في الصباح الباكر بمراكش، حين تلامس أشعة الشمس أرضية ومبان مراكش الحمراء، ويلتقي الحجر بالنغم، ثم يغدو المعمار نفسه آلةً موسيقية تعزف على أوتار الروح، لتتوحد مع حديقة الحارثي العريقة بمراكش، كاشفة عن أسمى صور البهاء والثراء الحضاري، تتردد أصداء الصبوحي ضمن فعاليات سماع مراكش للقاءات والموسيقى الصوفية ضمن الدورة الرابعة عشرة، دورة الإمام ابن العريف، كأنها تنبع من أغراس ورياحين وأشجار زيتون ونخيل ذات الحديقة، فيتماوج الضوء مع الصوت في مشهدٍ يفيض بالسكينة، حيث يجتمع أبناء وبنات مراكش من كل الأطياف، والأحياء، والحارات، ويلتئم زوار وسياح المدينة الحمراء، وكأنهم يحملون في حضورهم تنوع وانفتاح المدينة عن العالم، وثراءها الثقافي والتاريخي. وخلال احتفالية الصبوحي التي تنظم كل سنة من طرف جمعية منية مراكش، ما بين حديقة الحارثي وحدائق المنارة، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي للمدينة، تحمل الاحتفالية كل رسائل التواصل الروحي السالك للقلوب من أبواب السماع، رابطا كل الحضور من مختلف الأطياف والخلفيات والجنسيات في وحدة الإيقاع، وطلاوة للإنشاد، فيصبح السماع لغةً جامعةً لا تعرف الحدودً، ويصيرُ اللقاء كعرسٍ روحيّ، وفكري وتواصلي يكلله المعمار كجسور تربط بين الماضي والحاضر، ويمنح من خلالها سماع مراكش للمدينة قلبًا نابضًا بالصفاء والأنس، وفنّاٌ عريقا يوقظ القلب، وحديقة تحتضن الروح والذوق والألفة، وحضورا إنسانيّاً يكتب لمراكش سيرةً متجددة على الدوام من الجمال والأنس.
وعلى غرار الأجداد، فقد حرصت جمعية منية مراكش على إحياء طقس الصبوحي في مراكش كلحظة فريدة يتداخل فيها الزمن مع النغم، وكأن مدينة سبعة رجال تستيقظ على أنفاس الآلة الأندلسية مع أول خيوط الفجر، أحياها جوق أحمد بيرو للطرب الغرناطي، برئاسة الفنان الأستاذ طه بيرو، وبمشاركة الفنانة الأستاذة بهاء الروندة والأستاذ الفنان فهد الروندة، والفنان المنشد محمد كريم، تلته فقرات من كور الدقة شارة مراكش الموسيقية بقيادة لمعلم عبد الإله بلمقدم بابا، وفواصل لميازين من الكلام المرصع، من نظم لمعلم عبد الكبير مرشان، وطقيطيقات الفنان الشعبي المراكشي عبد الرحيم بانا .
فعند شروق الشمس، حين يذوب الليل في نور النهار، يجتمع جمهور الصبوحي على موائد الفطور المراكشي اللذيذة، قبل أن تنطلق أوتار الآلة الأندلسية كأنها رسائل موسيقية تُعلن ميلاد يوم جديد، إذ في هذا الطقس، يصبح السماع امتدادًا للكون، فتغدو النغمة صدىً لزقزقة الطيور، وخرير مياه السواقي وتماوج صفحاتها في الصهاريج وإيقاع قطراتها بالنوافير، ويصبح الإيقاع والإنشاد مرآةً للغة كونية ومنصة لنبض الحياة. يجتمع الناس في صفاء الصباح، فيتشاركون لحظةً من الطهر والسكينة، مع إلتقاء جمال الطبيعة بعمق الروح، ويصبح الصبوحي عرسًا للأنغام والأنوار، يكتب لمراكش سيرةً من السحر المتجدد.
إلى ذلكــ ، يشير “الصبوحي” مجلس طرب الآلة الأندلسية، إلى المقامات والألحان التي تُعزف في الصباح أو وقت البكور، حيث يتضمن جزءا أو “نوبةً” محددة ذات طابع صباحي، مستوحاة من كلمة “صباح” التي تعني الفجر أو الصباح الباكر، والتي تُستعمل لوصف حالة من البهجة والانطلاق الصباحي في العمل والأداء، وترتبط بمقامات معينة كالرصد أو الزيدان، والتي تُعزف في أوقات محددة من اليوم، كما تشير لـ “صباحية” إحدى الآلات في الفرقة كآلة العود أو الرباب، في سياق النوبات الأندلسية.