محاسن المجالس بمراكش،تعيد ذكرى ووهج صومعة الكتبية وحي الكتبيين

 مـحـمـد الــقــنــور :

في سياق إنفتاحها عن محيطها الخارجي، نظمت جمعية ثراتيات مراكش،برئاسة الدكتور الطبيب محمد شكيب بنفضيل ضمن فعاليات محاسن المجالس، صالونا أدبيا فكريا حول مجال الكتبيين في مراكش،تناول خلاله المؤرخ الدكتور محمد بن المهدي رابطة الدين،تاريخ بناء الكتبية ومسجدها، ومجالها الحضري المعروف بقصر الحجر على عهد دولة المرابطين،ومدى ارتباط مسجد وصومعة الكتبية بحرفة الكتبيين والوراقين،ممن كانوا يبيعون الكتب ومختلف أدوات الكتابة من أقلام وحبر ومداد، وألواح وكراسات ودفاتر، ومخطوطات، ويشتغلون على ترميم المخطوطات وتسفير الكتب والمصنفات .

كما تناول الدكتور رابطة الدين، خلال فعاليات الصالون الأدبي الفكري، والتي حضرها مجموعة من ضيوف محاسن المجالس من الأكاديميين والباحثين والعديد من الأساتذة المختصين في التاريخ ومختلف العلوم الإنسانية وطلبة الدكتوراه في شعبة التاريخ، وبعض المنتخبين وممثلين وممثلات عن الأوساط الإقتصادية والأطياف الفنية الإبداعية والمنابر الإعلامية، مسار تاريخ مجال الكتبية منذ التأسيس، إلى الفترة المعاصرة، ودور مجال الكتبيين الذي يشتمل على المسجد والصومعة والمرافق المرتبطة به، على غرار مدينة الحجر المرابطية، مشيرا أن تاريخ هذا المجال ضارب في القدم من عهد حضارات المرابطين والموحدين وصولا إلى السعديين والعلويين.
وذكر رابطة الدين،أن جامع الكتبية الأول بني من طرف الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي الكومي سنة 1147م على أنقاض قصر الحجر المرابطي ومسجده المندثر، والذي كشفت التنقيبات الأثرية على بناياته ومكوناته المعمارية، في حين قام المسجد الثاني في سنة 1158م، على أنقاض السابق، والذي ماثل من حيث الحجم البناء الأول،وسعى إلى إعادة انتظام هيكلة إيوان الصلاة والذي ضم سبعة عشر رواقا، تحملها أعمدة وأقواس متناسقة وتيجان فريدة، وجهت بشكل عمودي تصحيحي نحو القبلة،في عهد الموحدين .

وأبرز رابطة الدين أن جامع الكتبية يعتبر من أهم جوامع المغرب، والعالم الإسلامي، ليس فقط في بعده الديني والعمراني حيث يشغل مساحة 5300 متر مربع ويتكون من 17 جناحًا و11 قبة مزدانة بالنقوش ، وإنما لإرتباط مجاله بمهنة الكتبيين، التي شكلت ملمحا أساسيا في سياق تاريخ فعل التدوين والتصنيف والرواج الفكري والفقهي واللغوي والمعرفي، ومهن الثقافة والمعرفة وشتى المجالات الحرفية المرتبطة بها.

وأشار رابطة الدين أن أهمية مجال جامع الكتبيين أو الكتبية، تكمن في الأدوار التأطيرية والتعليمية والتواصلية التي قام بها الجامع المعني عبر مختلف مراحل التاريخ المغربي، ولكونه ظل منبعا للعديد من القرارات الكبيرة للسلاطين المغاربة والمواقف الاستثنائية، المرتبطة بكبريات الأحداث التاريخية، مما حول مجال الكتبيين من خلال الجامع ومئذنته، ومجاله الحضري، إلى خزان للذاكرة المعرفية والفكرية والروحية والشعبية للمدينة خصوصا، وللمملكة عموما، وكلها كنوز لاتزال تنتظر البحث الأركيولوجي والتناول العلمي الأكاديمي للإجابة عن العديد من الأسئلة التي لاتزال عالقة.

وأوضح الدكتور رابطة الدين،أن صومعة الكتبية أنشأت بأمر من الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي الكومي، الذي إستمرت فترة حكمه من سنة 1130إلى سنة1163 وأنهاها بعده ابنه الخليفة المنصور الذي حكم الشمال الإفريقي والأندلس مابين سنة 1184 و1199.

وأفاد رابطة الدين، أن مهنة الكتبيين لم ترتبط فقط بمجال الكتبيين في مراكش وإنما شكلت المكتبات مرفقا مهما في تاريخ العمران بمعظم منازل ورياضات ومدارس وجوامع مراكش،وأن المراكشيين عرفوا المكتبات وصناعة الكتاب،منذ القدم،وأن هذه المكتبات ظلت تشكل جزءا أساسيا في الحياة اليومية بالمدينة الحمراء على مر الحقب التاريخية، إذ زينت المكتبات بيوتهم، بتنوع محتوياتها وغناها بمختلف مصادر المعرفة الشرعية واللغوية والوضعية، من علوم وفنون وتاريخ وتراجم وفلسفات.

وإعتمادا على العديد من المصادر التاريخية، والنصوص المتناثرة في كتب التاريخ والتراجم، إستعرض رابطة الدين، نصوصا تاريخية تكشف وتؤكد الوجود المبكر لـ”خزائن الكتب” بأحياء ومنازل ودور الكثير من أعلام مدينة مراكش، وبمختلف المرافق الإجتماعية والوظيفية بها، مبرزا أن السلاطين والملوك المغاربة منذ العصور القديمة ظلوا يتنافسون في اقتناء الكتب وتأسيس خزائنها، وتقريب العلماء بمختلف فنونهم وتوجهاتهم وتشجيعهم على الكتابة والتأليف ونشر العلم،ودعم صناعة الكتبيين باعتبارها حرفة تمثل جزءا لا يتجزأ من تعزيز شرعية الدول القائمة، والحفاظ على السنن المرتبطة بالتفقه في الدين الوسطي، ودعم تأسيس المكتبات الشخصية والعامة.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.