فنادق التجار والحرفيين بمراكش العتيقة تحت النقاش لحصر الواقع والتحديات

مـحـمـد الـقـنــور :

نظم مجلس جماعة مراكش لقاءا دراسيا، تحت عنوان فنادق الصناعة التقليدية بالمدينة العتيقة في مراكش الواقع والتحديات، وذلكــ مساء أمس الثلاثاء 20 يناير الجاري، بقصر بلدية مراكش، قصد تشخيص الوضع الحالي لفنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش، ترأسها محمد الإدريسي النائب الأول لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة مجلس جماعة مراكش بحضور العيد من المنتخبين والمنتخبات من أعضاء المجلس المذكور، ومنتخبي الغرف المهنية ومجموعة من المهندسين المعماريين، وخبراء التراث المهتمين بتاريخ مدينة مراكش، والأوساط العلمية الأكاديمية، وبعض فعاليات المجتمع المدني من الحرفيين والصناع التقليديين، وممثلي بعض المنابر الإعلامية المحلية والوطنية، ونخبة من المثقفين والباحثين المتابعين لنتائج ومسارات تأهيل هذه الفنادق،في إطار المشروع الملكي المتعلق بالحاضرة المتجددة، كمشروع تأهيل يُعد مبادرة استراتيجية لحماية التراث العمراني والاقتصادي.

وجاءت الندوة المذكورة، في سياق التحديات الكبرى التي أصبحت تعرفها فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش التمويل، والدفع من أجل الحفاظ على طابعها التراثي ودورها الإقتصادي الإجتماعي مع إدماج معايير عملية قويمة ، تراعي ضغط السياحة العالمية، وإعمال مقاربة تشاركية مع مختلف الشركاء والحرفيين، وتدبير الدعم المالي ، واعتماد ترميم مستدام يحافظ على الهوية المعمارية، وصون الموروث التاريخي وتحسين شروط الجودة المعمارية والسلامة، والنجاعة، من خلال الإستمرار في عملية  تأهيل هذه الفنادق التاريخية التي ظلت تحتضن العديد من الأنشطة الحرفية والتجارية، كفضاءات آمنة وعصرية دون فقدان طابعها التراثي داخل مراكش مصنفة تراثًا عالميًا من طرف اليونسكو منذ سنة 1985.

وخلال كلمتها الإفتتاحية، التي تلاها بالنيابة عنها محمد الإدريسي، أبرزت الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، أن هذا اللقاء جاء لتعزيز صمود الصناع التقليديين، والحرفيين والتجار العاملين بهذه الفنادق، وتثمين أدوارهم في حركية الدورة الإقتصادية المحلية والوطنية داخل مراكش المدينة العتيقة بعد زلزال الحوز في  8 شتنبر 2023 ، وتفعيل الإقتصاد الإجتماعي، مشيرة أن الكثير من هذه الفنادق التقليدية كانت تعاني من التدهور العمراني في هياكلها التاريخية التراثية، ومن ضعف الإنارة، ومشاكل التهوية والسلامة.

وأوضحت المنصوري، أن مشروع تأهيل وترميم فنادق فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش والتي ساهمت في إستقرار الحرفيين والتجار رصدت له 94 مليون درهم، على مستوى إصلاح الأعطاب أو إعادة البناء، مشيرة أن هذه الفضاءات ظلت على الدوام تشكل القلب النابض للكثير من الصنائع التقليدية، حيث مكنت الحرفيين والتجار من إستمرار أعمالهم وأنشطتهم، ومن عرض منتجاتهم لساكنة المدينة وزوارها من المغاربة والسياح الأجانب .

