الصَّـهَــدُ

محمــد القــنــور ‏:

 

يتجول الصَّهَدُ في مراكش، حرا طليقا ، من أذناه إلى أقصاه ، يدخل أينما يشاء، وقت مايشاء، بكل إقتدار وفي ‏حضور مميز، مرفوع الرأس ، منتصب القامة يمشي ، في وجهه لهيب بركان ، مشرئب العنق نحو الأجساد ‏والنفوس والعقول التي يصهدها صهدا، يدخل الإدارات العمومية ومؤسسات الخواص، ويخترق إلى المنازل ‏والمعاهد الصيفية والمطاعم و أوراش البناء والمصانع والمكاتب ودكاكين الحرفيين والأسواق الممتازة ‏والأخرى الشعبية والمقاولات والمستوصفات والأبناك دون أن يقرع أبوابها أو يستأذن في الدخول، متحديا ‏صوت المكيفات المترنحة، والشاحنات المحملة بالمياه والعصائر .‏
وعلى كل حال، فإن الصهد يتمدد مثل قطة متكاسلة في الحدائق وفي المراتع وداخل مناطق الظل،وعلى زجاج النوافذ وعلى حافات ‏المسابح ، وفوق طاولات المقاهي، وبين الدقيقة والدقيقة يرفع وثيرته بالغليان، ويطلق ضحكاته ساخرا من ‏مقاومة المكيفات والثلاجات ومروحيات الهواء وباعة “الآيس كريم” والمرطبات.‏
كما يتفجج الصَّهَدُ في كل الفجاج العميقة والمكشوفة وبين العمارات وداخل الأسواق بكل إقتدار وإحترافية، ‏مدعوما بأوراق هويته التبوثية الحمراء والصفراء ، وبطاقة تعريفه الحرارية الحاملة للأرقام التي تتجاوز ‏الأربعين درجة مئوية، والتي يشهرها في وجه كل من تسول له نفسه أدنى إحتجاج أو أقل إستنكار أو حتى ‏مداعبة ، يعانقك في مراكش كلما هممت بالخروج، يستقبلك بحرارة مفرطة في الحافلة وعلى أريكة ‏الطاكسيات، وداخل عربات القطار وفوق السطوح وتحت المظلات الشمسية ، وبين أرجاء المكتبات والمواعيد ‏والمستشفيات، وفي أعماق البروق والرعود الآتية بأمطار الصيف العابرة .‏
قال صديقي وهو يحاورني عند منتصف هذا النهار الرمضاني ، أن الصَّهَدُ في رأي النحاة واللغويين من صهَدَ يَصهَد ، صَهْدًا وصَهَدًا وصَهَدانًا ، ‏فهو صاهِد ، والمفعول مَصْهود، قلت لصديقي وأنا أحاوره ؟ لا نريد إشتقاقا لغويا، وإنما قنينة ماء زلال بارد ‏نطفئ به ، عطش هذا الصهد الذي هو من صهَدَ يَصهَد ، صَهْدًا وصَهَدًا وصَهَدانًا … ‏
يتربص الصَّهَدُ في مراكش منذ الساعات الأولى من كل فجر بالعباد والبلاد مثل ثعلب ماكر في خم دجاج، ‏ليتحول إلى أسد مزمجر هادر في الظهيرة، يتصبب له طالعو أدراج العمارات وسائقو الطاكسيات الصغيرة ‏والكبيرة ، والحمالون والعمال والأطفال والمسنين والفلاحين عرقا وجهدا، وقبل أن يرفع إيقاعه نحو الغروب ‏مثل سيمفونية مسترسلة ، وكأنه ينفذ نصائح الشمس والدته المحترمة ، وهي تختفي في أقصى غرب الأفق، ‏في أن لايتركنا – جزاه الله – ولو للحظة .‏
ومن أكثر الكائنات إندماجا مع الصهد ، وإبتهاجا بطول إقامته ، وخوفا في أن يحزم حقائبه ويرحل ، أرباب ‏شركات المياه المعدنية، والسلاحف الكبيرة في الشعب المرجانية وصناع المشروبات وباعة المثلجات، ‏وثعابين البراري وعواطف العشاق والزواحف الصغيرة وبخاخات العطور والسياح القادمون من بلدان الصقيع ‏و مصلحو مكيفات الهواء،والثلاجات و “الݣرابة” في ساحة جامع الفنا، والسباحون ، ورواد صالات الرياضة ‏المحاربين للسمنة والوزن الزائد …وحراس الليل في المباني والمنشئات، لقصر ساعات الظلام وأصحاب ‏المسابح ومطربو الأعراس ومتعهدو الحفلات وتجار الشواطئ …‏

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.