آفاق جديدة من الذكاء الاصطناعي أمام الشباب المغربي ..

من فكرة بسيطة إلى مشروع رقمي في 3 أيام

حــاتــم جــمــال : 

لم يعد دخول عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال الرقمية في المغرب حكراً على خريجي المدارس المتخصصة أو على أصحاب الخبرات الطويلة في البرمجة، فقط ، وإنما فمع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان الشباب الطموح تحويل أفكارهم إلى مشاريع عملية في وقت قياسي، وبتكاليف أقل، وبمستوى من المواكبة التقنية لم يكن متاحاً من قبل.

وفي خضم هذا التحول، تبرز تجارب شبابية مغربية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للبحث أو الترجمة أو الترفيه، بل تحول إلى وسيلة إنتاج حقيقية يمكن أن تساعد على بناء تطبيقات، تطوير خدمات، وإطلاق مشاريع قابلة للتسويق. كما تنسجم هذه الدينامية مع توجهات وطنية أوسع تراهن على تأهيل الشباب المغربي في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي وربط ذلك بالتشغيل والابتكار.

تجربة ملهمة

ضمن هذا السياق، تبرز تجربة شاب مغربي قرر تطوير نظام معلوماتي متكامل لتسيير شركة حراسة وأمن خاص، وهي مهمة تبدو في العادة معقدة وتحتاج إلى وقت طويل وموارد تقنية معتبرة. غير أن المفاجأة كانت في نجاحه في تحويل هذه الفكرة إلى تطبيق عملي في أقل من 72 ساعة، مستفيداً من قدرات الذكاء الاصطناعي في التوجيه، اقتراح الحلول، تسريع التطوير، والمساعدة في تصحيح الأخطاء.

والحق، أن المشروع لم يكن بسيطاً أو محدوداً في وظيفته، بل استهدف بناء منصة متكاملة تشمل إدارة الموظفين، تتبع الحضور، حساب الأجور، تنظيم المناوبات، تدبير المعدات، وإعداد التقارير الخاصة بالعملاء. وهذا النوع من الحلول الرقمية يعكس كيف يمكن للشباب المغربي أن ينتقل من استهلاك التكنولوجيا إلى توظيفها في معالجة حاجيات حقيقية داخل السوق المحلية.

من التعثر إلى الإنجاز

فعلى غرار الكثير من المشاريع الرقمية، لم تكن البداية سهلة، خصوصا مع منصة كلود CLAUD  الذائعة الصيت في البرمجة والمكلفة جدا  إذ رافقت مرحلة التطوير الأولى بعض الصعوبات المرتبطة بعدم استقرار بعض الحلول التقنية وتكرار الأخطاء والحاجة إلى فهم أوضح للمسار البرمجي. لكن العنصر الحاسم في هذه التجربة كان الاستمرار في البحث عن أدوات أكثر فعالية، مع تحسين طريقة التعامل مع الذكاء الاصطناعي من خلال أسئلة أدق وأهداف أوضح.

فـنقطة التحول الحقيقية جاءت مع استخدام DeepSeek. فبحسب صاحب التجربة، لم يكن الفرق فقط في سرعة الإجابة، بل في جودة التوجيه، ووضوح شرح الأخطاء، والقدرة على تقديم حلول أكثر تكاملاً وقرباً من التطبيق العملي, وبالمجان.

والأهم من ذلك أن DeepSeek لم يقتصر على إعطاء اقتراحات عامة، بل لعب دور الموجّه التقني الذي يرافق المستخدم خطوة بخطوة حتى الوصول إلى نتيجة قابلة للتشغيل، وهذا ما جعل المشروع ينتقل من مرحلة التعثر إلى مرحلة الإنجاز الفعلي في وقت قصير جداً.

وهذا الجانب مهم للغاية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يعوض الجدية أو الصبر أو وضوح الرؤية، لكنه يمنح المستخدم سرعة أكبر في التعلم والتنفيذ واتخاذ القرار. وتشير دراسات حول ريادة الأعمال الرقمية في المغرب إلى أن التكنولوجيا الرقمية تتيح للشباب فرصاً أوضح لإطلاق مشاريع منخفضة الكلفة، خاصة عندما تقترن بالمبادرة والقدرة على تحويل الحاجة إلى خدمة قابلة للبيع.

تطبيق بقدرات مهنية

في صيغته النهائية، ضم التطبيق مجموعة من الوظائف التي تحتاجها المقاولات العاملة في قطاع الحراسة والأمن. وشمل ذلك لوحة قيادة لعرض المؤشرات الأساسية، ونظاماً لإدارة بيانات العاملين والوثائق، وآلية لمراقبة الحضور واحتساب الرواتب، إلى جانب تخطيط المناوبات وتتبع توزيع الزي والمعدات، فضلاً عن إعداد تقارير دورية لفائدة الزبناء.

كما أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن فقط في سرعة التنفيذ، بل أيضاً في كونه يقدم نموذجاً عملياً لما أصبح ممكناً بفضل الذكاء الاصطناعي. فالشاب الذي يمتلك فهماً عاماً للمجال الذي يريد الاشتغال عليه، ويعرف كيف يصف حاجته بشكل دقيق، أصبح قادراً على اختصار أشهر من التعثر والتجريب إلى أيام قليلة من العمل المركز.

فرصة للدخل

وتبقى الرسالة الأهم التي تخرج بها هذه التجربة هي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مدخلاً حقيقياً لتحسين الوضع المهني والمالي لفئة واسعة من الشباب المغربي. فالتكنولوجيا اليوم لا تفتح فقط باب التوظيف التقليدي، بل تتيح أيضاً فرص العمل الحر، وتقديم الخدمات عن بعد، وبناء منتجات رقمية موجهة للمقاولات أو للأفراد، سواء داخل المغرب أو خارجه.

في ذات السياق، تؤكد أبحاث ودراسات حديثة أن ريادة الأعمال الرقمية أصبحت بالنسبة إلى عدد متزايد من الشباب بديلاً عملياً في مواجهة صعوبات الاندماج في سوق الشغل، لأنها تسمح بإطلاق مشاريع بأقل التكاليف، وتفتح المجال أمام خدمات مثل البرمجة، التسويق الرقمي، إنشاء المنصات، الأتمتة، وتطوير الأدوات الذكية.

كما أن التوجه الوطني الحالي نحو تكوين الشباب في المهارات الرقمية يعزز هذا المسار ويمنحه بعداً استراتيجياً واضحاً.

رسالة إلى الشباب

وما تحتاجه كشاب مغربي وكشابة مغربية في هذه المرحلة ليس فقط الإعجاب بالتكنولوجيا، بل حسن استثمارها، فالشاب المغربي اليوم لم يعد مطالباً بأن يكون خبيراً تقنياً منذ البداية، لكنه مطالب بأن يكون فضولياً، منضبطاً، وقادراً على التعلم المستمر. ومع توفر أدوات الذكاء الاصطناعي، صار من الممكن البدء بمشروع صغير، تطوير خدمة بسيطة، أو حل مشكل واقعي يهم فئة معينة من الزبناء، ثم تحويل ذلك تدريجياً إلى مصدر دخل مستقر.

كما أن الرهان الحقيقي لم يعد في امتلاك الأدوات وحدها، بل في امتلاك الجرأة على استخدامها بذكاء. وفي وقت تتسارع فيه المبادرات الوطنية لتكوين الشباب في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تبدو الفرصة اليوم أوضح من أي وقت مضى أمام جيل جديد من المغاربة الراغبين في صناعة مستقبلهم بأيديهم، انطلاقاً من فكرة، ومهارة، وإرادة البداية.

