التشكيلية المغربية زهراء حنصالي بين ألوان الحياة وأحلام التجريد
محمد الــقــنــور :
عدسة : محمد أيت يحي :
هي فنانة تشكيلية مغربية ، من مواليد حي درب ضبشي،حيث ترعرعت بهذا الحي التاريخي بعمق المدينة العريقة في مراكش ، عرفت كيف تصنع من مواضيع وقضايا الإنسان، فضاءات لونية متماوجة مابين الواقع والخيال، وكيف تتلمس خطواتها الأولى في مسيرة الإبداع التشكيلي، جنسا تعبيريا جمعت من خلالها مابين روعة المواضيع وتعدد القيم، ومابين إنشراحات الوجد الصوفي ومكامن الواقع المعيش، لتحول لوحاتها إلى حدائق من دلالات مسكونة بطيف الشعرية اللونية ، ورهافة الحس وشغب التيمات المتمحورة حول جرأة تكسير جمود القوالب الجاهزة للإبداع التشكيلي عبر الإبحار في عوالم الذات الشاعرة بالحياة ومختلف تفاصيل الجمال والتلقائية . ولقد حظيت لوحات الفنانة التشكيلية زهراء حنصالي ، التي عرضت في بهو قصر بلدية مراكش، بمناسبة تخليد المجلس الجماعي لليوم العالمي للمرأة تحت شعار ” مراكش تفتخر بنسائها” ، مابين 08 و11 مارس الحالي، بإهتمام بالغ وملحوظ من طرف نقاذ الفنون التشكيلية ، والمثقفين والفنانين والإعلاميين، وعشاق اللوحات التشكيلية في بعدها الثقافي الدلالي والجمالي والشاعري. وتبرز أهمية تجربة الفنانة التشكيلية المغربية زهراء حنصالي ، حسب مختلف الآراء انقدية التي إستقتها “هاسبريس” في إستطاعة الفنانة المعنية في التعبير عن مشاعرها الذاتية باللون، وفق رؤية فنية عميقة تجاه الأنا والمجتمع والعالم، وتحويلها فضاءات لوحاتها إلى سفر حالم للبحث عن الحقيقة العميقة، حيث تعتبر كل لوحة من لوحاتها قراءة جديدة لولادة جديدة تشكل فسحات من جمال ومن إنشراح وأمل، تترجمها الألوان المتواثرة كأنها أنغام سرمدية تتوحد مع مراحل الزمن، وتستحضر عبق الفسحات المترامية من مشاعر إمرأة مثقفة وموهوبة فنيا ، بطابع من الحميمية والخصوصية والتميز، تؤطر علاقتها كتشكيلية بالذات المبدعة وبالآخر من جهة، وبالعالم من حولها والفكر التشكيلي من جهة ثانية، كانعكاس حقيقي لفرح أنثوي وألق وجودي وإحساس سيكولوجي، وضمن طقوس متوجهة وبارقات لانهائية من دوائر تختزل وقت اللوحات في وفي صيرورة ترنو نحو الأبدية ، و سلاسة لونية كأنها البراري المغربية إذ تعانق السكينة و الأحلام.
ويظل اللون الصارخ في تجربة الفنانة التشكيلية المغربية زهراء حنصالي ، تيمة فنية عميقة تترجم منابع الوجد الصوفي والإستلهام الثقافي من تعددات الحضارة المغربية، وإيقونات ملهمة تغري بالكتابة والشعر والتأمل ، مثل قطرات ندى تنعش المتلقي بروعة تداخل ألوان الطبيعة، حيث تصبح لوحاتها نبرات لونية وطيفية ودلالية تترجم حياة ممتعة ، يؤكده الأخضر الناظر، والأزرق الازوردي، والأصفر الغامق والناصع، والأسود المثير والأبيض الخجول الذي تكاد الألوان تترامى عليه، والبني الجذاب المتوحد مع مدينة مراكش، في رحلة تشكيلية شاعرية ، تكشف عن ذكريات بصرية تسكن الفنانة حنصالي ليفتح رؤى المتلقي على زوايا أخرى من التأويل، وعلى إيحاءات فلسفية عميقة، وشلالات لونية تزهو بفسيفساء إبداعي فاتن للغاية، يستلهم من قاموس فني بديع، وحدها الفنانة زهراء حنصالي تدرك، أين منبعه، وإن كان المتلقي هو مصبه . . تلك إذن هي بعض من قسمات الطيف ودلالات اللون، ومحاور القيم التي قطفتها بعناية فرشاة الفنانة التجريدية المغربية زهراء حنصالي ، لتضعها بسخاء في سلة المتلقين من زائرات وزوار معرضها بقصر بلدية مدينة مراكش .
