قِصة قَصيرة ٌجِدّا… صــدور مـكـلـومـة

كُنّا ندَاومُ علَى مدارِ فصُول السّنَة ، ونَحنُ صبيَة ، مَا عدَا أَيامِ الجمُعةِ والسّوقِ الأُسبُوعِيّ ، علَى الذّهَاب إلَى كتّابِ القَريةِ القَابعِ تحتَ أقدامِ سفحِ تَلّ مُعشوشبٍ شِبه مُنعزلٍ ، حَيثُ الحَصيرُ والأَلواحُ والفَقيهُ المُهاجرُ فِي إنتِظارنَا . نَملأُ فَضاءهُ بقراءَتنَا الجَهريّةِ المُتوتّرَة ، التِي تَخترِق كواتِه المُترامِية علَى حِيطانِه المُبلطَة بالطّينِ ، كَأنّنَا فِي سبَاق مَحمُوم لِكسبِ رهَان السّبق فِي الحِفظ والإستِظهارِ والإفلاَت مِن وخزَات أقلاَم قصَب تَترقّب أسفَل ذقُوننَا .

كلّما خفّ هَديرُ أصوَاتنَا ، إنتَصبَ الفَقيهُ واقِفاً كعمُودِ سَفينَة يَستنفِر بِشراعِه فتُور ريَاحٍ لَم يَحن وقتُها بعدُ ، تَندفعُ مَوجاتٌ صَوتيّة بَين مدّ وجَزرٍ ، تتَزاحمُ في مَسالِك حنَاجرِنا ، تسبِقها دُموعٌ وَجلَة ، تُؤجّجهَا قَعقَعةُ عصًا مُتحرّكةٌ ، تَسعى فَوقَ رؤُوسنَا المَحلُوقة ، مُخلّفة وَراءها جُروحاً تنزِف دِماءً طريّة. وجِراحاً صامِتةً مُتوارِية فِي أقفَاصِ صدُورنَا . يعُود الفَقيه إلَى جلسَته التّربيعِيّة فَوق مصطبَة تُوازِي فِي علُوّها سَقف جُلوسِنا، تتبَوّأ صدرَ الكُتّابِ ، يُهدّئ مِن رَوع رَبو شَرسٍ يلَازمُه بينَ الفَينةِ والأُخرى ، يُوزّع عَلينَا نظَراتٍ ثَاقبة ، قَبل أَن يترُك لَنا فسحَة زَمن لإستِرجاعِ أنفَاسنَا وَتضميدِ جرَاحنَا ، يُردّد عَلينَا أكثَر مِن مرّة ، أَن مَا يحمِلُه فِي صَدرهِ ، يُشيرُ إلَيه بقَبضةِ عصَاه ، لعَظيم وثَقيل ، ومَا هجرَتُه إلَى قَريتِنا إِلاّ لِيُودِعه فِي صدُورنَا . كَانَ كلّ واحِد منّا يتحَسّس صدرَه ، نَتبادَل النّظراتِ خِلسةً فِيما بينَنا ، لَم يَتجرّأ أيّ واحِد منّا أن يَسألَه عَن الحِمل الثّقيلِ ، ولِماذَا هاجَر إلَى قَريتِنا لينقُله إلَى صدُورنَا ، كانَت عيُوننَا تقُول أنّ ما يسعَى إلَيه أكبَر من طَاقتِنا ، لَكن مَع ذَلك كنّا نُومئ بِرؤوسِنا الجَريحَة عندَما يُحملِق فِي وجُوهنَا مِن جَديد ، كَأنّنا نَتقاسَم معَه عِبء أمَانة الحِمل الدّفين ، الّذي يَسكُن صدرَه.

