مـحـمـد الـقـنـور :
عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، صدر في القاهرة الترجمة العربية لكتاب “يوميات إيرلندية” الأديب الألماني هاينريش بول، الحائز على نوبل للآداب، ترجمة الكاتب والأديب العراقي المغترب ماجد الخطيب.
وتتضمن “يوميات إيرلندية” وصف أدبي عميق لحياة الإيرلنديين في ستينيات القرن الماضي، بشكل حسب الكاتب الإيرلندي هوغو هاملتون يعتبر أفضل مما فعله الأدباء الإيرلنديون الكبار من أمثال دين سويفت وجيمس جويس ووليم بتلر ييتس.
حيث يجزم هاملتون بعد قراءته لعمل هاينريش بول أنه تحول إلى سائح في بلده، ينظر إلى البشر والحواضر بشكل آخر،. ويعترف كل من قرأ هذا الكتاب، بمختلف لغات العالم، عرفوا من خلال الكتاب أن كلمة “بويكوت”، التي تعني “المقاطعة” في اللغة الإنجليزية تعود إلى”قطيعة” أعلنها الفلاحون الإيرلنديون مع وكيل أحد ملَّاكي الأراضي اسمه تشارلز بويكوت.
وتعتبر “يوميات إيرلندية” مجموعة قصص قصيرة وانطباعات ومشاهدات من الحياة اليومية للإيرلنديين في ذلك الزمان. تكمن أهمية الكتاب في الأسلوب الطريف الساخر، والغور العميق في نفسية وعقلية البشر، الذي عرف به الكاتب المنحدر من مدينة الكرنفال كولونيا.
وللإشارة، فإن بول لم يسجل هذه اليوميات الطريفة اثر زياره واحدة، لأنه زار إيرلندا كثيراً في الستينات وبقي فيها فترات طويلة حيث كان يجد في إيرلندا حريته التي فقدها في كولونيا بسبب الرقابة الأمنية المفروضة بعد روايته الأشهر “شرف كاترينا بلوم الضائع”.
مـحـمـد الـقـنــور :
خلال السنوات الأخيرة، انتعشت صحافة التفاهة بشكل مروع ومضطرد في المغرب، حيث لم تعد مجرد ظاهرة إعلامية عابرة، بل نتيجة انعكاس لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تروم تهميش القضايا الجوهرية لصالح محتوى سطحي يستهوي الجماهير ويعيد تشكيل الوعي الجماعي، على مقاس قولة مخرجي السينما التجارية “الجمهور عايز كده” من خلال التركيز ونشر الأخبار السطحية ، عن حياة المشاهير، الشائعات، والقصص المثيرة، على حساب القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية والبيئية الجوهرية.
كما إندمجت صحافة التفاهة، صناعة الإنحطاط الرقمية التي انتشرت مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح “الطوندونس” معيارًا للانتشار والنجاح.
وتعود أسباب إنتشار صحافة التفاهة، ومواقع “الكاملوط” إلى تطور التحول الرقمي، مع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، مما جعل المحتوى السريع والسطحي يصبح أكثر جاذبية للجماهير.
كما أن منطق السوق الإعلامي، دفع وسائل الإعلام تبحث عن نسب مشاهدة عالية، مما جعلها تستثمر في ما يثير الفضول أكثر من القضايا العميقة، تماشيا مع ميولات الجمهور نفسه الذي أصبح يميل إلى الاستهلاك السريع للمعلومة، مما يعزز هذا النمط.
وإذا كان عالم اليوم هو عالم الإعلام والتواصل بإمتياز، في ظل ثورة تكنولوجية ومعلوماتية هائلة بفضل تطور الأقمار الإصطناعية والإعلامية، وأصبح هذا قطاع الإعلام بالفعل يشكل عاملا متميزا في المنافسة الدولية، ومعيارا لقياس مدى تقدم الشعوب والأمم.

ورغم ما حققه المغرب من تقدم خلال العشرين سنة الأخيرة خصوصا في مجال الصحافة المكتوبة والإليكترونية خصوصا، وتطوير حرية التعبير والرأي بتزامن مع تطوير المسلسل الديمقراطي، وتجويد الأرضية الدستورية، فإنه الذي لم يرق بعد على المستوى المطلوب لا من حيث الكم والتعددية ولا من حيث الكيف. والتنوع وحرية الرأي وكرامة المهنيين مع احترام أخلاقيات مهنة الصحافة وتفعيل المقتضيات الدستورية وتوصيات المناظرات الوطنية للإعلام، وتفعيل وتنشيط الهيئات والمجالس المنصوص عليها في أسمى قانون للبلاد.
ورغم أن المغرب لايزال يشهد تقدماً رقمياً كبيراً، موازاة مع التحديات الوطنية والإقليمية والدولية التي يخوض غمارها، فإن هذا التقدم ترافق مع هيمنة المحتويات البائسة على المشهد الإعلامي، حيث باتت صحافة التفاهة ومواقع “الكاملوط” تعمل بشكل واضح وأسلوب فاضح على إضعاف الوعي الاجتماعي، من خلال التركيز على التفاهة وتهميش النقاشات الفكرية والسياسية والسوسيو إقتصادية ، مما خلق فراغًا معرفيًا، وأدى إلى تشويه وظيفة الإعلام، وحول الصحافة من سلطة رابعة إلى أداة ترفيهية، ووسيلة “تكليخية” تفقد دورها الرقابي والإقتراحي والتنويري، مما شكل تهديدا واضحا للأجيال الناشئة التي أُتْخِمَت بمحتويات سطحية فارغة تستهدفُ تجويف قدراتها النقدية والفكرية، عبر توجيه اهتماماتها نحو قضايا هامشية لصرف النظر عن النقاشات الجوهرية.
مـحـمـد الـقـنــور :
خلال عرضه ما قبل الأول بالمركب الثقافي لمدينة شيشاوة، أمس السبت 7 فبراير الجاري، خلَّف الفيلم القصير “أيوب الرقاص” للمخرج المغربي محمد أوماعي صدىً ثقافيًا و فرجويا، ونقاشا متنوعا على مستوى الشكل والمضمون بمدينة شيشاوة، حيث استقطب العديد من النقاد والمحللين للأعمال السينمائية المغربية، ومختلف الأوساط من عشاق الفن السابع المغربي والمهتمين بالحركية الوطنية السينمائية، وذلكــ في أجواء عرفت متابعة واسعة من طرف حضور متنوع، من فاعلين ثقافيين ومهتمين بالشأن الفني و التربوي والسينمائي.