فبهذه التداخلات الألوان الزاهية، والإيحاءات البهية، التي يطبعها الحس التجريدي في بعدها الوجودي، وبهذه التيمات الكونية الحلزونية القادمة من الصيرورة التي تبرزها لوحاتها ، ترسخ الفنانة التشكيلية زهراء حنصالي بريشتها الحالمة وتقنيتها الدقيقة ، قوة عصاميتها، وسلامة فطرتها، وتنوع ثقافتها البصرية والمعرفية التي تزاوج بين التشخيص الرمزي للأطياف والتجريد الصارخ للكينونة الإنسانية الطاغية في اللوحات، والمشرئبة عن الحياة والحقيقة والحرية، وقيم الحب والتعايش والمنفتحة عن الحوار مع الآخر وعلى كافة القراءات ، كرمز من رموز المناصفة اللونية ورسالة تؤكد التسامح وترمي لتقبل الآخر، وطمح في أن يصير التشكيل النسائي المغربي رسالة سلام إلى العالم بكل ألوان الطيف وجميع معاني البراري المغربية وشساعة حقولها وخصوبة ترابها .
وطبيعي ، أن لا تعمدَ الفنانة التشكيلية المغربية زهراء حنصالي إلى تفسير معاني لوحاتها شفويا أو كتابيا، لتكتفي بالتصريح على أنها خيارات إبداعية تنوعت منابعها ما بين التشكيلية والشعرية Poétique بتراتبية اللون والمكان والزمن ،وتوحدا مع كل هواجس وإنبجاسات نساء العالم . لوحات أقرب إلى القصائد الشعرية، تنضخ بالموسيقى ، ومختلف الومضات الحسية ، والمسافات الوجدانية في سياق ثقافة مغربية تنطلق من أديم أرض الأجداد، التي ظلت لزمن غير قصير بعيدة عن دائرة اهتمام التشكيليين المبدعين المغاربة، وفي سياق روح شفافة تلتقط التفاصيل والمشاعر في علاقتها بالطبيعة وبالحركة بلغة إنسانية تنشد البساطة في الكشف عن عمق محيط المرأة المغربية ، المتوحد بالأحاسيس المنطلقة من الوجود ومن الحياة ومن اللغة ومن الشعر ، ومن تجربة الفنانة كأستاذة متمرسة في اللغة العربية وآدابها شعرا ونثرا ونقدا ونصوصا وفترات تاريخية .
فهذه الفنانة زهراء حنصالي ، التي درست الأدب العربي والآداب الأخرى ، تكشف لوحاتها الإبداعية أنها رشفت من معينه خلال تجربتها الفنية التشكيلية ، لتحول لوحاتها إلى قصائد لونية ونصوص طيفية ، تقترن بشغف القراءة و لوعة العطاء، وقيم التواصل إستطاعت أن تترجم مساراتها الثقافية وممارساتها الفنية إعجابا وتعبيرا تكتنفه مكامن القبض على المشهد الطيفي المتحركـ في ذروته القصوى من خلال تعبير مكثف، يعطي لهذا المشهد حقه داخل لوحاتها في الوكينونة وفي التماهي، وفي للاحتفاء بجمال الوجود وكائناته عبر إثارة الدهشة والفرح، من خلال مرآة تشكيلية شاعرة تعكس جنوح المرأة عادة نحو كل ما ينبع من الطبيعة، وروحها التواقة إلى حصر مكامن الجمال في هذا الكون الشاسع، بأشرعة تشكيلية تؤكد كل احتمالات تجربتها التشكيلية المفعمة بجمالية مغايرة للمعروف والمتداول والسائد في خضم الحركة التشكيلية المغربية والعربية المعاصرة، مما يفسر أن تجربة التشكيلية زهراء حنصالي تبرز قناعات اختيار إبداعي ومنطلق فلسفي له نسقه الخاص القائم على تحقيق التوازن العادل بين الجنسين ، كمبدأ للخلود والتنمية والتشاركية المنطلقة من معاني الثامن من مارس، كفرصة لإبراز تطور المجتمع بنسائه ورجاله في تمثلاتهم جميعهم لأدوارهم في شتى المجالات ومختلف القطاعات .