إختتام موسمية الزهرية و رسائل منية مراكش الثقافية والتربوية

 مـحـمـد الــقـــنـــور :

من خلال موسم الزهرية 2026 المنظمة من طرف جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي، إلى جانب عدد من الأطر والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية، من من 22 مارس إلى غاية أمس 12 أبريل ، شهدت كليات ومعاهد وساحات وحدائق ورياضات ومتاحف ومراكز ثقافية ومدارس مدينة مراكش خلال ربيع هذا العام زخماً ثقافياً واجتماعياً مميزاً، تقاطعت خلاله المبادرات التي نظمتها هذه المؤسسات وعرفتها هذه الفضاءات للاحتفاء بتقطير ماء الزهر المستخلص من زهرة الزنبوع “النارنج” وحفظه في الذاكرة الشعبية، والأوساط العالمة ودوائر المثقفين والمبدعين، ودوائر المجتمع المدني، وتكريم المرأة المغربية كقطب حافظ للزهرية على مدى العقود والقرون.

هذا، وإختتمت مساء اليوم الأحد 12 أبريل الجاري فعاليات الزهرية بتنظيم حفلها الختامي بفرع مراكش، لمؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم، تحت شعار: “زهريّة مراكش: ذاكرة تُعطّر… وفلسفة تُكرّم” وذلكـــ احتفاءًا وتكريماً للدكتور سعيد بوبيل، الإطار بالمؤسسة المذكورة، بمناسبة حصوله على الدكتوراه في الفلسفة، وتثمين جهود الفاعلين التربويين في خدمة التعليم والتنشئة، بذات المؤسسة مما عكس تلاقي البعد التربوي مع البعد الثقافي التراثي ، في مشهد يكرّس قيم الاعتراف والوفاء.

كما شكل إختتام فعاليات الزهرية لربيع سنة 2026 هذا الحدث الثقافي جاء بمناسبة تقدير ماء الزهر، أحد الرموز العميقة في الثقافة المغربية، وتم خلاله تكريم الأستاذ الدكتور سعيد يوب، اعترافاً بعطائه الأكاديمي والإنساني، حيث جمعت الفعالية المذكورة  بين العروض التراثية والأنشطة الفنية، لتؤكد أن مراكش لا تزال وفية لروحها الأصيلة التي تمزج بين الاحتفاء بالذاكرة والابتكار في الحاضر، وتكريس وإستعادة “زهريّة مراكش” كعنصر تراثي ومكون ثقافي وروحي، يجمع بين العطر والفن والمعرفة والصنائع والذكر والسماع والحكمة، ولتظل مراكش مدينةً تُعطّر ذاكرتها وتكرّم رموزها.

كما أكدت جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، وشركائها أن الاحتفاء بالتراث وصيانته لا ينفصل عن التصور العام للتنمية والاقتصاد الاجتماعي وتطوير السياحة، كما أن التراث ليس قضية مثقفين أو مسؤولين وحدهم، بل هو قضية مجتمع لكونه أحد وسائل تعبيراته ، وأبرز تجليات حياته، بل التراث أداة لتنمية المجتمع والإنسان، ووعاء تتبلور من خلاله إنسانية الإنسان المغربي وحضارته المادية والروحية.

“أولو بقية” و”أولو زهرية”

مـحـمـد الــقـنــور :

 

في سياق الدورة الرابعة عشرة لموسمية زهرية مراكش، تقطير رحيق زهرة النارنج، المنظمة من طرف جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي، إلى جانب عدد من الأطر والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية، من من 22 مارس إلى غاية أمس 12 أبريل ،وضمن فعاليات مجلس الكتبيين كموعد ثقافي أصبح علامة بارزة في أجندة المؤرخين والأكاديمين والفعاليات الأدبية والباحثين في قضايا التراث، وعشاق الثقافة والباحثون في الذاكرة الشعبية مع الأدباء والنقاد في أمسية أدبية مميزة.

إنعقدت أمسية أدبية وفكرية يوم الجمعة 10 أبريل 2026 لتقديم الرواية الأدبية الجديدة «أولوا بقية» للكاتب الأديب عبد الإله بن عرفة، بمشاركة ثلة من النقاد الأساتذة أمل العباسي، وسعيد الفلاق، وسعيد أعبو، فيما تولى إدارة الأمسية المذكورة الأستاذ جعفر الكنسوسي، خلال لحظات جمعت  بين عبق التراث المغربي ورونق الأدب الحديث، وإشارات الفكر العرفاني، ربطت بين تقطير ماء الزهر كرمز للصفاء والنقاء والبهجة، وبين الكلمة الأدبية كجسر للتأمل والتواصل والمعرفة، عكس قدرة مراكش على الجمع بين التراث المادي والغير المادي، وأكد مكانتها كحاضرة حاضنة للذاكرة المغربية وفضاء للتجديد والتجسير الثقافي.

وقدم الأستاذ جعفر الكنسوسي رواية “أولو بقية: كهيعص الحكمة” للأديب المغربي عبد الإله بن عرفة ، الصادرة عن دار الآداب، في بيروت سنة 2025، كعمل روائي عرفاني يتتبع مسار الإنسان عبر ثلاثة أجيال، من زمن الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال وصولًا إلى زمن الحالي، حيث طرح من خلالها بن عرفة في ما يقارب 420 صفحة ، بكل إقتدار وسردية إبداعية، أسئلة الهوية والروح والمعرفة في مواجهة الحضارة المادية الحديثة.

وذكر الكنسوسي أن الرواية تأتي ضمن مشروع للمؤلف بن عرفة، كمشروع للرواية العرفانية”، عبر توظيف الحروف القرآنية المقطعة (كهيعص) كمدخل رمزي لفهم مسار الروح الإنسانية، ومن الربط  بين التاريخ والخيال الروحي، وتقديم الكتابة الأدبية السردية  كأداة لاستكشاف مراتب النفس الإنسانية وأفاقها الأبدية، وأوضح الكنسوسي أن رواية “أولو بقية” تتطرق إلى ثلاثة أجيال متعاقبة، جيل الجد والجدة اللذان يمثلان فترة الحماية والإستعمار، وجيل الأب والأم الذي يرمز إلى زمن الاستقلال، ثم جيل الابن الحفيد عبد الله محيي الدين كعنوان  لمرحلة ما بعد الاستقلال، حيث يسافر محي الدين إلى باريس لإكمال دراسته العليا، وفي غضون رحلته، يتعرف القارئ على “أولو بقية الخير” في الغرب، وعلى ميراث المفكر الفرنسي الكبير روني غينون المسلم عبد الواحد يحيى، أحد فرسان نقد للحضارة المادية الحديثة.

هذا، وفي إشارات نقدية وصفت من طرف المتتبعين من الحضور بالذكية والإشراقية،  برع الأستاذ جعفر الكنسوسي، من ربط الرواية بفضاء الزهرية، مشيرا أنه  “كما يُقطر ماء الزهر في موسمية زهرية مراكش ليُستخلص منه العطر والصفاء، يقطر عبد الإله بن عرفة في روايته «أولو بقية: كهيعص الحكمة» تجارب الأجيال الثلاثة ليُستخلص منها جوهر الحكمة والروح، حيث يشكل كلاهما رحلة من المادة إلى المعنى، وسفر من الظاهر إلى الباطن، وعبور من الزهر إلى العطر، ومزج بين التاريخ و العرفان.”

