لاشكــ ، أن الكَرَم والإحسان يُعدّان من أسمى القيم الإنسانية التي تَعبُر بالإنسان من مستوى السلوك إلى مستوى المعنى، ومن منطق المصلحة نحو أفق السموّ. فالكريم (Magnanime) يُمثّل رُقيّ النفس وعلوّ الأخلاق، بينما المحسن (Philanthrope) يُجسّد العطاء العملي والرحمة الاجتماعية، والتكافل الإنساني.
والحق، أن كل من الكرم والإحسان يعكسان توازناً دقيقاً بين الصفاء الداخلي والأثر الخارجي، وبين تزكية النفس وخدمة الإنسان، في انسجام عميق بين الروح والقيم والفعل.
استشهادات روحية وفكرية
فمن القرآن الكريم قوله تعالى في سورة البقرة أية 195 ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذه الآية الكريمة تعكس الربط المباشر بين الإحسان ومحبة الله، وقوله عز من قائل بنفس السورة ، آية 110 ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ مما يؤكد أن العطاء ليس خسارة بل استثمار روحي وأخروي.
وكما في كتاب الله، فإن الحديث النبوي الشريف، يؤكد فيما رواه البخاري ومسلم، أن «اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى»، مما يدل على تمجيد العطاء ورفعة المعطي، ثم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس»
معيار القيمة الإنسانية هو النفع العام.
كما تطرق العديد من الفقهاء والعلماء والمفكرين لمفهومي الكرم والإحسان، فأكد الإمام ابن القيم رحمه الله، من خلال الحديث النبوي أن “الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، مشيرا أن الإحسان قمة السلوك الروحي والأخلاقي.
كما أبرز من قبل الفيلسوف الإغريقي أرسطو (Aristote): Le magnanime est celui qui se sait digne des grandes choses et agit وفق ذلك، بمعنى أن الكريم هو من يدرك قيمة نفسه الأخلاقية فيترفع عن الصغائر.
ولم يبقى مفهوم كل من الكرم والإحسان محصورا لدى الفقهاء والعلماء والمفكرين، بل تجاوز ذلكــ إلى الأدباء، حتى أن أديب فرنسا الشهير فيكتور هوغو (Victor Hugo): “La générosité, c’est donner plus que ce que l’on peut.” أشار أن الكرم فوق الحسابات المادية، وهو العطاء الذي يتجاوز حتى مقدرات المعطي.
وعلى كل حال، فإن الكريم والمُحسن ليسا مجرد صفتين أخلاقيتين، بل نموذجين حضاريين للإنسان الراقي، فإذا كان الكريم يسمو بنفسه، فإن المحسن يسمو بالعالم من حوله، فالأول يُزكّي الداخل، والثاني يُصلح الخارج، وكلاهما يلتقيان في صناعة إنسان متوازن، نقيّ القلب، عظيم الأثر، راقي السلوك، واسع الأفق.
والواقع، أنه حيثما وُجد الكرم والإحسان، وُجد السلام، وتحقّق العمران، وأينعت الحضارة، وازدهر المجتمع، وارتفعت قيمة الإنسان في ميزان الله، وفي ميزان التاريخ، وفي ميزان الضمير.