زقاق “دفة وأربع” بمراكش حيث منح باب متجر صفته للحي

مـحـمـد الـقـنــور :

في شرق حي القصور العتيق والتاريخي، يتموقع زقاق “دفة وأربع”، وربما على مستوى العالم، وليس فقط في المغرب أو في مراكش، يعطي باب متجر عريق، صفة بابه لزقاق بأكمله، فقط إلتقطت عيون المراكشيين، قبل عقود صفة باب هذا المتجر، المتميزة عن المتاجر المجاورة له، حيث تتكون كل المحلات التجارية والمطاعم الشعبية والدكاكين التقليدية في مراكش المدينة خصوصا من طرفين للباب، والذي يتكون من دفتين يُسمَّيان عادةً المصراعين أو الضَّلفتين، وكل طرف يُسمى دفة أو ضلفة غالبا ما تكون متساويتين في الطول والعرض، بينما يُطلق على نقطة الالتقاء بينهما اسم الفراغ أو الفاصل الأوسط، وهو العارضة، تجمع بينهما الأقفال والمصراع “الزكروم” عند الإغلاق .

فبذات الحي، كان ولايزال هناك متجر كبير، للأثواب وقطع القماش وستائر الحرير، بحيث لا يختلف في بضاعته عن باقي معظم الدكاكين، لكنه تميز ببابه الفريد، حيث تشكل الطرف الأول أو الدفة الأولى من الباب العريض ثلاثة أرباع الباب، في حين يمثل الربع الرابع الدفة الثانية، مما جعل ملاحظات قدماء المراكشيين لا تخطئ ملاحظته لما يزيد عن قرن من الزمن، وتطلق صفة وتكوين هذا الباب على الزقاق عموما بحي القصور في مراكش .

وحسب مصادر تجارية وبعض الساكنة من ذات الزقاق، فقد كان الباب “دفة وأربع” خشبيًا عتيقًا، مطليًا بلون بني، تتموقع على جنباته زخارف ونقوشات منحوتة يدويًا، وفي أعلاه قوس مزخرف بآيات قرآنية وأذكار صوفية من الخط المغربي الأصيل.

وعلى كل حال، فلم يكن الباب مجرد مدخل للمتجر المذكور، بل صار إسما ورمزًا للزقاق بأكمله، حيث لا تبدو غرائبيته الجميلة واضحة للعيان إلا غداة إغلاق متاجر الزقاق في الساعات الأولى من الصباح، أو الأوقات المتأخرة من الليل، لدرجة أن الأطفال كانوا يتخذونه نقطة لقاء، والنساء يستخدمنه كعلامة دالة حين يصفن الطريق للزائرات، بينما كان الرجال يجلسون بجواره ليتبادلون أخبار اليوم، بل حتى بعض الباحثين والدارسين من المغاربة والأجانب للتراث الحضري لمدينة الرجال السبعة كانوا على إطلاع بخصوصية هذا الباب الذي يضيء المكان بإسمه وبخصوصيته.

مع مرور السنين، صار المتجر يعرف بـ”دفة وأربع”، وأصبح الباب ذاكرة جماعية مراكشية، ومغربية، دخلت الصكوك العقارية والخرائط التوجيهية، والبطائق البريدية، ووثائق الهوية لساكناته وتجاره، وباتت تروي عن عجائبيته وسلعه القصص والحكايات ، تتناقلها الأجيال المتعاقبة، وحيث يلتقي التاريخ بالحياة اليومية في تفاصيل صغيرة تعكس الطابع المعماري التقليدي للمدينة العتيقة ، وحيث لم تعد “دفة المتجر وربع الدفة” مجرد خصوصية هيكلية للباب بدفتيه، بل إيقونة لحي عريق وحياة يومية نسجت حولها العديد من الممارسات التجارية والآفاق الاقتصادية، بات زقاق “دفة وأربع” يطلق في مراكش من باب تسمية الكل من البعض ، وتحوله من باب متجر إلى ذاكرة زقاق كبير على المستوى الشعبي والتاريخي و الاقتصادي والسكني .

تلكــ حكاية متجر أعطى صفة بابه لزقاق عريق حيوي من أزقة مراكش، ليبقى باب هذا المتجر شاهدًا على كيف يمكن لتفصيلة صغيرة أن تمنح هوية خالدة لزقاق مراكشي عريق .

 

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.