ويستعرض الفيلم في 27 دقيقة، المُنتج من طرف “ريف فيلم” تحت إشراف كمال القاسيمي، والمُقدم باللهجة المغربية مع ترجمة موازية إلى اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، قصد توسيع دائرة عرضه داخل المغرب وخارجه، قصة الطفل أيوب، الذي يتوزع بين الحلم والمسؤولية، حلمه باقتناء قيثارة كآلة موسيقية وكتحقيق لشغفه، وتكريس لإبداعه، وفي الوقت نفسه يسعى لإطلاق مشروع صغير لبيع الحلويات للأطفال، دعمًا لأسرته وتخفيفًا من أعبائها المعيشية، في إدماج تصويري ودلالي يدمج البعد الاجتماعي لأيوب بطل الفيلم، حيث تتوحد شخصيته بين عوالم الطفولة البريئة والوعي المبكر بقيمة العمل وروح التضامن الأسري، مما يمنح الفيلم بعدًا وجوديا ورمزية تربوية وإنسانية، تتقاطع من خلاله براءة الطفولة في شخصية أيوب، مع وعي مبكر بقيمة العمل وبضرورة روح التضامن الأسري، وإبراز قدرة الطفل على التوفيق بين الدراسة والهواية والطموح في تحسين وضعيات الحياة، في توازن إيجابي يعكس واقعا اجتماعيا يعيشه عدد ملحوظ من الأطفال المغاربة .
فقد سعى المخرج والسيناريست محمد اوماعي من خلال هذا العمل السينمائي الى عرض تجربة إنسانية صادقة، تؤكد أهمية احتضان المواهب الناشئة والاهتمام بأجيال الغد وتشجيع روح المبادرة الذاتية لدى الأطفال، مع التأكيد على الدور المركزي للأسرة والبيئة الاجتماعية في الدعم والتوجيه.

إلى ذلكــ ، اعتمد المخرج محمد أوماعي ، ككاتب سيناريو لغة بصرية بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، حيث جاءت الموسيقى عنصرا محوريا في التعبير عن العالم الداخلي للشخصية الرئيسية، فيما حملت المشاهد الأسرية دفئا إنسانيا عزز البعد التربوي والاجتماعي للفيلم. كما ساهم إيقاع السرد الهادئ في منح المتلقي مساحة للتأمل والتفاعل الوجداني مع الأحداث.
كما تمكن الفيلم من الحصول على جودة توظيف الصورة والإنارة، والفضاءات التصويرية، تماشيا مع الوضع الاجتماعي والحالة النفسية للشخوص، مع اعتماد أيقونات وإشارات تصويرية قريبة عززت الإحساس بالحميمية والقرب من عوالم الطفولة.

ويبقى فيلم “أيوب الرقاص” ليس مجرد فيلم قصير، بل هو صرخة فنية وإنسانية تضع الطفولة المغربية ، أو على الأرجح جزءا منها، في قلب النقاش الثقافي، ويؤكد أن السينما المغربية قادرة على الجمع بين البساطة والعمق، بين المحلية والانفتاح على العالم.

في سياق متصل، يندرجُ الفيلم القصير “أيوب الرقاص” في بوثقة الموجة الجديدة من السينما المغربية التي تراهن على الأفلام القصيرة كوسيلة للتعبير الفني والاجتماعي، هذه الموجة تشهد حضورًا متزايدًا في المهرجانات الوطنية والدولية، حيث تمنح مساحة للشباب المبدعين لتجريب أساليب سردية وبصرية مختلفة، بعيدًا عن قيود الإنتاج التجاري الكبير.

ومن خلال قصته البسيطة والعميقة، ولغته السينمائية الدارجة المغربية المنفتحة على العالم، يساهم “أيوب الرقاص” في ترسيخ موقع الأفلام القصيرة كأداة للتأمل والنقد الاجتماعي، ويؤكد أن السينما المغربية قادرة على أن تكون قريبة من الناس وملامسة لقضاياهم اليومية، وفي الوقت نفسه منافسة على الساحة العالمية، حيث يصبح الفيلم ليس مجرد تجربة فردية، بل جزءًا من حركة سينمائية جديدة تعيد تعريف الفن السابع في المغرب، وتفتح آفاقًا رحبة أمام المخرجين الشباب لإيصال أصواتهم وإبداعاتهم ورسائلهم الفنية إلى فئات كبيرة ومتنوعة من الجمهور.
مـحـمـد الـقـنـور :
بلمسات فنية متمايزة، ومعارض تشكيلية متنوعة، تترجم كل اتجاهات الفن التشكيلي المعاصر، تحوّلت مدينة مراكش إلى منصة عالمية للفن الإفريقي المعاصر، من 5 إلى 8 فبراير الجاري ،باستضافة النسخة الجديدة من معرض 1-54 Art Fair بدءا من فضاء فندق المامونية الأسطوري، الذي يُعدّ من أبرز رموز الضيافة الفاخرة في العالم، مرورا بمختلف الأروقة والمعارض التي تتناثر على المدينة الحمراء مثل حبات لؤلؤ في شريط مرصع بالإثارة الفنية والتباين الجمالي.

هذا، وتمكنت النسخة الجديدة من معارض 1-54، الذي يُعتبرُ من أهم المعارض الدولية المخصصة للفن الإفريقي بجميع امتداداته في العالم، في أن يجمع على مدى أربعة أيام نخبة من الفنانين،والفنانات والمعارض، والنقاد، والخبراء وعشاق الفنون التشكيلية من المتحفيين والجامعين، ضمن لقاءات فنية وثقافية غنية، امتزج فيها الإبداع المعاصر بالهوية الإفريقية المتجددة، من خلال لوحات ومنحوثات وتصاميم ديكور لأعمال تشكيلية، وتركيبات بصرية، وصور فوتوغرافية، عبّر من خلالها الفنانات والفنانون المشاركون عن رؤى متعددة حول القضايا الاجتماعية، وأعماق الذاكرة المغربية والإفريقية، ومنابع الهوية الثقافية، وعلاقة الفن والإبداع بالبيئة الثقافية والإجتماعية ، في سياق إفريقي متنوع.
كما شاركت مؤسسات محلية مثل متحف MACAAL، ومتحف إيف سان لوران، والمعهد الفرنسي، في دعم البرنامج الثقافي الموازي لهذه التظاهرة، التي تضمنت ندوات فكرية وورشات مفتوحة للجمهور.
إلى ذلكـــ ، أشارت الأستاذة والفنانة ثريا الكلاوي المسؤولة عن التظاهرة، إلى أن اختيار مراكش ليس اعتباطيًا، فالمدينة الحمراء تُعدّ ملتقى للثقافات، وفضاءً حيًّا للتجريب الفني، حيث يلتقي التراث بالعصرنة، وتجتمع الحداثة بالآصالة .
كما أبرزت الكلاوي، أن هذه التظاهرة منذ تأسيسها ساهمت في تعزيز مكانة مراكش كمدينة ثقافة وحضارة، وكوجهة للفن العالمي، وفتحت المجال أمام الفنانات والفنانين المغاربة للتفاعل مع نظرائهم من إفريقيا والعالم.

