الشاعر المغربي محمد بنطلحة يحظى بجائزة الأركانة العالميّة للشعر 2016‎

نجيب خداري :

اِجتمعَت، في الرباط، لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالميّة للشعر، التي يَمنحُها بيتُ ‏الشعر في المغرب، بشراكة مع مؤسّسة الرّعاية لصندوق الإيداع والتدبير وبتعاوُن مع ‏وزارة الثقافة؛ وتبلغ القيمة المادية للجائزة اثني عشر ألف دولار أمريكي، تمنح ‏مصحوبة بدرع الجائزة وشهادتها إلى الشاعر‎ ‎الفائز في حفل ثقافي وفني كبير، وقد ‏تكونت لجنة التحكيم من الشاعر محمد الأشعري (رئيساً)، والإخوة: الشاعر رشيد ‏المومني، الشاعر حسن نجمي، الشاعر نجيب خداري، الناقد عبد الرحمن طنكول، ‏والناقد خالد بلقاسم.‏
‏ وقد آلت جائزةُ الأركانة العالميّة للشعر للعام 2016، في دَورتها الحادية ‏عشرة، إلى الشاعر المغربيّ محمد بنطلحة، الذي فتحَ، بتجربَتِه الشعريّة، أفقاً كتابيّاً ‏ارتقى باللغة العربيّة إلى مَدَارجَ عُليا في التركيب والتخييل والمعنى، وأسْهمَ في تَمْكينها ‏من مُحاوَرَة شعريّات عالميّة، برُؤية حداثيّة تنتصرُ للخيال والجَمال والحُلم والمُستقبل.‏
‏ يَكتبُ الشاعر محمد بنطلحة قصيدتَهُ بكامل التأنّي الذي يُوجبُهُ الصّبرُ ‏الشعريّ. وفي هذا الصّبر الشاقّ والنّتوج، يَمحو الشاعر في كتابَته الشعريّة أكثر مِمّا ‏يُبقي، أو على الأصحّ، فهو يُبقي ما يُبقيه من كتابتهِ ماحياً. ليس المَحوُ والإثبات ‏فِعليْن مُنفصليْن في شعره. إنّهما مُتشابكان، على نحو شديد التعقيد. لا تستقيمُ ‏الكتابة عند الشاعر محمد بنطلحة إلاّ بالمَحو. منه تأتي. وما يَتحقّقُ منها هو أيضاً ‏انتسابٌ في ذاته إلى المَحو، بحُكم سَرَيان الصّمت في هذا التحقّق. هكذا كان ‏مُنجَزُ الشاعر محمد بنطلحة حاملاً، في تركيبه وإيقاعه وتخييله، آثارَ مَحو كتابيٍّ ‏ومعرفيٍّ عنيد لا يَتساهلُ في العمل على اللغة، حذفاً وتشطيباً وتعديلاً وتكثيفاً، ‏بغاية التّوَغّل باللغة الشعريّة نحو المجهول، الذي يَحتاجُ بلوغُ مَشارفه اختراقَ العديد ‏من التراكيب والتخلّي الصّارم عن كلِّ صوْغ جاهز وعن كلِّ معنى مُسبّق. لا شيءَ ‏مَعروضٌ في الطريق نحو الشعر، التي اختارَها الشاعر محمد بنطلحة وسَلكها عبر ‏محطّات يَشهدُ عليها كلُّ عَمَل شعريّ من أعماله. ‏
