سماع مراكش أصداء روح تتردد في المزارات والقصور وفي الزوايا والرياضات

مـحـمـد الـقـنــور :

بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، نظمت جمعية منية مراكش الدورة الرابعة عشرة من سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية، دورة الإمام ابن العريف، وذلك خلال الفترة الممتدة من 4  إلى 7 دجنبر الحالي، بحضور مجموعة من القامات الهندسية، الوطنية والأجنبية والإختصاصيين في مجال العمران وترميم المعالم التاريخية الأثرية، والأكاديميين والأساتذة الباحثين، والمؤرخين وإلى جانب العديد من المنتخبين والمنتخبات ، والأوساط الحرفية وأرباب الصنائع المرتبطة بالعمران، والفنانين في مختلف الفنون التعبيرية والتشكيلية، وجمهور غفير من مراكش ومن أبرز حواضر المملكة .

وحسب التصور المعرفي والرؤية التواصلية الفكرية لجمعية منية مراكش، برئاسة الأستاذ جعفر الكنسوسي الباحث الأكاديمي في قضايا التراث المادي واللامادي، والأكاديميين والأساتذة الباحثين، والمؤرخين والمهندسين بذات الجمعية المعنية، فإن فن السماع في المغرب عامة، وفي مراكش خاصة، ليس مجرد فن طربي، بل هو نفَس روحي يتردد بين المزارات والزوايا والقصور والرياضات، لينساب إلى أعماق القلوب في أفق صقل الأرواح، فكأنه صلاة على مقام المحبة والوجد.

وترى جمعية منية مراكش أن السماع المغربي يجمع بين الفقه والجمال، والعلم والنغم، والدين والعرفان، مما يجعله حالة وجدانية تُستنهض فيها النفوس وتُستعاد فيها ذاكرة القلوب، حيث تُنشدُ الأذكار وتُغنّى القصائد العرفانية الصوفية.

هذا، ومنذ انطلاقته الأولى، أصبح سماع مراكش محطة محلية ووطنية ودولية لفن لا يُؤدى بل يُعاش، ولطرب لا يُسمع بالأذن فقط، بل بالروح والمقام والتفكر والصفاء.، فمن مراكش إلى فاس ووزان، ومن تطوان وشفشاون إلى الصويرة وتافراوت، ومن قمم الأطلس إلى كثبان الصحراء وزوايا السمارة، ظل السماع مرآةً للهوية الروحية، وجسرًا يعمّق الروابط بين الإنسان وربه، وبين الماضي العريق والحاضر المعاش.

والواقع، أن دورة الإمام ابن العريف، الدورة الرابعة عشرة من سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية، خلال الفترة الممتدة من 4  إلى 7 دجنبر الحالي، التي نظمتها جمعية منية مراكش، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، نجحت في تقديم رؤية عميقة للإنسانية، تزاوج بين المعمار وروح المدن، وتوحد بين البعد الصوفي والبعد الثقافي، مستلهمة مادتها من مقولة الإمام أبي حامد الغزالي: “إن النفس كالمدينة، تحتاج إلى حكامة يقظة تجمع بين الإيمان والعقل لتحفظ نظامها وسلامتها.”

ومهما يكن، فإن الهوية الدينية للمغاربة نُسجت عبر مسارات القرون، بخيوط راسخة من الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، ومذهب الإمام الجنيد في التصوف، حتى غدت كالسبيكة الصافية التي تجمع بين العقل والروح، وبين النص والذوق. فالفقه المالكي منح المغاربة ميزانًا عمليًا يضبط حياتهم اليومية، ويجعل الدين رفيقًا للناس في معاملاتهم وأخلاقهم، أما العقيدة الأشعرية فقد صانت العقل من الغلو، وأبقت الإيمان في دائرة الوسطية، حيث يلتقي البرهان بالوجدان. وفي رحاب التصوف الجنيدي، وجد المغاربة طريق السلوك الروحي، طريقًا يعلّمهم أن الدين ليس مجرد أحكام، بل هو صفاء القلب، وتزكية النفس، وحبٌّ يفيض على الخلق، وهكذا تآلفت هذه المكونات الثلاثة لتصوغ شخصية مغربية دينية متوازنة، أصيلة، ومشرقة، جعلت المغرب أرضًا للسلام الروحي والاعتدال الفكري.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.