رمضان في مراكش: شهر التضامن والأجواء الربانية و سمر الليالي
مـحـمـد الـقـنـور :
عدسـة : مـحمد أيت يحي :
يكتسي شهر رمضان في مدينة مراكش طابعا خاصا، يتوحد خلاله الإحساس الروحي بالبعد الشعبي ، وتمتزج عبره التقاليد العريقة والعادات الآصيلة ، مما يفيد أن الإسلام الوسطي المعتدل للمغاربة لا يتلخص فقط في التزامات وواجبات الصيام بل يتعدى ذلك إلى قيم
التسامح والتضامن والإيثار والتعايش التي يكرسها في المجتمع المراكشي خصوصا والمغربي عموما من خلال مبادرات تقوي إيمان المواطن وتزكي عمله وصيامه كفريضة دينية تروم وجه الله تعالى وتهدف لرضوانه .
فمدينة مراكش الغنية بتراثها المادي واللامادي،والشهيرة بنكتها الإجتماعية وبريقها الدولي، وتعددها الثقافي، تُبرز بشكل تلقائي عاداتها وتقاليدها العريقة خلال شهر رمضان ، في آصالة تترجمها مختلف الواجهات الروحية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية بامتياز.
فمراكش، هذه المدينة المترامية الأطراف والعريقة، والحاضرة الإسلامية والواحة الجميلة ، المُتموقعة مابين السهل والجبل، على إمتداد مرأى البراري، وإختلاف الأزمنة ، تشتهر بعادات وطقوس غنية ومتنوعة ، خلال شهر رمضان الكريم، مثل حبات لؤلؤ توارثتها الأجيال خلفا عن سلف، ورسخت أصالتها الأيام وأبانت عن أبعادها الروحية والجمالية، لتشكل طابعا فريدا وصامدا على مر القرون المتعاقبة .
ويظل الصيام الأول للفتيات الغير البالغات، وللفتيان اليافعين، من أبرز الطقوس الإحتفالية بمدينة مراكش، حيث تتم زيارات أضرحة الرجال السبعة بالمدينة، لهؤلاء اليافعات واليافعين ممن يحظون برعاية خاصة من طرف أُسرهم، إذ منذ ليلة اليوم المزمع صومه من طرف هؤلاء اليافعات واليافعين تتجمع الأمهات ليحنئن أكف وأقدام البنات اللواتي ، ويحضرن زينتهن الباقية للغد، من كحل ولباس تقليدي، وإعداد مائدة من مختلف أنواع الفطائر والتمور والأعاصير والعسل،والفواكه الجافة، بالإضافة إلى “حريرة” رمضان المألوفة وما إلى ذلكـ .
كما تعمد الأمهات إلى تزيين بناتهن بأجمل الثياب وأزهاها، وتأثيث أجسادهن الصغيرة بالحلي ، إذ حتى الصغيرات ممن ينتمين لأوساط معوزة تتم إستعارة هذه اللوازم الإحتفالية لهن مما يدخل السرور على قلوبهن، فيظهرن في صور حوريات صغيرات، إشعارا من أهاليهن بمراسيم صومهن لأول، في حين يتزين الأطفال من الذكور باللباس التقليدي المغربي، من الجلباب الأبيض والطربوش الأحمر والبلغة الصفراء، أو البيضاء حيث يرافقون عائلاتهم لأداء صلاة العصر بالجوامع، في إنتظار فرحة آذان المغرب، وموعد الإفطار، كتجربة غير مسبوقة لديهم .
وتبرز التقاليد الشعبية المرتبطة بشهر رمضان الأبرك بمدينة مراكش، مختلف مناحي تقوية الإيمان والمواظبة على التعبد من خلال أداء صلاة التراويح في مسجد الكتبية خصوصا، والتقرب إلى الخالق بفضاءاته المفعمة بالسكينة والدفق الروحي، كما تشكلُ أيام رمضان موعدا يتجدد كل سنة لتحقيق السعادة الروحية وتكريس طبائع وقيم الكرم وإيثار الآخر.