وخلصت الكلاوي، أن معرض 1-54 لا يكتفي بعرض الأعمال التشكيلية فقط، بل يسعى إلى إعادة التعريف الفن الإفريقي خارج الصور النمطية التي علقت به، وإبراز التنوع الجغرافي، واللغوي، والتقني، الذي يميز الإنتاج الفني في القارة السمراء .
مـحـمـد الـقـنــور :
شكل حفل إطلاق برنامج «بصمة – BASSMA: Empowering Women» الذي نظم بمراكش اليوم الخميس 5 فبراير 2026، بحضور عدد من الفاعلين المؤسساتيين ومن أطياف المجتمع المدني والقطاع الخاص، مناسبة لاستحضار مسار إنساني وتنموي انتقل من التدخل الإغاثي العاجل عقب زلزال الحوز، إلى بناء نموذج متكامل للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، وهو المسار الذي سلط المتدخلون عليه الضوء خلال فقرات الحفل، كل من زاويته وتجربته.
وفي كلمته الافتتاحية، عرض الطيب أعيس، رئيس جمعية المبادرة للتضامن الاجتماعي، فكرة مشروع «بصمة» وسياقه العام، مبرزا السياق العملي الانساني للجمعية وخاصة بعد الزلزال مباشرة والذي تمثل في تدخلات إغاثية عاجلة، شملت الاستعانة بفريق متخصص للمساهمة في إغاثة العالقين تحت الأنقاض، وتوفير الرعاية للمتضررين من خلال توفير الخيام و الغداء والدواء والتطبيب، قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة بناء المساكن لفائدة المتضررين، إذ أطلقت الجمعية برنامجا يشمل في مرحلته الأولى بناء 300 منزل ويأمل أن يصل في المرحلة الأخيرة إلى 1000 منزل بحول الله.
إلى ذلكــ ، أبرز أعيس أن هذا المسار الإنساني تطور بشكل طبيعي نحو قناعة راسخة مفادها أن التعافي الحقيقي لا يكتمل دون تمكين المتضررين اقتصاديا واجتماعيا، وهو ما تجسد في إطلاق برنامج “بصمة” كرافعة للتنمية المستدامة.
ولم يخف أعيس شكره للحضور، ولشركاء المشروع، ولفريق “بصمة” وفريق تنظيم الحفل، مشيدا بروح الالتزام المهني والعمل الجماعي الجاد التي رافقت جميع مراحل إنجاز هذا المشروع.
من جهته، تناول غسان العلمي، مدير IRW بالمغرب،ظروف الاشتغال على المشروع، متوقفا عند طبيعة العمل الميداني والتحديات المرتبطة بالتدخل في سياق ما بعد الكوارث، ومبرزا أهمية الشراكة مع الفاعلين المحليين، وعلى رأسهم جمعية المبادرة للتضامن الاجتماعي، من أجل ضمان نجاعة التدخل واستدامة أثره.

