من أجل قراءة نقدية تحليلية لوضعية مغاربة العالم

مـحـمـد الــقـنــور  :

تعرف وضعية مغاربة العالم حالة صعبة للغاية في ظل واقع إقليمي ودولي حساس يفرض  نظرا للطبيعة الإستثنائية للمرحلة،سياسيا و إقتصاديا وإجتماعيا،إعادة النظر في مقاربة التعامل مع مغاربة العالم من أجل مساعدتهم وتخفيف أثار الأزمة الإقتصادية عليهم بكل السبل وتمكينهم من الوسائل القانونية والمؤسساتية الكفيلة للتعبير عن مشاكلهم وحقوقهم ومعاناتهم.
وفي هذا الإطار،فإن المشاكل التي يمر منها مغاربة العالم تحتاج الى إعادة مساءلة جدية لدور ودينامية وفعالية كافة المؤسسات المعتمدة على المستوى الوطني والمهتمة بموضوع مغاربة العالم وآليات عملها،وتعاملها وإستراتيجيتها المعتمدة، في ظل المطالبة بعدم بقاء مغاربة العالم مجرد فاعل هامشي وملحق في مسلسل إنتاج الثروة الوطنية وتوزيعها، بل إن الإهتمام بهذه الفئة و صون كرامتها وتلبية مطالبها وإشراكها في اتخاذ القرار فيما يخص مشاكلها وحاضرها ومستقبلها أصبحت من مرتكزات دستور 2011.
وفي هذا الصدد، تتطلب المرحلة الراهنة دمج كفاءات وطنية جديدة من أبناء مغاربة العالم بهذه المؤسسات ذات الصلة، لكونهم أدرى بمشاكل هذه الفئة العريضة من مغاربة العالم وبعيشهم وقربهم من الجيل الجديد من مغاربة العالم الذي أفرز كفاءات وطنية مشـرفة تحظى بالمصداقية و الثقة بين أبناء مغاربة العالم،و ذلك على عدة مستويات منها : 

أولا : على مستوى مجلس الجالية المغربية :

يشكل المجلس مكسبا لمغاربة العالم،ولكن على إمتداد السنين الفارطة وتحديدا منذ تأسيسه سنة 2007،ظل ناقصا ولم يتم تعيين بقية الاعضاء كما هو منصوص عليه في ظهير التأسيس أعضاؤه شبه غائبين على الوسط الحقوقي و الجمعوي و السياسي المغربي بالخارج، باستثناء بعض الأنشطة هنا وهناك، بينما واقع الحال كان يقتضي من أعضاء المجلس القيام بزيارات ميدانية متتالية ومتابعة مستمرة للإطلاع على وضعية مغاربة العالم ، وفتح نقاش جدي ومعمق لطرح أهم القضايا والمشاكل الحقيقية التي تعاني منها الفئة العريضة، وصياغة تقرير شامل عن واقعهم مع حلول مرفقة بها، حسب الظهير الشريف الذي يحدد مهامها.

ففي ظل غياب رؤية تنفيذية واضحة وإستراتيجية بناءة قابلة لتحقيق أهداف تأسيسه، لا يمكن الوصول للنتيجة المرجوة من المجلس، وطرح إعادة هيكلته بشكل محوري يتناغم مع اهتمام الفاعلين السياسيين والقوى المدنية الحية التي أبانت عن نضجها خلال السنوات الأخيرة، ولما يكتسيه من صبغة هامة باعتباره مدخلا جديدا لإعادة النظر في موضوعات ورش مغاربة العالم, وبالتالي المطالبة بــ :


1- بتسريع صياغة مشروع القانون الجديد الخاص بمجلس الجالية المغربية طبقا لدستور 2011 و المصادقة عليه؛
2- إشراك الفعاليات المدنية و الناشطين الحقيقيين في صياغة مشروع الهيكلة الجديد هذا؛
3- دمج كفاءات وطنية جديدة ذات حس ديمقراطي ومرجعية وطنية تحظى بالمصداقية و الثقة من أبناء مغاربة العالم، مع تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة،
4- تحديد رؤية واضحة وبناءة للمجلس تحقق أهدافه المسطرة لتجاوز أخطاء المرحلة السابقة .
5- إشراك مغاربة العالم والفاعلين المدنيين في مسلسل الإنتاج الديمقراطي للمجلس المقبل .