أجواء روحية وليالي مقدسة
ويحفل شهر رمضان في مراكش، بقيام الشباب من كلا الجنسين بأنشطة اقتصادية تعود بالربح المادي عليهم، حيث تكثر عربات بيع العصائر والألبان، في حين يكتري شباب آخرون محلات لبيع “الحلوى الشباكية” و”المقروط” في حين تفضل يظل هذا الشهر الفضيل مناسبة لخلق دينامية اقتصادية مهمة تهم العديد من المهن والحرف خاصة في قطاع الصناعة التقليدية التي تعرف منتوجاتها خلال شهر رمضان الأبرك رواجا واهتماما كبيرين مما يكرس استمرارية تقاليد وعادات عريقة استطاعت مدينة مراكش أن تحافظ على توهجها منذ قرون طويلة .
ففضلا عن الاهتمام بالجانب التعبدي والديني من خلال التردد على بيوت الله في مختلف أحياء المدينة لأداء الصلاة والإكثار من أعمال البر والخير والاستغفار والاجتهاد في الطاعة يتشبث سكان مدينة مراكش خلال هذه المناسبة بتقاليد المأكل والملبس عبر إحياء العديد من العادات والتقاليد التي كرستها مدينة سبعة رجال احتفاء بهذا الشهر الفضيل، على غرار الإحتفال بــ” ليلة النص” منتصق شهر رمضان حيث يشكل الدجاج الوجبة الرئيسية للإحتفال، سواء بالمرق محمرا، أو مع الكسكس ، أو الثريد مما يعرف بــ”الرفيسة “، ولايعادل هذه الليلة ، سوى الليلة السابعة والعشرين من نفس الشهر، وهي ما يطلق عليه “ليلة القدر” حيث تحرص ربات البيوت خلال هذه الليلة المباركة على إعداد وتحضير وصفات ومأكولات و ( شهيوات ) ، عادة ما تشكل إستثناء عن باقي موائد الإفطار طيلة الشهر الكريم، ومن خلال تبادل الدعوات بين العائلات والأقارب والأصدقاء .
وإلى جانب أعمال البر والتقوى والتضامن التي تتضاعف بمبادرات وأنشطة من طرف مؤسسة محمد الخامس للتضامن وبعض الجمعيات الخيرية يتميز شهر رمضان بانخراط الأفراد في مثل هذه المبادرات من خلال قيامهم بأعمال الخير والبر ومساعدة الفقراء والمساكين والإحسان إلى الفئات الاجتماعية التي تعاني من ضيق العيش ومن الفاقة والعَوَزِ .
شهر التضامن ونفحات إيمان
تؤكد الدكتورة لطيفة بلالي رئيسة فرع المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين بمراكش، أن محبة الآخر وإيثاره خلال هذا الشهر الفضيل هو أمر طبيعي ما دام أن المغزى العميق لشهر رمضان والجوهر الحقيقي للصيام هو دعوة المؤمن إلى الإحساس بالآخر وبمشاكله ودعمه ومساندته وبالتالي تكريس قيم التسامح والإخاء والتضامن .
وتضيف بلالي أن المبادرات التضامنية والإنسانية لفائدة اليتامى والمحتاجين تشكل أحد مكونات الأنشطة الرمضانية لساكنة مدينة فاس الذين يقدمون وجبات الفطور للصائمين العابرين وللمحتاجين .
حلول شهر الصيام يشكل موعدا للمؤمن من أجل ترك كل العادات والشهوات والارتقاء في مدارج الإيمان والسمو بالنفس عن صغائر الأمور والعمل على تزكية النفس عبر ترويضها على طاعة الخالق .
ولأن المساجد الفيحاء كثيرة في مدينة الرجال السبعة، على غرار مسجد إبن يوسف، ومسجد المواسين ومسجد بب دكالة، ومسجد باب أيلان، ومسجد الكتبية، ومسجد تركيا بجليز ومسجد مولاي اليزيد بحي القصبة، ومسجد “تيحيحيت” بالمسيرة، ومسجد بوعكاز، في المحاميد ومسجد بريمة، وغيرها من المساجد التي يصل عددها إلى ما يزيد عن 136 مسجدا. منها 23 مسجدا جامعا، تقام به خطبة وصلاة الجمعة، في حين يظل الباقي منها للصلوات الخمس ، كفضاءات يؤمها الصائمون بكثافة خلال هذا الشهر الكريم.
حيث يتواجد بقلب المدينة العتيقة ودروبها أو بالمدينة الجديدة وشوارعها وأزقتها تشهد منذ الأيام الأولى لشهر رمضان إقبالا ملفتا من طرف المصلين والذي يستمر طيلة نهارات وليالي هذا الشهر المبارك، كما تشهد هذه المنارات الدينية والروحية توافدا كبيرا من طرف المواطنين الذين يتقاطرون عليها في كل وقت من أوقات الصلاة لأداء شعائرهم .
