بمناسبة الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر “زهرية 2026” ، وفي سياق تكريس منحاها العلمي الأكاديمي نظَّمت جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته ندوتين علميتين، خلال يوم 3 أبريل بقاعة المحاضرات في المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل بمراكش ويوم 4 من نفس الشهر، أبريل الجاري بقصر بلدية مراكش، بحضور المفتش الجهوي للتعمير والهندسة المعمارية وإعداد التراب الوطني لجهة مراكش آسفي، وممثل قطاع الثقافة وزير الشباب والثقافة والتواصل ، ورئيس الهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين والمنسق الوطني لائتلاف ذاكرة المغرب، ورئيس قسم جرد وتوثيق التراث بوزارة الثقافة ، ومجموعة من المهندسين ومسؤولي قطاعات العمران والثقافة، والمنتخبين بالمجالس المحلية والغرف المهنية والمهندسين والأطباء والجامعيين، والعديد من نساء ورجال الأعمال، والمستثمرين، ومدراء المؤسسات التربوية وأرباب الصنائع المتعلقة بفنون البناء والترميم، والإعلاميين ، وفعاليات المجتمع المدني.
وعرفت أشغال الندوتين بتنسيق مع ائتلاف ذاكرة المغرب، تسليط الضوء على القانون الجديد رقم 33-22 المتعلق بحماية التراث، وأدوار المجتمع المدني في تنزيله، حيث أجمع مختلف المتدخلين، أن هذا القانون يُعتبر محطة نوعية في تحديث المنظومة القانونية الوطنية، لكونه يعوض قانون سنة 1980 الذي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الإجتماعية والمستجدات الميدانية، حيث وسّع ذات القانون مفهوم التراث ليشمل إلى جانب المعالم التاريخية والمباني الأثرية، التراث الطبيعي والأركيولوجي المتعلق بالحفريات والتراث الغير المادي.
كما أكدت ذات المداخلات، أن هذا القانون أرسى مقاربة جديدة في تدبير المدن العتيقة والمواقع التراثية عبر خطط تشاركية تجمع الدولة والجماعات المحلية والمجتمع المدني.
وخلال كلمته الترحيبية، أبرز الأستاذ الخبير الأكاديمي في قضايا التراث جعفر الكنسوسي، قيم الزهرية، أن القانون 33-22 يهدف إلى حماية التراث المادي والغير المادي والطبيعي بالمغرب، مشيرا إلى كونه يعزز دور المجتمع المدني في صيانة هذا التراث، مع اعتماد رؤية تقوم على التعاون، الاستدامة، والحكامة التشاركية، واستحضار التجارب الميدانية لجمعيات المجتمع المدني في مجال حماية التراث.
في ذات السياق، عرف اليوم الثاني من أشغال الندوة مداخلات لكل من الأستاذ عبد الأحد الفاسي الفهري رئيس جمعية ذاكرة دكالة، والأستاذ فكري بنعبد الله المهندس المعماري، ورئيس جمعية ذاكرة الرباط سلا، والأستاذ المكي كوان المدير التنفيذي لجمعية ذاكرة آسفي، والأستاذ المؤرخ امحمد بنعبود المدير التنفيذي لجمعية تطاون أسمير، والأستاذ عبد الرحيم قسو المهندس المعماري، نائب رئيس جمعية ذاكرة الدار البيضاء، حيث تناولت هذه المداخلات تقديم نماذج عملية، لهذه الجمعيات عرضت خلالها مشاريعها السابقة في صيانة المدن العتيقة التي تشتغل عليها، وكيفيات وآليات ترميم المباني التاريخية، وسبل إحياء الفنون الشعبية، وتبادل طرق التدبير.
كما أوضح المهندس المعماري الأستاذ محمد بن شقرون ، ومستشار المجلس الجماعي لمدينة مراكش، أن هذا الأخير يُعتبر فاعلًا أساسيًا في حماية التراث المادي وغير المادي للمدينة، خاصة وأن مراكش تُصنّف ضمن التراث العالمي لليونسكو، مشيرا أن المجلس يقوم بعدة أدوار محورية، تقوم على إعداد السياسات المحلية، ووضع خطط لحماية المدينة العتيقة، والمباني التاريخية، والساحات التراثية مثل جامع الفنا، عبر التنسيق مع الإدارة والمجتمع المدني، لضمان تنزيل مقتضيات القانون 33-22، ومراقبة عمليات البناء والترميم داخل المدينة العتيقة، لضمان احترام الطابع المعماري التقليدي.
