السمارين موقع تراثي وتنوع ثقافي واحتضان للآخر بمراكش

مـحـمــد الـقـنـــور :
عـدسـة: بــلـعـيـد أعــراب :‏

هي دكاكينٌ ومحلاتٌ صناعات ومُحتَرَفات هو سوق السمارين بمراكش وورشاتٌ للصنائع التقليدية المتنوعة والباذخة ‏تصطف الواحدة تلو الأخرى في تناسق بديع وتلقائي، كأنها هارمونية موسيقية تتوج زمنا احتفاليا بامتياز، حيث ‏تنساب من بين فجوات السقوف القصبية هنا وهناكـ أشعة خفيفة وخجولة لتداعب الرؤوس والوجوه والسلع ‏والمعروضات ، ضمن أجواء لطيفة ودافئة شتاءا، وارفة وظليلة صيفا، كأنها تداعبها نسائم من قلب ربيع مستقر في ‏أوانه، وحتى بعد آوانه، حيث العابرين في لحظات تجوال سرعان ما يشدهم إليه لساعات بل ويستدعيهم إليه، بحنين ‏عجيب، من قلب مراكش، الباذخة بعراقتها وحداثتها.‏

وكأن فضاء “سوق السمارين” صمم ليكون كمدينة عتيقة بدكاكينه وبازاراته ومقاهيه ومصالحه البنكية والمصرفية ‏وحركيته النشيطة وأزقته المتفرعة عن مساره الطويل ، والضيقة والملتوية التي يفضي بعضها الى الآخر في حالة ‏انفتاح لا متناهية، وضمن مسارات هي ملء السمع والبصر ألوان احتفالية ، وعبق الروائح التي تترجمها العطور ‏والتوابل في حضور بهي تلفه بصمات الصبحيات الهادئة، متناغم مع الفضاء متمازج مع احتفالياته، كأنها تُتابع في ‏صمت أدق تفاصيل الحركات المنتظمة وروعة المنافذ الحضارية ، بالرغم من كثرة الوافدين.وصخب الأماسي ، ‏ليعانق ويحتضن كل روافد الحضارة المغربية من عروبية وأمازيغية وموريسكية وحسانية، منفتحا عن ثقافات العالم.‏ومع كل ذلكـ ، يقدم سوق السمارين في مراكش خليطا من اللغات متنوعة تطرق مسامع المارة وآذان المتسوقين ‏والتجار والحرفيين على حد سواء ،من مختلف الفئات العمرية .‏

عند طرف من السوق على مدخل طريقه المؤدية لباب الفتوح، افترشت سلع باعة بلباسهم التقليدي الأرض في ‏صف دائري متحلق حول الممر،في حماسة لا تضاهى، كأنهم مغامرين من أجل لقمة تكتنفها الصعاب، ودونها ‏احتمالات الموت وفراق الأحبة ومعاناة بحث قد ينطلق وقد يتمنع، وعند الطرف الاخر من السوق المؤدي لدرب ضباشي ، في سوق القصابين الراقص على ثقوب المزاميز، تمتزج ‏روائح النعناع من نكهة البهارات والشواء ، وكأنها تصافح الأحذية والألبسة المعلقة بهاءا تنتظر المشترين ، على آفاق ‏صدى الصيحات وإعلانات الباعة، وضمن سلسلة متعددة الأضلاع مع رقصات واهازيج تصل من ساحة جامع الفنا، ‏لتجمع كل تلاوين فنون الفلكلور المغربي الذي يؤالف بين النساء والرجال في رقصات وأهازيج تصدح بلغة ‏الموسيقى والحركة ومغرب الثقافات .‏

ومنذ طفولتي المبكرة كنت أعي بفطرة الصبي المسكون بنار الإسْتكشاف الأبدية،والمشاكسات التي لا تنتهي أن ‏ساحة جامع الفنا، هي تاج يرصع رأس السمارين من الأعالي، وأن جامع الفنا هي ساحات، حلقات للقرود والأفاعي، ‏ولوحات الحديد المستطيلة لتعلم الرماية ، وتلكـ البنادق المهترئة بطلقات الرش على الطبشورات وفِلّين البارود الذي ‏يوقع إنتصارات التسديد بفرقعاته المفاجئة، وأكشاكـ الكتب التي طالما جاورت أكشاك الفواكه وكأنها دار أوبرا شعبية ‏وعفوية، توحي بإمتدادات مترابطة لدكاكين ومتاجر وبازارات ومعامل وروافد سوق السمّارين أعرقُ مجمع تجاري ‏وحرفي في المغرب، ومن أشهرها في العالم العربي والإسلامي وفي قلب عناق ملحمي لحضارة متميزة تغطي ‏اطرافها كل ربوع الوطن .‏

