الباحث مخلص الصغير يتابع مسارات التشكيلي بوعبيد بوزيد
مـحـمـد الـقـنـور :
نظمت مكتبة بيت الحكمة في تطوان حفل تقديم وتوقيع كتاب “بوعبيد بوزيد: حكاية فنان تشكيلي”، للباحث مخلص الصغير، وذلك يوم الخميس الفارط ، بفضاء المكتبة، احتفاء بالذكرى الخامسة لتأسيسها، حيث قدم الكتاب الدكتور المهدي الزواق،مدير المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان بحضور كل من المؤلف مخلص الصغير والفنان التشكيلي بوعبيد بوزيد، والعديد من الفعاليات الثقافية والفنية والنقاد والمهتمين بقضايا الفن التشكيلي المغربي .
هذا، وصدر كتاب “بوعبيد بوزيد “حكاية فنان تشكيلي”، مؤخرا، عن منشورات “باب الحكمة”، كمونوغرافيا، أثرت خزانة الكتب والدراسات في المغرب، إذ يستعرض مخلص الصغير، وبلغة شاعرة، التجربة التشكيلية للفنان بوعبيد بوزيد في سواء على مستوى إبداعاته الفنية ، أو فيما يخص مسارات الحياة.
إذ من خلال هذا الكتاب يمكن الإطلاع على صفحات من تاريخ المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، على مدى سبعة عقود من الزمن، وصفحات أخريات من تاريخ الفن التشكيلي في مدينة تطوان، وفي المغرب عموما .
هذا، وإذا كان بوعبيد بوزيد قد نذر حياته للفن ولمتابعة تاريخ الفن وتطوراته ومدارسه ، فإن هذه “المونوغرافيا”، كما يقول عنها مخلص الصغير، تعتبر محاولة لكتابة تاريخ فنان ملهم ومبدع هو بوعبيد بوزيد .

كما يشكل هذا الكتاب مقدمة لمشروع ثقافي وفني دشنه مخلص الصغير، يروم المساهمة في الذاكرة الجمالية، عبر تحرير ما أسماه بـ “المدونة التشكيلية المغربية”. حيث يرى المؤلف مخلص أن “تاريخ الفن هو أكثر المناطق إشعاعا وتميزا في ذاكرة الإنسانية، لأنه يوثق لأرقى اللحظات التي عاشها الكائن الإنساني، وهو يرسم الجمال والخير والمواقف والفضيلة والحكاية والأسطورة واليومي المعاش بين كنف الثقافة والفكر والمجتمع والدفق الإنساني المفعم بالمشاعر والوجدانيات من خلال أعمال فنية وثقت لكل ذلكــ …
في سياق مماثل ، فإن الكتاب يكتسي مهمة استعجالية، تسعى إلى كتابة تاريخنا الجميل”.
وبحسب مؤلف الكتاب، حيث يستمد الفنان التشكيلي بوعبيد بوزيد فرادته من تعدد انشغالاته الإبداعية واتساع مجالات موهبته وقيمه التشكيلية ، كفنان تشكيلي له خصوصياته من جهة ، وكمؤرخ للفن ومتخصص في علم المتاحف، وفي ترميم الأعمال الفنية، ومختلف مجالات البحث في التراث وتثمينه .
ولقد استطاع بوزيد هذا المبدع و”الفنان الجامع”، أن يقدم للحقل التشكيلي في المغرب منجزا أصيلا، “يستمد وعيه الجمالي من البراعة التي إطلع على ينابيعها وأسسها ومنطلقاتها في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان، ومن المعارف الفنية والنظرية التي تلقاها في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في بروكسيل، خلال سبعينيات القرن الماضي”.
فبوعبيد بوزيد هو أحد أبناء المعهد الوطني للفنون الجميلة، منذ كان مدرسة ومهدا للدرس التشكيلي في المغرب، إلى أن صار معهدا وأكاديمية للفنون. وقد ظل بوزيد وفيا لهذا المعهد، ووارثا لسره، ومن المؤتمنين على تراث الرعيل الأول من الأساتذة والتشكيليين المغاربة، أعلام مدرسة تطوان، منذ محمد السرغيني وعبد الله الفخار والمكي مغارة وسعد بن السفاج وغيرهم. رغم أن بوزيد نحت لنفسه تجربة خاصة به، منذ البداية، مستفيدا في ذلك من الدراسة المعمقة للفن وتاريخه، كما تلقاها في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في العاصمة الأوروبية بروكسيل، منذ 40 سنة .
ويبقى هذا الكتاب ليس مجرد “مونوغرافيا” وحسب، تستعرض المسار الفني للتشكيلي بوعبيد بوزيد، بل هو عمل بيوغرافي ، يقدم سيرة هذا الفنان ، منذ دهشة الطفولة وإكتشاف العالم إلى اليوم. مثلما يضيء هذا الكتاب أعمال بوعبيد بوزيد، ويقترب منها اقترابا نقديا يكشف عن الخلفيات والمرجعيات والأساليب والتقنيات التي حكمت أعمال هذا الفنان التشكيلي، منذ تجاربه الأولى، من خلال التجريدية الهندسية، وتجاربه في “التشخيصية المؤسلبة”، وصولا إلى أعماله الأخيرة، التي ارتبطت بفن الكولاج، وأساليب وتراكيب وأبعاد لا متناهية، تؤكد خصوصية “بوعبيد بوزيد الفنان المتعدد والمتفرد”، مثلما هو عنوان هذا الكتاب.
وإذا كان هذا الكتاب لا يدعي الإحاطة بأخبار وأعمال بوعبيد بوزيد، فإنه يقتنع بشكل من الأشكال في كونه قدم الجديد، وكشف عن الكثير من عوالم وأسرار بوزيد، ليؤسس لمقدمة ولمرجع أساسي لمن يريد الاشتغال على تجربة بوعبيد بوزيد، أو الانشغال بالبحث في تاريخ الفن التشكيلي المغربي، فضلا عن كون هذا الكتاب محكوما بقيمة ثقافة “الاعتراف” التي تدعو إلى دراسة وتأمل التجارب الفنية والإبداعية لمبدعين مغاربة قدموا الكثير لمختلف الأجيال، وأصروا، مدى حياتهم، على الانتصار للفن والجمال، بالإضافة إلى بعده التوثيقي والنقدي .