‏ في هذا التّوَغّل نحو المَجهول، يكونُ الشعرُ مَنذوراً لأن يَمحوَ أكثر مِمّا ‏يُثبت. الطريق إلى الشعر، التي اختارَها الشاعر محمد بنطلحة، هي عينُها التصوّر ‏الذي يُضمرهُ الشاعر عن الكتابة الشعريّه. إنّها طريقٌ وَعرة، لا تجودُ بشذورها الخبيئة ‏إلاّ باتخاذ المَحو دليلاً إلى ما تقودُ إليه. وما تقودُ إليه هو أساساً كثيفٌ، ولا يُمكنُ ‏أن يكونَ إلاّ كثيفاً، لأنّه نادر. والنادر لا يكون كثيراً، لأنّه يَبني لذاته معنى آخَرَ ‏خارج المعنى الكمّيّ والعامّ للقلّة والكثرة. لذلك أعلنَ الشاعر، في تسميةِ مجموعةٍ ‏شعريّة كاملة، شَغفَهُ بالاستزادة من القليل، وشغفَهُ بالإقامة في القليل لمّا صرّحَ في ‏عنوان هذه المجموعة قائلاً: “قليلاً أكثر”. كأنّه يقول: إليّ أيّها القليل النادر. ‏الطريقُ إلى هذا القليل الهائل مَوشومةٌ في المَسار الكتابيّ للشاعر محمد بنطلحة لا بما ‏احتفظَ به في أعماله الشعريّة وحسب، بل بالصَّمت الذي تَسَرَّبَ إلى بنائه ‏الشعريّ، شاهداً على ألَمِ الحَفر عن المُنفلت واللانهائيّ. فالرّهانُ على المُنفلت ‏واللانهائيّ لا يُمكنُ أن يَجود إلاّ بالقليل، لكنّه القليلُ الهائلُ، الشبيهُ بشذور الذهب، ‏القليلُ المَنذور لأهله وحُرّاسه وأصفيائه.‏
‏ هذا، وتنطوي تجربة محمد بنطلحة الشعريّة على معرفة خصيبة، لا لأنّها تَبني ‏نصوصَها بالإصغاء إلى التجارب العالميّة الشعريّة وحسب، بل أيضاً لأنّها تبني تصوّراً ‏عن المعنى الشعريّ ظلَّ دوماً حاملاً لدمغة الشاعر. إنّ الجهدَ الكبير، الذي يَبذلهُ ‏الشاعر محمد بنطلحة في بناء المعنى الشعريّ، لا يطرحُ فقط سؤالَ كيف نقرأ المعنى ‏في أعماله، بل يَطرحُ أساساً تصوّراً خصيباً عن المعنى الشعريّ ذاته، عبْر خلخلةِ ‏الطرق التقليديّة في تحقّق المعنى. تصوّرٌ يقومُ على تعارُض مع تصوّرات أخرى، لأنّه ‏يَصلُ المعنى الشعريّ بمَجهُول لا حَدَّ له، فيه يَستضيفُ الشعرُ الغامضَ والمُتملّصَ، ‏على نحو جَعلَ المعنى مُتملّصاً دَوماً من التصنيفات. لا ضِفافَ للمجهُول الذي ‏فتَحَتْهُ تجربة الشاعر محمد بنطلحة للمعنى الشعريّ وهي تُقيمُ هذا المعنى على ‏مشارف الغامض، الذي يُسائلُ اللغة والكائن.‏
‏ مُنذ نشيد البجع، المجموعة الشعريّة الأولى، لم يَكفّ الشاعر محمد بنطلحة ‏عن صَون المجهول الشعريّ واكتشاف أراض شعريّة جديدة والتوغّل باللغة نحو ‏كثافتها العُليا. ذلك ما رَسَّخَهُ في غيمة أو حجر، وسدوم، وبعكس الماء، ‏وقليلاًأكثر، وأخسر السماء وأربحُ الأرض، ورؤى في موسم العوسج وتحت ‏أيّ سُلَّم عبَرْتُ؟ في هذه الأعمال، تَوَجَّه الشاعر محمد بنطلحة إلى ابتكار تركيب ‏شعريّ مُختلف يَحتفي بالقدرات الكامنة في اللغة عندما تقتاتُ من اللعب والتجريد ‏والمُغامَرة لتضعَ الجُملة الشعريّة دوماً في الحُدود القصوى للمعنى أو للامعنى. ‏
