زهرية مراكش انسجام تراثي بين خيوط الزربية وقطرات العطر

 مـحـمـد الــقــنــور :

في الوقت الذي يحول تفطير الزهر “زهرة الزنبوع” فيه إلى جوهر عطري، تحول خيوط الصوف المصنعة والملونة بعناية الزربية إلى لوحة، حيث يظل كلاهما فعل إبداعي مهني خلاق يحوّل المادة الخام لكل من زهرة النارنج وخيوط الصوف إلى منتوج تاريخي يحمل قيمة رمزية ومعاني جمالية، حيث في هذا الصدد، إختتمت أمس الثلاثاء 7 أبريل الجاري، فعاليات ورشة إطلاع المستفيدين والمستفيدات حول تقنيات نسيج الزرابي المغربية وأنواع أخرى منها، بدار ثقافة الزربية في حي دفة وأربع، بحومة القصور العريقة في مدينة مراكش وذلكــ في سياق الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر، التي إمتدت من 22 مارس الفارط إلى غاية 12 أبريل الحالي، والمنظمة من طرف جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي.

هذا ، وأشرفت على هذه الورشة الحرفية التعليمية الخبيرة الفرنسية ميريل لوببيوت (LOOPUYT Mireille)، الشهيرة بإسم “وردة” في الأوساط المراكشية، والتي قدمت خبرتها في مجال تطوير تقنيات نسيج الزرابي وتعزيز القيمة الفنية والإبداعية للمنتوجات التقليدية، والتي تعرفت بالمغرب على ألياتها وأسرارها منذ عقود سابقة، قبل أن تلتحق في إطار بحتها العلمي والتاريخي إلى عوالم أخرى من نسيج الزرابي في طادجكيستان، وتركيا ودول أسيا الوسطى.

كما تزامنت أشغال هذه الورشة، مع منتديات ثقافية واحتفالات تراثية، بالمركز الثقافي للزربية المذكور،تحت إدارة الأستاذ محمد كسيكس خبير فنون الزربية، وضمن فضاءً جمع بين فنون النسيج وفنون العطر، ووحد بين اليد التي تنسج واليد التي تقطر، في انسجام ترجم روح مراكش العتيقة كمدينة تجمع بين الحرف والفنون والذاكرة الحية المتمثلة في ماء الزهر الحافظ لذاكرة المواسم والطقوس، والزربية كخزان لتشكيلات المكان وفضاء إبداع الإنسان من خلال نقوشها، ودلالات رموزها، حيث ظهر بالملموس أن كل من تقطير زهرة الزنبوع ونسج خيوط الزربية جزءان أساسيان من هوية مراكش ومن ذاكرتها التراثية الجماعية.

في ذات السياق، عرف هذا الحدث التراثي المميز الذي جرى على مدي يومين، 6 و7 أبريل الجاري، حضورا ملحوظا من طرف الأوساط الأكاديمية وخبراء التراث المادي واللامادي، وممثلي بعض الدوائر المسؤولة وبعض المنتخبين، والمنتخبات، ورجال ونساء الأعمال وتجار التحف، والمستثمرين في عوالم الاقتصاد السياحي، وبعض أصحاب البازارات والمحلات التجارية، وعشاق الثقافة المغربية من زوار مراكش والسياح الأجانب، إلى جانب حضور وازن لمجموعة من الأطر التربوية والفعاليات الاجتماعية، وزمرة من الفنانين التشكيليين والتعبيريين، وأرباب الحرف والصنائع الفنية المرتبطة بفنون التقطير كالصفارين والنحاسين والزجاجين وغيرهم، وصناع وصانعات فنون النسيج ، إضافة إلى بعض ممثلي المنابر الإعلامية.

كما إعْتُبِرت هذه الورشة الإطلاعية وفقراتها التكوينية الموجهة لفائدة النساء الحرفيات والنساء المثقفات المهتمات بفنون تقطير ماء الزهر وأليات نسيج الزربية المغربية ، محطة جامعة بين الثقافة، وممارسي الحرف العريقة، أكدت عن أهمية الحفاظ على التراث المغربي الأصيل، خاصة فيما يتعلق بفنون تقطير ماء الزهر ونسيج الزربية المغربية بمختلف أنواعها، واللذان يشكلان جزءاً من أبرز خصوصيات الهوية الوطنية الحضارية، ومنصة لتبادل الخبرات بين الحرفيين المحليين والخبراء الوطنيين والدوليين، في أفق تقوية إدماج فنون الحرف التقليدية ضمن دينامية اقتصادية إجتماعية وثقافية متجددة، ولتظل مراكش العريقة، حاضرة للإبداع والذاكرة التراثية الحية، يلتقي داخل أسوارها الماضي العريق بالحاضر المتجدد.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.