهل الحوز يقع في المثلث الذهبي المكوّن من مراكش وأغمات وتينمل، على طريق الخلفاء والسلاطين نحو جبال الأطلس. وكانت تخترقه السواقي السلطانية المحدثة بعبقرية المغاربة، وهو امتداد لجنان أݣدال الكبير الذي يسرّ الناظرين. عصفت بها يد النكبات في العقود الأخيرة، واستوطنتها الفوضى العمرانية. فقامت الرئيسة بوضع حد للتمادي والتسيب الحضري بإعمال موجبات القانون. ومما يُحسب لمدة نيابتها دورها في التنسيق والتدبير السياسي والمحلي في أشغال إنتاج المياه المحلاة وجلبها عبر القنوات من مياه بحر آسفي، وكذلك تصفية المياه العادمة لري حدائق مراكش ومجالاتها الخضراء. والعين المنصفة تلاحظ اخضرار الشوارع الكبرى من جديد في مجمل أرجاء المدينة، يقصدها عشرات الآلاف من ساكنة مراكش للتخفيف عنهم من معاناة الحر الداهم المقيم.

أما الحي الصناعي بسيدي غانم فبعد الفراغ من أشغال البنية التحتية اللازمة التي توفر مواصفات الحي الصناعي النموذجي وتعقيداتها، صار الحي جميلا بأزقته وواجهات المصانع والشركات. وهي إنجازات أساسية تساعد بالملموس للمقاولات الحاضنة للتشغيل.

وفي ختام هذا الحديث ، نَذكر فيه جانبا من الإنجازات الجهوية التاريخية ذات الصلة الوثيقة بمراكش في إقليم الرحامنة. فمن كان يحلم أن قرية بنجرير ستصبح قاعدة للعلم؟ بجامعتها جامعة محمد السادس التي تقوم على فلسفة أنشأت منظومة متكاملة للمعرفة، تجعل من العلم والابتكار محركين للتنمية، ومن اقتصاد المعرفة أساسا للتقدم وتعزيز القدرات التنافسية. صارت هذه البلدة منصة علمية وتكنولوجية رائدة للمغرب ولإفريقيا، لتعزيز التعاون العلمي، والتشجيع على نقل التكنولوجيا وتوطينها، بما يخدم التنمية في المغرب والقارة الإفريقية. فمراكش والرحامنة سيان وصلاح الأولى من الأخرى والعكس صحيح.

والبلاد تترقب ما ستفضي إليه الآلية الديمقراطية بعد حين، فلا ينبغي للعاقل أن يُذعنَ لبلاغة المحتال، وهو كل زُحلوط ، مَقيت جريء، بمغالطاته وتعدّيه حدود الأدب وأخلاق مهنة التواصل في شبكته العنكبوتية، ففاطمة الزهراء المنصوري تنتمي إلى أسرة متجذّرة بمراكش وأحوازها منذ زمن الخليفة الموحدي الواثق في القرن الثالث عشر الميلادي. والعشرات من أفرادها النجباء يتسمون بالانتماء القومي وأسهموا بكفاءاتهم المتعددة في نهضة مراكش العلمية والسياسية والثقافية المعاصرة. فضلاً عن كونها خريجة المعاهد الجامعية المغربية والأوروبية، فهذه السيدة قبل كل شيء خريجة مدرسة والدها المرحوم النقيب سي عبد الرحمن المنصوري، المناضل الوطني. وهو الذي شجّع ابنته الوحيدة من بين إخوتها على دخول المعركة السياسية، وعيًا منه بالقيام بالواجب الوطني واستشرافًا للمستقبل. فهو الأديب الفقيه البارع والناقد، حاضر الذكر في الآداب والتواريخ ومناقب الرجال والنساء عبر التاريخ الإسلامي وغيره. لقد كان موقّرًا مكبّرا من الخاصة والعامة، مشهور الفضل، يجهد جُهده في قضاء حوائج الناس. كان رياضه بحي حديث التعمير مفتوح الباب، مشرّعًا في وجه كافة أهل مراكش، كثير المواساة، نفّاعًا بجاهه وذات يده وجرت على يديه أعمال من البر عظيمة، ومن أشهر أعماله الوطنية مبادرته إلى إنشاء جمعية الأطلس الكبير، وكانت من ابتكاره، حيث تمكّن، بأعجوبة، من جمع النخب المراكشية من مثقفين ورجال أعمال وأطر المهن الحرة، وكان أفرادها قبل ذلك شيَعًا متنافرة، في شتات لا يجتمعون من أجل المصلحة العامة، مصلحة مراكش.

وبعد حين ومعاناة من أجل مستقبل المدينة الراكد آنذاك تصدى للدبلوماسية الوطنية. فبرع فيها وأجاد حتى قيل إن الملك الراحل الحسن الثاني كان يتوق لإنشاء مدرسة مغربية للديبلوماسية يتخرج منها سفراء من طراز الأستاذ عبد الرحمان المنصوري ونموذجه الوطني.

You might also like More from author

Leave A Reply

Your email address will not be published.