لم يسبق ان كان المحامون والقضاة، وكانت المحاكم وكان المتقاضون في ظروف استثنائية عمليًا ومهنيا وقانونيًا مثل ما هو عليه حالهم أمام وباء الكورونافيروس الذي فرض على المسؤولين من قمة السلطة وما دونها اتخاذ تدابير استثنائية تكاد تكون اعلانا لحالة الاستثناء كما هي محددة بالدستور. الشعار العام هو ان المحاربة الناجعة تبتدئ من الخطوة الأولية وهي العزلة الذاتية للجميع وتفادي الأماكن والفضاءات العامة والاختلاط والازدحام والسلام والمصافحة والاقتراب من الآخر… وكلها تساعد بنجاعة تفادي نقل الإصابة وانتشار المرض، وبالتالي إضعاف فرص ارتفاع عدد المرشحين للعدوى وعدد الوفيات بسببها، والكل يعرف لكل الأسف ا بانه والى اليوم ليس هناك أي دواء معالج يمكنه ان يقهر الجائحة . وامام هذه الكارثة اتخذت رئاسة السلطة القضائية و رئاسة النيابة العامة إجراءات أولية توقفت عند الغاء عقد العديد من الجلسات وتأجيلها في العديد من القضايا، ومنع زيارات المحاكم الا عند الضرورة القصوى، وتعامل النيابات العامة مع قضايا الاعتقال والمعتقلين بشكل تتفادى فيه المحاكم والجلسات التدافع والازدحام… وبالطبع لابد من تشجيع والحث على الانضباط لهذه التدابير وعلى الجميع التقيد بها، ولو انها وحدها وبطبيعة الحال ليست هي الحل للعديد من الإشكالات الحقيقية التي لا تعرفها ادارات أخرى ومؤسسات أخرى ، بل لا يعرفها سوى قطاع القضاء وتعرفها المحاكم، لان العدالة بكل اجهزتها وبكل أدوارها وبكل المتدخلين في صناعتها وتدبيرها تتعلق بمصير عشرات الآلاف بل الملايين من المواطنين، وتتعلق بمصالحهم و بحرياتهم وبحياتهم وبأموالهم لا فرق بين صغيرها وكبيرها، ومن هنا يفرض الأمر اتخاذ العديد من التدابير التي تحمي وتفرض الوقاية من الوباء وتفرض من جهة اخرى الإبقاء على عمل المحاكم الأساسية وتدبير ملفات المواطنين باستعمال وسائل العمل والتواصل الحديثة والناجعة. لا يدري احد متى سترجع الحياة لمجراها العادي والطبيعي ، ومتى سيتغلب العالم على الوباء وعلى آثاره ، ومتى سيتغلب المغرب بدوره على الخطر ومخلفاته، وما هو الثمن الذي سيتحمله المغاربة بتضامنهم و بتعبئتهم وبوعيهم و بشعورهم بمسؤولياتهم.