وأوضح الكنسوسي ضمن كلمته المقتضبة أن المناسبة شرط، وأن تقديم هذه الرواية يبرز مدى التناغم والمحاور المشتركة  بين رواية “أولو بقية: كهيعص الحكمة” وبين زهرية مراكش، فكما يُقطر ماء الزهر ليمنح الإنسان طيبًا ينعش الروح، تُقطر رواية بن عرفة التجارب التاريخية والفكرية لتمنح القارئ حكمةً و استعادة للتوازن الروحي، وكما يعتبر ماء الزهر جزءا من ذاكرة مراكش وطقوسها، فإن الرواية تشكل جزءا من ذاكرة الأمة وإجابات عن أسئلتها الكبرى المتعلقة بالهوية والروح.

وخلص الكنسوسي إلى أن كل من رواية “أولو بقية: كهيعص الحكمة” وتقطير ماء زهرة الزنبوع “النارنج” فهذا يحوّل الزهر إلى عطر صافٍ، وتلكــ  تحوّل التاريخ والخيال السردي إلى معرفة عرفانية، حيث تبرز الرمزية المشتركة بينهما في التصدي للتلوث؛ فماء الزهر يواجه التلوث البيئي، والتعتيم التراثي ويحارب النسيان في الذاكرة التراثية في حين تتصدى الرواية إلى التلوث الروحي الناتج عن المادية الحديثة.

في حين تناول كل من النقاد الأساتذة أمل العباسي، وسعيد الفلاق، وسعيد أعبو، مؤشرات الهوية والروح في متن رواية “اولو بقية “أولو بقية: كهيعص الحكمة”،  ومعارك بطل الرواية قصد الحفاظ على جوهره في مواجهة المادية، وما تتضمنه ذات الرواية من إشارات التاريخ ووشوم الذاكرة، وكيفيات انتقال التجارب بين الأجيال الثلاثة، ومتضمنات النقد الحضاري داخل الرواية، مع استحضار فكر روني غينون كصوت ناقد للحداثة الغربية، فضلا عن الأبعاد العرفانية بالرواية، الراشفة من التراث الصوفي والفلسفة الروحية، حيث تتماهى شخصية بطل الرواية محي الدين مع شخصية القطب الأكبر إبن عربيـ كأحد أبرز عمالقة الفكر في تاريخ البشرية .

زهرية مراكش تحتفي بالرياض كتراث معماري ورافعة سوسيو إقتصادية

 مـحـمـد الــقــنــور:

من روض الزيتون والقنارية إلى الزاوية العباسية وديور الصابون، مرورا بضبشي والمواسين والقصور، وأمصفح والباروديين ، ومن عرصة المسفيوي وعرصة بلبركة إلى حارة السورة واسبتيين وعرصة علي او صالح وباب تاغزوت، ومن حي لكزا وبنصالح وباب دكالة وعرصة الحامض إلى دار الباشا ، وروض العروس وسيدي عبد العزيز وقاعة بن ناهيض ،وفحل الزفريتي ، مرورا بسيدي إسحاق و زنيقة الرحبة وحي بريمة وجنان بنشكرة، والموقف وأزبزط ، وسيدي أيوب تتناثر رياضات مراكش مثل عقد من لؤلؤ، تتوسطه زمردة ساحة جامع الفنا، حيث يبدو للوهلة الأولى، أن الرياضات في مراكش ليست مجرد بيوت فسيحة تقليدية، بقباب وأحواض وممرات، بل هي فضاءات عمرانية تحمل في طياتها ذاكرة المدينة العمرانية العتيقة التي بنيت وفق هندسة مغربية أصيلة، تستهدف الخصوصية الإنسانية والسكينة، وتتوسطها باحات داخلية مزينة بأحواض النباتات والنوافير، وتحيط بها غرف ذات زخارف جبصية متنوعة، وقيراطي ومزهري وقرميد وسقوف خشبية مزركشة وأبواب عملاقة مزدوجة وزوايا أدراج تقليدية. ليعكس هذا النمط المعماري روح الانفتاح وخصوصيات الجمال والدقة في آن واحد، وليجسد التوازن بين الجمال والوظيفة.

ويأتي من بين هذه الرياضات، رياض 1112 المعروف بـ”دار ألشاي”، بحي الطالعة على بعد أمتار من جامعة بن يوسف وبمحاذاة رياض الزعيم الوطني الراحل السي أمحمد بوستة يرحمه الله، والذي يحمل اسمه نسبة إلى سنة بنائه الهجرية، خصوصا بعدما عمد الأستاذ عبد اللطيف أيت بنعبد الله، أحد صناع الثقافة ورواد صناعة السياحة في مراكش، إلى الحفاظ على هويته، ومنحه إسمه 1211 بناء على السنة الهجرية التي دونت في أحد السقوف الخشبية المزركشة لقبابه، ثم إلى تحويله لفضاءً ثقافي يحتضن فعاليات مهمة، على غرار إحدى فقرات الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر، التي نظمتها جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي.

وعلى كل حال، لم يكن اللقاء الاحتفالي مجرد احتفاء بتقطير ماء زهرة الزنبوع فقط ، بل بامتداداته وتوابعه وإحالاته الحضرية والثقافية والاحتفالية والعمرانية، ومناسبة نفيسة لتسليط الضوء على قيمة الرياضات باعتبارها جزءاً من التراث المعماري الحضري لمدينة مراكش، حيث جاء موسم “زهرية 2026 ” الذي امتد من 22 مارس إلى 12 أبريل الجاري، ليمثل تقليداً عريقاً في الثقافة المغربية، حيث يجتمع الخبراء والمثقفين والحرفيات والحرفيون والمهتمون والمهتمات بالتراث لإحياء طقوس تقطير ماء الزهر، والمستخلص من زهرة شجرة النارنج” الزنبوع”، كما عكس اختيار الرياض كمكان للاحتفال، بعد فضاء المؤسسات الجامعية والمعاهد العليا، والساحات الشعبية، والمراكز التربوية، والمدارس التعليمية والمتاحف، رمزية هذه الفضاءات كحاضنة للذاكرة الجماعية، ومكان للتلاقي بين الماضي والحاضر.

في إطار هذه الفعاليات، بادرت “جمعية منية مراكش” إلى إطلاق لقاء سنوي بعنوان “يوم الرياض بمراكش”، أطرته الأستاذة أسية بشرة، عضو الجمعية، بهدف لفت الانتباه إلى أهمية هذه المعالم المعمارية والعمرانية. هذا اليوم يشكل فرصة للتفكير في سبل صيانة الرياضات، وإعادة إدماجها في الحياة الثقافية والسياحية للمدينة، بما يضمن استمرارية حضورها كجزء من الهوية الحضرية لمراكش.

ومهما يكن، فالرياضات ليست مجرد بنايات، بل هي فضاءات تعكس أحد أساليب العيش المراكشي، وتساهم في تعزيز السياحة الثقافية، والإستجمامية ، فضلا عن كونها تمثل نموذجاً للتعايش بين العراقة والمعاصرة، حيث عادة ما تتحول أغلب هذه الرياضات إلى فضاءات للإبداع الفني، وإلى مراكز ثقافية،ونقاط للضيافة المراكشية الراقية.

