مـول”الفَـرّان” : صانـع تقليـدي، رجـل خدمـات، ووكيـل أخبـار

مايسترو أوركسترا الخبز،وضابط سيمفونية الدقيق

محـمــد القـــنــور :

عدسة: محمد أيت يحي :

رغم الغزو الشرس الذي قامت به الأفران الاصطناعية المنزلية مع سبق الإصرار والترصد، وكسبها محبة ورضى ربات البيوت،خصوصا الموظفات منهن،والمتأنقات ممن يحططن من الخوض في العجين، وينسلن منه مثلما تنسل الشعرة منه، فإن الأفران التقليدية التي ترعرعنا جميعا على تفاصيل إشتغالاتها اليومية لا تزال تاخذ بنصيب الأسد من جغرافية الأحياء العتيقة والذاكرة والمعدة والعواطف، وتسيطر على قدر كبير من الجمال الفطري ودفء الحارات والأزقة والحومات العتيقة،في معظم المدن المغربية العريقة، وتعيد للاذهان ذاك الزواج الكاثوليكي بين “الفرارني” والنجار الذي يدخل عالم “مول الفران” من الباب الواسع الشاسع لصناعة المطارح وألواح الخبز وتعدد “الوصلات الخشبية” وتنوعها في شكل يوحي بالتميز الحرفي والعمق الإنساني .

من هذا المنطلق، تكاد لا تخلو حومة في مراكش العتيقة من “فرن” لصناعة الخبز، أو “فرنين” أو أكثر خاصة في الأحياء الشعبية المعروفة بكثرة ساكنتها ،أو الأحياء الحديثة العهد نسبيا كالداوديات وسيدي يوسف بن علي، وإن قل وهجها في الأحياء الجديدة الممتدة على مرمى البصر كالمسيرات والإنارة وأزلي وصوكوما. فقد شكل الفران على مر العقود و”مول الفران” جزءا كبيرا من الذاكرة الجمعية لمراكش،ومعظم المدن العتيقة بالمملكة، كفاس وسلا ومكناس والرباط ، وبؤرة لكل الخرائط التبيانية الممهدة لطريق صناعة الخبز وفبركة الحلويات، وإعداد طاوات” السمك والطحال البقري،وحتى الطنجية عندما لاتحصل على تأشيرة الدخول لــ “الفرناطشي”. كما ساهم الفران بقسط مهم في الأمثال العامية، والحكايات الشعبية، بل أن الكثير من الدروب في مراكش العتيقة حملت إسم “الفران”، في القنارية وروض العروس وفي حي باب أيلان، ورياض الزيتون والزاوية العباسية، والقصبة، وعرصة الغزايل،وباب دكالة وغيرها ..

كما بات هذا الإسم جزء لايتجزأ من هوية الشخص، يرتبط به كما ترتبط النار بالرماد،وأعتدر عن هذا التشبيه ، ولكن ما العمل؟إن كان الحديث يجري في سياقات وأجواء فرانية مميزة. يفرض الفران نفسه على كل المعادلات اليومية والتحركات المعاشية، ويؤثت إسم الفران بطاقات التعريف الوطنية، وجوازات السفر، ورخص السياقة من كل الأصناف،وأجندات السماسرة ووالوكلاء العقاريين، وجميع أنواع وعناوين الرسائل الغرامية القادمة من الزمن الجميل والغير الغرامية، والمراسلات التجارية والإشعارات الضريبية ومكوس البيع والشراء، وفواتير المعاملات المالية، وعقود الزواج …

والواقع ! أن الفران هو مصدر الخبز الطازج، ومستودع حتى الخبز “اليابس” الذي تصبب من أجله عرق الكادحين، وتفنن على شرفه خطباء الساسة والزعماء، في الأحزاب والنقابات وإرتفعت للمطالبة به أصوات حناجر الثائرين والمهمشين والدعاة والدجالين والفوضويين والزهاد، والطغاة، والأسرى والجياع والمزايدين في المفاوضات التي تعقب فك الحصار . ومن أكثر الناس حديثا عن الخبز طازجا وغير طازج ،باعة الساندويتشات،والراحل الكبير محمد شكري، وفقراء المزارات الدينية،و”لينين” وتجار أعلاف الماشية،والمطربة الرائعة غيثة بن عبد السلام،مع إضافة الزيتون طبعا،والزجال أحمد الطيب العلج،ورواد المواسم الفلاحية ،ومموني الحفلات والأعراس،وزوار المقابر والأضرحة،وأرباب المطاحن التقليدية والعصرية،ومحامو معتقلي أحداث الثمانينات بالدار البيضاء، وحراس مستودعات الطحين، ومجاوري وأبناء ضريح القطب الصوفي الشهير أبي العباس السبتي،وعشاق القمح الصلب وهواة شقيقه الطري، والصديق عبد الرحمان الباقية، أمين الفرارنية السابق بمراكش، الذي قادته حرفته إلى إخراج ديوان شعر زجلي جميل ورائق للقراء، أسماه “صواب لعجين” . ومع ذلك يبقى الفرانني قائد أوركسترا الخبز بإمتياز، ومصمم روعة الرغيف، العارف باسرار الدقيق الرطب منه والخشن وتداعيات الخمائر ومقالبها،وما جاورهما من عقد وحل في العجين طبعا.