الدينية في جو روحاني يعبق بالذكر وتلاوة القرآن والتضرع إلى الله بالدعاء الصالح، وموازاة مع أداء الصلاة في وقتها داخل المساجد يحرص المواطنون الذين يفدون على بيوت الله خلال الشهر الأبرك على حضور وتتبع الدروس الدينية التي يلقيها علماء أجلاء طيلة شهر رمضان والتي تتمحور حول قضايا متعددة وحث الناس على الالتزام بمبادئ الإسلام الحنيف التي تدعو إلى التسامح والإخاء ونبذ العنف .
وبعد الإفطار وصلاة التراويح غالبا ما يتوافد الناس على المقاهي والفضاءات المفتوحة ليتوزعوا ضمن مجموعات تضم المعارف والأصدقاء وأفراد الأسرة الواحدة منهم من يخوض في النقاش حول مختلف المواضيع والقضايا ومنهم ومن تستهويه لعبة”الكارطا” أو “الضاما” والشطرنج بينما يفضل آخرون تتبع مباريات كرة القدم أو بعض الأعمال الفنية المبثوثة على القنوات الفضائية.
وبشأن المائدة الرمضانية لدى المراكشيين، فقد جرى العرف خلال تاريخ رمضان الطويل أن تتكون المادة الأساسية لهذه المائدة من التمور والحريرة والحليب والقهوة والشباكية ، “على غير الحالة التي تشاهد عليها اليوم من التفنن في رص ما لذ وطاب من مختلف الأطعمة والأشربة” .
ولعل هذا التدبير، كان يهدف من وجهة نظر التفكير الجمعي إلى ترويضهن على تحمل المشقة، وإشغالهن عن التفكير في الجوع والعطش. لكنه تربويا يحمل حكما أسمى وقيما أعظم، فهو عصمة من الشيطان، ومراقبة متبادلة، وتنمية لروح الجماعة، ونشر للإخاء والألفة بين الناشئات.
وفي المساء تحضر للفتيات مائدة متميزة، على أن يكون أول ما يدخل أفواههن هو تمرات معدودات وترا، طبيعيات ، أو محشوات باللوز أو الجوز الذي عدة ما تقتنيه العائلات ضمن اللوازم الغذائية لشهر الصيام ..
وابتداء من اليوم الثاني حتى آخر الشهر يتناوب على فطورهن الأهل والأحباب والجيران، علما بأن القصر كان بمثابة منزل واحد. ولا تعود الفتاة للأكل في بيتها إلا مع عيد الفطر.
وتشتهر حارات المدينة القديمة، خلال هذا الشهر الفضيل ، بالنفار،و”الغياط” كعادة راسخة تتمثل في قيامهما “بالتهليل” قصد صقل تنبيه النائمين بعد منتصف الليل،لوقت السحور لا سيما النساء ، الراغبات في إعدادِ وجبة السحور.
وبمجرد إنتصاف شهر رمضان، يجوب النفارون و”الغياطون” مجمل أزقة وحارات مراكش العتيقة، حيث ينزلون من قمم الصوامع، إلى أرض الواقع، يستهوي الشباب والأولاد الصغار فيتبعونهم فرحين صاخبين، بينما تطل النساء من الأبواب بين متفرجة ومزغردةٍ…وكأنهم يعانقون العالم المعاش بعدما ظلوا في عوالم الإفتراض يلهبون مخيلات الأطفال، ويسامرون بريق النجوم المنتظرة لفيالق الصبح المنتصرة، ويبيت “النفارون” والغياطون” يتجاوبون فيما بينهم طيلة ليالي رمضان ، حيث يمتزج الإيقاعان في لحن عجيب .
وعادة، ما يخصص المراكشيون للنفارين والغياطين خصتهم من الـ “فطرة” وهي الحصة الواحدة من زكاة الفطر، حبوبا أو تمرا،أو سكرا، وكثيرا ماتكون نقودا ، حيث تقدم لهم صباح العيد، خلال جولتهم الأخيرة بالدروب والزقاق ، لآخر مرة، صبيحة يوم عيد الفطر على أمل أن يعودوا في رمضان المقبل .














