أسباب ونتائج شيوع صحافة التفاهة ومواقع “الكاملوط” على الإعلام في المغرب

مـحـمـد الـقـنــور :

خلال السنوات الأخيرة، انتعشت صحافة التفاهة بشكل مروع ومضطرد في المغرب، حيث لم تعد مجرد ظاهرة إعلامية عابرة، بل نتيجة انعكاس لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تروم  تهميش القضايا الجوهرية لصالح محتوى سطحي يستهوي الجماهير ويعيد تشكيل الوعي الجماعي، على مقاس قولة مخرجي السينما التجارية “الجمهور عايز كده” من خلال التركيز ونشر الأخبار السطحية ، عن حياة المشاهير، الشائعات، والقصص المثيرة، على حساب القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية والبيئية الجوهرية.

كما إندمجت صحافة التفاهة، صناعة الإنحطاط الرقمية التي انتشرت مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح “الطوندونس” معيارًا للانتشار والنجاح.

وتعود أسباب إنتشار صحافة التفاهة، ومواقع “الكاملوط” إلى تطور التحول الرقمي، مع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، مما جعل المحتوى السريع والسطحي يصبح أكثر جاذبية للجماهير.

كما أن منطق السوق الإعلامي، دفع وسائل الإعلام تبحث عن نسب مشاهدة عالية، مما جعلها تستثمر في ما يثير الفضول أكثر من القضايا العميقة، تماشيا مع ميولات الجمهور نفسه الذي أصبح يميل إلى الاستهلاك السريع للمعلومة، مما يعزز هذا النمط.

وإذا كان عالم اليوم هو عالم الإعلام والتواصل بإمتياز، في ظل  ثورة تكنولوجية ومعلوماتية هائلة بفضل تطور الأقمار الإصطناعية والإعلامية، وأصبح هذا قطاع الإعلام بالفعل يشكل عاملا متميزا في المنافسة الدولية، ومعيارا لقياس مدى تقدم الشعوب والأمم.

ورغم ما حققه المغرب من تقدم خلال العشرين سنة الأخيرة خصوصا في مجال الصحافة المكتوبة والإليكترونية خصوصا، وتطوير حرية التعبير والرأي بتزامن مع تطوير المسلسل الديمقراطي، وتجويد الأرضية الدستورية، فإنه الذي لم يرق بعد على المستوى المطلوب لا من حيث الكم والتعددية ولا من حيث الكيف. والتنوع وحرية الرأي وكرامة المهنيين مع احترام أخلاقيات مهنة الصحافة وتفعيل المقتضيات الدستورية وتوصيات المناظرات الوطنية للإعلام، وتفعيل وتنشيط الهيئات والمجالس المنصوص عليها في أسمى قانون للبلاد.

ورغم أن المغرب لايزال يشهد تقدماً رقمياً كبيراً، موازاة مع التحديات الوطنية والإقليمية والدولية التي يخوض غمارها، فإن هذا التقدم ترافق مع هيمنة المحتويات البائسة على المشهد الإعلامي، حيث باتت صحافة التفاهة ومواقع “الكاملوط” تعمل بشكل واضح وأسلوب فاضح على إضعاف الوعي الاجتماعي، من خلال التركيز على التفاهة وتهميش النقاشات الفكرية والسياسية والسوسيو إقتصادية ، مما خلق فراغًا معرفيًا، وأدى إلى تشويه وظيفة الإعلام، وحول الصحافة من سلطة رابعة إلى أداة ترفيهية، ووسيلة “تكليخية” تفقد دورها الرقابي والإقتراحي والتنويري، مما شكل تهديدا واضحا للأجيال الناشئة التي أُتْخِمَت بمحتويات سطحية فارغة تستهدفُ تجويف قدراتها النقدية والفكرية، عبر توجيه اهتماماتها نحو قضايا هامشية لصرف النظر عن النقاشات الجوهرية.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.