وتواصلت فقرات الحفل بعرض تعريفي لــ عربية فاروق مديرة الموارد المالية بالجمعية حول إنجازات جمعية المبادرة للتضامن الاجتماعي منذ نشأتها قبل واحد وعشرين سنة ، تم خلاله تسليط الضوء على مختلف مراكز الجمعية والخدمات الاجتماعية والإنسانية التي تقدمها لفائدة الفئات الهشة على المستوى الوطني، خاصة الأيتام والأرامل والنساء في وضعية صعبة، في إطار رؤية تضامنية شمولية جعلت من العمل الميداني ركيزة أساسية لتدخلاتها.
وفي لحظة مؤثرة عكست الجانب الإنساني والتضامني للمشروع، تم عرض فيديو حول ظروف الاشتغال على مشروع “بصمة”، من تقديم فرح صغيري المنسقة العامة للمشروع، التي أبرزت من خلاله المراحل والتحديات التي اجتازها فريق العمل، سواء على المستوى الميداني أو التنظيمي، ونجح العرض في نقل صورة واضحة عن حجم الرهان، وعن إيمان الفريق بالمشروع، وإصراره على إنجاحه رغم الإكراهات، انطلاقا من قناعة مشتركة بأن تمكين النساء القرويات يشكل استثمارًا في مستقبلهن.
وفي سياق استحضار الأثر الميداني للبرنامج، أعطيت الكلمة للتعاونيات المستفيدة من مشروع “بصمة”، حيث ألقت غزلان حميدوش رئيسة تعاونية “النيرة النسوية” من إقليم الحوز، كلمة حيث أوضحت خلالها تثمينها لجهود جمعية المبادرة للتضامن الاجتماعي، مستعرضة مختلف أشكال الدعم التي وفرها المشروع، من تكوينات شملت الجوانب التقنية وريادة الأعمال والمهارات الاجتماعية، إلى توزيع المعدات التقنية والأجهزة الضرورية والمواد الأساسية لتطوير أنشطة التعاونية.
كما عرفت التظاهرة كلمة لسعيدة انضام رئيسة تعاونية “نساء الخير”من إقليم شيشاوة، التي تحدثت عن تطور مشروع التعاونية من مجرد فكرة تقوم على مساهمة كل منخرطة ب 5 دراهم إلى مشروع قائم بذاته، يتوفر اليوم على مقر خاص بمساحة 130 مترا مربعا، ويحقق مداخيل مهمة تساهم في تحسين أوضاع النساء المنخرطات، مؤكدة أن هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا الدعم الذي وفره برنامج «بصمة».
وتجدر الإشارة أنه ستستفيد من مشروع “بصمة” واحد وعشرون تعاونية موزعة بين إقليمي الحوز وشيشاوة، وذلك في إطار دعم تسويق منتجات التعاونيات النسائية وتعزيز حضورها في السوق، كما يعتزم البرنامج إحداث فضاءين دائمين للعرض (Showroom) مخصصين لمنتجات هذه التعاونيات، يهدفان إلى الترويج لمنتجاتهن، وتسهيل الربط مع الشركاء و الزبناء والزوار، وتعزيز الهوية والعلامة التجارية الجماعية، بما يسهم في تثمين خبرات النساء ومهاراتهن، وتحفيز المبيعات، ودعم إدماجهن المستدام في المسارات الاقتصادية على الصعيد المحلي والوطني والدولي .
إلى ذلكــ ، اختتمت فقرات الحفل بعرض فيديو مؤثر لرئيس جمعية المبادرة للتضامن الاجتماعي، استعرض فيه مختلف مراكز الجمعية والخدمات التي تقدمها لفائدة الأيتام والأرامل والفئات الاجتماعية في وضعية صعبة، في تجسيد عملي لفلسفة العمل التضامني التي تؤمن بها الجمعية.
مـحـمـد الـقـنــور :
افتتحت صباح اليوم الجمعة 30 يناير الجاري فعاليات الدورة الخامسة للملتقى المغربي للهندسة البيوطبية، المنظمة على مدى ثلاثة أيام بمدينة مراكش، وجرى افتتاح هذا الحدث العلمي والمهني بحضور وفد رسمي، إلى جانب شركاء مؤسساتيين من القطاعين العام والخاص، وعدد من الدبلوماسيين، فضلاً عن خبراء ومختصين في مجالات الصحة والهندسة الطبية الحيوية، تحت رعاية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بمشاركة خبراء ومختصين من داخل المغرب وخارجه، من مسؤولين مؤسساتيين، وأساتذة جامعيين، وباحثين، ومدراء للمراكز الاستشفائية، ومهندسين بيوطبيين، إلى جانب فاعلين صناعيين وممثلين لشركات وطنية ودولية رائدة في مجال الأجهزة الطبية والتكنولوجيا الصحية، ما يمنح اللقاء بعداً دولياً ويعزز مكانته كمنصة علمية ومهنية مرجعية. ويشارك في هذه الدورة أزيد من 60 متدخلاً من المغرب ومن بلدان أخرى، إضافة إلى مشاركة أكثر من 10 جمعيات إفريقية ودولية، فيما يعرف المعرض المهني المصاحب حضور أزيد من 50 عارضاً يمثلون مؤسسات وشركات رائدة في مجال الهندسة الطبية الحيوية والتجهيزات الطبية.
ومن المرتقب أن تشكل هذه الدورة الخامسة، محطة علمية ومهنية بارزة، تعزز مكانة الهندسة الطبية الحيوية كفاعل محوري في تنزيل الإصلاحات الصحية، ودعم السيادة الصحية للمملكة، وترسيخ التكامل بين مختلف مكونات المنظومة الصحية الوطنية.
وخلال الجلسة الافتتاحية، أكد مصطفى الأنصاري، رئيس الجمعية المغربية للهندسة البيوطبية، أن تنظيم هذه الدورة يندرج في سياق وطني تؤطره التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت من إصلاح المنظومة الصحية، وتعزيز السيادة الصحية، وترسيخ الحكامة الجيدة، أولويات استراتيجية. وأبرز أن الملتقى يشكل محطة علمية ومهنية لتوحيد الجهود وتحويل البرامج والاستثمارات إلى أثر ملموس داخل المؤسسات الصحية، بما يضمن جودة وسلامة الرعاية الصحية المقدمة للمواطن.
كما أبرز الأنصاري أن الهندسة البيوطبية تمثل حلقة وصل محورية بين الطب والتكنولوجيا والتنظيم، ورافعة أساسية لتطوير الخدمات الصحية، مشيراً إلى أن إشراف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار على هذه الدورة يعكس اعترافاً مؤسساتياً بأهمية هذا المجال، ويدعم مسار الجمعية في تعزيز التنسيق داخل المنظومة الصحية، وتثمين الكفاءات الوطنية، وجعل خدمة المريض في صلب مختلف الإصلاحات.
وفي السياق ذاته، أفاد عثمان خلدوني ، رئيس المؤتمر وأمين مال الجمعية المغربية للهندسة البيوطبية، أن هذه الدورة الخامسة تشكل محطة إفريقية ودولية متميزة لتبادل الخبرات في مجال الهندسة الطبية الحيوية، بمشاركة حوالي عشر جمعيات إفريقية، من بينها جمعيات من مالي والغابون والسنغال، إلى جانب جمعيات دولية شريكة، من ضمنها الجمعيات الفرنسية والإيطالية والإسبانية للمهندسين البيوطبيين.
وأكد خلدوني أن الملتقى، يعرف مشاركة خبراء دوليين ووطنيين وممثلي الجامعات ومؤسسات التكوين، بتنسيق مع اللجنة العلمية، بهدف بلورة توصيات عملية تواكب مخرجات المناظرة الوطنية للصحة، وتشكل قيمة مضافة لتعزيز دور الهندسة البيوطبية في تطوير المنظومة الصحية الوطنية.
في سياق متصل، أعرب جمال سعيدي، ممثل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، عن شكره وتقديره للجمعية المغربية للهندسة البيوطبية على تنظيم هذا الملتقى، مؤكداً أن اختيار شعار الدورة: «الهندسة البيوطبية: عامل محفز لتنسيق الجهود في المنظومة الصحية المغربية»، يعكس إدراكاً عميقاً للدور الاستراتيجي الذي تضطلع به الهندسة البيوطبية في إنجاح الإصلاحات الصحية الكبرى، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية.
وأضاف سعيدي أن تعزيز جودة الخدمات الصحية، وضمان سلامة المرضى، والرفع من أداء المؤسسات الصحية، لا يمكن بلوغه دون تدبير عقلاني وناجع للتجهيزات البيوطبية في مختلف مراحل دورة حياتها، من التخطيط والاقتناء إلى الاستعمال والصيانة، مشدداً على الدور المحوري للإطار البيوطبي باعتباره فاعلاً أساسياً في تحديث المنظومة الصحية وتحسين مردوديتها، مؤكدا، أن نجاح الدورات السابقة وحضور المشاركين الوطنيين والدوليين يشكلان دافعاً لإنجاح هذه الدورة وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين في القطاع الصحي.
ومن جهته، أوضح رشيد هلال، ممثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، في كلمته الرسمية، أن المجال البيوطبي أصبح ركيزة استراتيجية لتطوير المنظومة الصحية، مشدداً على ضرورة تعزيز التكامل بين الجامعات، ومؤسسات التكوين، ومراكز البحث، والمستشفيات، لضمان تكوين الكفاءات الدقيقة التي تحتاجها المؤسسات الصحية، مشيرا أن الوزارة تعمل على تحديث البرامج الدراسية، وتعزيز التعلم العملي، وتوسيع قدرات التكوين بما يواكب تطورات القطاع ويستجيب لمتطلبات السيادة الصحية، وفق التوجيهات الملكية السامية.

