زهرية مراكش تحتفي بالرياض كتراث معماري ورافعة سوسيو إقتصادية

 مـحـمـد الــقــنــور:

من روض الزيتون والقنارية إلى الزاوية العباسية وديور الصابون، مرورا بضبشي والمواسين والقصور، وأمصفح والباروديين ، ومن عرصة المسفيوي وعرصة بلبركة إلى حارة السورة واسبتيين وعرصة علي او صالح وباب تاغزوت، ومن حي لكزا وبنصالح وباب دكالة وعرصة الحامض إلى دار الباشا ، وروض العروس وسيدي عبد العزيز وقاعة بن ناهيض ،وفحل الزفريتي ، مرورا بسيدي إسحاق و زنيقة الرحبة وحي بريمة وجنان بنشكرة، والموقف وأزبزط ، وسيدي أيوب تتناثر رياضات مراكش مثل عقد من لؤلؤ، تتوسطه زمردة ساحة جامع الفنا، حيث يبدو للوهلة الأولى، أن الرياضات في مراكش ليست مجرد بيوت فسيحة تقليدية، بقباب وأحواض وممرات، بل هي فضاءات عمرانية تحمل في طياتها ذاكرة المدينة العمرانية العتيقة التي بنيت وفق هندسة مغربية أصيلة، تستهدف الخصوصية الإنسانية والسكينة، وتتوسطها باحات داخلية مزينة بأحواض النباتات والنوافير، وتحيط بها غرف ذات زخارف جبصية متنوعة، وقيراطي ومزهري وقرميد وسقوف خشبية مزركشة وأبواب عملاقة مزدوجة وزوايا أدراج تقليدية. ليعكس هذا النمط المعماري روح الانفتاح وخصوصيات الجمال والدقة في آن واحد، وليجسد التوازن بين الجمال والوظيفة.

ويأتي من بين هذه الرياضات، رياض 1112 المعروف بـ”دار ألشاي”، بحي الطالعة على بعد أمتار من جامعة بن يوسف وبمحاذاة رياض الزعيم الوطني الراحل السي أمحمد بوستة يرحمه الله، والذي يحمل اسمه نسبة إلى سنة بنائه الهجرية، خصوصا بعدما عمد الأستاذ عبد اللطيف أيت بنعبد الله، أحد صناع الثقافة ورواد صناعة السياحة في مراكش، إلى الحفاظ على هويته، ومنحه إسمه 1211 بناء على السنة الهجرية التي دونت في أحد السقوف الخشبية المزركشة لقبابه، ثم إلى تحويله لفضاءً ثقافي يحتضن فعاليات مهمة، على غرار إحدى فقرات الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر، التي نظمتها جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي.

وعلى كل حال، لم يكن اللقاء الاحتفالي مجرد احتفاء بتقطير ماء زهرة الزنبوع فقط ، بل بامتداداته وتوابعه وإحالاته الحضرية والثقافية والاحتفالية والعمرانية، ومناسبة نفيسة لتسليط الضوء على قيمة الرياضات باعتبارها جزءاً من التراث المعماري الحضري لمدينة مراكش، حيث جاء موسم “زهرية 2026 ” الذي امتد من 22 مارس إلى 12 أبريل الجاري، ليمثل تقليداً عريقاً في الثقافة المغربية، حيث يجتمع الخبراء والمثقفين والحرفيات والحرفيون والمهتمون والمهتمات بالتراث لإحياء طقوس تقطير ماء الزهر، والمستخلص من زهرة شجرة النارنج” الزنبوع”، كما عكس اختيار الرياض كمكان للاحتفال، بعد فضاء المؤسسات الجامعية والمعاهد العليا، والساحات الشعبية، والمراكز التربوية، والمدارس التعليمية والمتاحف، رمزية هذه الفضاءات كحاضنة للذاكرة الجماعية، ومكان للتلاقي بين الماضي والحاضر.