وفي لحظة مؤثرة من أشغال ندوة القانون الجديد لحماية التراث، استعرض الأستاذ محمد برادة، منسق مجلس أصدقاء جمعية منية مراكش، مسارات ومواقف ومحطات وإشراقات الجمعية ضمن مداخلة حملت الكثير من الدلالات والتذكارات والتواريخ والحميمية، مشيرا، أن المنية عبر جهود الأستاذ الخبير الأكاديمي جعفر الكنسوسي، وزمرة الأطر والخبراء المشتغلين بذات الجمعية، تمكنوا من إرساء مواقف وطنية ومحطات مضيئة، ورؤية معرفية، ومنهجية تنظيمية، وإشراقات ثقافية ورسائل إنسانية منذ تأسيسها، حيث اختارت أن تكون صوتًا من مراكش للتراث المغربي، يصل لمختلف أقاليم المملكة، ويعبر نحو محيطها الدولي الخارجي، واستطاعت المنية أن تجعل من جهودها في حماية للذاكرة الوطنية، والتراث المغربي مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجتمع.
واستحضر برادة البدايات الأولى لجمعية المنية، حيث تحولت من الفكرة إلى المشروع الحيّ، ثم إلى المؤسسة الفاعلة والمنارة المميزة، من خلال تنظيم لقاءات سماع السماع، ومواسم الزهرية والندوات العلمية، والمبادرات التنموية، والشراكات الوجيهة، ونشر المطبوعات النفيسة، وإعداد المنتديات الرفيعة المستوى، وإستضافة رموز العلم والفكر والفن من مختلف مدن المملكة، وشتى دول العالم، مع الحرص على الاستمرارية العملية في تكريس مختلف المساعي العلمية والفكرية والإبداعية الرامية لإحياء التراث المادي والغير المادي
وأكد برادة أن إشراقات جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، تكمن في قدرتها على ربط الماضي بالحاضر، وإستشراف المستقبل، وعلى إشراك كل فئات المجتمع المدني في الوعي بمدى أهمية صيانة التراث الوطني كرمز للهوية المغربية.
هذا، وكان عرض الأستاذ برادة بمثابة دعوة مفتوحة إلى الانتباه لجهود منية مراكش، الرامية إلى جعل التراث المراكشي وفي محيطه الخارجي، وبمختلف جهات المغرب ليس مجرد ذكرى تُستحضر، بل حاضرًا يُصان ويُستثمر، ورافعة للتنمية، في انسجام مع مقتضيات القانون الجديد رقم 33-22، الذي وسّع مفهوم التراث وأرسى مقاربة تشاركية في تدبيره.
كما جسدت كلمة برادة روح جمعية منية مراكش كمنارة ثقافية، وحلقات للتفكير ومشتل للمشاريع وحافز نحو مبادرات المعارف، مشددا على أن الجمعية ترى في التراث المغربي مشروعًا جماعيًا، يضيء مسارات المستقبل بذاكرة الماضي.
إلى ذلكـــ ، تناول الأستاذ عبد الجليل الكريفة، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة القاضي عياض، ورئيس جمعية عبد الله الشليح، إلى دور الملحون في توحيد لغة المغاربة الدارجة، وحفظ خزانة معتقدهم ونعلقهم بثوابتهم ، وتقاليدهم وأعرافهم، وعاداتهم ومواسمهم، وإلى أهمية حفظ التراث المادي والغير المادي لمدينة مراكش، كحاضرة إسلامية بالغرب الإسلامي، وكمدينة تختزل مختلف الروافد الحضارية المغربية.
من جهته، شدّد الأستاذ عبد العزيز بلقزيز، المهندس المعماري وخبير شؤون التراث، على أن ترميم المواقع الأثرية يجب أن يتم بموادها الأصلية، باعتبار ذلك الضمانة الوحيدة للحفاظ على أصالتها التاريخية وقيمتها الفنية، كما ذكر أن استعمال المواد الحديثة أو البديلة قد يُفقد المباني التراثية العتيقة روحها الأصلية ويشوّه بنيتها المعمارية، ويحمل بين طياته بدايات خرابها.
كما أفاد المهندس بلقزيز، أن العودة إلى المواد التقليدية من الحجر، والطين، والجير المخمر، والخشب المحلي، وغيره يُعيد إحياء تقنيات الأجداد ويُحافظ على الهوية المعمارية المغربية.
وأشار بلقزيز أن هذا التوجه ينسجم مع القانون الجديد رقم 33-22، الذي يتطلب مراسم تطبيقية ، خصوصا بعدما وسّع مفهوم التراث ليشمل المادي والغير المادي، ويشجع على مقاربات تشاركية في التدبير.