هذا، ومن المنتظر، أن تعرف فعاليات الدورة الخامسة للملتقى المغربي للهندسة البيوطبية، على مدى الأيام الثلاثة المقبلة برنامجا علميا مكثفا ومتنوعا يشمل محاضرات علمية ، وموائد مستديرة لتبادل الخبرات، وندوات متخصصة، وورشات تقنية تطبيقية، تتناول قضايا محورية تتعلق بتحديث المنظومة الصحية، وتحقيق السيادة الصحية، وتعزيز الحكامة في تدبير المعدات الطبية، إلى جانب تحسين مسارات العلاج، وضمان جودة وسلامة الأجهزة الطبية، والتدبير الأمثل لدورة حياة المعدات، من التخطيط والاقتناء إلى التركيب والصيانة والتجديد.
كما سيتطرق البرنامج إلى قضايا الامتثال التنظيمي، والحماية من الإشعاع، وتدبير المخاطر، إضافة إلى رهانات التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصحة الرقمية، وإدماج التكنولوجيات الطبية الحديثة في خدمة المريض، مع التركيز على تنمية الكفاءات البشرية، وتعزيز البحث العلمي، وبناء شراكات مستدامة بين مختلف المتدخلين.
وإلى جانب البرنامج العلمي، يتخلل هذا اللقاء تنظيم معرض مهني متخصص في الهندسة الطبية الحيوية والتجهيزات الطبية، يتيح للفاعلين والمهنيين عرض أحدث الحلول التكنولوجية والابتكارات، وتبادل التجارب والخبرات، واستكشاف فرص التعاون وبناء شراكات استراتيجية بين مختلف المتدخلين في القطاع.
ويهدف اللقاء المغربي للهندسة الطبية الحيوية إلى ترسيخ موقعه كمنصة وطنية ودولية للحوار والتكامل، من خلال جمع مختلف الفاعلين في مجال الصحة والهندسة الطبية الحيوية، من مؤسسات عمومية وخاصة، ومهنيي الصحة، ومهندسين، وصناعيين، وجامعات ومراكز بحث، بما يسهم في تطوير منظومة صحية أكثر استدامة ونجاعة .

لاشكــ ، أن الكَرَم والإحسان يُعدّان من أسمى القيم الإنسانية التي تَعبُر بالإنسان من مستوى السلوك إلى مستوى المعنى، ومن منطق المصلحة نحو أفق السموّ. فالكريم (Magnanime) يُمثّل رُقيّ النفس وعلوّ الأخلاق، بينما المحسن (Philanthrope) يُجسّد العطاء العملي والرحمة الاجتماعية، والتكافل الإنساني.
والحق، أن كل من الكرم والإحسان يعكسان توازناً دقيقاً بين الصفاء الداخلي والأثر الخارجي، وبين تزكية النفس وخدمة الإنسان، في انسجام عميق بين الروح والقيم والفعل.
استشهادات روحية وفكرية
فمن القرآن الكريم قوله تعالى في سورة البقرة أية 195 ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذه الآية الكريمة تعكس الربط المباشر بين الإحسان ومحبة الله، وقوله عز من قائل بنفس السورة ، آية 110 ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ مما يؤكد أن العطاء ليس خسارة بل استثمار روحي وأخروي.
وكما في كتاب الله، فإن الحديث النبوي الشريف، يؤكد فيما رواه البخاري ومسلم، أن «اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى»، مما يدل على تمجيد العطاء ورفعة المعطي، ثم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس»
معيار القيمة الإنسانية هو النفع العام.
كما تطرق العديد من الفقهاء والعلماء والمفكرين لمفهومي الكرم والإحسان، فأكد الإمام ابن القيم رحمه الله، من خلال الحديث النبوي أن “الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، مشيرا أن الإحسان قمة السلوك الروحي والأخلاقي.
كما أبرز من قبل الفيلسوف الإغريقي أرسطو (Aristote): Le magnanime est celui qui se sait digne des grandes choses et agit وفق ذلك، بمعنى أن الكريم هو من يدرك قيمة نفسه الأخلاقية فيترفع عن الصغائر.

ولم يبقى مفهوم كل من الكرم والإحسان محصورا لدى الفقهاء والعلماء والمفكرين، بل تجاوز ذلكــ إلى الأدباء، حتى أن أديب فرنسا الشهير فيكتور هوغو (Victor Hugo): “La générosité, c’est donner plus que ce que l’on peut.” أشار أن الكرم فوق الحسابات المادية، وهو العطاء الذي يتجاوز حتى مقدرات المعطي.
وعلى كل حال، فإن الكريم والمُحسن ليسا مجرد صفتين أخلاقيتين، بل نموذجين حضاريين للإنسان الراقي، فإذا كان الكريم يسمو بنفسه، فإن المحسن يسمو بالعالم من حوله، فالأول يُزكّي الداخل، والثاني يُصلح الخارج، وكلاهما يلتقيان في صناعة إنسان متوازن، نقيّ القلب، عظيم الأثر، راقي السلوك، واسع الأفق.
والواقع، أنه حيثما وُجد الكرم والإحسان، وُجد السلام، وتحقّق العمران، وأينعت الحضارة، وازدهر المجتمع، وارتفعت قيمة الإنسان في ميزان الله، وفي ميزان التاريخ، وفي ميزان الضمير.
مـحـمـد الـقـنــور :
نظم مجلس جماعة مراكش لقاءا دراسيا، تحت عنوان فنادق الصناعة التقليدية بالمدينة العتيقة في مراكش الواقع والتحديات، وذلكــ مساء أمس الثلاثاء 20 يناير الجاري، بقصر بلدية مراكش، قصد تشخيص الوضع الحالي لفنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش، ترأسها محمد الإدريسي النائب الأول لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة مجلس جماعة مراكش بحضور العيد من المنتخبين والمنتخبات من أعضاء المجلس المذكور، ومنتخبي الغرف المهنية ومجموعة من المهندسين المعماريين، وخبراء التراث المهتمين بتاريخ مدينة مراكش، والأوساط العلمية الأكاديمية، وبعض فعاليات المجتمع المدني من الحرفيين والصناع التقليديين، وممثلي بعض المنابر الإعلامية المحلية والوطنية، ونخبة من المثقفين والباحثين المتابعين لنتائج ومسارات تأهيل هذه الفنادق،في إطار المشروع الملكي المتعلق بالحاضرة المتجددة، كمشروع تأهيل يُعد مبادرة استراتيجية لحماية التراث العمراني والاقتصادي.

