في بادرة تاريخية غير مسبوقة، جمعية المنية تعيد فنون الحكاية لمراكش

مـحـمـد الـقـنــور : 

لاشكــ أن الحكاية الشعبية في مراكش على غرار باقي الحواضر المغربية تشكل جزءأ أصيلا من الثقافة الجماعية، ومنصة على التعبير الوجداني الجماعي المتوارث و المتواتر وترسانة للقيم المغربية، وليست مجرد مظهر من مظاهر التسلية.

وقد شكّلت ساحة جامع الفناء في مراكش، أشهر وأعرق فضاء حي لتداول القصص وحكي السير والملاحم، بالإضافة إلى ساحات مغربية في كل من فاس ومكناس، ووزان و تارودانت والسمارة وبالأسواق الأسبوعية في أعماق القرى والدواوير بالوطن حيث كان الحكواتيون يجمعون الناس في حلقات، ويروُون لهم قصص الأنبياء والأولياء، وحكايات “ألف ليلة وليلة”، والملحمات الشعبية العتيقة على غرار الأزلية والعنترية و الحمزاوية وذات الهمة، وصولا إلى النوادر الساخرة لجحا ولغيره،وقصص الأنبياء والأولياء،والصالحين والعارفين، وحكايات “ألف ليلة وليلة”، والملحمات الشعبية العتيقة على غرار الأزلية والعنترية والحمزاوية وذات الهمة، وصولا إلى النوادر الشيقة والساخرة وغيرها.


وعبر القرون الطويلة فقد ظلت هذه الحلقات بمثابة معاهد ثقافية شعبية، حافظت على التوازن بين البعد الروحي والبعد الاجتماعي، وإذكاء روح التشويق والجمال والخيال لدى المستمعين.

لكن مع مرور الزمن، بدأ عدد الحكواتيين والزجالين والمطربين القصاصين الشعبيين كالفقيد مولاي أحمد قلوش والفقيد عبد الكريم الفيلالي صاحب القصة المغناة “حكاية بوفسيو والسبع” والقصة المغناة “سيد العلا” و”قصة النقائض المغناة بين مدخن الكيف وشارب الخمر” و”قصة الدرهم” وغيرها يتناقص بشكل ملحوظ، وأصبحت وضعيتهم المادية والاجتماعية هشة، مما هدد استمرار هذا التراث المغربي الزاخر والفريد من نوعه والغير المادي.
في هذا السياق، بادرت جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته إلى تأسيس مدرسة مراكش للحكي، باعتبارها مركزًا للتكوين والتأهيل، تروم إنقاذ المكانة المعنوية السردية والوظيفة الثقافية لساحة جامع الفناء، وتكوين جيل جديد من الحكواتيين الشباب، ذكورًا وإناثًا، قادرين على تقديم فن الحكاية في الساحة وفي فضاءات ثقافية متعددة كالمراكز الثقافية و دور الشباب، الجامعات، المسارح، المهرجانات، والفنادق والمنتجعات السياحية وحتى السجون ودور الأيتام.

كما وضعت جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته ، أسُسَ هذه المدرسة، من خلال برنامج متكاملً يجمع بين النظري والتطبيقي والميداني، بمعدل 20 ساعة أسبوعيًا، موزعة على حصص دروس في فنون الحكي تحت إشراف كل من المعلمين الحكواتيين مثل محمد بارز وعبد الرحيم الأزلية، موازاة مع محاضرات ودروس في الأدب والتاريخ والتصوف للأستاذ جعفر الكنسوسي الخبير الأكاديمي في قضايا التراث المادي والغير المادي، وورشات حول مسرحة الحكاية للأستاذ الجامعي المسرحي إبراهيم الهنائي، يمزج أثنائها بين التقنيات الإيصاتية للكلمات وحركات الجسد ودلالات الإيماءات.

إلى ذلكــ ، يشتمل البرنامج المذكور، مجلسا حكواتيا أسبوعيا مفتوح لفائدة الجمهور، باللغة الفرنسية مع الأستاذ باتريك مناك، وباللغة الإنجليزية مع الحكواتي الأستاذ زهير الخزناوي، فضلا عن حلقات ميدانية منتظمة في جامع الفناء، وزيارات ميدانية لمعالم تاريخية ومتاحف ومؤسسات ثقافية.

وإستمرارا في إشعاعها المحلي والوطني والدولي فقد دأبت جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته ، على تنظيم ورشات للخط العربي وتعلم أسرار الكتابة المغربية الأندلسية مع الخطاط الفنان الأستاذ عبد الغني ويدة، فضلا عن دروس نظرية وتطبيقية في فنون السماع والمديح، والطرب الأندلسي وموسيقى الألة للشيخ والعمدة في هذا المجال الحاج محمد باجدوب ، والموسيقى إضافة إلى فنون الملحون والزجل والموسيقى الشعبية.

هذا، وتقوم البنية التنظيمية لمدرسة الحكي بمراكش، على لجنة علمية وفنية تتشكل من الأكاديميين والحكواتيين المحترفين والموسيقيين تتولى وضع الاستراتيجية وتحديد البرامج والإشراف على التكوين، يرأسها الأستاذ الخبير الأكاديمي جعفر الكنسوسي، وتضم علماء وأكاديميين وجامعيين ومهندسين وخبراء وفنانين مبدعين في مختلف ضروب الفن التعبيري والفن التشكيلي، كما يتشكل طاقمها الإداري من مدير وحارس عام وكاتبة، إضافة إلى طواقم وظيفية مختصة في الحراسة والصيانة والإعداد، وذلكــ بشراكات مع جامعات مغربية وجامعات أجنبية، ومراكز ثقافة، وإدارات متاحف، ومعارض وطواقم مسؤولة عن مهرجانات، ومؤسسات عمومية ومؤسسات خاصة ودور شباب، وذلكــ قصد الحفاظ على التراث الشفوي غير المادي الذي تعاني حلقاته من الاضمحلال، وتأهيل الشباب الحكواتيين بمهارات مهنية تضمن لهم حياة كريمة ومكانة اجتماعية، والإستمرار في إعادة الاعتبار لساحة جامع الفناء باعتبارها فضاءً ثقافيًا عالميًا مصنفًا من طرف اليونسكو كتراث شفوي للإنسانية، والمساهمة في التنمية الثقافية وفي تجويد الصناعات السياحية عبر تقديم عروض حكواتية في فضاءات متنوعة.


والحق، أن مدرسة مراكش للحكي كمبادرة تاريخية وثقافية من جمعية منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته، لا تعتبر مجرد مؤسسة تعليمية، وتواصلية فقط، بل مشروعا حضاريا يسعى بخطى علمية وخرائط منهجية نحو إنقاذ ذاكرة جماعية مهددة بالاندثار، وإعادة الاعتبار لفن الحكاية باعتباره فنًا جامعًا بين الأدب والمسرح والموسيقى، وبين التراث والحداثة، من خلال تكوين جيل جديد من الرواة.

كما تسعى ذات المدرسة إلى ضمان استمرارية هذا الفن العريق، وإلى جعل مراكش مرة أخرى عاصمة للحكاية الشعبية، كما كانت عبر قرون، ومنذ زمن الأديب المؤرخ والعالم الموسوعي لسان الدين بن الخطيب، الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي ، أي القرن 8 الهجري.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.