التراث تحت المجهر في اللقاء التشاوري حول مخطط تدبير مراكش العتيقة
مـحـمـد الـقـنـور :
برئاسة كريم قسي لحلو،والي جهة مراكش آسفي وعامل عمالة مراكش، وبحضور محمد العربي بلقايد رئيس المجلس الجماعي لمراكش، ومحمد فؤاد الحوري رئيس بلدية المشور القصبة، ومدير الوكالة الحضرية لمراكش، وكل من المدير الجهوي للثقافة والمدير الجهوي للإتصال، والعديد من الشخصيات العسكرية والمدنية، والمنتخبين والمنتخبات، والأكاديميين، والخبراء والإعلاميين، ورواد الصانعات والصناع التقليديين، والحرفيين، والفنانات والفنانين الشعبيين ، جرت أشغال اللقاء التشاوري حول إعداد مخطط تدبير المدينة العتيقة لمدينة مراكش، تنفيذا للعناية الملكية السامية التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لصيانة وتثمين الموروث التاريخي والثقافي للمدينة العتيقة لمراكش، ولتأهيل النسيج الحضري العتيق بشكل متناسق ومتوازن وفق رؤية شمولية تهدف بالأساس إلى تحسين ظروف عيش الساكنة والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، زمن أجل النهوض بالرأس المال اللامادي والروحي والثقافي لهذه المدينة، المصنفة ضمن لائحة التراث العالمي،منذ سنة 1985 من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، إضافة إلى تصنيف ساحة جامع لفنا سنة 2001 تراثا شفويا عالميا، تم إطلاق جيل جديد من البرامج والمشاريع التنموية الكبرى التي أعطى إنطلاقتها جلالة الملك محمد السادس بالمدينة العتيقة لمراكش.ونظرا، لما تحمله المدينة القديمة لمراكش من إرث تاريخي عريق وخصوصيات عمرانية متميزة وموروث ثقافي أصيل ومكانة دولية باعتبارها قطبا سياحيا عالميا، ورغبة في مواكبة التحولات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية، فقد أصبح لزاما وضع أليات تدبير ناجعة لضمان المحافظة على هذا التراث التاريخي العريق وصيانة الذاكرة المراكشية وتثمين الموروث اللامادي والثقافي والحضاري الأصيل، من خلال إعداد مخطط تدبير المدينة العتيقة لمراكش، بشكل يستجيب لتوصيات منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) ويتماشى مع متطلبات التنمية المستدامة.
هــــذا، وإعتمدت السلطات الجهوية لجهة مراكش أسفي في هذا الصدد، مقاربة تشاركية مندمجة قوامها التنسيق والتعاون بين كافة المتدخلين والفاعلين والهيئات والغرف المهنية والحرفية، وجمعيات وهيئات المجتمع المدني وصناع الفرجة ورجال الاعلام، إضافة إلى الاستفادة من تجارب وخبرات الباحثين والمؤرخين المهتمين بميدان التراث المراكشي، وضمان انخراط الجميع في تنزيل أسس استراتيجية العناية والمحافظة وتثمين المدينة العتيقة لمراكش، من خلال تنظيم ولاية جهة مراكش أسفي لهذا اللقاء التشاوري المعني حول موضوع “إعداد مخطط تدبيرالمدينة العتيقة لمراكش”، خصوصا وأن مخطط التدبير المتعلق بمراكش بات يشكل منذ سنة 2005 وثيقة أساسية، تعتمدها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لتصنيف المواقع ضمن لائحة التراث العالمي.

كما أن محور هذا اللقاء التشاوري حول إعداد مخطط تدبير المدينة العتيقة لمراكش إنطلق أساسا من كون “إحياء الذاكرة التراثية كفن وثقافة وتراث وحضارة وحياة ومستقبل”،يتمركز حول الذاكرة التراثية الجماعية للشعب المغربي ، والتي تبرز في مختلف الاشكال المعمارية و المظاهر الحضارية للمجتمع المغربي ، وما تشتمل عليه من عادات، وممارسات، وقواعد ومعايير وكيفيات لفنون العيش والوجود، من ملابس، وحلي وطبخ، وممارسات روحية ، وطقوس و قواعد تتعلق بالسلوك وبالمعتقدات، وأهازيج وحكايات وأغان ومواويل وفنون موسيقية وزخارف وحرف فنية تقليدية تنبني على المعلومات والمهارات التي يملكها المغاربة.
فالتراث ينطوي على ما اكتسبه المرء وتوارثه عن أسلافه من قيم مادية وغير مادية، وهو لصيق بالتراث في معناها الواسع كتعبير ذاتي عن العالم، سواء كان ذلك التعبير منبثقا عن الفرد أو عن الجماعة، وسواء ما كان منها ماديا يتصل برؤية الإنسان لعالمه الملموس، وتعبيره عنها وترجمته إياها واقعاً محسوسا يتمثل بالمعمار والمدن والمواقع الأثرية المختلفة، أو ما كان منها غير مادي يتجلى في أشكال التعبير المختلفة عن الوجدان الفردي والجماعي للمجتمعات وغيرها من التعبيرات العفوية والتلقائية، والمنبعثة كما في المغرب من غور ثقافات مُغْرِقَة في القدم تعود إلى فترات سحيقة ، وتتجلى على شكل عادات وتقاليد، وطقوس، واحتفالات، ولهجات وفنون مؤداة، ومهارات، وموسيقى، وطقوس ومعتقدات ، وما تبدعه الجماعات من جديد بصورة متجددة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة، وتاريخها، فيؤدي إلى تنمية الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، ويكسب الشعب بالتالي الاحترام المتبادل.
إن هذا اللقاء التشاوري حول إعداد مخطط تدبير المدينة العتيقة لمراكش أكد مدى الإهتمام بالتراث من خلال تثمينه وإحيائه، ونشره، ودراسته، فالتراث الشعبي ، يتضمن ثروة كبيرة من الآداب والقيم والعادات والتقاليد والمعارف الشعبية والثقافة المادية والفنون الجمالية التي تترجمها الحلي والأزياء والمعمار والفنون التعبيرية والتشكيلية المتوارثة في الأداء والأشكال والمهارات .