وتكمن أهمية الرياض في مراكش في كونه جسراً يربط بين الماضي والحاضر، حيث تحفظ بذاكرة وعادات وتقاليد مراكش المدينة العتيقة، وتمنحها في الوقت نفسه روحاً متجددة عبر الفعاليات الثقافية على غرار ما قامت به المنية من خلال موسمية تقطير ماء الزهر وتأسيس يوم الرياض، كما أن الحفاظ على هذه المعالم ليس مجرد واجب تراثي، بل استثمار في هوية المدينة وفي مستقبلها الثقافي والسياحي، وأساس من أسس الرقي بالاقتصاد الاجتماعي، وخلق فرص عمل عبر تشغيل الحرفيين والصناع والطباخين، والمرشدين السياحيين، وعمال الصيانة وسائقي الحافلات والطاكسيات ومستخدمي وكالات النقل السياحي، ووكالات الأسفار، ومكاتب تصريف العملات، و الأبناك وغيرهم. وعامل من أبرز عوامل الجذب السياحي، فهي ليست مجرد أماكن للإقامة، بل تجربة ثقافية متكاملة.

في سياق مرتبط ،فإن الزوار المغاربة والسياح الأجانب يجدون في الرياض فرصة لاكتشاف أسرار ومميزات العمارة المغربية الأصيلة، من الزليج والجبص وطرق التبليط والصباغة والترصيص إلى خطط النوافير والسقايات والسقوف و المنازه و الإيوانات والأبواب الخشبية الفردية والمزدوجة والمثلثة المنقوشة، والسطوح و الإيوانات، كما أن هذه الرياضات توفر أجواءً حميمة عميقة على خلاف الفنادق الكبرى، حيث يشعر الزائر وكأنه يعيش داخل بوثقة الحي الشعبي المراكشي، في قلب السوق والسويقة ، وقرب الفران وورشات الصنائع الحرفية والمسجد و الفرناطشي والزاوية والحمام وجيران الدرب ومزار الولي أو الولية والصابة بالمدينة العتيقة.

وطبيعي، فكثير من الرياضات بمراكش، وعلى رأسها قصر البديع الذي يحتاج إلى جهود وطنية من أجل إحيائه، وإعادة بريقه، تقدم خدمات راقية مع الحفاظ على طابعها العريق التقليدي، مما يجعلها خياراً مفضلاً لدى عشاق الأصالة والرفاهية المغربية في آن واحد.

كما خلصت أشغال “يوم الرياض” إلى ضرورة إعادة تأهيل الرياضات القديمة قصد الحفاظ على التراث المعماري والحيلولة دون اندثاره، والاستمرار في اعتماد الرياضات بمراكش على الموارد المحلية لتعزيز الاقتصاد الدائري، وحماية المعطيات البيئية، وإدماج المجتمع المحلي المراكشي في العمل وفي إدارة هذه الفضاءات لتكريس العلاقة المباشرة بين السياحة والتنمية الاجتماعية، خصوصا وأن الرياضات في مراكش ليست فقط بنايات تاريخية؛ وإنما محركات اقتصادية واجتماعية وسياحية، ورافعة للتنمية المستدامة، وركيزة أساسية في هوية مراكش العالمية، تساهم في تعزيز مكانة مدينة سبعة رجال كوجهة عالمية.

زهرية مراكش انسجام تراثي بين خيوط الزربية وقطرات العطر

 مـحـمـد الــقــنــور :

في الوقت الذي يحول تفطير الزهر “زهرة الزنبوع” فيه إلى جوهر عطري، تحول خيوط الصوف المصنعة والملونة بعناية الزربية إلى لوحة، حيث يظل كلاهما فعل إبداعي مهني خلاق يحوّل المادة الخام لكل من زهرة النارنج وخيوط الصوف إلى منتوج تاريخي يحمل قيمة رمزية ومعاني جمالية، حيث في هذا الصدد، إختتمت أمس الثلاثاء 7 أبريل الجاري، فعاليات ورشة إطلاع المستفيدين والمستفيدات حول تقنيات نسيج الزرابي المغربية وأنواع أخرى منها، بدار ثقافة الزربية في حي دفة وأربع، بحومة القصور العريقة في مدينة مراكش وذلكــ في سياق الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر، التي إمتدت من 22 مارس الفارط إلى غاية 12 أبريل الحالي، والمنظمة من طرف جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي.

هذا ، وأشرفت على هذه الورشة الحرفية التعليمية الخبيرة الفرنسية ميريل لوببيوت (LOOPUYT Mireille)، الشهيرة بإسم “وردة” في الأوساط المراكشية، والتي قدمت خبرتها في مجال تطوير تقنيات نسيج الزرابي وتعزيز القيمة الفنية والإبداعية للمنتوجات التقليدية، والتي تعرفت بالمغرب على ألياتها وأسرارها منذ عقود سابقة، قبل أن تلتحق في إطار بحتها العلمي والتاريخي إلى عوالم أخرى من نسيج الزرابي في طادجكيستان، وتركيا ودول أسيا الوسطى.

كما تزامنت أشغال هذه الورشة، مع منتديات ثقافية واحتفالات تراثية، بالمركز الثقافي للزربية المذكور،تحت إدارة الأستاذ محمد كسيكس خبير فنون الزربية، وضمن فضاءً جمع بين فنون النسيج وفنون العطر، ووحد بين اليد التي تنسج واليد التي تقطر، في انسجام ترجم روح مراكش العتيقة كمدينة تجمع بين الحرف والفنون والذاكرة الحية المتمثلة في ماء الزهر الحافظ لذاكرة المواسم والطقوس، والزربية كخزان لتشكيلات المكان وفضاء إبداع الإنسان من خلال نقوشها، ودلالات رموزها، حيث ظهر بالملموس أن كل من تقطير زهرة الزنبوع ونسج خيوط الزربية جزءان أساسيان من هوية مراكش ومن ذاكرتها التراثية الجماعية.

في ذات السياق، عرف هذا الحدث التراثي المميز الذي جرى على مدي يومين، 6 و7 أبريل الجاري، حضورا ملحوظا من طرف الأوساط الأكاديمية وخبراء التراث المادي واللامادي، وممثلي بعض الدوائر المسؤولة وبعض المنتخبين، والمنتخبات، ورجال ونساء الأعمال وتجار التحف، والمستثمرين في عوالم الاقتصاد السياحي، وبعض أصحاب البازارات والمحلات التجارية، وعشاق الثقافة المغربية من زوار مراكش والسياح الأجانب، إلى جانب حضور وازن لمجموعة من الأطر التربوية والفعاليات الاجتماعية، وزمرة من الفنانين التشكيليين والتعبيريين، وأرباب الحرف والصنائع الفنية المرتبطة بفنون التقطير كالصفارين والنحاسين والزجاجين وغيرهم، وصناع وصانعات فنون النسيج ، إضافة إلى بعض ممثلي المنابر الإعلامية.

كما إعْتُبِرت هذه الورشة الإطلاعية وفقراتها التكوينية الموجهة لفائدة النساء الحرفيات والنساء المثقفات المهتمات بفنون تقطير ماء الزهر وأليات نسيج الزربية المغربية ، محطة جامعة بين الثقافة، وممارسي الحرف العريقة، أكدت عن أهمية الحفاظ على التراث المغربي الأصيل، خاصة فيما يتعلق بفنون تقطير ماء الزهر ونسيج الزربية المغربية بمختلف أنواعها، واللذان يشكلان جزءاً من أبرز خصوصيات الهوية الوطنية الحضارية، ومنصة لتبادل الخبرات بين الحرفيين المحليين والخبراء الوطنيين والدوليين، في أفق تقوية إدماج فنون الحرف التقليدية ضمن دينامية اقتصادية إجتماعية وثقافية متجددة، ولتظل مراكش العريقة، حاضرة للإبداع والذاكرة التراثية الحية، يلتقي داخل أسوارها الماضي العريق بالحاضر المتجدد.