وينتمي كل أصحاب الفرانات إلى شريحة الصناع التقليديين الخدماتيين بموجب القانون، لكنهم رغم ذلك،يؤمنون بأنهم يشتغلون على العجين، من الشعير والقمح ملك الحبوب،وذهب الحقول المتألقة في الغرب والرحامنة،في الشاوية ودكالة وسايس.لكونه سيد المحاصيل الزراعية، وحصن الأمن الغذائي، وزاوية للإرتكاز السياسي والتعامل الدولي،والحاضر الأبدي في الأفواه والأمعاء، وفي الأمنيات وحساب الآخرة عندما تصير الحسنات مضاعفة كالسنبلة. ويمثل “الفران” وكلاء أخبار، يحفظ على ظهر قلب أسماء الدروب التابعة لهم، وأنساب العائلات من زبنائهـم، وقديم الأخبار وجديدها:وخبايا الدروب والعائلات، من إبتهاجات الولادة والفطام، إلى مراسيم الجنازات والصدقات والتشيعات لدار البقاء، مرورا بحفلات العقيقة، وحفلات الختان بالنسبة للأولاد و”ثقب أذنين” الصغيرات و”الشرشمة” كإحتفال شعبي ببروز السن الأول في فم الطفل الصغير، وإيذانا بإنضمام المولود الجديد إلى نادي المفترسين، وصولا للخطوبة والقران وترتيبات الزفاف وما تتطلبه من “هشاشة” طبعا في الحلويات .

يقول المدني “معلم فران” 75 سنة، يمارس المهنة منذ نصف قرن، أن نار الفران مختلفة فهي ليست نارا واحدة، إذ أن عملية إنضاج الخبز تختلف عن إنضاج “لقريشلات” أو “كعب الغزال” أو “الفقاص” وباقي الحلويات ،ويستطرد المدني أن نسبة رمي “الفيطور” من المخلفات معاصر الزيتون، والمواد الحارقة الطبيعية لا بد أن تتماشى مع طبيعة وتكوين المواد الغذائية الملقاة في الفرن، التي ليست كلها خبز فقط ، وإنما كذلكـ بعض الأكلات على غرار طاوات السمك ونقانق “الطيحان”،والطحين الذي يشكل المادة الأولية في إعداد “السلو” أو “سليلو” مما يفرض دكتاتورية مطلقة على باقي المطبوخات، بفعل روائحها القوية، ذات التأثير العنيف على المعجونات.

ويضيف المدني بلغة المختص في شؤون النار وأوركسترا الخبز، أن عملية إنضاج الخبز والفطائر بــ “الفران البلدي” هي مسألة صحية، لأنها تضمن الإحتراق الكامل، دون الإبقاء على مخلفات الغازات التي تمتصها الأطعمة، وهي في الغالب ماتكون غازات سامة. ورغم المنافسة الشرسة التي أصبحت تتعرض لها الفرانات التقليدية من طرف المخابز العصرية والفرانات المنزلية، فإنها لا تزال تحتفظ بوهجها الخلاب، الذي يؤكده امتزاج الخبز بنكهة “الفيطور” ، ورنين “طاوات الحلويات” ووقع خشب “الوصلات” .

وعلى نفس الواجهة، يدخل أصحاب الفرانات العتيقة خصوصا، على خطوط المنافسة مع “الفرناطشية” حول عمليات إعداد الطنجيات، الأكلة الأكثر شهرة في مراكش وفي معظم الحواضر العتيقة في المغرب، حيث توضع الطنجية في “اللوزة” وهو مطرح نفايات الرماد المشتعل، عادة ما يكون لها طعم ونكهة مختلفة عن “طبيخ الفرناطشي”.

ويؤكد حميد 45 سنة متزوج وأب لأربعة أبناء، صاحب فران تقليدي في أحد أحياء مراكش العتيقة، أن إعداد الطنجية وإنضاجها على نار”اللوزة”يتطلب وقتا كثيرا،وصبرا ودراية ومهارة واحترافية، لأن اللوزة نارها هادئة وكثيرا ما تفاجئ “لمعلم لفرارني” بإحراق الطنجية إذا ما تهاون أو غفل عنها، على خلاف نيران الفرناطشي المستمرة والظاهرة للعيان.

وبعيدا عن عالم المنافسة، وفي إطار المحاكمة الغير العادلة التي كثيرا ما يخضع لها “مول الفران” يكون هذا الأخير هو المشجب المثالي، الذي تعلق عليه كل أنواع فشل ربات المنازل ومساعداتهن ممن تراكمت عليهن أشغال البيت، فأخطأن في وضع التركيبة اللائقة للعجينة. حيث يدفع “مول الفران” في الغالب ثمن هذا الفشل … ويتحول إلى كبش فداء، تزين به صاحبة المنزل وجهها أمام زميلاتها في الدرب والحومة، في العمارة والضاحية… وأمام أبنائها وبناتها و زوجها، أو أمام الضيوف ممن لايجدون بدا في أكل الخبز المحروق، أو الخبز المفطور .

فقد ضبطت الأمثال الشعبية هذه المسألة من عقود خلت، وقالت عن “صاحب الفران” :”مول الفران، وجهو للنار وظهره للعار” ، في إستحضار لتعديلات طفيفة وشعبية جميلة لخطبة القائد الأمازيغي المغربي طارق بن زياد …التي يحفظ كل المغاربة مطلعها، في خيار مابين البحر وبين العدو  .

أما بالنسبة للمعلم “الفرارني” فالمعادلة تُصبح أين المفر؟… النار من أمامكم … وشتائم ربات البيوت ولعنات الخادمات من ورائكم … وليس لكم إلا “المطرح” والصبر.

ويبقى “مول الفران” إضافة إلى كونه خبيرا لا يضاهى باعه، في معرفة العجائن ومزاجية عاجناتها، مناضل صامت ظل يشكل حضورا قويا وغير مباشر على موائدنا .

باراكا ! من الكتابة …. “نوض جيب” الخبز من الفران”…

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.