ثانيا : وزارة الخارجية والوزارة المنتدبة للمغاربة المقيمين بالخارج :

إن دور هاتين المؤسستين الحكوميتين محوري وحاسم في ورش تلبية مطالب مغاربة العالم و الحفاظ على كرامتها وصونها في كل مكان. وفي هذا الصدد ، فإن كل من الوزارتين يجب أن تنفتحا على كل شرائح القوى المدنية و الجمعوية بالخارج وليس باعتماد مقاربة الإنتقائية السلبية لبعض الأشخاص من هذا البلد أو ذاك .
على وزير الخارجية إعطاء الصلاحيات للوزيرة المنتدبة وهذا إهانة لمغاربة العالم وتجميد كل أنشطة الوزارة كما هو محدد اختصاصاتها الدستورية.
وفي هذا الإطار نعتبر أن مثل هذه الطرق أصبحت من مقاربات الماضي التي لاتسمن ولاتغني من جوع, فجميع القرارات التي تصدر عن المؤسستين بخصوص مغاربة العالم يجب أن تعتمد على منهجية التجديد والإبتكار والمقاربة التشاركية في طريقة صياغتها, وبالتالي فإن مسألة التشاور و حشد الإجماع و التوافق الوطني على القرارات التي تمس بشكل أو بآخر مغاربة العالم، يجب أن تكون من خلال استشارتها و مشاركتها وإشراكها في كل مراحل صياغة القرار, ومن خلال بلورة مشاريع جديدة تتعلق بهم.
كما أن المؤسستين من الضروري أن تضعا استراتيجية موسعة ورؤية جديدة بخصوص المرحلة الحساسة ، تعتمدان في الأساس على التصدي لليمين المتطرف في أوروبا و الذي وصل في عديد من البلدان الأوروبية لسدة الحكم، إضافة إلى مشكلة الكفالة في دول الخليج, ومشاكل مغاربة افريقيا وليبيا وكل مناطق التوتر والبؤر الساخنة دوليا .

فهذه المؤسسات الدستورية, قد هدرت زمنا سياسيا ثمينا كان من المفروض أن يمثل فرصة لفتح نقاش واسع وقوي،و الذي على أساسه يقتضي تشكيل لجنة موسعة تشكل من الكفاءات الوطنية بالخارج ومن هيئات المجتمع المدني و الناشطين الجمعويين بها، للتشاور كمطلب مؤسسي ضروري لصياغة رؤية جديدة لمعرفة متطلبات هذه الفئة من الشعب المغربي، كبداية لطريق الإصلاح الحقيقي والمعالجة الواقعية لمشاكل مغاربة العالم وتحقيق مواطنتهم الكاملة.
1- الدفع من أجل عمل هذه اللجنة كآلية تشاورية حية وبناءة ومباشرة من أرض الواقع المعاش لمغاربة العالم مع الوزارتين المعنيتين
2- عقد اللجنة المذكورة للقاءاتها بالوزراء المعنيين بهذه الفئة من المغاربة أو من ينوبون عنهم لتقديم معطيات ورؤى بشكل دوري لهم يمكن من خلالها  اتخاد خطوات بناءة مضمونة النتائج و الأهذاف.


ثالثا : القنصليات و السفارات في الخارج :

كما يُلزم  إيجاد حلول عاجلة للصعوبات المرتبطة بالقطاعات والإدارات المعنية سواء القنصلية في الخارج أو الادارات المعنية في الداخل، والاعتناء بالبنية التحتية للقنصليات والإدارات المغربية ومواردها البشرية ببلدان إقامة مغاربة العالم، وإعادة تكوين وتأهيل الطاقم القنصلي وفتح باب تشغيل أبناء الجيل الثاني والثالث في القنصليات المغربية ببلدان الاقامة، وتأهيل وتطوير البرامج التعليمية لأبناء مغاربة العالم وتحيينها بما يتماشى مع دستور 2011 في مجال تعليم اللغة والثقافة المغربية الأصلية من عربية وأمازيغية, وعليه:
فإن الدعوة لوضع منظور شامل للإصلاح و التحديث للإدارات الوطنية بالخارج و تمثيلياتها الدبلوماسية بما يخدم المواطن المغربي و يفعل حقوقه ويحفظ مواطنته طبقا للمبادئ المؤسسة المنصوص عليها في دستور 2011 ، باتت أمرا ملحا مع استلهام التجارب الرائدة والواعدة في ورش إعادة الهيكلة و التحديث.