كما تطرق محمد بن المهدي رابطة الدين، الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القاضي عياض بمراكش، ضمن عرض تناول فيه تاريخ فنادق فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش، عرضًا غنيًا تناول فيه تاريخ هذه الفنادق بالمدينة العتيقة، مبرزًا قيمتها التراثية والاجتماعية، وجذورها التاريخية، كما أفاد أن فنادق فنادق الحرفيين والتجار في مراكش تعود إلى قرون مضت، حيث كانت بمثابة فضاءات متعددة الوظائف، تستخدم للتخزين، وللإيواء، ولعرض المنتوجات الحرفية، والفلاحية، مما جعلها تشكل قلب النشاط التجاري والحرفي في مراكش المدينة العتيقة، إذ كانت تستقبل القوافل التجارية وتوفر للحرفيين والتجار أماكن للعمل والتسويق، كما لم تكن مجرد نقاط إستراحة للوافدين على المدينة، أو فضاءات تجارية اقتصادية حرفية ، بل كانت أيضًا مراكز للتلاقي والتواصل بين سكان المدينة والوافدين، مما جعلها جزءًا من النسيج الاجتماعي المراكشي.

واعتبر الأستاذ رابطة الدين، أن هذه الفضاءات تحمل ذاكرة جماعية، فهي شاهدة على تطور الحرفيين وأرباب الصنائع الخدماتية والفنية الجمالية، وعلى قدرة مراكش على المزج بين التراث والوظائف.

من جهته، تناول المدير الجهوي لمؤسسة العمران ، الأستاذ شكير زهران، والذي تم تعيينه في هذا المنصب خلال شهر شتنبر 2024 خلفًا للأستاذ هشام الفالح، آليات تنزيل مشروع تأهيل وترميم فنادق الصنائع الحرفية والأنشطة التجارية بالمدينة العتيقة في مراكش، كرهان حضاري واقتصادي، يهدف إلى جعل هذه الفضاءات التراثية أكثر أمانًا وجاذبية، مع الحفاظ على روحها التاريخية، وكمشروع يضع مراكش في قلب معادلة تجمع بين حماية التراث ودعم الاقتصاد المحلي، وفي انسجام مع مكانتها كمدينة عالمية للثقافة والسياحة، كما خلص إلى أن هذه الفنادق العتيقة ليست مجرد محلات للتجارة، أو دكاكين للحرف التقليدية، بل هي جزء من النسيج الاجتماعي والذاكرة الجماعية للمدينة العتيقة.

إلى ذلكــ ، تناول اللقاء الدراسي سبل التصدي للتحديات، البارزة في حسن تدبير التمويل و الموارد المالية المخصصة للتأهيل، وديناميكية  سرعة الإنجاز، وتمتين وتحديد مختلف محاور الإشتغال بين المجلس الجماعي ووزارتي التعمير ووزارة السيحة، ومع وزارة الأوقاف ، وووزارة التحارة والصناعة والخدمات، وولاية جهة مراكش آسفي ومؤسسة العمران، ووكالة تنمية الأطلس والأطر العلمية الهندسية المعمارية والثقافية الأكاديمية المختصة في التراث والتاريخ الوطني مع إشراك الحرفيين والجمعيات المهنية لرسم معالم مختلف المقاربات التشاركية في صياغة الحلول، وتحقيق التأهيل المستدام .

هذا، وحظيت مداخلة عبد العزيز بلقزيز،المهندس المعماري، والأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، بالإهتمام البالغ من طرف الحضور، حيث ركز عل ضرورة التفريق على المستوى العمراني التاريخي بين فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش ، والفنيدقات الأصغر حجما وسشاعة، ووظيفة، مؤكدا أن تجربته في هذا الصدد، قامت على اعتماد مواد وأساليب ترميم تحافظ وتستحضر الطابع المعماري التقليدي.، وإستعمال نفس مواد البناء الأصلية المغربية في ترميم وإعادة بناء الحيطان والسقوف والأبواب والشرفات والنوافد والممرات والقباب والأقواس، وغيرها مع الحفاظ على الطابع التقليدي، وتجويد شروط سلامة بدراسة البنايات المجاورة لها، وإدماج معايير الإنارة، والتهوية، والمخارج ، لضمان بيئة آمنة للعاملين ومراعاة الضغط السياحي عليها نتيجة ارتفاع وثيرة عدد زوارها من المغاربة والسياح الأجانب دون الإضرار بهويتها الأصلية.

