في سياق الدورة الرابعة عشرة لموسمية زهرية مراكش، تقطير رحيق زهرة النارنج، المنظمة من طرف جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي، إلى جانب عدد من الأطر والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية، من من 22 مارس إلى غاية أمس 12 أبريل ،وضمن فعاليات مجلس الكتبيين كموعد ثقافي أصبح علامة بارزة في أجندة المؤرخين والأكاديمين والفعاليات الأدبية والباحثين في قضايا التراث، وعشاق الثقافة والباحثون في الذاكرة الشعبية مع الأدباء والنقاد في أمسية أدبية مميزة.
إنعقدت أمسية أدبية وفكرية يوم الجمعة 10 أبريل 2026 لتقديم الرواية الأدبية الجديدة «أولوا بقية» للكاتب الأديب عبد الإله بن عرفة، بمشاركة ثلة من النقاد الأساتذة أمل العباسي، وسعيد الفلاق، وسعيد أعبو، فيما تولى إدارة الأمسية المذكورة الأستاذ جعفر الكنسوسي، خلال لحظات جمعت بين عبق التراث المغربي ورونق الأدب الحديث، وإشارات الفكر العرفاني، ربطت بين تقطير ماء الزهر كرمز للصفاء والنقاء والبهجة، وبين الكلمة الأدبية كجسر للتأمل والتواصل والمعرفة، عكس قدرة مراكش على الجمع بين التراث المادي والغير المادي، وأكد مكانتها كحاضرة حاضنة للذاكرة المغربية وفضاء للتجديد والتجسير الثقافي.
وقدم الأستاذ جعفر الكنسوسي رواية “أولو بقية: كهيعص الحكمة” للأديب المغربي عبد الإله بن عرفة ، الصادرة عن دار الآداب، في بيروت سنة 2025، كعمل روائي عرفاني يتتبع مسار الإنسان عبر ثلاثة أجيال، من زمن الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال وصولًا إلى زمن الحالي، حيث طرح من خلالها بن عرفة في ما يقارب 420 صفحة ، بكل إقتدار وسردية إبداعية، أسئلة الهوية والروح والمعرفة في مواجهة الحضارة المادية الحديثة.
وذكر الكنسوسي أن الرواية تأتي ضمن مشروع للمؤلف بن عرفة، كمشروع للرواية العرفانية”، عبر توظيف الحروف القرآنية المقطعة (كهيعص) كمدخل رمزي لفهم مسار الروح الإنسانية، ومن الربط بين التاريخ والخيال الروحي، وتقديم الكتابة الأدبية السردية كأداة لاستكشاف مراتب النفس الإنسانية وأفاقها الأبدية، وأوضح الكنسوسي أن رواية “أولو بقية” تتطرق إلى ثلاثة أجيال متعاقبة، جيل الجد والجدة اللذان يمثلان فترة الحماية والإستعمار، وجيل الأب والأم الذي يرمز إلى زمن الاستقلال، ثم جيل الابن الحفيد عبد الله محيي الدين كعنوان لمرحلة ما بعد الاستقلال، حيث يسافر محي الدين إلى باريس لإكمال دراسته العليا، وفي غضون رحلته، يتعرف القارئ على “أولو بقية الخير” في الغرب، وعلى ميراث المفكر الفرنسي الكبير روني غينون المسلم عبد الواحد يحيى، أحد فرسان نقد للحضارة المادية الحديثة.
هذا، وفي إشارات نقدية وصفت من طرف المتتبعين من الحضور بالذكية والإشراقية، برع الأستاذ جعفر الكنسوسي، من ربط الرواية بفضاء الزهرية، مشيرا أنه “كما يُقطر ماء الزهر في موسمية زهرية مراكش ليُستخلص منه العطر والصفاء، يقطر عبد الإله بن عرفة في روايته «أولو بقية: كهيعص الحكمة» تجارب الأجيال الثلاثة ليُستخلص منها جوهر الحكمة والروح، حيث يشكل كلاهما رحلة من المادة إلى المعنى، وسفر من الظاهر إلى الباطن، وعبور من الزهر إلى العطر، ومزج بين التاريخ و العرفان.”
وأوضح الكنسوسي ضمن كلمته المقتضبة أن المناسبة شرط، وأن تقديم هذه الرواية يبرز مدى التناغم والمحاور المشتركة بين رواية “أولو بقية: كهيعص الحكمة” وبين زهرية مراكش، فكما يُقطر ماء الزهر ليمنح الإنسان طيبًا ينعش الروح، تُقطر رواية بن عرفة التجارب التاريخية والفكرية لتمنح القارئ حكمةً و استعادة للتوازن الروحي، وكما يعتبر ماء الزهر جزءا من ذاكرة مراكش وطقوسها، فإن الرواية تشكل جزءا من ذاكرة الأمة وإجابات عن أسئلتها الكبرى المتعلقة بالهوية والروح.
وخلص الكنسوسي إلى أن كل من رواية “أولو بقية: كهيعص الحكمة” وتقطير ماء زهرة الزنبوع “النارنج” فهذا يحوّل الزهر إلى عطر صافٍ، وتلكــ تحوّل التاريخ والخيال السردي إلى معرفة عرفانية، حيث تبرز الرمزية المشتركة بينهما في التصدي للتلوث؛ فماء الزهر يواجه التلوث البيئي، والتعتيم التراثي ويحارب النسيان في الذاكرة التراثية في حين تتصدى الرواية إلى التلوث الروحي الناتج عن المادية الحديثة.
في حين تناول كل من النقاد الأساتذة أمل العباسي، وسعيد الفلاق، وسعيد أعبو، مؤشرات الهوية والروح في متن رواية “اولو بقية “أولو بقية: كهيعص الحكمة”، ومعارك بطل الرواية قصد الحفاظ على جوهره في مواجهة المادية، وما تتضمنه ذات الرواية من إشارات التاريخ ووشوم الذاكرة، وكيفيات انتقال التجارب بين الأجيال الثلاثة، ومتضمنات النقد الحضاري داخل الرواية، مع استحضار فكر روني غينون كصوت ناقد للحداثة الغربية، فضلا عن الأبعاد العرفانية بالرواية، الراشفة من التراث الصوفي والفلسفة الروحية، حيث تتماهى شخصية بطل الرواية محي الدين مع شخصية القطب الأكبر إبن عربيـ كأحد أبرز عمالقة الفكر في تاريخ البشرية .