‏وعليه، فإنّ التجربة الشعريّة للشاعر محمد بنطلحة تعتبر لحظة مُضيئة في الشعريّة العربيّة ‏المُعاصرة. لكون  هذه التجربة اِنبَنت على تفاعُل خلاّق لا مع الشعريّة العربيّة وحسب، ‏بل مع الشعريّات العالميّة، وتمكنّت من أن تنحِتَ لذاتها ملمَحَها الخاصّ، ‏الذي يَحملُ دمغة الشاعر في بناء رُؤية شعريّة مُركَّبة، وفي النزوع الدائم إلى اكتشاف ‏أشكال جديدة، وفي الانتصار الجماليّ للغة العربيّة. ‏

في ذات السياق ، ينظم بيت الشعر في المغرب، برعاية رسمية من مؤسسة ‏الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير، وبتعاون مع وزارة الثقافة، حفلا ثقافيا وفنيا تُسلَّم، ‏خلالَهُ، جائزة الأركانة العالمية للشعر، إلى الفائز بها في دورتها الحادية عشرة ‏الشاعر المغربي الكبير محمد بنطلحة. وذلك في الساعة الخامسة من مساء غدا ‏الخميس ثاني فبراير2017، في مدرج المكتبة الوطنية بالرباط‎. ‎
وسيكون الحفل الذي يُقام بمصاحبة إبداعية من الفنان المتميز مجيد بقاس ‏وفرقته الموسيقية، فرصة لاحتفاء المثقفين والمبدعين وسائر عشاق الشعر مع بيت ‏الشعر في المغرب بالتجربة الباذخة التي قدمها الشاعر محمد بنطلحة للشعرية ‏المغربية والعربية والإنسانية، طيلة عقود من العطاء الجميل المتفرد‎. ‎
وسيوقع الشاعر المُحتفى به، في ختام الحفل، أعماله الكاملة التي أصدرها ‏بيت الشعر في المغرب، بالمناسبة، بدعم من وزارة الثقافة، في 664 صفحة من القطع ‏الكبير، وفي طباعة أنيقة‎. ‎
وجدير بالذكر أن جائزة الأركانة العالمية للشعر، التي تمثل إحدى أهم ‏مبادرات بيت الشعر المغربي في تكريم رموز الشعر الإنساني، قد انطلقت سنة ‏‏2003 بتتويج تجربة الشاعر الصيني بي ضاو، ثم منحت للشاعر المغربي محمد ‏السرغيني (2005)، والشاعر الفلسطيني محمود درويش (2008)، والشاعر العراقي ‏سعدي يوسف (2009)، والشاعر المغربي الطاهر بنجلون (2010)، والشاعرة ‏الأمريكية مارلين هاكر (2011)، والشاعر الإسباني انطونيو غامونيدا (2012)، ‏والشاعر الفرنسي إيف بونفوا (2013)، والشاعر البرتغالي نونو جوديس (2014)، ‏والشاعر الألماني فولكر براون (2015‏‎. (‎
وقد جاء في حيثيات تقرير لجنة تحكيم الجائزة برئاسة الشاعر محمد ‏الأشعري، في دورتها الجديدة، أن التجربة الشعرية للشاعر محمد بنطلحة لحظة ‏مضيئة في الشعرية العربية المعاصرة، انبَنَت على تفاعل خلاّق لا مع الشعريّة ‏العربيّة وحسب، بل  مع الشعريّات العالميّة، وتمكنّت من أن تنحِتَ لذاتها ملمَحَها ‏الخاصّ، الذي يَحملُ دمغة الشاعر في بناء رُؤية شعريّة مُركَّبة، وفي النزوع الدائم ‏إلى اكتشاف أشكال جديدة، وفي الانتصار الجماليّ للغة العربيّة‎. ‎

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.