وفي اعتقادي اننا وفي انتظار الانتصار على الوباء، وانقاذ البشرية عامة منه، علينا بكل استعجال ونحن في مجال القضاء والعدالة و مجال التقاضي المرتبطة بالحقوق، و مختلف درجات التقاضي، وبالآجال المحددة ، و بطعون نوعية و مختلفة ، و بادوار ومسؤوليات يتقاسمها القضاة والمحامون وكتابة الضبط مساعدي القضاء وبغيرهم من المرافق التي تتدخل في العملية القضائية مثل المحافظات العقارية ، ومصالح الخزينة العامة، والمحاسبين العموميين، …، علينا ان نضع للمحاكم و المساطر مخططا و منهجية علمية واضحة تقلص من المخاطر و من العواقب المسطرية و تضمن نسبة دنيا من الحياة داخل المحاكم ومن جملتها خمس إجراءات أساسية ومستعجلة وهي : اولا : وضع برنامج معلوماتي متطور و متكامل للتواصل الرقمي ما بين المحاكم المختلفة ومكاتب المحامين ومكاتب المفوضين القضائيين، يسمح بشكل سريع وتام بتداول الإجراءات سواء إرسالها او استقبالها وتنظيمها وتوزيع المعلومة دون تاخير ، وهذا النظام سيبقى على سير ملفات المتقاضين في القضايا الإدارية والتجارية والمدنية وغيرها التي لا تتوقف على الحضور الشخصي للمحامين ولا على حضور المتقاضين أنفسهم، والتي تتبادل الأطراف فيها المكتوب من وسائل الدفاع ثانيا: مبادرة وزارة العدل باقتراح مشروع قانون على مجلس الحكومة وطبقًا للمادة 92 من الدستوريتعلق بتعديل جزئي لقواعد المسطرة المدنية والجنائية الخاصة بآجال الطعون وذلك بمضاعفتها ثلاثة مرات وبأثر رجعي ينطلق من عاشر مارس للذين كانت الآجال لم تنته بعد، او بوقفها وعدم بدء احتسابها الا بعد اعلان الحكومة والسلطات العمومية رفع كل القيود على عمل الإدارات والمرافق والسماح لروادها باستئناف زيارتها دون قيد، او بحث صيغة موقتة تمكن المتقاضين وكل أطراف الدعاوى من حماية كل حقوقهم من جراء حلول آجال او سقوط حقوقهم بفواتها ، ثالثا: الالتجاء لمقتضيات المادة 2/70 من الدستور الذي يسمح للحكومة استعمال وسيلة دستورية في التشريع وهي المراسيم واتخاذ عن طريقها تدابير في مجال المسطرة المدنية والجنائية يختص القانون عادة باتخاذها رابعًا : الالتزام باحترام قواعد دنيا للمحاكمة العادلة وضمان القضاة للأمن القانوني والقضائي وفقا لمقتضيات الدستور وبالخصوص المواد 117 ، 119 ، 120، 123، خلال فترة توقيف المحاكم وإلغاء الجلسات، اذ من الصعب بل من قبل الخطا القضائي المنصوص عليه بالمادة 212 بأية حال ان يتم المساس بها و في مقدمتها احترام قرينة البراءة، عقد الجلسات بالفيديو كونفرانس ، احترام الآجال المعقولة، العلنية التواجهبة. خامسا : كيفما كانت نسبة استغلال المحاكم و مرافقها او نسبة المترددين عليها وطالبي خدماتها لابد للمسؤولين من معالجة ثلاثة مسائل أساسية وهي: ، من جهة أولى توفير كل وسائل الحماية والوقاية وفي مقدمتها الوسائل الأولية ومواد النظامة الموصى بها من قبل المصالح الصحية، ليس فقط للمعتقلين المحالين لظروف مسطرة الملزمة ، بل لرجال الأمن المرافقين والمتتبعين لهم، وللقضاء المستقبلين لهم ، ولكتاب الضبط وللمساعدين للمحكمة وللمحامين المدعوين اضطرارًا لدخول المحاكم ، ولابد من يتم تعقيم يومي لمرافق القاعات والجلسات والمكاتب، ومن جهة ثانية لابد من وضع رقم هاتفي خاص يتيح للجمهور معرفة مآل الملفات وتأخير او عقد الجلسات، وتواريخ الجلسات استقبالًا وصدور او عدم صدور الأحكام والقرارات المقررة في أوقاتها، ومن جهة ثالثة ، وضع صندوق بريدإلكتروني يبلغ فيه المحامون ويرسلون منه لكتابة الضبط او لرئيس المحكمة تصريحاتهم بالاستئناف او التعرض او النقض في القضايا الجنحية والجنائية. والخَتْم هو انه وفي لحظات عصيبة يمر منها الوطن والمواطن، لابد من تقديم التضحيات والترفع عن المصالح والمنافع ، ولابد من نبذ الأنانية و الذاتية ، ولابد من تقدير الأولويات ولابد في الأخير من التعامل بأكثر قدر من الدقة للحفاظ على التوازن ما بين SANTE, JUSTICE ET CORONAVIRUS اي ما بين متطلبات العدالة ومحاربة الوباء وضمان الصحة العامة لانها كلها من مقومات حقوق الإنسان لا مفاصلة بينها