ندوتان علميتان في زهرية مراكش تضعان النقاط على حروف التراث المغربي

مـحـمـد الــقـــنـــور :

بمناسبة الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر “زهرية 2026” ، وفي سياق تكريس منحاها العلمي الأكاديمي نظَّمت جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته ندوتين علميتين،  خلال يوم 3 أبريل بقاعة المحاضرات في المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل بمراكش ويوم 4 من نفس الشهر، أبريل الجاري بقصر بلدية مراكش، بحضور المفتش الجهوي للتعمير والهندسة المعمارية وإعداد التراب الوطني لجهة مراكش آسفي، وممثل قطاع الثقافة وزير الشباب والثقافة والتواصل ، ورئيس الهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين والمنسق الوطني لائتلاف ذاكرة المغرب، ورئيس قسم جرد وتوثيق التراث بوزارة الثقافة ، ومجموعة من المهندسين ومسؤولي قطاعات العمران والثقافة، والمنتخبين بالمجالس المحلية والغرف المهنية والمهندسين والأطباء والجامعيين، والعديد من نساء ورجال الأعمال، والمستثمرين، ومدراء المؤسسات التربوية وأرباب الصنائع المتعلقة بفنون البناء والترميم، والإعلاميين ، وفعاليات المجتمع المدني.

وعرفت أشغال الندوتين بتنسيق مع ائتلاف ذاكرة المغرب، تسليط الضوء على القانون الجديد رقم 33-22 المتعلق بحماية التراث، وأدوار المجتمع المدني في تنزيله، حيث أجمع مختلف المتدخلين، أن هذا القانون  يُعتبر محطة نوعية في تحديث المنظومة القانونية الوطنية، لكونه يعوض قانون سنة 1980 الذي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الإجتماعية والمستجدات الميدانية، حيث وسّع ذات القانون مفهوم التراث ليشمل إلى جانب المعالم التاريخية والمباني الأثرية، التراث الطبيعي والأركيولوجي المتعلق بالحفريات والتراث الغير المادي.

كما أكدت ذات المداخلات، أن هذا القانون أرسى مقاربة جديدة في تدبير المدن العتيقة والمواقع التراثية عبر خطط تشاركية تجمع الدولة والجماعات المحلية والمجتمع المدني.

وخلال كلمته الترحيبية، أبرز الأستاذ الخبير الأكاديمي في قضايا التراث جعفر الكنسوسي، قيم الزهرية، أن القانون 33-22 يهدف إلى حماية التراث المادي والغير المادي والطبيعي بالمغرب، مشيرا إلى كونه يعزز دور المجتمع المدني في صيانة هذا التراث، مع اعتماد رؤية تقوم على التعاون، الاستدامة، والحكامة التشاركية، واستحضار التجارب الميدانية لجمعيات المجتمع المدني في مجال حماية التراث.

في ذات السياق، عرف اليوم الثاني من أشغال الندوة مداخلات لكل من الأستاذ عبد الأحد الفاسي الفهري رئيس جمعية ذاكرة دكالة، والأستاذ فكري بنعبد الله المهندس المعماري، ورئيس جمعية ذاكرة الرباط سلا، والأستاذ المكي كوان المدير التنفيذي لجمعية ذاكرة آسفي، والأستاذ المؤرخ امحمد بنعبود المدير التنفيذي لجمعية تطاون أسمير، والأستاذ عبد الرحيم قسو المهندس المعماري، نائب رئيس جمعية ذاكرة الدار البيضاء، حيث تناولت هذه المداخلات تقديم نماذج عملية، لهذه الجمعيات عرضت خلالها  مشاريعها السابقة في صيانة المدن العتيقة التي تشتغل عليها، وكيفيات وآليات ترميم المباني التاريخية، وسبل إحياء الفنون الشعبية، وتبادل طرق التدبير.

كما أوضح المهندس المعماري الأستاذ محمد بن شقرون ، ومستشار المجلس الجماعي لمدينة مراكش،  أن هذا الأخير يُعتبر فاعلًا أساسيًا في حماية التراث المادي وغير المادي للمدينة، خاصة وأن مراكش تُصنّف ضمن التراث العالمي لليونسكو، مشيرا أن المجلس يقوم بعدة أدوار محورية، تقوم على إعداد السياسات المحلية، ووضع خطط لحماية المدينة العتيقة، والمباني التاريخية، والساحات التراثية مثل جامع الفنا، عبر التنسيق مع الإدارة والمجتمع المدني،  لضمان تنزيل مقتضيات القانون 33-22، ومراقبة عمليات البناء والترميم داخل المدينة العتيقة، لضمان احترام الطابع المعماري التقليدي.

وفي لحظة مؤثرة من أشغال ندوة القانون الجديد لحماية التراث، استعرض الأستاذ محمد برادة، منسق مجلس أصدقاء جمعية منية مراكش، مسارات ومواقف ومحطات وإشراقات الجمعية ضمن مداخلة حملت الكثير من الدلالات والتذكارات والتواريخ والحميمية، مشيرا، أن المنية عبر جهود الأستاذ الخبير الأكاديمي جعفر الكنسوسي، وزمرة الأطر والخبراء المشتغلين بذات الجمعية، تمكنوا من إرساء مواقف وطنية ومحطات مضيئة، ورؤية معرفية، ومنهجية تنظيمية، وإشراقات ثقافية ورسائل إنسانية منذ تأسيسها، حيث اختارت أن تكون صوتًا من مراكش للتراث المغربي، يصل لمختلف أقاليم المملكة، ويعبر نحو محيطها الدولي الخارجي، واستطاعت المنية أن تجعل من جهودها في حماية للذاكرة الوطنية، والتراث المغربي مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجتمع.

واستحضر برادة البدايات الأولى لجمعية المنية، حيث تحولت من الفكرة إلى المشروع الحيّ، ثم إلى المؤسسة الفاعلة والمنارة المميزة، من خلال تنظيم لقاءات سماع السماع، ومواسم الزهرية والندوات العلمية، والمبادرات التنموية، والشراكات الوجيهة، ونشر المطبوعات النفيسة، وإعداد المنتديات الرفيعة المستوى، وإستضافة رموز العلم والفكر والفن من مختلف مدن المملكة، وشتى دول العالم، مع الحرص على الاستمرارية العملية في تكريس مختلف المساعي العلمية والفكرية والإبداعية الرامية لإحياء التراث المادي والغير المادي

وأكد برادة أن إشراقات جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، تكمن في قدرتها على ربط الماضي بالحاضر، وإستشراف المستقبل، وعلى إشراك كل فئات المجتمع المدني في الوعي بمدى أهمية صيانة التراث الوطني كرمز للهوية المغربية.

هذا، وكان عرض الأستاذ برادة بمثابة دعوة مفتوحة إلى الانتباه لجهود منية مراكش، الرامية إلى جعل التراث المراكشي وفي محيطه الخارجي، وبمختلف جهات المغرب  ليس مجرد ذكرى تُستحضر، بل حاضرًا يُصان ويُستثمر، ورافعة للتنمية، في انسجام مع مقتضيات القانون الجديد رقم 33-22، الذي وسّع مفهوم التراث وأرسى مقاربة تشاركية في تدبيره.