وجاءت الندوة المذكورة، في سياق التحديات الكبرى التي أصبحت تعرفها فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش التمويل، والدفع من أجل الحفاظ على طابعها التراثي ودورها الإقتصادي الإجتماعي مع إدماج معايير عملية قويمة ، تراعي ضغط السياحة العالمية، وإعمال مقاربة تشاركية مع مختلف الشركاء والحرفيين، وتدبير الدعم المالي ، واعتماد ترميم مستدام يحافظ على الهوية المعمارية، وصون الموروث التاريخي وتحسين شروط الجودة المعمارية والسلامة، والنجاعة، من خلال الإستمرار في عملية تأهيل هذه الفنادق التاريخية التي ظلت تحتضن العديد من الأنشطة الحرفية والتجارية، كفضاءات آمنة وعصرية دون فقدان طابعها التراثي داخل مراكش مصنفة تراثًا عالميًا من طرف اليونسكو منذ سنة 1985.

وخلال كلمتها الإفتتاحية، التي تلاها بالنيابة عنها محمد الإدريسي، أبرزت الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، أن هذا اللقاء جاء لتعزيز صمود الصناع التقليديين، والحرفيين والتجار العاملين بهذه الفنادق، وتثمين أدوارهم في حركية الدورة الإقتصادية المحلية والوطنية داخل مراكش المدينة العتيقة بعد زلزال الحوز في 8 شتنبر 2023 ، وتفعيل الإقتصاد الإجتماعي، مشيرة أن الكثير من هذه الفنادق التقليدية كانت تعاني من التدهور العمراني في هياكلها التاريخية التراثية، ومن ضعف الإنارة، ومشاكل التهوية والسلامة.
وأوضحت المنصوري، أن مشروع تأهيل وترميم فنادق فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش والتي ساهمت في إستقرار الحرفيين والتجار رصدت له 94 مليون درهم، على مستوى إصلاح الأعطاب أو إعادة البناء، مشيرة أن هذه الفضاءات ظلت على الدوام تشكل القلب النابض للكثير من الصنائع التقليدية، حيث مكنت الحرفيين والتجار من إستمرار أعمالهم وأنشطتهم، ومن عرض منتجاتهم لساكنة المدينة وزوارها من المغاربة والسياح الأجانب .
كما تطرق محمد بن المهدي رابطة الدين، الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القاضي عياض بمراكش، ضمن عرض تناول فيه تاريخ فنادق فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش، عرضًا غنيًا تناول فيه تاريخ هذه الفنادق بالمدينة العتيقة، مبرزًا قيمتها التراثية والاجتماعية، وجذورها التاريخية، كما أفاد أن فنادق فنادق الحرفيين والتجار في مراكش تعود إلى قرون مضت، حيث كانت بمثابة فضاءات متعددة الوظائف، تستخدم للتخزين، وللإيواء، ولعرض المنتوجات الحرفية، والفلاحية، مما جعلها تشكل قلب النشاط التجاري والحرفي في مراكش المدينة العتيقة، إذ كانت تستقبل القوافل التجارية وتوفر للحرفيين والتجار أماكن للعمل والتسويق، كما لم تكن مجرد نقاط إستراحة للوافدين على المدينة، أو فضاءات تجارية اقتصادية حرفية ، بل كانت أيضًا مراكز للتلاقي والتواصل بين سكان المدينة والوافدين، مما جعلها جزءًا من النسيج الاجتماعي المراكشي.

واعتبر الأستاذ رابطة الدين، أن هذه الفضاءات تحمل ذاكرة جماعية، فهي شاهدة على تطور الحرفيين وأرباب الصنائع الخدماتية والفنية الجمالية، وعلى قدرة مراكش على المزج بين التراث والوظائف.
من جهته، تناول المدير الجهوي لمؤسسة العمران ، الأستاذ شكير زهران، والذي تم تعيينه في هذا المنصب خلال شهر شتنبر 2024 خلفًا للأستاذ هشام الفالح، آليات تنزيل مشروع تأهيل وترميم فنادق الصنائع الحرفية والأنشطة التجارية بالمدينة العتيقة في مراكش، كرهان حضاري واقتصادي، يهدف إلى جعل هذه الفضاءات التراثية أكثر أمانًا وجاذبية، مع الحفاظ على روحها التاريخية، وكمشروع يضع مراكش في قلب معادلة تجمع بين حماية التراث ودعم الاقتصاد المحلي، وفي انسجام مع مكانتها كمدينة عالمية للثقافة والسياحة، كما خلص إلى أن هذه الفنادق العتيقة ليست مجرد محلات للتجارة، أو دكاكين للحرف التقليدية، بل هي جزء من النسيج الاجتماعي والذاكرة الجماعية للمدينة العتيقة.