كما أكد المهندس الأستاذ بلقزيز مشروع تأهيل فنادق الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش كان رهانا حضاريا وتراثيا واقتصاديا، إعتمد على  آليات دفتر الشروط الخاصة في العمران   CPS Cahier des Prescriptions Spéciales المعتمد في المغرب، كوثيقة قانونية وتقنية أرفقت بصفقات الأشغال أو التهيئة العمرانية، حيث حددت بالتفصيل الشروط الخاصة بالمشروع بدءا من المواصفات التقنية الدقيقة، ومعايير الجودة، والمواد المستعملة من خشب، زليج تقليدي، وجبص المغربي، وآجور – حيث يشكل آجور مدينة آسفي أجود الأنواع –  وجير يخضع للتخمير لمدة تتراوح مابين 15 يوم إلى 25 يوم، مع إخضاع كل هذه المواد للفحص المخبري ، وجدول آجال التنفيذ، وصولا إلى الالتزامات المحددة على  الجهة المُنجِزة، مشيرا أن هذه المعايير والطرق المعمارية هي التي تم تطبيقها بحذافيرها خلال ترميم وتهيئة فندق صالابان في حي الملاح، وفندق “لغرابلية” وفندق القباج بحي الرحبة القديمة، وفندق” مولاي بوبكر” في سوق الجلد، وفندق الميزان بحي سيدي عبد العزيز، وفندق بحي الموقف، وصل إلى درجة الإنهيار وعدم صلاحيته لا للسكن أو الإشتغال به…كما شدد المهندس بلقزيز على أهمية، إعداد دورات تكوينية للعمال من البنائين المشتغلين في ترميم البنايات العريقة التراثية بمراكش، وتمكينهم من التوفر على خبرة في هذا الصنف من البناء والترميم.

كما دعا بلقزيز إلى أهمية تجويد آليات وسبل الإعتماد على مكاتب الدراسات المتخصصة في التراث المعماري المغربي، وتقنيات الترميم، من المهندسين المعماريين حتى وإن إقتضى الحال الإعتماد على معماريين دوليين من الخبراء العارفين بخصوصيات مراكش العتيقة.

وخلال النقاش الذي عرفته أشغال اليوم الدراسي، نوه العديد من الحضور بأهمية وراهنية موضوع فنادق التجار والحرفيين بمراكش العتيقة، خَلُص عبد العزيز بلقزيز، المهندس المعماري، والأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، إلى أهمية التفكير في خلق مؤسسة على غرار تونس، لإحتضان وتتبع فنادق الصناع من الحرفيين والتجار بالمدينة العتيقة في مراكش، تحت إشراف مهندسين معماريين وأكاديميين مختصين في التراث للحفاظ على هويتها التراثية ، وشروطها الوظيفية، وتأمين الجودة والسلامة للعاملين والزوار، وتحقيق الجدوى الاقتصادية الإجتماعية منها، ومواكبتها كموارد عيش فئات عريضة من الساكنة وكمحطات جاذبة للسياحة .

في سياق مماثل، وخلال النقاش الذي عرفته أشغال اليوم الدراسي حول فنادق التجار والحرفيين بالمدينة العتيقة لمراكش، نوهت العديد من مداخلات الحضور، بأهمية وراهنية الموضوع، باعتباره يمس جوهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في قلب المدينة القديمة، ودور هذه الفنادق في الحركية التجارية، وحفظ الذاكرة الجماعية، وتاريخ الحرف والصناعات .

كما دعت مداخلات أخرى، حصر لوائح المهندسين والمقاولين المختصين في البناء والترميم، من ذوي وذوات الضمائر المهنية، ومنع أصحاب السوابق المهنية والغير القانونية، أو السلوكيات المنافية لأخلاقيات النزاهة والمسؤولية من الخوض في غمار طبائع وقدسية العمارة والمعمار في مراكش، وهو ما ترجم قوة الوعي الجماعي بأن مستقبل المدينة العتيقة مرتبط بقدرة هذه الفضاءات والكفاءات الإدارية والهندسية المعمارية والعاملين بداخلها على الاستمرار والتطور.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.