كما جسدت كلمة برادة روح جمعية منية مراكش كمنارة ثقافية، وحلقات للتفكير ومشتل للمشاريع وحافز نحو مبادرات المعارف، مشددا على  أن الجمعية ترى في التراث المغربي مشروعًا جماعيًا، يضيء مسارات المستقبل بذاكرة الماضي.

إلى ذلكـــ ، تناول الأستاذ عبد الجليل الكريفة، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة القاضي عياض، ورئيس جمعية عبد الله الشليح، إلى دور الملحون في توحيد لغة المغاربة الدارجة، وحفظ خزانة معتقدهم ونعلقهم بثوابتهم ، وتقاليدهم وأعرافهم، وعاداتهم ومواسمهم، وإلى أهمية حفظ التراث المادي والغير المادي لمدينة مراكش، كحاضرة إسلامية بالغرب الإسلامي، وكمدينة تختزل مختلف الروافد الحضارية المغربية.

من جهته، شدّد الأستاذ عبد العزيز بلقزيز، المهندس المعماري وخبير شؤون التراث، على أن ترميم المواقع الأثرية يجب أن يتم بموادها الأصلية، باعتبار ذلك الضمانة الوحيدة للحفاظ على أصالتها التاريخية وقيمتها الفنية، كما ذكر أن استعمال المواد الحديثة أو البديلة قد يُفقد المباني التراثية العتيقة روحها الأصلية ويشوّه بنيتها المعمارية، ويحمل بين طياته بدايات خرابها.  

كما أفاد المهندس بلقزيز، أن العودة إلى المواد التقليدية من الحجر، والطين، والجير المخمر، والخشب المحلي، وغيره يُعيد إحياء تقنيات الأجداد ويُحافظ على الهوية المعمارية المغربية.

وأشار بلقزيز أن هذا التوجه ينسجم مع القانون الجديد رقم 33-22، الذي يتطلب مراسم تطبيقية ، خصوصا بعدما وسّع مفهوم التراث ليشمل المادي والغير المادي، ويشجع على مقاربات تشاركية في التدبير.

وخلص بلقزيز إلى أن الترميم الأصيل لا يحافظ فقط على المباني، بل على ذاكرة المكان،وبصمة الزمن، بما فيها تاريخه ودلالته ورمزيته الحضارية والإنسانية والثقافية.

من جانب آخر،  تطرق الأستاذ الأديب نور الدين الصوفي، وخبير شؤون التراث إلى أهمية فنون السماع والمديح التي تُعد من أرقى التعابير الروحية والفنية التراثية في المغرب، لكونها جزء أصيل من التراث غير المادي الذي يعكس عمق الهوية الدينية والثقافية للمغاربة.

وذكر الصوفي أن هذه الفنون ليست مجرد إنشاد أو موسيقى، بل هي تجربة جماعية تجمع بين الذكر، والشعر، والموسيقى في فضاءات روحية واجتماعية، وأن البعد الروحي للسماع والمديح يربطان الإنسان بالجانب الإيماني، ويُغذيان الروح بالذكر والقصائد التي تمجد القيم الدينية، فضلا عن بعده الثقافي  والاجتماعي كذاكرة جماعية، حيث تتوارث الأجيال نصوصًا وألحانًا تعود إلى قرون، مما يُحافظ به على استمرارية التراث، وإقامة حلقات السماع والمديح في المناسبات الدينية والاجتماعية، وتحويلها إلى فضاءًات للتلاقي والتواصل بين الناس تجمع بين الشعر العربي الفصيح والزجل المغربي، مع أنغام موسيقية أصيلة، مما يعكس ثراء الإبداع المغربي.

على نفس المنوال، أوضح الأستاذ الصوفي أن للسماع والمديح والإنشاد بعدين عالميين يكمنان في إدراج هذه الفنون ضمن التراث غير المادي، مما يعزز حضور المغرب في الساحة الثقافية الدولية، ويُظهر كيف يمكن للفن الروحي أن يكون جسرًا رابطا بين الثقافات.

ومن خلال عرض للعديد من الصور التوثيقية، المرفوقة بتعليقاته،  قدم الفنان الفوتوغرافي فرانسوا بوران الذي يُعتبر من الأصوات البارزة في مجال البحث عن التراث المنسي بالمغرب، وخصوصًا المرتبط بالفترة الكولونيالية.

وذكر بوران أن اهتمامه ينصب على المعالم والمباني التي شيدها المستعمر الفرنسي في المغرب، والتي رغم أنها جزء من التاريخ الوطني، فقد طالها الإهمال ولم تُدمج بشكل كافٍ في سياسات حماية التراث.

كما إقترح حماية هذه المعالم الكولونيالية من الاندثار، وإعادة الاعتبار لهذا التراث باعتباره جزءًا من الذاكرة المغربية المعاصرة، وشكلا من أشكال علاقة المغرب بماضيه العمراني والحضري والثقافي.

 كما تم إدماج مجموعة من الشهادات الحية من طرف مسؤولين ومهندسين وخبراء وفنانين، حيث أكد الأستاذ طارق الهواري مدير مرصد واحة النخيل، أن المرصد المذكور، يهدف أساسًا إلى حماية النخيل، كتراث طبيعي ألفي في مراكش، وإعادة تأهيله، وضمان استدامته، باعتباره أحد المكونات الأساسية لهوية المدينة الحمراء، موضحا أن الأهداف الرئيسية لمرصد واحة النخيل تكمن في الحماية البيئية، ووقف التدهور الذي أصاب الواحة نتيجة الاستغلال العشوائي وغياب أنظمة الري، وإعادة تأهيل المساحات المتضررة عبر تنظيف وتشذيب وزراعة أجيال جديدة من النخيل، واعتماد أنظمة الري الحديثة، وإنشاء مشاتل جماعية، وزراعة مئات الآلاف من النخيل الصغيرة حيث تم زراعة أكثر من 600.000 نخلة منذ 2007، بتوجيه من مؤسسة محمد السادس للبيئة تحت رئاسة سمو الأميرة الجليلة للا أسماء، حفاظا على الهوية الثقافية والتاريخية للمحيط الخارجي لمدينة مراكش العتيقة، وإبراز واحة النخيل كجزء من التراث الطبيعي والتاريخي للمدينة، يعود إلي زمن تأسيسها في القرن 11 من طرف المرابطين، كما تطرقت الأستاذة وفاء الحبابي إلى تراثية  مواسم تقطير ماء الزهر بمراكش، وعلاقته ببلغ العيش في المدينة الحمراء، وبفنون الطبخ والتجميل، والحياة المنزلية، وطقوس السماع والإنشاد، والأفراح والمآتم، ومختلف المناسبات، ثم إنصبت شهادة مريم أمل الفنانة الشعبية، وإحدى رائدات فنون الحلقة بساحة جامع الفنا، على الواقع الحالي “لحلايقية” ساحة جامع الفنا، ممن يعتبرون القلب النابض لبهجة الساحة، ويشكلون أساس حيويتها وجاذبيتها، ويُعتبرون جزءًا لا يتجزأ من التراث غير المادي الذي جعل هذه الساحة تُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بفضل الحكواتيين، و كناوة وعيساوة، ومروضي القردة، وهداوة، وأعبيدات الرما، والمهرجين والممثلين التلقائيين والفكاهيين، والمطربين، وفناني ألعاب الفرجة، والمنجمين ومطربي الأهازيج وممارسي التداوي الشعبي، والعرافين والعشابين، وباعة العطور والبخور التقليدي.

