الفاروقي الرحالي حافظ الفقه المعتدل بالقرن العشرين

محـمــد القـنـور :

إمام اهل السنة في الغرب الإسلامي، وعلم اللغة العربية في الفترة المعاصرة، وعالم زمانه، في العلوم الشرعية، وقد إنتهت إليه على عهده ، مختلف علوم اللغة من نحو وتركيب وإسناد وتصريف وإعراب وعلوم الشريعة من تفسير للقرآن ومن علوم في الحديث ومصطلح الحديث ومعرفة بالتاريخ والسير ، فمال اليه الناس وجذبت فصاحته وعلمه كثيرا من اتباعه وتلاميذته ومن حضر محاضراته ودروسه ، بعقله المتوهج ، العالم بالقران والسنة ، والبصير بالعربية وادابها والخبير باحوال الناس وقضاياهم ، فكان قوي الرأي ونابه القياس .
فقد ولد الشيخ الفاروقي الرحالي بن رحال بن العربي الحمومي السرغيني، عام 1315 الموافق لــ 1897 ميلادية على الأغلب ، وقد عمد والديه على تربيته على أحسن ما تكون تربية حفظ القرآن من طفولته و أتقنه و رسمَه بالقراءات السبع . درس بمراكش و القرويين ، و خطب في جامع الكتبية، كما ألقى دروسا بمختلف مساجد مدينة مراكش، قبل أن يتولى رئاسة الجامعة اليوسفية بمراكش،كما أسند إليه الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله عمادة كلية اللغة العربية في مراكش ، وتدريس مادة الحديث بدار الحديث الحسنية، ورئاسة المجلس العلمي بتانسيفت ، كما ألقى عددا من الدروس الحسنية الرمضانية، في حضرة المغفور له جلالة الملكـ الحسن الثاني .
وذكر الشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله في معرض كلامه عن الملك الحسن الثاني رحمه الله في “أئـمة الدولـة العلـوية وتمسـكهم بكتـاب الله وبيان رسوله الكريم” :” ومنها كثرة الدعاء في عهده الميمون إلى الإصلاح بإتباع كتاب اله وسنة رسوله، وترك كل ما خالفهما، فإن ذلك يقع بحضرته الشريفة، كما هو ظاهر من خطب العلامة الفاروقي”
و قال عنه الشيخ عبد الله كنون رحمه الله فيما أورده الأستاذ الباحث والمحقق الغزير الإنتاجات التاريخية والأدبية والفقهية أحمد متفكر في كتابه الرائد “علماء جامعة ابن يوسف” : أن الفاروقي الرحالي “كانت تتحقَّق فيه صفات العالمية الفذة بأصدق مدلولاتها مما يعز له النظير ، و يتعذر تعويضه ولو بالعدد الكثير فلا يخلط علمه بالغيبيات التي لا ثبوت لها و لا يجعله مطية التدجيل، و فتنة الناس ، وقد صرف الفاروقي الرحالي الوجوه إليه الاقرار والمعرفة والعقد والرضى والتسليم بأن الله لا اله الا هو وحده لا شريك له لم يتخذ صاجبة ولا ولدا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله والاقرار بما جاء من عند الله من نبي او كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله..

وقد توفي العالم الحافظ الفاروقي الرحالي رحمه الله يوم الإثنين 18 جمادى الثانية عام 1405 هجري الموافق لــ 11 مارس 1985، وكان قد جاوز المئة سنة، وحضرت جنازته بمراكش، جحافل من الناس، وجموع غفيرة ، وكان من قبلُ ، قد نشأ في قبائل السراغنة،ولازم علماؤها وفقهاؤها وتدرج في مدارسها ولازم شيوخها وطلبتها فكانت لهذه الملازمة اثر على فصاحته وبلاغته فيما يقول وفيما يكتب، وقد لفتت هذه البراعة انظار معاصريه من العلماء بعد ان شب وكبر، وبلغ من اجتهاده في طلب العلم ان اجازه شيوخه بالفتوى وهو لا يزال صغير فعمد إلى توثيق الأخبار الفقهية كلون من إحقاق الحق وإبطال الباطل. واهتم اهتماما شديدا بالجانب الفقهي واللغوي من المعرفة والاستدلال، لاسيما عندما يتصل الأمر بسيرة الرسول الكريم وما ينسب اليه من قول أو عمل…
وقد حفظ الفاروقي الرحالي منذ نعومة أظافره تقريبا القرآن وكتاب الموطأ للامام مالك، فرحل به أهله من بلاد السراغنة الى مدينة مراكش ليتلقى العلم على فقهائها وعلمائها وأدبائها ، وقد سبقته شهرته إلى مصر ولبنان والحجاز وكل بلدان الشرق الإسلامي،رغم أنه قضى معظم سنوات عمره الطويل بمراكش، ولم يدخل قط في أنساق مدرسة الراي ، ولا في نصية مدرسة الحديث في الفكر والفقه الإسلاميين .
وللإشارة، فقد نشأت المدرسة الاولى منذ القرن الأول الهجري في العراق كإمتداد لفقه الصحابي عبد الله بن مسعود الذي اقام هناك، وحمل اصحابه علمه ومنهاجه فقاموا بنشره.
فكان ابن مسعود متأثرا بمنهج عمر بن الخطاب في الاخذ بالرأي والبحث في علل الاحكام حين لا يوجد نص من كتاب الله او سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن أشهر تلامذة ابن مسعود الذين أخذوا عنه : علقمة بن قيس النخعي ، والاسود بن يزيد النخعي ، ومسروق بن الاجدع الهمداني ، وشريح القاضي ، وهؤلاء كانوا من ابرز فقهاء القرن الاول الهجري . ثم تزعم مدرسة الرأي بعدهم ابراهيم بن يزيد النخعي فقيه العراق بلا منازع وعلى يديه تتلمذ حماد بن سليمان ، وخلفه في درسه ، وكان اماما مجتهدا وكانت له حلقات عظيمة يؤمها طلاب العلم .

