ظلال وارفة من الأشجار العالية، تحول ضوء النهار إلى مساء خفيف القتامة ، وبرودة واخزة تنبعث من كل فج عميق، قمم جبلية شاهقة تكسوها الغابات والأحراش، ووديان سحيقة العمق، فجاج جميلة يزيدها الصمت وحشة وقشعريرة، ولايكسر صمتها سوى خرير الجداول والشلالات الخجولة هنا وهناكـ ، حيث تدخل كل أنواع المتعة إلى القلوب والأرواح والأجساد بفعل تسلق الجبل دون استئذان.
إنها الطريق إلى ضريح سيدي شمهاروش،من قمم إمليل، وفجاج أسني، ضريح يعتبر أحد أغرب المزارات الدينية في جهة مراكش آسفي،وفي المغرب وكل دول العالم الإسلامي، ليس فقط من حيث أن المؤرخين لا يعرفون نسبه واسم آبائه وأجداده، وأصوله، وإنما كذلك لأن الكل يتفق في كونه من سلاطين الجن، العرفين بمقومات الإسلام وبأصوله وفروعه وعلومه، والحافظين للقرآن الكريم…
وعند ضريح “سيدي شمهاروش” الواقع تحت أقدام جبل طبقال أعلى قمة في المغرب والعالم العربي،يختلط الواقع بالخيال، وتنتهي الحقائق لتبدأ الأسطورة، التي تناولتها أكثر الأقلام سواء في المغرب أو في الخارج.
تحكي الأسطورة أن “سيدي شمهاروش” هو سليل عائلة ملكية من الجن، وأنه تلقى علوم الدين الإسلامي على يد علماء كبار في الفقه والحديث أمثال البخاري صاحب كتاب الصحيح في السنة النبوية.
وحول العلاقة بين البخاري الذي عاش في المشرق، وسيدي شمهاروش دفين جبال الأطلس المغربية ، ينضاف جانب آخر من لغز هذا الضريح، الذي يقام عليه موسم سنوي منذ قرون، والذي يتزامن مع إطلالة موسم “السمايم” ، وتحضره قبائل المنطقة من ﯖندافة ومسفيوة وغيغاية، ويشهده مجموعات كبيرة من أتباع الزوايا الصوفية في مختلف بلدان المسلمين.
كما أن حكاية أخرى ترتبط بسيدي شمهاروش، حيث يؤكد المتشرق ادموند دوتي Edmond Doutti في كتابه حول السحر والدين بالمغرب الصادر سنة 1914 أن “شمهاروش” هو أحد كبار سادة الجن، وأنه عفريت مسلم، وتلميذ لمولاي عبد القادر الجيلالي، وأنه أحد أقطاب الزاوية القادرية في شمال إفريقيا.
يقع ضريح “سيدي شمهاروش” عند ملتقى نهري “تاغات” و “اوكانت”، وعند الضفة اليسرى لهذا الأخير، يوجد كوخ صغير متكئ على كتلة صخرية ضخمة، يتماهى الضريح مع لونها وضخامتها، كما توجد بداخل الضريح ساريتان كبيرتان من الخشب تسندان السطح، وتقسمان الضريح إلى جزئين، فالجزء الأيمن منه مفتوح على ساحة صغيرة، يشعل الزوار فيها الشموع تعبيرا عن الإحتفاء بالأنوار، ويقدمون بها الهدايا والأضحيات، التي عادة ما تكون من الماعز.
يقول الحسين أحد قَـيـِّـمِي الضريح المكلفين به لــ “اسوال بريس” : أن سيدي شمهاروش هو من الجن الصالحين المسلمين، وهو فقيه كبير وعالم بأسرار الدين وفروضه، وأنه عاش قرونا كثيرة، وحكم الجن والعفاريت ثم التحق بالرفيق الأعلى لأن كل نفس ذائقة الموت، حتى وإن كانت نفس سلطان سلاطين الجن، الذي لا تزال بركته قائمة وسارية المفعول رغم وفاته”.