وأشارت مريم أمل، المعروفة في مختلف الأوساط بــ “السواعد” كإسم فني، أن هؤلاء الممارسين بساحة جامع الفنا لهذه الصنائع والفنون، بات لزاما انتشالهم حسب وصفها من الضياع والموت البطيء، ومساعدتهم وتتبع وضعياتهم الاجتماعية والمادية والصحية لكونهم يمثلون الذاكرة الجماعية الحية والمستمرة للساحة، حيث ينقل “لحلايقية” الحكايات والقصص والمهارات والألاعيب والفنون من جيل إلى جيل شفهيًا.

في سياق متصل، إلتمستِ الفنانة الشعبية بالساحة، مريم أمل، العضو النشيط بفيدرالية جمعيات ساحة جامع الفناء، ضرورة تأسيس “دار الحلقة” كمؤسسة ترعى هؤلاء، لكونهم يساهمون في جعل هذه الساحة العالمية فضاءً مفتوحًا للتلاقي بين الثقافات، حيث يجتمع السكان المحليون والزوار المغاربة والسياح من مختلف أنحاء العالم،على صنوف التراث الغير المادي المغربي، ويشكلون جمهورا متجددا على مدار ساعات النهار والليل  للتراث الغير المادي لهذه الساحة، والذي لا يُختزن في المباني أو الآثار، بل في الممارسات الفنية والحركات اليومية والفرجة الشعبية.

وللإشارة، فقد خلصت المداخلات والنقاشات إلى صياغة توصيات مشتركة، سعت إلى بلورة مقترحات عملية تُرفع إلى الجهات الرسمية لتضمينها في المراسيم التطبيقية للقانون الجديد رقم 33-22 المتعلق بحماية التراث، مع التنصيص على ضرورة تعزيز الشراكة وبناء جسور التعاون بين المؤسسات العمومية والهيئات المنتخبة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لضمان حكامة تشاركية ومستدامة للتراث.

أطر ومثقفون وحِرفيون بمراكش يكرمون الكنسوسي خبير التراث المغربي

 مـحـمـد الــقـــنـــور :

شهد المركز الاجتماعي للمرأة والطفل بالمحاميد في مدينة مراكش، يومًا مميزًا في آخر شهر مارس الجاري ضمن فعاليات زهرية 2026، التي تنظمها جمعية منية مراكش بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي، إلى جانب عدد من الأطر والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية.

وتحولت أجواء التكريم التي احتضنها المركز الاجتماعي للمرأة والطفل بالمحاميد في مراكش، والتي أطرتها الأستاذة سناء الهداجي، رئيسة المكتب الثقافي لمجلس مقاطعة المنارة وعضو جمعية منية، بحضور واسعً للعديد من أطر ومسؤولي المركز وفعاليات المجتمع المدني والنساء المستفيدات من خدمات المركز، والجامعيين والمهندسين والأطباء والفنانين والإعلاميين والحرفيين وممثلي جمعيات المجتمع المدني إلى أجواء احتفالية تخللتها فقرات فنية متنوعة، جسدت روح التلاقي بين الثقافة والفن والعمل الاجتماعي، وفضاء للتواصل الثقافي، حيث أكدت الهداجي على أهمية حفظ الزهرية كتراث مغربي عريق، ودور الثقافة كرافعة للتنمية الاجتماعية والإنسانية.

وشكلت لحظات تكريم الأستاذ جعفر الكنسوسي، الأكاديمي والخبير في قضايا التراث المادي واللامادي، خفقة قلب هذا النشاط، وأبرز لحظات الحفل ، وذلكــ ، اعترافًا بالجهود الفكرية والثقافية والمبادرات الميدانية والإسهامات التأطيرية التي بذلها الكنسوسي، وتثمينا لمبادراته الإشعاعية والتأطيرية وجهوده الإقتراحية التي ساهمت في تعزيز حضور التراث المغربي في النقاش الأكاديمي والفضاء العمومي، محليا ووطنيا ودوليا، كإشعاع ثقافي متجدد، ورافعة تنموية مساهمة بشكل واضح في تطوير الإقتصاد الإجتماعي.

وخلال كلمته ، أبرز الأستاذ جعفر الكنسوسي، أن زهرية 2026 كممارسة حضارية وتراثية مغربية حافظت عليها النساء طيلة عقود وقرون من الزمن، والتي تحتفي بموسمها الرابع عشر ليست فقط مجرد مناسبة احتفالية تتزامن مع مباهج ربيع مراكش، ، بل هي مشروع ثقافي واجتماعي متكامل، يسعى إلى تعزيز الوعي بالتراث المغربي المادي واللامادي، دعم المرأة والطفل عبر أنشطتها التربوية ولقاءاتها التواصلية الثقافية، ومنصة أساسية لتوطيد الشراكات بين المؤسسات الرسمية والجمعيات المدنية، وإبراز دور العلماء من المهندسين والأطباء والخبراء والكفاءات العلمية والأدبية والأسماء والقامات المعرفية الوطنية والمحلية والمثقفين في خدمة المجتمع.

 

وبهذا التكريم، أكدت جمعية منية مراكش وشركاؤها أن الثقافة ليست ترفًا، بل هي أساس التنمية المستدامة، وأن الاعتراف بجهود الخبراء والمفكرين يشكل خطوة ضرورية لترسيخ قيم الوفاء والاعتراف، من خلال زهرية 2026 بمراكش التي أكدت استمرارية الصورة المشرقة لمدينة مراكش التي تنبض بالحياة، و بالحضارة المغربية ومختلف روافدها الثقافية، وأن الاحتفاء بالأستاذ جعفر الكنسوسي هو إحتفاء بالعاملين على تراث مراكش وبأبنائها، في توازن قويم بين موروثات الماضي وتطلعات الحاضر.

زهرية مراكش إنطلاق لأولى إطلالات الفنانة فاطمة خاطر على الجمهور

مـحـمـد الـقــنــور :

 في سياق فقرات واحتفالات ومحطات الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر، الذي تنظمه جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل والمجلس الجماعي لمراكش ومجلس جهة مراكش آسفي، “تحت شعار ” الزهر اللي ترجا .. تلقاه فـ مراكش البهجة ” تحولت عرصة مولاي عبد السلام الأميرية، السبت الفارط 28 مارس الجاري، إلى فضاء يجمع بين إنتاجات التعاونيات ومبادرات الجمعيات وعبق تراث الزهرية وإبداع الفن التشكيلي.

ففي قلب هذه العرصة التاريخية، عرضت الفنانة التشكيلية فاطمة خاطر لوحاتها لأول مرة أمام الجمهور، بعد تشجيع ودعم ومتابعة من الفاعلة الجمعوية فاطمة أزناكـ، رئيسة جمعية الصفاء للمرأة والطفل، وفي خطوة اعتُبرتها محطة فارقة في مسارها الفني، ورسالة واضحة بأن الزهرية لم تعد مجرد موسم لتقطير ماء الزهر، بل منصة متعددة الأبعاد تحتضن الفكر والبيئة والتربية، وتفتح أبوابها أمام المبدعين التشكيليين نحو دروب التواصل مع الجمهور والتألق، حيث أكد متتبعون ومهتمون بفقرات الزهرية أن هذا الحضور الفني لخاطر أكد أن الزهرية باتت فضاءً جامعًا بين العطر واللون، وبين التراث وتشجيع مختلف المبادرات الفنية الشبابية، وبين الطقوس الشعبية والروح الإبداعية، ليظل موسم ماء الزهر شاهدًا على قدرة مراكش في الجمع بين أصالتها العريقة وانفتاحها على أشكال التعبير الفني المعاصر.