إلى ذلكــ ، تناول اللقاء الدراسي سبل التصدي للتحديات، البارزة في حسن تدبير التمويل و الموارد المالية المخصصة للتأهيل، وديناميكية سرعة الإنجاز، وتمتين وتحديد مختلف محاور الإشتغال بين المجلس الجماعي ووزارتي التعمير ووزارة السيحة، ومع وزارة الأوقاف ، وووزارة التحارة والصناعة والخدمات، وولاية جهة مراكش آسفي ومؤسسة العمران، ووكالة تنمية الأطلس والأطر العلمية الهندسية المعمارية والثقافية الأكاديمية المختصة في التراث والتاريخ الوطني مع إشراك الحرفيين والجمعيات المهنية لرسم معالم مختلف المقاربات التشاركية في صياغة الحلول، وتحقيق التأهيل المستدام .
هذا، وحظيت مداخلة عبد العزيز بلقزيز،المهندس المعماري، والأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، بالإهتمام البالغ من طرف الحضور، حيث ركز عل ضرورة التفريق على المستوى العمراني التاريخي بين فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش ، والفنيدقات الأصغر حجما وسشاعة، ووظيفة، مؤكدا أن تجربته في هذا الصدد، قامت على اعتماد مواد وأساليب ترميم تحافظ وتستحضر الطابع المعماري التقليدي.، وإستعمال نفس مواد البناء الأصلية المغربية في ترميم وإعادة بناء الحيطان والسقوف والأبواب والشرفات والنوافد والممرات والقباب والأقواس، وغيرها مع الحفاظ على الطابع التقليدي، وتجويد شروط سلامة بدراسة البنايات المجاورة لها، وإدماج معايير الإنارة، والتهوية، والمخارج ، لضمان بيئة آمنة للعاملين ومراعاة الضغط السياحي عليها نتيجة ارتفاع وثيرة عدد زوارها من المغاربة والسياح الأجانب دون الإضرار بهويتها الأصلية.
كما أكد المهندس الأستاذ بلقزيز مشروع تأهيل فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش كان رهانا حضاريا وتراثيا واقتصاديا، إعتمد على آليات دفتر الشروط الخاصة في العمران CPS Cahier des Prescriptions Spéciales المعتمد في المغرب، كوثيقة قانونية وتقنية أرفقت بصفقات الأشغال أو التهيئة العمرانية، حيث حددت بالتفصيل الشروط الخاصة بالمشروع بدءا من المواصفات التقنية الدقيقة، ومعايير الجودة، والمواد المستعملة من خشب، زليج تقليدي، وجبص المغربي، وآجور – حيث يشكل آجور مدينة آسفي أجود الأنواع – وجير يخضع للتخمير لمدة تتراوح مابين 15 يوم إلى 25 يوم، مع إخضاع كل هذه المواد للفحص المخبري ، وجدول آجال التنفيذ، وصولا إلى الالتزامات المحددة على الجهة المُنجِزة، مشيرا أن هذه المعايير والطرق المعمارية هي التي تم تطبيقها بحذافيرها خلال ترميم وتهيئة فندق صالابان في حي الملاح، وفندق “لغرابلية” وفندق القباج بحي الرحبة القديمة، وفندق” مولاي بوبكر” في سوق الجلد، وفندق الميزان بحي سيدي عبد العزيز، وفندق بحي الموقف، وصل إلى درجة الإنهيار وعدم صلاحيته لا للسكن أو الإشتغال به…كما شدد المهندس بلقزيز على أهمية، إعداد دورات تكوينية للعمال من البنائين المشتغلين في ترميم البنايات العريقة التراثية بمراكش، وتمكينهم من التوفر على خبرة في هذا الصنف من البناء والترميم.

كما دعا بلقزيز إلى أهمية تجويد آليات وسبل الإعتماد على مكاتب الدراسات المتخصصة في التراث المعماري المغربي، وتقنيات الترميم، من المهندسين المعماريين حتى وإن إقتضى الحال الإعتماد على معماريين دوليين من الخبراء العارفين بخصوصيات مراكش العتيقة.
وخلال النقاش الذي عرفته أشغال اليوم الدراسي، نوه العديد من الحضور بأهمية وراهنية موضوع فنادق التجار والحرفيين بمراكش العتيقة، خَلُص عبد العزيز بلقزيز، المهندس المعماري، والأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، إلى أهمية التفكير في خلق مؤسسة على غرار تونس، لإحتضان وتتبع فنادق الصناع من الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش، تحت إشراف مهندسين معماريين وأكاديميين مختصين في التراث للحفاظ على هويتها التراثية ، وشروطها الوظيفية، وتأمين الجودة والسلامة للعاملين والزوار، وتحقيق الجدوى الاقتصادية الإجتماعية منها، ومواكبتها كموارد عيش فئات عريضة من الساكنة وكمحطات جاذبة للسياحة .
في سياق مماثل، وخلال النقاش الذي عرفته أشغال اليوم الدراسي حول فنادق التجار والحرفيين بالمدينة العتيقة لمراكش، نوهت العديد من مداخلات الحضور، بأهمية وراهنية الموضوع، باعتباره يمس جوهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في قلب المدينة القديمة، ودور هذه الفنادق في الحركية التجارية، وحفظ الذاكرة الجماعية، وتاريخ الحرف والصناعات .
كما دعت مداخلات أخرى، حصر لوائح المهندسين والمقاولين المختصين في البناء والترميم، من ذوي وذوات الضمائر المهنية، ومنع أصحاب السوابق المهنية والغير القانونية، أو السلوكيات المنافية لأخلاقيات النزاهة والمسؤولية من الخوض في غمار طبائع وقدسية العمارة والمعمار في مراكش، وهو ما ترجم قوة الوعي الجماعي بأن مستقبل المدينة العتيقة مرتبط بقدرة هذه الفضاءات والكفاءات الإدارية والهندسية المعمارية والعاملين بداخلها على الاستمرار والتطور.
مـحـمـد الـقـنـور :
ترأس المصطفى المعزة عامل صاحب الجلالة على إقليم الحوز مساء اليوم الجمعة 16 يناير الجاري، حفلَ افتتاح مكتبة محدثة بالثانوية الإعدادية الرائدة الرازي بجماعة تاحناوت، في إطار اتفاقية شراكة بين المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالحوز والمؤسسة الإفريقية للثقافة والقراءة ( AFKAR)، وذلك بحضور الكاتب العام للعمالة ،وباشا مدينة تاحناوت، والمدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ورئيس المؤسسة الإفريقية للثقافة والقراءة، وأعضاء المؤسسة ،إلى جانب رؤساء المصالح بالمديرية الإقليمية والمنسقة الإقليمية لبرنامج الإعدادات الرائدة والمنسق الإقليمي لمؤسسات الريادة ،ومدير ثانوية الرازي الإعدادية وأطرها الإدارية والتربوية، وأعضاء جمعية آباء وأمهات وأولياء التلميذات والتلاميذ، وعدد من تلامذة المؤسسة التعليمية ،وأدباء وروائيين ومبدعين .
وقد تضمن برنامج الحفل أداء تحية العلم ،وكلمات الحضور بالمناسبة ،إلى جانب تقديم شريط حول المبادرات الثقافية والتربوية للمؤسسة الإفريقية للثقافة والقراءة.(AFKAR)،ومبادرة إحداث مكتبة بالثانوية الإعدادية الرائدة الرازي بإقليم الحوز ،إلى جانب الأنشطة القرائية ،والملتقيات الثقافية المنظمة من طرف المؤسسة.
كما تعزز الحفل بتوقيع اتفاقية شراكة بين السيد محمد زروقي المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة والسيد عزيز ددان رئيس المؤسسة الإفريقية للثقافة والقراءة(AFKAR)، وذلكـ قبل إختتامه بزيارة أروقة المكتبة، وتنظيم حفل استقبال على شرف الحاضرين.
ويندرج إنشاء مكتبة مجهزة بثانوية الرازي الإعدادية ضمن توجهات الإعداديات الرائدة، انسجاما مع الأهداف الاستراتيجية لخارطة الطريق 2022~2026وإطارها الإجرائي، المحددة في اكتساب التعلمات ،وتعزيز مجالات التفتح ،والتصدي للهدر المدرسي.
هذا، ومن المنتظر، أن يتم استغلال فضاء المكتبة المنجزة في أنشطة القراءة وأنشطة الأندية التربوية والأنشطة الموازية في إطار تفعيل مجالات الحياة المدرسية بالمؤسسة التعليمية ومؤسسات الحوض المدرسي. وقد تم تجهيزها بمجموعة من الكتب والمؤلفات العربية والفرنسية والإنجليزية ، كما تم توزيع فضاءاتها إلى فضاء خاص بالقراءة ،وفضاء خاص بالعروض والمناظرات.