 

ومهما يكن، فقد كانت أسواق السمارين في مراكش، ولاتزال عالما كبيرا في عيون الصغار والكبار من زائريها ، كان ‏مع كل ذلكـ سوق السمارين فضاءا يقصده الناس إما للشراء أو البيع والمعاملات او للاستمتاع بالتجوال فيه متنوعا ‏بدكاكينه المختلفة وتجاره ‏المتميزين بجلابيبهم وطواقيهم أو تلك الطرابيش الوطنية التي تزين رؤوس رجاله، وذاك ‏التماوج في الأصوات والروائح والأنوار الذي يطبعُهُ وتلك القدرات التي يملكـ تجاره في عرض محاسن السلع ‏وإختلافاتها ومناقشة الأثمنة، ومكانا ملونا ‏بأسواقه الملتوية التي تتفرع عنه، وبزواره من المغاربة والأجانب.‏

فسوق السمارين ليس مجرد سوق تجارية فقط ، بل هو ‏ترسانة تحفظ الصنائع والحرف التقليدية،ومدرسة تجارية ، ‏وصناعية، و مَحَجٌ لكل من ‏يزور مراكش من القرى والضواحي والمدن المغربية والقارات الخمس، يشكلُ فسحةً ‏إستطلاعية للجميع، ‏ففيه كل ما تحتاجه النفس من الأثواب والأنسجة والتوابل والبهارات والأثاث والأفرشة والرياش، ‏‏والأواني والحلي …‏وقد كان سوق السمارين في مراكش يطبعه نظام تلقائي وكذلكـ الأسواق المتفرعة عنه، والخاصة بكل تجارة وكل ‏حنطة، فلا ‏أحد يمكنه أن يحدد متى إبتدأ هذا النظام بهذا السوق، ولكن الجميع من زواره يعرفون أن أسواقا ‏صغيرة، ‏تتداخل فيه وتوجد بين ثناياه، فتُحدث وقعا كبيرا في نفوس زواره من المغاربة والأجانب ، ‏وتدفعهم للذة اكتشاف ‏محتوياته، التي تعبر عن صدق الصانع التقليدي المغربي و عن إتقانه ‏للعمل،ومهارته وعن مدى التكافل والتعاضد ‏فيما بين تجاره وحرفييه وحرصهم على خلق كل جسور التعاون ‏‏.‏و يتفرعُ عن سوق السمارين، مجموعة من الأسواق الصغيرة والمنظمة أهمها سوق الربيع ‏التي كانت قبل أن تتحول ‏إلى باب الخميس ومنها إلى باب اغمات قائمة بساحة جامع الفنا،وقد إحتفظت بإسمها وإن لم تحتفظ بنشاطها التجاري ‏المخصص لبيع الأعلاف وكلأ المواشي ، وقد ارتبط ‏هذا السوق عبر التاريخ الطويل للسمارين بتوافد العديد من ‏المتسوقين والتجار على أسواق المدينة التي تتمركز بالقرب من الساحة و ‏بمحيطها كما ارتبط بتواجد حرفة السمارين ‏المختصين بصناعة صفائح الخيول والدواب .‏