وخلص بلقزيز إلى أن الترميم الأصيل لا يحافظ فقط على المباني، بل على ذاكرة المكان،وبصمة الزمن، بما فيها تاريخه ودلالته ورمزيته الحضارية والإنسانية والثقافية.
من جانب آخر، تطرق الأستاذ الأديب نور الدين الصوفي، وخبير شؤون التراث إلى أهمية فنون السماع والمديح التي تُعد من أرقى التعابير الروحية والفنية التراثية في المغرب، لكونها جزء أصيل من التراث غير المادي الذي يعكس عمق الهوية الدينية والثقافية للمغاربة.
وذكر الصوفي أن هذه الفنون ليست مجرد إنشاد أو موسيقى، بل هي تجربة جماعية تجمع بين الذكر، والشعر، والموسيقى في فضاءات روحية واجتماعية، وأن البعد الروحي للسماع والمديح يربطان الإنسان بالجانب الإيماني، ويُغذيان الروح بالذكر والقصائد التي تمجد القيم الدينية، فضلا عن بعده الثقافي والاجتماعي كذاكرة جماعية، حيث تتوارث الأجيال نصوصًا وألحانًا تعود إلى قرون، مما يُحافظ به على استمرارية التراث، وإقامة حلقات السماع والمديح في المناسبات الدينية والاجتماعية، وتحويلها إلى فضاءًات للتلاقي والتواصل بين الناس تجمع بين الشعر العربي الفصيح والزجل المغربي، مع أنغام موسيقية أصيلة، مما يعكس ثراء الإبداع المغربي.
على نفس المنوال، أوضح الأستاذ الصوفي أن للسماع والمديح والإنشاد بعدين عالميين يكمنان في إدراج هذه الفنون ضمن التراث غير المادي، مما يعزز حضور المغرب في الساحة الثقافية الدولية، ويُظهر كيف يمكن للفن الروحي أن يكون جسرًا رابطا بين الثقافات.
ومن خلال عرض للعديد من الصور التوثيقية، المرفوقة بتعليقاته، قدم الفنان الفوتوغرافي فرانسوا بوران الذي يُعتبر من الأصوات البارزة في مجال البحث عن التراث المنسي بالمغرب، وخصوصًا المرتبط بالفترة الكولونيالية.
وذكر بوران أن اهتمامه ينصب على المعالم والمباني التي شيدها المستعمر الفرنسي في المغرب، والتي رغم أنها جزء من التاريخ الوطني، فقد طالها الإهمال ولم تُدمج بشكل كافٍ في سياسات حماية التراث.
كما إقترح حماية هذه المعالم الكولونيالية من الاندثار، وإعادة الاعتبار لهذا التراث باعتباره جزءًا من الذاكرة المغربية المعاصرة، وشكلا من أشكال علاقة المغرب بماضيه العمراني والحضري والثقافي.
كما تم إدماج مجموعة من الشهادات الحية من طرف مسؤولين ومهندسين وخبراء وفنانين، حيث أكد الأستاذ طارق الهواري مدير مرصد واحة النخيل، أن المرصد المذكور، يهدف أساسًا إلى حماية النخيل، كتراث طبيعي ألفي في مراكش، وإعادة تأهيله، وضمان استدامته، باعتباره أحد المكونات الأساسية لهوية المدينة الحمراء، موضحا أن الأهداف الرئيسية لمرصد واحة النخيل تكمن في الحماية البيئية، ووقف التدهور الذي أصاب الواحة نتيجة الاستغلال العشوائي وغياب أنظمة الري، وإعادة تأهيل المساحات المتضررة عبر تنظيف وتشذيب وزراعة أجيال جديدة من النخيل، واعتماد أنظمة الري الحديثة، وإنشاء مشاتل جماعية، وزراعة مئات الآلاف من النخيل الصغيرة حيث تم زراعة أكثر من 600.000 نخلة منذ 2007، بتوجيه من مؤسسة محمد السادس للبيئة تحت رئاسة سمو الأميرة الجليلة للا أسماء، حفاظا على الهوية الثقافية والتاريخية للمحيط الخارجي لمدينة مراكش العتيقة، وإبراز واحة النخيل كجزء من التراث الطبيعي والتاريخي للمدينة، يعود إلي زمن تأسيسها في القرن 11 من طرف المرابطين، كما تطرقت الأستاذة وفاء الحبابي إلى تراثية مواسم تقطير ماء الزهر بمراكش، وعلاقته ببلغ العيش في المدينة الحمراء، وبفنون الطبخ والتجميل، والحياة المنزلية، وطقوس السماع والإنشاد، والأفراح والمآتم، ومختلف المناسبات، ثم إنصبت شهادة مريم أمل الفنانة الشعبية، وإحدى رائدات فنون الحلقة بساحة جامع الفنا، على الواقع الحالي “لحلايقية” ساحة جامع الفنا، ممن يعتبرون القلب النابض لبهجة الساحة، ويشكلون أساس حيويتها وجاذبيتها، ويُعتبرون جزءًا لا يتجزأ من التراث غير المادي الذي جعل هذه الساحة تُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بفضل الحكواتيين، و كناوة وعيساوة، ومروضي القردة، وهداوة، وأعبيدات الرما، والمهرجين والممثلين التلقائيين والفكاهيين، والمطربين، وفناني ألعاب الفرجة، والمنجمين ومطربي الأهازيج وممارسي التداوي الشعبي، والعرافين والعشابين، وباعة العطور والبخور التقليدي.