وأما مدرسة الحديث فقد نشأت بالحجاز، وبرزت من خلال فقه عبد الله بن عباس ، وفقه عبد الله بن عمر ، وفقه عائشة أم المؤمنين وغيرهم من فقهاء الصحابة ممن أقاموا بمكة والمدينة ، وكان يمثلها عدد كبير من كبار الائمة منهم سعد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وابن شهاب الزهري ، والليث بن سعد ، ومالك بن انس .
وتميزت هذه المدرسة بالوقوف عند نصوص الكتاب والسنة ، فان لم تجد التمست اثارا من قول وفعل الصحابة ، ولم تلجئهم مستجدات الحوادث التي كانت قليلة في الحجاز على خلاف العراق والشام ومصر وغيرها من البلاد المفتوحة الى التوسع في الاستنباط .
وحتى عصرنا الحالي ، فقد جاء الفاروقي الرحالي إلى الدنيا في أواخر القرن التاسع عشر والجدل لايزال محتدما في العالم الإسلامي بين المدرستين فأخذ موقفا وسطا،وحسم الجدل الفقهي القائم بينهما، من خلال فتاويه وفكره ومحاضراته بما تيسر له من الجمع بين المدرستين بعد ان تلقى العلم وتتلمذ على كتب كبار اعلامها من أمثال القاضي عياض من مدرسة الحديث ومحمد بن الحسن الشيباني من مدرسة الرأي .
ومهما يكن، فقد كان الفاروقي الرحالي فصيح اللسان بليغا بالحجة في لغة العرب عاش فترة من صباه في قبائل السراغنة، فكان لذلك اثر واضحا على فصاحته وتضلعه في اللغة والادب والنحو ، اضافة الى دراسته المتواصلة واطلاعه الواسع حتى اصبح يرجع اليه في اللغة وعلوم البيان والبلاغة والبديع .
وتعتبر لغة الفقيه العالم الفاروقي الرحالي، في معظمها لغة تأمل سليمة صافية من المبالغات والغريب ، وكانت السمات الغالبة عليه التجريد والتعميم وضغط التعبير ، لسعة فكره، وقوة حجته، وصلابة شكيمته وهي سمات كلاسيكية توفرت لجل فقهاء المغرب من أمثال السهيلي والقاضي عياض والإمام الجزولي وغيرهم من القدماء، ولمعاصريه على غرار المسفيوي وبن الصديق، وبن عبد القادر، وجعلتهم يختلفون عن زملائهم بالمشرق، حيث كانت مادتها فكرية وسطية وحضارية في المقام الاول ، وكانت تجلياتها المعرفية في المقابلات والمفارقات تجعل منها عبارات تُشبه الامثال السائرة و الحكم المُيسرة التي يتداولها الناس .
وطبيعي، فقد كان الفقيه الحافظ الفاروقي الرحالي متواضعا في ورعه وسديدا في عبادته ، ومعتدلا في فتاويه، مشهورا بتواضعه وخضوعه للحق، حيث تشهد له بذلك دروسه وأفكاره ومواقفه ومعاشرته لاقرانه وتلاميذه وللناس من مختلف الأطيا المجتمعية، كما ان العلماء من اهل الفقه والاصول والحديث واللغة في المغرب والمشرق اتفقوا على امانة الفاروقي الرحالي وعدالته وزهده وورعه وتقواه وعلو قدره ، وكان مع قدره في العلم مناظرا حسن المناظرة، سمح النفس ، موفور العقل ، صحيح النظر وسليم التفَكٌّر ، عابدا ذاكرا، محبا للعلم والعلماء ، وقد ورد من شمائله أنه يحي الليل صلاةً، ويختم في كل ليلة ختمة من القرآن الكريم الى ان لبى نداء ربه رحمه الله .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

1 تعليق

  1. سعيد يقول

    للتصحيح فقط ف 1315 هجرية توافق 1897 ميلادية وليس 1879 كما ورد في المقال وشكرا

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.