فِي كلّ مساءٍ كنّا نَتلُوا مَا تيسّر ممّا دونّاه علَى ألوَاحنَا ، وحفِظنَاه مُعتمدِين علَى ذكرَياتنَا ، يَحثّنا الفَقيهُ علَى رفعِ عقائِرنَا حتّى يتردّد صداهَا في أجوَاء القَرية ومَداشِيرهَا ، كأنّه يبعَث برَسائِل إلَى من يَعنيه الأَمر ، هُم في نَظرِه أدرَى بمضمُونِها . عندَما ننتَهي مِن ديمُومةِ تلاوَتنَا المَسائِيّة ، نُغادِر الكُتابَ إلَى حالِ سبيلِنا ، بَعد عَادةِ تقبِيل يَد الفَقيهِ ، وسمَاع لاَزمةِ دُعائهِ لنَا بِصوتٍ فاتِر “الله يفتَح علِيكُم” نَهرعُ مباشَرة إلَى ديَارنَا غَير مُبالينَ بالإرهَاق ، الّذي أصَاب مِن طَراوَة قصَباتِنا الهَوائيّة كلاَجئِين إلَيها ، يتملّكُنا الخوفُ والتّرقّب قبلَ أَن يَجنّ اللّيل جنُونَه، ويُرخي سُدولَه علَى جمِيع المَسالِك المُؤدّية إلَيها ، ويُغرقَها فِي ظلَامهِ الدّامسِ ، كانَ اللّيل الّذي يَأتي إلَى قريَتنَا بهِيمًا بدُون نُجومٍ ، كُنت أشعُر بالخَوف عندَما أسمَع خطُوات الظّلام تأسرُ براعِم نُجوم فتيَة توعِد بالنّور القَادم ، لَم يكُن ملاَذي مِنه آمناً سوَى بجوَار جدّتي ، رَغم أنّها فِي رذِيل عُمرِها، سَبقنِي أخِي إلى الإحتِماء بعبَق رَحيقِها ، لَكنّه خرَج فِي ليلَة مِن ليالِي قريَتنا وَلم يعُد ، كَانت خُطواتُ الظّلام لَه بالمِرصادِ ، كُنت أسأَل جدّتي عَن غيَابِه ، أَسمعُ حَشرجَة تَتكسّر دَاخلَ أعمَاقهَا كشَلاّل مُترنّح ، تُقرّبني مِنها أكثَر ، تُرتّل لاَزمتَها الّتي لاَ تُبارِح شفَتيهَا : ” البرّانِي عقُوبتُو لبلاَدُو….البرّاني عقُوبتُو لبلاَدُو….” كنتُ أعشَق حكَاياتِها الخَالدَة لأُقاوِم بِها خَوفي مِن عَتمَة اللّيل الّذي يُحاصِر قَريتَنا ، عِندمَا أَصير بَين أحضَانِها ، أَسمعُها تهمِس فِي أُذنِي : ” النّجومُ يا فَتى وإِن غَابت ، عِندمَا تعُود هِي مَصابِيح سِراجِها يُبدّد ظُلمَة الأَمكنَة مَهمَا إدلَهمّت “.

كُنت أتسلّل إلَى عَالمِها الدّاخلِي حتّى لاَ أقَاطِع إبتِهالاَتِها . الّتي دَأبَت علَى تَرتيلِها ، يَنفطِر صوتُها السّجيّ تسبِيحاً ، يَنبلِج حَكيُها المُسافِر فِي كَبد اللّيل بَاحثاً عَن منافِي نُجُوم قَريتِنا ، أَتخيّل أنّها إلتَحقَت بِأبطَال حِكايَاتها لِتشارِكهُم مَعركَة بُطولتِهم المَلحميّة ، الحُريّة غَاليةٌ كلّ شَيءٍ يَهُون فِي سَبيلِها ، أَكونُ أنَا بِدورِي أَركبُ مَطيّة مُغامَرة وُلوجِ مِحرَاب أَحلامِها ، هُناكَ أتصَفّح ذِكريَات سِنين عمرِها الغَوالِي ، أتأَمّل تفَاصيلَها ، أتَحسّس معَالمَ خرِيطتِها ، لكِن مَا كَان يُثيرُني ، هُو تلكَ السّبحةُ الّتي حَولتهَا إلَى قِلادَة أسكَنتهَا بَين ثنَايا جِيدهَا ، إِستشعَرت حَيرتِي فِي خِضمّ حَكيهَا ، لَم تتأَخّر فِراستُها ، خَرزاتُ السّبحة هِي بِعددِ النّجوم الّتي غيبَت عَن سمَاء القَريةِ ، وحَفيدهَا أخِي فَارِسها المُبجّل ، شَعرت برَعشَة طَارِئة ، أَدركتُ رَغم يَفاعَتي لِماذَا لَيلُ قَريتِنا بِدُون نُجومٍ، إستَحضَرت وأنَا أغَادِر مِحرَاب جدّتِي ، حِكايَة الفَقيهِ المُهاجِر ، وعِبء الحِمل الثّقيلِ الّذي يَسكُنه فِي صَدرِه ، ولِماذَا يرِيدُ أَن يَنقلَه إلَى صُدورِ صِبيَانِه ، تَساءَلتُ هَل الأَمرُ عظِيمٌ عِندَ جدّتي وَالفَقِيه المُهاجِر ؟ شَعرتُ بصُداعٍ ينَاوشُ فروَة رَأسِي ، إستَأنستُ بمُداعَبة جَديلَةٍ مِن جدَائِل جدّتي ، الّتي يَقترِب لَونُها مِن لَون حُمرَة غرُوبِ الشّمسِ فِي فصلِ الخرِيفِ ، كأنّني أستَنجدُ بهَا مَرّة أخرَى ، لِتنتَشلَني مَن تُنازِع فِي خاطِري ، يَعُود صَوتُها الرّخيمُ الحلوُ يختَرقُ مَضجَعها قَائلَة :” أترُك أحلاَمكَ أيّها الفَتى تُسافِر إلَى حيثُ تشَاءُ ، أَرضُ الله وَاسعَة ، بَعدَ العَتمَة وإِن طَالَت يَأتِي النّور…. ” .

أَحسَستُ بدِفء فَرحٍ طفُولِي غامِرٍ يَملَأ كيَانِي ، إستَسلَمت لِنومٍ حالِم تُبارِكُه دَعوَات جدّتي ، فِي إنتِظارِ النّور القَادِم وَعودَة نُجُوم القَريَة مِن مَنافِيها لتَتأَلّق مِن جدِيد فِي سَمَائِها.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.