كما يعتبر  سوق القصابين حيث كانت صناعة المنتوجات القصبية من سلال ورفوف، وأقفاص للدجاج ‏والطيور الداجنة من أشهر الأسواق المتفرعة عن سوق السمارين ، ‏وسوق “أبلوح”‏‎ ‎المخصصة لبيع البلح ، وسوق الشواية حيث كان يُباع الشواء ، ‏وكانت دكاكينه كمطاعم صغيرة تقدم ‏بها رؤوس الغنم المبخرة، واللحوم مصحوبة بالملح والكمون، ‏والمشوية في ألأفران التحتية التي كانت بهذه الدكاكين ‏، أو بالأحرى المطاعم، ثم سوق الحصايرية ‏ممن كانوا يصنعون الحصائر من “السمار” وسوق القشاشة من باعة ‏المحمصات والمملحات من ‏حمص وفول وخوخ وجوز ولوز وغيرها من الفواكه الجافة كالتمور وشرائط التين ‏‏”الشريحة”، ثم ‏سوق “الفاخر” حيث يباع الفحم بنوعيه الخشبي والحجري ، قبل أن تتحول إلى جوطية لبيع ‏‏المنتوجات الخشبية القديمة، وسوق “الصفارين” حيث كانت تصنع القدور النحاسية المتعلقة بالطبخ ‏وصفائح إعداد ‏الحلويات وسوق الربايعية وهي سوق كانت مخصصة لصناعة الحقائب والصناديق ‏الخشبية بمختلف أنواعها ‏وأحجامها، وسوق النجارين الخاص بصناعة الأثاث الخشبي من موائد ‏وكراسي وكنبات ودواليب وخزانات وسوق ‏الزنايدية التي كان يرتادها الكثير من فرسان القبائل ‏ومنها قبيلة أولاد كايد بزمران لشراء بنادق “التبوريدة” وكانت ‏سوقا متخصصة في صناعة الأسلحة ‏النارية التقليدية التي تستعمل في المواسم ومهرجانات الفروسية والاحتفالات ‏التقليدية والمواسم أو ‏تـُـقتنى من اجل التزيين فقط ، وسوق “التــﯖــموتيين” حيث كانت تصنع وتباع الحلي الذهبية ‏‏والمجوهرات.

ومن أبرز أسواق السمارين، سوق العطارين وفيه تباع العطور والشموع ، وسوق “الخراقين” الخاص ببيع ‏الأقمشة والأثواب ‏المتعلقة بصناعة الجلابيب والقفاطين ،وتلك الأنسجة المصنعة في منطقة “أَبزو” من طرف نسائه الماهرات، والتي ‏تعرف بــ “الخرقة البزيوية” ، وسوق “الشكايرية” المعروفة بصناعة ‏الشكارة المزينة بالتطريز والمُنمّقة بالزخارف ‏والمزركشات والتزاويق ،حيث لا يزال “لمعلم بوعشرين” يرحمه الله تتواثر توقيعاته على هذه الحرفة، والتي برع ‏في رسمها الصانع ‏التقليدي وسوق السراجين الخاصة بصناعة وتغليف السروج التي توضع على الخيول، وهي ‏‏صناعة كانت ولا تزال تتطلب مهارة فائقة وصنعة دقيقة ، وتترجم الاهتمام الذي كان يوليه المغاربة ‏للفرس وما ‏يمثله من دلالات رمزية للفروسية المغربية ، وهو الاهتمام الذي دفع إلى إنتاج سروج ‏رفيعة و نفيسة والتي تُظهر ‏العديد من علامات إبداع الصانع التقليدي ، ثم سوق السطارمية المختص ‏في صناعة وتجارة “السطارم” وهي مقاعد ‏جلدية محشوة بالقطن أو بالحلفا على هيئة مخدات ‏المستديرة الشكل ، تُصنع من الجلد ولا تقل زخرفةً في بعضها عن ‏السروج حيث لا تزال العديد من ‏البيوت المراكشية وفي قلاع البوادي ورياضها ودور الضيافة بها وبعض الفنادق ‏والمطاعم المغربية تزدان بهذا النوع من هذه المقاعد كما أن السياح ‏والمقيمين بالمدينة من الأجانب مافتئوا يتهافتون ‏على شرائها إلى الآن، رغم أن ‏الممارسين لهذه الحرفة تناقصوا ،وأصبحوا قلة ، لدرجة أن سوق “السطارمية” لم يعد ‏يحتفظ سوى ‏بِمْعلمين قليلين ، وسوق المجادلية حيث كانت تُباع الأحزمة الحريرية الجميلة التي تحمل ‏السيوف و ‏الخناجر والشكارات، وكانت تصنع عادة من السابرة ، وقد كانت هذه “المجاديل” تُصنع في غالبيتها بدكاكين في حي ‏بالزاوية العباسية لايزال يحمل إسم “لمجادلية”، وسوق المضامية حيث كانت تُصنع ‏أحزمة الزينة للرجال والنساء من ‏الجلد المطرز، وسوق “السيور” المخصصة للخيوط الجلدية التي ‏كان مطلوب استعمالها في المحفظات وبعض النعال ‏المتعلقة بفنون الفروسية وبعض الأحذية وكانت “السيور” تصنع من جلود الأغنام ‏وكانت تلك السوق مشتهرة بتدلي ‏الخيوط الجلدية بواجهة كل دكان من دكاكينها ، ثم سوق الصوافين‎ ‎وكانت سوقا مخصصة في بيع الخيوط الصوفية ‏والمعروفة بــ” الطَّعْمة ” التي تستعمل في صناعة الأنسجة ‏الصوفية والطواقي والزرابي وغيرها، وسوق الحجارين ‏المختصة في صناعة الرحي والطاحونات الحجرية .

