يُقدّم محمد المعزوز في عمله الروائي الأخير “أول النسيان” الذي تستضيفه جمعية منية مراكش مساء غد السبت 10 يناير الجاري في إطار مجلس الكتبيين ، خطابًا سرديًا فكريًا مركّبًا، يتجاوز عتبات الحكي نحو بناء أفق تأملي تُستعاد من خلاله الذاكرة لا بوصفها مخزونًا للماضي فقط ، بل كإشكال أنطولوجي (Ontologique) يمسّ معنى الوجود الإنساني في علاقته بالزمن والمنفى والذات. فالنسيان هنا لا يُطرح كفقدان عرضي، بل كفعل وجودي يعيد ترتيب العلاقة بين الكائن وذاكرته.
فمن الزاوية الأنثروبولوجية (Anthropologique)، لرواية “أول النسيان” حيث يتوحد التاريخ والتخييل، عبر إستعادة تجربة ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وملامسة معاني ومفاهيم الحرية، المقاومة، والصمود والوطنية والتضحية وتحقيق الذات والذاكرة المغربية، فإن الذات الساردة تبرز ككائن ثقافي مشروط بسياق جماعي، حيث تتحوّل التجربة الفردية إلى تمثيل رمزي لخبرات إنسانية مشتركة، مرتبطة بالاغتراب وتصدّع الانتماء. غير أنّ هذا البعد، على كثافته الدلالية، يظل في الغالب ضمنيًا، بما يعمّق البعد الإنساني للنص، لكنه يحدّ نسبيًا من وضوح تأطيره المفهومي.
أما على المستوى السيميائي (Sémiotique)، فيبني المعزوز شبكة علامات كثيفة، تتحوّل فيها مفاهيم مثل النسيان والمنفى والذاكرة إلى رموز دالّة تتجاوز معناها المباشر. ويُحسب للنص وعيه بآليات إنتاج المعنى، غير أن كثافة العلامات قد تؤدي أحيانًا إلى تشبّع دلالي يربك المسار التأويلي.
وفيما يخص البعد الدلالي السيمانتـي (Sémantique)، فإن النص يشتغل على زحزحة المعاني داخل السياق، بحيث تصبح الدلالة متحوّلة وغير مستقرة، حيث يمنح هذا الخيار للنص عمقًا فلسفيًا، يجعله يَفرض في المقابل جهدًا تأويليًا عاليًا قد يحدّ من أفق التلقي لدى القارئ غير المتخصص.
كما يتبدّى البعد الإيديولوجي (Idéologique) في خلفية قيمية نقدية تؤطّر الخطاب دون أن تتحوّل إلى خطاب شعاري مباشر، فالموقف من التاريخ والسلطة وآليات النسيان المؤسّس يتسرّب عبر الاختيارات السردية واللغوية، لا عبر التصريح، وهو ما يُحسب للنص من حيث النضج النقدي.
وعلى المستوى الإديوماتي (Idiomatique)، فإن اللغة«أول النسيان» تحافظ على خصوصيتها الثقافية، حيث تؤدي الألفاظ والتراكيب وظيفة هوياتية واضحة، لتغدو اللغة نفسها حاملة للذاكرة وللمعنى، لا مجرد أداة محايدة في التعبير.
إلى ذلكــ ، يستبطن متن رواية أول النسيان، موقفًا معرفيا إبستمولوجيًا (Épistémologique) واعيًا بحدود المعرفة وقوة القول، حيث تُقدَّم الحقيقة والأنساق الزمنية بوصفها بناءً لغويًا وتأويليًا لا معطًى نهائيًا، مما يجعل النص مفتوحًا على السؤال أكثر من انغلاقه على الجواب، حيث لايبحث بطل الرواية عن المجد الشخصي أو يسعى نحو الاعتراف، بل عن قوة تحقيق الواجب الوطني، جاعلاً من الهدف أفقاً وجودياً ومن الكينونة والبقاء معاني لا تتحقق إلا بالمقاومة.
وللإشارة، فإن رواية «أول النسيان» لمحمد المعزوز تعتبر نصًا غنيًا على المستويين الرمزي والمعرفي، ينجح في مساءلة الوجود والمعنى عبر تقاطع الأنثروبولوجي والسيميائي والدلالي والتاريخي والإيديولوجي، غير أن كثافته المفهومية قد تُضعف أحيانًا وضوحه التداولي. ومع ذلك، يظل نصًا ذا قيمة نقدية عالية لما يتيحه من إمكانات تأويلية وفكرية.