تلتصق مهنة الخبازات أو بائعات الخبز في مدينة مراكش، بالحكايات المتواترة، والأمثال الشعبية، ودواليب الحياة اليومية التي تعج بها الدروب والأزقة، وتتفتق عنها الأسواق والساحات، وتعتبر الخبازات من المهن النسائية الشائعة في مراكش، والمرتبطة بأكثر من انزياح ودلالة تحيل إلى مفاهيم الزهد والقناعة والمثابرة.
وتعود مهنة “الخبازات” في مراكش إلى ما قبل الحماية الفرنسية بقرون، وتحديدا حسب بعض المصادر التاريخية، إلى فترة السعديين، حيث كان لكل حي من أحياء المدينة العتيقة إلى نهاية القرن المنصرم خبازاته، وكانت هؤلاء الخبازات يتباين في احتلال المواقع داخل النسيج الحضري للمدينة، ويتفاوتن من حيث أوقات الإشتغال ونوعية المنتوج بين خبز القمح وخبز الشعير والرغيف المصنوع من السميدة أو “الدشيشة” .
كما لكل حي خبازاته اللواتي يتخصصن في إمداده، فالخبازات في باب دكالة لسن هن خبازات باب الخميس أو الموقف أو زاوية لحضر ، والتي تكاد ترتبط مهنتهن بمهنة الدباغة والجيارة والفخارة لكونهن قريبات من “دور الدباغ” .
عيشة والباتول وفطومة والحاجة أسماء نقشت في الذاكرة الشعبية المراكشية لخبازات أسال خبزهن لعاب الكل، تفاوتن في “الحطة” وفي توقيت العمل، ولكنهن إتفقن في النسمة والشهرة .
كما أن هناك خبازات الصباح وخبازات المساء، وخبازات أول ساعات الفجر.
فأينما تولي وجهك في أسواق مراكش، ثمة الخبازات بأعداد تحصى اللواتي يتحولن في مناسبات الأعياد الدينية والوطنية، واحتفالات رأس السنة الميلادية، وزمن عاشوراء وطيلة شهــر رمضان إلى بائعات الفطائر، في أطباق يضعن فيهـــا “البغريـر” أو”المـلاوي” أو”المحنشة” أو”رزة القاضي” وبأثمان تختلف حسب الموقع، وهيئة البائعة، وملامح النظافة، ومعايير الجودة، فكلهن يسعين إلى جلب الزبناء، بعرض منتوجهن بأسلوب إشهاري لا يخلو من الدعابة والطرافة، وقد يصل الأمر بإحداهن إلى التباهي بكونه من صنع “لبنات والعيالات الحادﯖــات” وذوات الخبرة والتجربة الطويلة في الميدان.
وهنا بحي الطالعة، قرب سوق السمارين، تقول الباتول إحدى الخبازات لــ “اسوال بريس “: “أشرع في تحضير الخبز ابتداء من الساعة الثالثة صباحا، باستخدام ستة ألواح دفعة واحدة، حتى أكون في موعد حضور أحد الزبناء، لتمكينه من الحصة اليومية، التي دأب على اقتنائها، وتضيف أما خلال شهر رمضان فإني أتشاجر مع زوجي، كي يسمح لي بالذهاب إلى الأسواق الأسبوعية القريبة من مراكش لبيع البغرير، لاسيما وأنني ورثت هذه الحرفة عن والدتي، التي امتهنتها منذ سنوات الستينيات، حين كان ثمن البغريرة الواحدة، لا يتعدى ريالا واحدا.
في حين تؤكد “راضية” خبازة أخرى تشتغل على مقربة من ساحة جامع الفنا، بسوق الجديد أن العديد من النساء العاملات خاصة في مسالك الوظيفة العمومية، لا يكفيهن الوقت ولا تسعفهن الظروف لطهي الخبز البلدي بأنفسهن، وهو الخبز المعروف في الأوساط الشعبية بــ “خبز الخبازات”. ولذلك تكون الحاجة إلينا أمر حتمي لجلبها من السوق، وغالبا ما تسند إلى الزوج مهمة اقتنائها، رغم أنه لا يفقه في جودتها، خاصة أمام تباين أحجامها، وألوانها وأثمانها طبعا.
وتضيف “راضية” أن المخبزات العصرية أو “البولانجي” لا تشكل أية خطورة على مهنتهن.
وحسب باحثين في العلوم الإجتماعية ومحللين أنتروبولوجيين مغاربة ودارسين من جامعة القاضي عياض مختصين في الثقافة الشعبية، فإن مهنة “الخبازات” في مراكش تعود إلى أوساط القرن التاسع عشر، وتعتبر من المهن الأولى التي مكنت النساء من الخروج إلى الشارع العام والأسواق، مستدلين في ذلك بكون الخبازات كن يمارسن تجارتهن من داخل “أكشاك خشبية صغيرة” تمكنهن من الإختفاء عن الزبناء، وعدم إظهار قدودهن او أجسامهن، وهي البراريك التي بقيت في “جامع الفنا قرب سوق الجديد إلى غاية السنوات الأخيرة، ثم اختفت.
والحق أن مهنة الخبازات تختزل بين طياتها عبق التراث التليد في بلادنا، وعمق المدن المغربية، وأريج الكرامة الشعبية المغربية والاعتداد بالذات، ولكونها مهنة من عمق تراث شعبي ومهنة وخصوصية نسائية في مراكش بدأت تضمحل أمام أعين المسؤولين دون الإنتباه لها.