هذا، وعرضت لوحات الفنانة التشكيلية فاطمة خاطر لأول مرة في سياق الدورة الرابعة عشرة لزهرية مراكش، حيث كشفت عن تجربة بصرية تحمل ملامح البحث عن هوية تشكيلية خاصة، وتجمع بين الحس الشعبي والرمزية التعبيرية.

إذ لم تكتفِ الفنانة التشكيلية فاطمة خاطر، المنحدرة من مدينة تارودانت، من أصول أمازيغية، والمقيمة في مراكش، في أعمالها بالتمثيل الواقعي للشخصيات أو المشاهد، بل لامست الرمزية، حيث استطاعت أن تحول الألوان والخطوط إلى إشارات دالة على الانتماء الثقافي والروحي عبر الحضور البهي للمرأة في لوحاتها، كإستعارة عن الخصوبة، والأمومة والأنوثة والعطاء، والذاكرة الجماعية.

وعلى كل حال، فقد توفقت خاطر في أن تجعل من اللون أداة للتعبير الفطري عن ابتساماتها الذهنية وانطباعاتها، وذاكرتها البصرية، فالألوان الزاهية والمتباينة التي وظفها هذه الفنانة منحت لوحاتها طاقة داخلية، وأسست لخلق حوارً بين المشاهد والموضوع، فالأزرق والأحمر والأصفر ومشتقاتها ، ليست مجرد اختيارات جمالية، بل أدوات لإبراز التناغم بين الروح والجسد، وبين الحلم والواقع.

كما أن تفاصيل اللباس التقليدي والرموز الشعبية، أكدت ارتباط فاطمة خاطر بالبيئة المراكشية والمغربية عامة، وبمشاهدتها لمختلف النساء من شتى الثقافات مما جعل أعمالها امتدادًا للزهرية نفسها كفضاء لحماية التراث المادي واللامادي.

ولكونها المرة الأولى التي تعرض فيها أعمالها أمام الجمهور، في فضاء الزهرية بعرصة مولاي عبد السلام في مراكش، فإن معرضها الأول أكسبها دلالة خاصة، في كونها حظيت بولادة فنية في حضن التراث، ورسالة فصيحة بأن الفن التشكيلي يمكن أن يكون جزءًا من الاحتفالية التراثية، لا مجرد نشاط موازي.

وعموما، فإن لوحات فاطمة خاطر تعكس مسارًا واعدًا، حيث يتقاطع التعبير التشكيلي في مواضيعها مع الذاكرة الشعبية، والمؤثرات التي علقت في قاموسها البصري من خلال الصور التي استرعت انتباهها ، وملكت عليها خواطرها، لتجعل من اللون والرمز والضوء وسيلة لإعادة صياغة العلاقة بين مخزونها البصري وبين التعبير عن هذه الذاكرة، كما أن شجاعتها لعرض إنتاجاتها الفنية، سيفتح الباب أمامها  نحو أفاق أخرى واعدة .

حموشي يستقبل مسؤولين أمنيين من ليبيريا وأندونيسيا لتعزيز التعاون الدولي

محـمـد الـقـنــور :

استقبل عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، اليوم الاثنين 30 مارس الجاري بمكتبه بالرباط، كريكوري كوليمان، المفتش العام للشرطة بجمهورية ليبيريا مرفوقًا بسفير بلاده ووفد أمني رفيع المستوى.

وتأتي هذه الزيارة في إطار رغبة السلطات الأمنية الليبيرية في الاستفادة من التجربة المغربية في مختلف المجالات الأمنية، خصوصًا في مكافحة التطرف والإرهاب والجريمة المنظمة، وكذا تطوير مختبرات الشرطة العلمية والتقنية. وقد اتفق الطرفان على إعداد مذكرة تفاهم ثنائية لتأطير التعاون الأمني، من المرتقب توقيعها بالرباط بالتزامن مع الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني في ماي المقبل.

وفي نفس اليوم، استقبل حموشي المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، يويو سوتيسنا، سفير دولة أندونيسيا المعتمد بالرباط، حيث تناولت المباحثات سبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، مع الاتفاق على إعداد مذكرة تفاهم مشتركة كإطار مرجعي لتطوير الشراكة الثنائية.

وتندرج هذه اللقاءات في سياق انفتاح المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني على شركاء دوليين وإقليميين، وتوسيع مجالات التعاون الأمني، بما يعكس حرص المغرب على تقاسم تجربته الناجحة مع الأجهزة الأمنية في الدول الصديقة والشقيقة.

أطفال مراكش يَحُجُّون إلى زهرية المُنْيَة بعرصة مولاي عبد السلام

مـحـمـد الــقـنــور

في مشهد يفيض بالبراءة والتلقائية وتتوحد فيه محاسن البهجة بعنفوانية الإكتشاف، تحوّلت عرصة مولاي عبد السلام الأميرية إلى فضاء حيّ يحتضن أطفال أحياء مراكش، من حي الملاح إلى عرصة علي أوصالح، ومن حومة القنارية ورياض الزيتون إلى أحياء الداوديات والمسيرة مرورا بمختلف حومات مدينة سبعة رجال،ومركباتها السكنية.

وظهر الأطفال المراكشيون وهم يتوافدون على فعاليات زهرية مراكش في دورتها الرابعة عشرة المنظمة من طرف جمعية منية مراكش بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل و المجلس الجماعي لمراكش ومجلس جهة مراكش آسفي، مرفوقين بأبائهم وأمهاتهم وبالعديد من الأطر التربوية ، مثل مواكب من الأمل والطموح وعشق الإكتشاف حيث شاركـ هؤلاء الأطفال بأزيائهم البسيطة وابتساماتهم العفوية، وإندهاشاتهم المتوثبة نحو الجمال والتراث والأصالة البارزة في طقوس تقطير الزهر، كطقس مراكشي تحديدا، يعود لمئات السنين، ويحمل عبق التاريخ وذاكرة الأجيال، إذ بين الأهازيج الشعبية والورشات التربوية، وجد الأطفال أنفسهم كجزء أساسي من حاضر الزهرية وذاكرة المدينة، فطفقوا يرسمون بأناملهم الصغيرة فصلًا جديدًا في علاقة الزهرية بمراكش وبتراثها الحي.

هذا، ومنذ النسخة الأولى لزهرية مراكش، عمدت جمعية منية مراكش عبر طاقمها الإدري ولجنتها الأكاديمية، ومن خلال توجهات أطرها وخبرائها، إلى تقريب فنون وأسرار التراث المادي والغير المادي وعلى قائمته زهرية مراكش والإطلاع على درر المواقع الأثرية من طرف الناشئة من الأطفال، حيث منذ بداياتها لم تكن الزهرية مجرد موسم لتقطير ماء الزهر، بل صارت مدرسة مفتوحة، يتعلم بها الصغار من المراكشيين معنى التراث،وأهمية إحترام البيئة، ويكتشفون كيف يتحول عطر الزهر المستخلص من زهرة النارنج”الزنبوع” إلى رمز للهوية الجماعية.


كما بات حضور الأطفال في زهرية مراكش المنظمة المُنْيَة يرمز إلى الاستمرارية، وإلى أن هذا التراث لن ينقطع، بل سيظل يتجدد عبر الأجيال، ليبقى ماء الزهر لغةً للفرح والذاكرة، وجسرًا يربط بين الماضي والمستقبل.