أيوب يخلق الحدث الثقافي السينمائي في شيشاوة

مـحـمـد الـقـنــور : 

خلال عرضه ما قبل الأول بالمركب الثقافي لمدينة شيشاوة، أمس السبت 7 فبراير الجاري، خلَّف الفيلم القصير “أيوب الرقاص” للمخرج المغربي محمد أوماعي صدىً ثقافيًا و فرجويا، ونقاشا متنوعا على مستوى الشكل والمضمون بمدينة شيشاوة، حيث استقطب العديد من النقاد والمحللين للأعمال السينمائية المغربية، ومختلف الأوساط من عشاق الفن السابع المغربي والمهتمين بالحركية الوطنية السينمائية، وذلكــ في أجواء عرفت متابعة واسعة من طرف حضور متنوع، من فاعلين ثقافيين ومهتمين بالشأن الفني و التربوي والسينمائي.

ويستعرض الفيلم في 27 دقيقة، المُنتج من طرف “ريف فيلم” تحت إشراف كمال القاسيمي، والمُقدم باللهجة المغربية مع ترجمة موازية إلى اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، قصد توسيع دائرة عرضه داخل المغرب وخارجه، قصة الطفل أيوب، الذي يتوزع بين الحلم والمسؤولية، حلمه باقتناء قيثارة كآلة موسيقية وكتحقيق لشغفه، وتكريس لإبداعه، وفي الوقت نفسه يسعى لإطلاق مشروع صغير لبيع الحلويات للأطفال، دعمًا لأسرته وتخفيفًا من أعبائها المعيشية، في إدماج تصويري ودلالي يدمج البعد الاجتماعي لأيوب بطل الفيلم، حيث تتوحد شخصيته بين عوالم الطفولة البريئة والوعي المبكر بقيمة العمل وروح التضامن الأسري، مما يمنح الفيلم بعدًا وجوديا ورمزية تربوية وإنسانية، تتقاطع من خلاله براءة الطفولة في شخصية أيوب، مع وعي مبكر بقيمة العمل وبضرورة روح التضامن الأسري، وإبراز قدرة الطفل على التوفيق بين الدراسة والهواية والطموح في تحسين وضعيات الحياة، في توازن إيجابي يعكس واقعا اجتماعيا يعيشه عدد ملحوظ من الأطفال المغاربة .

فقد سعى المخرج والسيناريست محمد اوماعي من خلال هذا العمل السينمائي الى عرض تجربة إنسانية صادقة، تؤكد أهمية احتضان المواهب الناشئة والاهتمام بأجيال الغد وتشجيع روح المبادرة الذاتية لدى الأطفال، مع التأكيد على الدور المركزي للأسرة والبيئة الاجتماعية في الدعم والتوجيه.

إلى ذلكــ ،  اعتمد المخرج محمد أوماعي ، ككاتب سيناريو لغة بصرية بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، حيث جاءت الموسيقى عنصرا محوريا في التعبير عن العالم الداخلي للشخصية الرئيسية، فيما حملت المشاهد الأسرية دفئا إنسانيا عزز البعد التربوي والاجتماعي للفيلم. كما ساهم إيقاع السرد الهادئ في منح المتلقي مساحة للتأمل والتفاعل الوجداني مع الأحداث.

كما تمكن الفيلم من الحصول على جودة توظيف الصورة والإنارة، والفضاءات التصويرية، تماشيا مع الوضع الاجتماعي والحالة النفسية للشخوص، مع اعتماد أيقونات وإشارات تصويرية قريبة عززت الإحساس بالحميمية والقرب من عوالم الطفولة.

ويبقى فيلم “أيوب الرقاص” ليس مجرد فيلم قصير، بل هو صرخة فنية وإنسانية تضع الطفولة المغربية ، أو على الأرجح جزءا منها، في قلب النقاش الثقافي، ويؤكد أن السينما المغربية قادرة على الجمع بين البساطة والعمق، بين المحلية والانفتاح على العالم.

في سياق متصل، يندرجُ الفيلم القصير “أيوب الرقاص” في بوثقة الموجة الجديدة من السينما المغربية التي تراهن على الأفلام القصيرة كوسيلة للتعبير الفني والاجتماعي، هذه الموجة تشهد حضورًا متزايدًا في المهرجانات الوطنية والدولية، حيث تمنح مساحة للشباب المبدعين لتجريب أساليب سردية وبصرية مختلفة، بعيدًا عن قيود الإنتاج التجاري الكبير.

ومن خلال قصته البسيطة والعميقة، ولغته السينمائية الدارجة المغربية المنفتحة على العالم، يساهم “أيوب الرقاص” في ترسيخ موقع الأفلام القصيرة كأداة للتأمل والنقد الاجتماعي، ويؤكد أن السينما المغربية قادرة على أن تكون قريبة من الناس وملامسة لقضاياهم اليومية، وفي الوقت نفسه منافسة على الساحة العالمية، حيث يصبح الفيلم ليس مجرد تجربة فردية، بل جزءًا من حركة سينمائية جديدة تعيد تعريف الفن السابع في المغرب، وتفتح آفاقًا رحبة أمام المخرجين الشباب لإيصال أصواتهم وإبداعاتهم ورسائلهم الفنية إلى فئات كبيرة ومتنوعة من الجمهور.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.