وتجدر الإشارة، أن هذا اللقاء التشاوري مكن من الإطلاع على المستجدات المجالية والقطاعية المتعلقة بتثمين تراث مراكش الوطني والعالمي، ومن فتح نقاش موسع وبناء بين كافة المشاركين في أشغال الورشتين التي تلت العروض العلمية التي قدمت خلال إفتتاح الأشغال ، حيث إنصبت الورشة الأولى على التراث المادي لمدينة سبعة رجال، إكراهات وتطلعات تدبير هذا التراث، فيما تعلقت الورشة الثانية بالتراث اللامادي لذات المدينة ، وحول وسائل تثمين هذا الموروث وحمايته ضمن رؤية مستدامة، والإستفادة من تجارب العديد من الفاعلين والمتدخلين والمهنيين والحرفيين والصناع مع تبادل الخبرات وتقاسم الأفكار، عن طريق تقديم مقترحات وتوصيات عملية من شأنها إغناء مخطط تدبير المدينة العتيقة لمراكش .كما سيساهم هذا اللقاء في التحسيس بأهمية الحفاظ على الخصوصيات العمرانية والمعمارية للمدينة العتيقة لمراكش، وصيانة تراثها اللامادي المتميز، وتثمين إرثها الثقافي.
كما إنبثقت عن أشغال هاتين الورشتين العديد من التوصيات همت تكريس العلاقة بين التراث اللامادي ولتراث المادي بمراكش، على مستوى التدبير والتنظيم والرؤية والمنهجية والمعرفة، ودعم وسائل الإعلام المهتمة بالمجال ، وجمعيات المجتمع المدني المشتغلة على إحياء وصيانة التراث المغربي ، خصوصا الجمعيات المتوفرة على رؤية محددة في العمل وبرامج ومنهجية علمية ومعرفة بالتراث المادي واللامادي ، والدعوة إلى إبرام إتفاقيات بين هذه الجمعيات مع المجالس المنتخبة والغرف المهنية والوزارة الوصية، والمراكز العلمية والمعاهد العليا والجامعات والمؤسسات الاعلامية من اجل العمل على توثيق ودراسة وصيانة التراث المغربي في مراكش بشقيه المادي واللامادي، ومواصلة العمل للتوصل إلى اتفاقيات إطارية مع المؤسسات المعنية قصد حماية تراث المدينة الحمراء،مع التأكيد على ان التراث المغربي، مكون حيوي وفعال من مكونات الإقتصاد والأنشطة الإقتصادية المحلية والجهوية الوطنية ، ومع دعوة الجهات المعنية على توثيق الكتابات والبحوث والأطروحات المتعلقة بالتراث المادي واللامادي في مراكش ومختلف ألوان الفنون الشعبية التعبيرية والتشكيلية في أقراص مدمجة وفتح منصات إليكترونية للتداول حوله مع الدفاع بشكل فاعل عن مصالح الحرفيين والصناع التقليديين والفنانين والفنانات الشعبيات بشكل عام ومختلف العاملين والمشتغلين على التراث بمدينة مركش وتسهل عملية قبول المبدعين والمبدعات من الحرفيين والحرفيات والفنانين والفنانات الفلكلوريات المغربيات وتشجيع تسويقهم لمنتوجاتهم ، وتسهيل ادماجهم في المهرجانات الوطنية والدولية، وقيام رواد الصنائع التراثية بتلقين الناشئة لهذه الفنون التراثية المادية واللامادية للحفاظ عليها من الإندثار وحمايتها من التشويه والإضافات الخارجة عن طبيعتها، وتجريم ومقاومة مختلف المحاولات التي ترمي لتشويه التراث الوطني، والعمل على إستخدام مواد التراث الشعبي والحياة الشعبية المغربية في إعادة بناء الفترات التاريخية الغابرة للأمة المغربية والتي لا يوجد لها إلا شواهد ضئيلة متفرقة وإستثمارها في إبراز الهوية الوطنية المغربية بروافدها الحضارية المتعددة العروبية والأمازيغية والحسانية والعبرية والموريسكية، وإستحضار التراث المغربي في المقررات المدرسية وتشجيع عملية توثيق التراث اللامادي في مراكش وتأهيله عبر تشجيع الإعلام المختص والبحوث الأكاديميمن طرف السلطات المعنية والجهات المسؤولة .

وحسب تأكيد من المنظمين، عبر البلاغ الصحافي ، فإنه سيت الأخذ بعين الاعتبار بكل التوصيات لإغناء مخطط تدبير المدينة العتيقة لمراكش، قبل عرضه على انظار منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) من خلال القنوات الرسمية المسؤولة .