يُقدّم محمد المعزوز في عمله الروائي الأخير “أول النسيان” الذي تستضيفه جمعية منية مراكش مساء غد السبت 10 يناير الجاري في إطار مجلس الكتبيين ، خطابًا سرديًا فكريًا مركّبًا، يتجاوز عتبات الحكي نحو بناء أفق تأملي تُستعاد من خلاله الذاكرة لا بوصفها مخزونًا للماضي فقط ، بل كإشكال أنطولوجي (Ontologique) يمسّ معنى الوجود الإنساني في علاقته بالزمن والمنفى والذات. فالنسيان هنا لا يُطرح كفقدان عرضي، بل كفعل وجودي يعيد ترتيب العلاقة بين الكائن وذاكرته.
فمن الزاوية الأنثروبولوجية (Anthropologique)، لرواية “أول النسيان” حيث يتوحد التاريخ والتخييل، عبر إستعادة تجربة ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وملامسة معاني ومفاهيم الحرية، المقاومة، والصمود والوطنية والتضحية وتحقيق الذات والذاكرة المغربية، فإن الذات الساردة تبرز ككائن ثقافي مشروط بسياق جماعي، حيث تتحوّل التجربة الفردية إلى تمثيل رمزي لخبرات إنسانية مشتركة، مرتبطة بالاغتراب وتصدّع الانتماء. غير أنّ هذا البعد، على كثافته الدلالية، يظل في الغالب ضمنيًا، بما يعمّق البعد الإنساني للنص، لكنه يحدّ نسبيًا من وضوح تأطيره المفهومي.
أما على المستوى السيميائي (Sémiotique)، فيبني المعزوز شبكة علامات كثيفة، تتحوّل فيها مفاهيم مثل النسيان والمنفى والذاكرة إلى رموز دالّة تتجاوز معناها المباشر. ويُحسب للنص وعيه بآليات إنتاج المعنى، غير أن كثافة العلامات قد تؤدي أحيانًا إلى تشبّع دلالي يربك المسار التأويلي.
وفيما يخص البعد الدلالي السيمانتـي (Sémantique)، فإن النص يشتغل على زحزحة المعاني داخل السياق، بحيث تصبح الدلالة متحوّلة وغير مستقرة، حيث يمنح هذا الخيار للنص عمقًا فلسفيًا، يجعله يَفرض في المقابل جهدًا تأويليًا عاليًا قد يحدّ من أفق التلقي لدى القارئ غير المتخصص.
كما يتبدّى البعد الإيديولوجي (Idéologique) في خلفية قيمية نقدية تؤطّر الخطاب دون أن تتحوّل إلى خطاب شعاري مباشر، فالموقف من التاريخ والسلطة وآليات النسيان المؤسّس يتسرّب عبر الاختيارات السردية واللغوية، لا عبر التصريح، وهو ما يُحسب للنص من حيث النضج النقدي.
وعلى المستوى الإديوماتي (Idiomatique)، فإن اللغة«أول النسيان» تحافظ على خصوصيتها الثقافية، حيث تؤدي الألفاظ والتراكيب وظيفة هوياتية واضحة، لتغدو اللغة نفسها حاملة للذاكرة وللمعنى، لا مجرد أداة محايدة في التعبير.
إلى ذلكــ ، يستبطن متن رواية أول النسيان، موقفًا معرفيا إبستمولوجيًا (Épistémologique) واعيًا بحدود المعرفة وقوة القول، حيث تُقدَّم الحقيقة والأنساق الزمنية بوصفها بناءً لغويًا وتأويليًا لا معطًى نهائيًا، مما يجعل النص مفتوحًا على السؤال أكثر من انغلاقه على الجواب، حيث لايبحث بطل الرواية عن المجد الشخصي أو يسعى نحو الاعتراف، بل عن قوة تحقيق الواجب الوطني، جاعلاً من الهدف أفقاً وجودياً ومن الكينونة والبقاء معاني لا تتحقق إلا بالمقاومة.
وللإشارة، فإن رواية «أول النسيان» لمحمد المعزوز تعتبر نصًا غنيًا على المستويين الرمزي والمعرفي، ينجح في مساءلة الوجود والمعنى عبر تقاطع الأنثروبولوجي والسيميائي والدلالي والتاريخي والإيديولوجي، غير أن كثافته المفهومية قد تُضعف أحيانًا وضوحه التداولي. ومع ذلك، يظل نصًا ذا قيمة نقدية عالية لما يتيحه من إمكانات تأويلية وفكرية.