استعيد كلمة سرك.
A password will be e-mailed to you.
من هذا المنطلق، تكاد لا تخلو حومة في مراكش العتيقة من “فرن” لصناعة الخبز، أو “فرنين” أو أكثر خاصة في الأحياء الشعبية المعروفة بكثرة ساكنتها ،أو الأحياء الحديثة العهد نسبيا كالداوديات وسيدي يوسف بن علي، وإن قل وهجها في الأحياء الجديدة الممتدة على مرمى البصر كالمسيرات والإنارة وأزلي وصوكوما. فقد شكل الفران على مر العقود و”مول الفران” جزءا كبيرا من الذاكرة الجمعية لمراكش،ومعظم المدن العتيقة بالمملكة، كفاس وسلا ومكناس والرباط ، وبؤرة لكل الخرائط التبيانية الممهدة لطريق صناعة الخبز وفبركة الحلويات، وإعداد طاوات” السمك والطحال البقري،وحتى الطنجية عندما لاتحصل على تأشيرة الدخول لــ “الفرناطشي”. كما ساهم الفران بقسط مهم في الأمثال العامية، والحكايات الشعبية، بل أن الكثير من الدروب في مراكش العتيقة حملت إسم “الفران”، في القنارية وروض العروس وفي حي باب أيلان، ورياض الزيتون والزاوية العباسية، والقصبة، وعرصة الغزايل،وباب دكالة وغيرها ..
والواقع ! أن الفران هو مصدر الخبز الطازج، ومستودع حتى الخبز “اليابس” الذي تصبب من أجله عرق الكادحين، وتفنن على شرفه خطباء الساسة والزعماء، في الأحزاب والنقابات وإرتفعت للمطالبة به أصوات حناجر الثائرين والمهمشين والدعاة والدجالين والفوضويين والزهاد، والطغاة، والأسرى والجياع والمزايدين في المفاوضات التي تعقب فك الحصار . ومن أكثر الناس حديثا عن الخبز طازجا وغير طازج ،باعة الساندويتشات،والراحل الكبير محمد شكري، وفقراء المزارات الدينية،و”لينين” وتجار أعلاف الماشية،والمطربة الرائعة غيثة بن عبد السلام،مع إضافة الزيتون طبعا،والزجال أحمد الطيب العلج،ورواد المواسم الفلاحية ،ومموني الحفلات والأعراس،وزوار المقابر والأضرحة،وأرباب المطاحن التقليدية والعصرية،ومحامو معتقلي أحداث الثمانينات بالدار البيضاء، وحراس مستودعات الطحين، ومجاوري وأبناء ضريح القطب الصوفي الشهير أبي العباس السبتي،وعشاق القمح الصلب وهواة شقيقه الطري، والصديق عبد الرحمان الباقية، أمين الفرارنية السابق بمراكش، الذي قادته حرفته إلى إخراج ديوان شعر زجلي جميل ورائق للقراء، أسماه “صواب لعجين” . ومع ذلك يبقى الفرانني قائد أوركسترا الخبز بإمتياز، ومصمم روعة الرغيف، العارف باسرار الدقيق الرطب منه والخشن وتداعيات الخمائر ومقالبها،وما جاورهما من عقد وحل في العجين طبعا.
وعلى نفس الواجهة، يدخل أصحاب الفرانات العتيقة خصوصا، على خطوط المنافسة مع “الفرناطشية” حول عمليات إعداد الطنجيات، الأكلة الأكثر شهرة في مراكش وفي معظم الحواضر العتيقة في المغرب، حيث توضع الطنجية في “اللوزة” وهو مطرح نفايات الرماد المشتعل، عادة ما يكون لها طعم ونكهة مختلفة عن “طبيخ الفرناطشي”.