في إطار هذه الفعاليات، بادرت “جمعية منية مراكش” إلى إطلاق لقاء سنوي بعنوان “يوم الرياض بمراكش”، أطرته الأستاذة أسية بشرة، عضو الجمعية، بهدف لفت الانتباه إلى أهمية هذه المعالم المعمارية والعمرانية. هذا اليوم يشكل فرصة للتفكير في سبل صيانة الرياضات، وإعادة إدماجها في الحياة الثقافية والسياحية للمدينة، بما يضمن استمرارية حضورها كجزء من الهوية الحضرية لمراكش.

ومهما يكن، فالرياضات ليست مجرد بنايات، بل هي فضاءات تعكس أحد أساليب العيش المراكشي، وتساهم في تعزيز السياحة الثقافية، والإستجمامية ، فضلا عن كونها تمثل نموذجاً للتعايش بين العراقة والمعاصرة، حيث عادة ما تتحول أغلب هذه الرياضات إلى فضاءات للإبداع الفني، وإلى مراكز ثقافية،ونقاط للضيافة المراكشية الراقية.

وتكمن أهمية الرياض في مراكش في كونه جسراً يربط بين الماضي والحاضر، حيث تحفظ بذاكرة وعادات وتقاليد مراكش المدينة العتيقة، وتمنحها في الوقت نفسه روحاً متجددة عبر الفعاليات الثقافية على غرار ما قامت به المنية من خلال موسمية تقطير ماء الزهر وتأسيس يوم الرياض، كما أن الحفاظ على هذه المعالم ليس مجرد واجب تراثي، بل استثمار في هوية المدينة وفي مستقبلها الثقافي والسياحي، وأساس من أسس الرقي بالاقتصاد الاجتماعي، وخلق فرص عمل عبر تشغيل الحرفيين والصناع والطباخين، والمرشدين السياحيين، وعمال الصيانة وسائقي الحافلات والطاكسيات ومستخدمي وكالات النقل السياحي، ووكالات الأسفار، ومكاتب تصريف العملات، و الأبناك وغيرهم. وعامل من أبرز عوامل الجذب السياحي، فهي ليست مجرد أماكن للإقامة، بل تجربة ثقافية متكاملة.

في سياق مرتبط ،فإن الزوار المغاربة والسياح الأجانب يجدون في الرياض فرصة لاكتشاف أسرار ومميزات العمارة المغربية الأصيلة، من الزليج والجبص وطرق التبليط والصباغة والترصيص إلى خطط النوافير والسقايات والسقوف و المنازه و الإيوانات والأبواب الخشبية الفردية والمزدوجة والمثلثة المنقوشة، والسطوح و الإيوانات، كما أن هذه الرياضات توفر أجواءً حميمة عميقة على خلاف الفنادق الكبرى، حيث يشعر الزائر وكأنه يعيش داخل بوثقة الحي الشعبي المراكشي، في قلب السوق والسويقة ، وقرب الفران وورشات الصنائع الحرفية والمسجد و الفرناطشي والزاوية والحمام وجيران الدرب ومزار الولي أو الولية والصابة بالمدينة العتيقة.

وطبيعي، فكثير من الرياضات بمراكش، وعلى رأسها قصر البديع الذي يحتاج إلى جهود وطنية من أجل إحيائه، وإعادة بريقه، تقدم خدمات راقية مع الحفاظ على طابعها العريق التقليدي، مما يجعلها خياراً مفضلاً لدى عشاق الأصالة والرفاهية المغربية في آن واحد.

كما خلصت أشغال “يوم الرياض” إلى ضرورة إعادة تأهيل الرياضات القديمة قصد الحفاظ على التراث المعماري والحيلولة دون اندثاره، والاستمرار في اعتماد الرياضات بمراكش على الموارد المحلية لتعزيز الاقتصاد الدائري، وحماية المعطيات البيئية، وإدماج المجتمع المحلي المراكشي في العمل وفي إدارة هذه الفضاءات لتكريس العلاقة المباشرة بين السياحة والتنمية الاجتماعية، خصوصا وأن الرياضات في مراكش ليست فقط بنايات تاريخية؛ وإنما محركات اقتصادية واجتماعية وسياحية، ورافعة للتنمية المستدامة، وركيزة أساسية في هوية مراكش العالمية، تساهم في تعزيز مكانة مدينة سبعة رجال كوجهة عالمية.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.