رابعا : تفعيل المشاركة السياسية لمغاربة العالم وتمثيلهم بالبرلمان

كما أن التفعيل الدستوري للفصول 17/18/30 و 163 من دستور 2011 باعتبارها المقتضيات التي تقضي بحق تمثيل مغاربة العالم في البرلمان يعد اليوم أمرا مستعجلا وحاسما سيساهم في إسماع صوت السبعة ملايين ممن يعيشون في غالبيتهم المعاناة جراء وجود بعضهم في وضعية غير قانونية أو ممن تأثروا بالأزمة الإقتصادية بشكل عام, حيث في هذا الصدد يتوجب :
1- دعوة البرلمان إلى التعجيل بدراسة مشاريع مختلف الفرق البرلمانية التي تم تقديمها أواسط السنة الفارطة بغية تفعيل مقتضياتها .
2- دعوة الفرق البرلمانية للتوافق و الإتحاد حول صيغة مشروع واحد ، حيث أن وجود مشاريع مختلفة ومتفاوتة لايخدم مغاربة العالم, ممن هم وهن  في غنى عن الإختلاف و التباين السياسوي .
3- دعوة الى تمثيلية حقيقية في كل مجالس الحكامة المدسترة حيث يلاحظ تغييب كفاءات هذه الفئة من المغاربة وعدم وضوح مسطرة اختيارهم في مجالس الحكامة والعمل من أجل تمتيع الكفاءات الوطنية منهم ومنهن بالاستفادة من الفصل 92 للدستور.

خامسا : مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة بالخارج :

من الواضح، أن هذه المؤسسة أنشأت من اجل الاهتمام بالجانب التعليمي والثقافي لمغاربة العالم لكنها مع الأسف لم تقم بالدور المنوط بها كما هو منصوص عليه في ظهير تأسيسها، لدرجة أنها أصبحت مؤسسة مهددة بالشلل حيث لم يتم تجديد لا مجلسها الاداري ولا تشبيب اطرها، مما بات يفرض القيام بهيكلة جديدة لها وبتحديث وعصرنة لاجهزتها وبمراجعة لأهدافها حتى تتماشى مع الاجيال الجديدة لمغاربة العالم.

سادسا : بنك العمل :

انشئ بنكـ العمل سنة 1989 من اجل تشجيع استثمارات مغاربة العالم وتحفيزهم على الاستثمار بالمملكة الوطن الأم ، لكن هذا البنك بات يرزح تحت هيمنة جهة دون جهات، وهو ما يلح على المطالبة بجرد شفاف لكل المشاريع التي تم تمويلها منذ تأسيسه الى الآن، في أفق أن يكون بنكا استثماريا حديثا ، رهن اشارة المستثمرين من مغاربة العالم ، يخدم التنمية المجالية والقطاعية خصوصا بمناطق المغرب العميق التي تم اقصاء غالبيتها لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية من مسار التنمية .

سابعا : المجلس الاوربي للعلماء المغاربة :

لقد صدر بالجريدة الرسمية عدد 5680 – 7 ذو القعدة 1429 (6 نوفمبر 2008) الظهير الشريف رقم 01.08.17  في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) والمنظم للمجلس العلمي المغربي لأوروبا كما صدر الظهير رقم 1.08.131 القاضي بتعيين رئيس المجلس العلمي المغربي لأوروبا و الأعضاء به، قصد أن يعتني هذا المجلس بالشؤون الدينية والفكرية للمغاربة المقيمين بأوربا ويسعى إلى تثبيت مرجعية المغاربة الدينية القائمة على الوسطية، ويروم تعزيز سبل الحوار والتواصل بين مختلف الديانات و الثقافات داخل المجتمعات الأوروبية، غير أنه مع الاسف الشديد ومنذ تأسيسه لم يقم بأي من المهام المذكورة بالظهير الشريف المعني.

إذ لايزال إلتحاق بعض الشباب المغاربة في أوروبا المغرر بهم، بالتنظيمات الاسلامية المتطرفة في أفغانستان والعراق وسوريا ، تكشف عن سلبيات التدبير الأحادي للشأن الديني دون إشراك المؤسسات الدينية لمغاربة العالم، حيث بات المجلس  المعني يفرض  إعادة النظر فيه وفي تركيبته وفتح نقاش مع كل المؤسسات الدينية ومختلف الأئمة والعلماء المغاربة في العالم.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.