هذا، ‏وبجانب هذا السوق ذو الحرفة الأثرية، يتموقع سوق اللبادين المتعلقة ببيع السَّجّادات الصوفية ‏المدقوقة،وهي صناعة مغربية لا تضاهى، وقد كانت ولاتزال اللبدات” تستعمل للصلاة،فيقبل على إقتنائها أهل الله ‏وطلبة ومريدي الزوايا والمساجد، وسوق “الصباغين” ‏المختص في صباغة الصوف الذي تصنع منه الزرابي ‏والبطانية، والستائر المخملية والأغطية الخفيفة وسجادات “الحنبل” وسوق “السماطة” المختص في ‏بيع “البلغة” ‏بمختلف أنواعها وأشكالها من عروبية وموريسكية وأمازيغية، وقد إشتهرت هذه السوق بعلو دكاكينها على مستوى ‏سطح السمارين، حتى لا يثير وقع حوافر الدواب نقع الأتربة والوحل خلال الزمن الماطر، فتتسخ لذلكـ زخرفات ‏خيوط “الصقلي” ، وهي تلك الخيوط الذهبية التي كان يستوردها الصناع من تجار جزيرة صقلية الإيطالية ، ممن ‏كانوا يؤمون مدينة مراكش منذ القرن السادس عشر الميلادي .‏

 

 

ومهما يكن فقد كان تجار المدن الإيطالية يقدمون لمراكش من المرافئ القريبة كآسفي والصويرة لاحقا، خلال عصور ‏النهضة الأوروبية، وكانوا يتفاعلون مع تجار السمارين، ويقايضونهم سلعا بسلع، أو سلعا بعملات ذهبية، وقد حافظت ‏الذاكرة المراكشية على بعض أسماء البضائع ونسبتها للمدن التي كانت تروجها، فقد كانت خيوط “الصقلي” تقدم من ‏جزيرة صقلية، وتلكـ “السكاكين المابين الطويلة والقصيرة تقدم من “جنوة” وتعرف إلى الآن بالجنوي .‏

وغير بعيد، من حي الطالعة بمراكش، يشكل سوق العطارين أحد مداخل سوق السمارين الشاسع والمتفرع، حيث ‏يتوسط مدخله عمود مكعب الشكل قليل الأرتفاع،في مفترق طريق لسوق الصابرة، وسوق العطارين، وسوق الحدادين ‏، وعلى مرمى حجر من ضريح الإمام القطب العارف الصوفي، إبن العريف، شيخ المتصوف المعروف محي الدين ‏بن عربي، وهو عمود مكعب من حوالي ثلاثة أمتار طولا وعرضا،يتساءل الزائر عن معناه، في حين تردد الحكايات ‏المتواترة من الناس في مراكش، أنه يشكل وسط المدينة المرابطية والموحدية، وقد عمدت معظم المجالس البلدية التي ‏تعاقبت على تدبير الشأن المحلي بالمدينة الحمراء، في عدم المساس به، أو هدمه، خوفا من ما قد يحصل من تغَيُّرٍ ‏للحال وبؤسٍ في المآل، ومع ذلكـ فهذا العمود يحتاج للعناية وتُلزمُه الترميمات والإشارة إليه، وإلى مركزيته العمرانية ‏، فقد كانت القوافل تحتسب إبتعادها من مراكش أو إقترابها منها، بعدد الفراسخ والأيام التي تفصلها عن هذا العمود ، ‏ثم أن أسواق مراكش وحاراتها وأماكنها المتنوعة مليئة بألغاز ثقافتها المستمتعة والشاسعة بامتداد سهولها، وشموخ ‏الأطلس الكبير الحاضن الطبيعي لها .‏

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.