وأشارت مريم أمل، المعروفة في مختلف الأوساط بــ “السواعد” كإسم فني، أن هؤلاء الممارسين بساحة جامع الفنا لهذه الصنائع والفنون، بات لزاما انتشالهم حسب وصفها من الضياع والموت البطيء، ومساعدتهم وتتبع وضعياتهم الاجتماعية والمادية والصحية لكونهم يمثلون الذاكرة الجماعية الحية والمستمرة للساحة، حيث ينقل “لحلايقية” الحكايات والقصص والمهارات والألاعيب والفنون من جيل إلى جيل شفهيًا.
في سياق متصل، إلتمستِ الفنانة الشعبية بالساحة، مريم أمل، العضو النشيط بفيدرالية جمعيات ساحة جامع الفناء، ضرورة تأسيس “دار الحلقة” كمؤسسة ترعى هؤلاء، لكونهم يساهمون في جعل هذه الساحة العالمية فضاءً مفتوحًا للتلاقي بين الثقافات، حيث يجتمع السكان المحليون والزوار المغاربة والسياح من مختلف أنحاء العالم،على صنوف التراث الغير المادي المغربي، ويشكلون جمهورا متجددا على مدار ساعات النهار والليل للتراث الغير المادي لهذه الساحة، والذي لا يُختزن في المباني أو الآثار، بل في الممارسات الفنية والحركات اليومية والفرجة الشعبية.
وللإشارة، فقد خلصت المداخلات والنقاشات إلى صياغة توصيات مشتركة، سعت إلى بلورة مقترحات عملية تُرفع إلى الجهات الرسمية لتضمينها في المراسيم التطبيقية للقانون الجديد رقم 33-22 المتعلق بحماية التراث، مع التنصيص على ضرورة تعزيز الشراكة وبناء جسور التعاون بين المؤسسات العمومية والهيئات المنتخبة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لضمان حكامة تشاركية ومستدامة للتراث.
نصٌّ توثيقي رصين يُؤرّخ لحظة مفصلية في مسار صون التراث المغربي، حيث ينجح في ربط البعد الاحتفالي لموسم “الزهرية” بأفقه العلمي والأكاديمي، مُبرزًا التحول النوعي الذي جاء به القانون 33-22.
كما يلفت المقال بذكاء إلى أهمية المقاربة التشاركية، ويمنح الكلمة لمختلف الفاعلين، في تناغم يعكس غنى وتعدد روافد الذاكرة المغربية، المادية وغير المادية.
تحية تقدير لكاتب المقال على هذا النفس التوثيقي الدقيق، ولجمعية منية مراكش على إصرارها في جعل التراث مشروعًا حيًا يتجدد، لا مجرد ماضٍ يُستحضر.
نصٌّ توثيقي رصين يُؤرّخ لحظة مفصلية في مسار صون التراث المغربي، حيث ينجح في ربط البعد الاحتفالي لموسم “الزهرية” بأفقه العلمي والأكاديمي، مُبرزًا التحول النوعي الذي جاء به القانون 33-22.
كما يلفت المقال بذكاء إلى أهمية المقاربة التشاركية، ويمنح الكلمة لمختلف الفاعلين، في تناغم يعكس غنى وتعدد روافد الذاكرة المغربية، المادية وغير المادية.
تحية تقدير لكاتب المقال على هذا النفس التوثيقي الدقيق، ولجمعية منية مراكش على إصرارها في جعل التراث مشروعًا حيًا يتجدد، لا مجرد ماضٍ يُستحضر.